الصين «المتوازنة» أكثر صموداً أمام الأزمات العالمية

تشجيع الطلب المحلي يحميها من تباطؤ الاقتصاد العالمي

عمال صينيون بمصنع خاص بأدوات الهواتف الذكية في شرق البلاد (أ.ف.ب)
عمال صينيون بمصنع خاص بأدوات الهواتف الذكية في شرق البلاد (أ.ف.ب)
TT

الصين «المتوازنة» أكثر صموداً أمام الأزمات العالمية

عمال صينيون بمصنع خاص بأدوات الهواتف الذكية في شرق البلاد (أ.ف.ب)
عمال صينيون بمصنع خاص بأدوات الهواتف الذكية في شرق البلاد (أ.ف.ب)

الحمائية تقترب من السيطرة على العالم مع صعود اليمين في الدول الغربية، ومواجهة إغراق الأسواق بالواردات الأجنبية أصبح أولوية على أجندة الانتخابات الرئاسية في أوروبا، بعد قرار خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، أما أميركا الشمالية، قائدة الانفتاح على العالم، فتستعد لبناء سور بين جيرانها، ولكن في شرق آسيا تبدو الأوضاع مستقرة.
في السبعينات مع فورة تحرير التجارة حول العالم، كانت الدول النامية تتخوف من أن تغرق الدول الغنية أسواق الفقراء ببضائعها المتقدمة، ولكن بعد أربعين عاماً جاءت الشكوى من الناحية الأخرى من البحر، وقالت الدول الغربية إنها لا تريد حرية أكثر، بينما تقود الصين النمو العالمي منذ عقود، وخليفة القيادة ستكون الجارة الهندية.
تناقش الصين هذه الأيام مستقبلها الاقتصادي في الأجل القصير، والسمة الغالبة هي التوازن بين التوسع خارجياً ودعم وتنشيط الطلب المحلي، لخلق نمو مستقر، يصعب تأثره بالأزمات الداخلية والخارجية. الاثنين الماضي، قال مسؤول في اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح في الصين إن بلاده ستتخذ المزيد من الخطوات لدعم الاستثمار الخاص في الوقت الذي تتطلع فيه إلى الحفاظ على النمو الاقتصادي القوي، وفي الوقت الذي تجري فيه إصلاحات هيكلية.
وفي العام الماضي أجبر تباطؤ حاد في الاستثمار الخاص بكين على الاعتماد أكثر على الإنفاق الحكومي، والمزيد من الشركات الحكومية التي تفتقر إلى الكفاءة للوصول إلى النمو المستهدف مما، ترك الاقتصاد غير متوازن، هذا العام سيتم الاعتماد على القطاع الخاص.
لكن تشانغ يونغ نائب رئيس اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح قال في مؤتمر صحافي إن الاستثمار الخاص يستقر، وإن الإجراءات التي جرى اتخاذها لتعزيز هذا الإنفاق بدأت تؤتي ثمارها. وقال تشانغ إن الصين ستقلص العقبات أمام دخول الاستثمار الخاص وتبسط القواعد، وتدعم الاستثمار بشكل أكبر عبر برامج للشراكة بين القطاعين الخاص والعام. وتتطلع الصين إلى تقليص المخاطر الناجمة عن سنوات من التحفيز المدعوم بالائتمان، والذي يتركز في قطاعات حكومية مثقلة بالديون في الوقت الذي تحافظ فيه على معدل نمو مرتفع.
كان لي كه تشيانغ رئيس وزراء الصين، قال في أول تقرير عمل له في افتتاح الاجتماع السنوي للبرلمان الأحد الماضي، إن الحكومة خفضت النمو المستهدف إلى 6.5 في المائة لعام ،2017 وذلك من نطاق بين 6.5 و7 في المائة في العام الماضي. أما الاستثمار الساخن فقد سجلت الصين فيه نجاحا ملحوظا.
ويوم الثلاثاء الماضي، تم إعلان ارتفاع احتياطيات الصين من النقد الأجنبي على نحو غير متوقع للمرة الأولى في ثمانية أشهر في فبراير (شباط) الماضي، متجاوزة ثلاثة تريليونات دولار، في الوقت الذي ساهمت فيه حملة تنظيمية صارمة، وتراجع الدولار في تعزيز تدفقات رأس المال. وزادت الاحتياطيات 6.92 مليار دولار خلال فبراير (شباط) لتصل إلى 3.005 تريليون دولار في أول زيادة منذ يونيو (حزيران) 2016 مقارنة مع انخفاض بلغ 12.3 مليار دولار في يناير (كانون الثاني) الماضي حين هبطت الاحتياطيات إلى 2.998 تريليون دولار.
وتوقع خبراء اقتصاد انخفاض احتياطيات النقد الأجنبي 25 مليار دولار إلى 2.973 تريليون دولار في فبراير (شباط)، ولكن الحكومة خيبت ظنهم وحققت إنجازا محترما.
وشددت الصين القواعد المتعلقة بنقل رأس المال إلى خارج البلاد في الأشهر الأخيرة، في الوقت الذي تسعى فيه لدعم اليوان، ووقف تراجع احتياطاتها من النقد الأجنبي.
واستهلكت الصين نحو 320 مليار دولار من الاحتياطيات العام الماضي لكن اليوان هبط على الرغم من ذلك 6.6 في المائة مقابل الدولار ليسجل أكبر انخفاض سنوي منذ 1994. واستقر اليوان في الأسابيع الأخيرة مع انحسار زخم ارتفاع الدولار. وربحت العملة الصينية 0.2 في المائة في فبراير (شباط) وارتفعت 0.8 في المائة منذ بداية 2017.
لكن التوقعات بزيادة أسعار الفائدة الأميركية والمقرر النظر فيها الأسبوع المقبل، أذكت المخاوف بأن اليوان قد يتعرض لضغوط من جديد. وقد يشعل احتمال تخفيض قيمته فتيل توترات تجارية مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
وزادت احتياطات الصين من الذهب إلى 74.376 مليار دولار بنهاية فبراير (شباط) من 71.292 مليار دولار بنهاية يناير (كانون الثاني)، وفق ما أظهرته بيانات نشرها بنك الشعب الصيني (البنك المركزي) على موقعه الإلكتروني.
وقالت سلطات الجمارك الصينية أمس الأربعاء، إن واردات الصين ارتفعت بنسبة 38.1 في المائة في فبراير (شباط) الماضي مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، ويرجع ذلك إلى ارتفاع أسعار السلع. وكان حجم الواردات قد بلغ الشهر الماضي 129.2 مليار دولار.
وفي الفترة نفسه، تراجعت الصادرات بنسبة 1.3 في المائة مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي لتصل إلى 120.1 مليار دولار. وقد سجلت الصين عجزا في الميزان التجاري بلغ 9.15 مليار دولار. ويشار إلى أن هذه أول مرة منذ ثلاثة أعوام تتجاوز فيها واردات الصين صادراتها. ويرجع ارتفاع الواردات إلى الطلب المرتفع من الشركات الصينية على المواد الخام مثل الحديد والنحاس والزيوت، التي ارتفعت أسعارها بصورة كبيرة العام الماضي.

النمو المتزن

خفضت الصين معدل النمو الاقتصادي المستهدف للعام الحالي، في الوقت الذي تعتزم فيه الحكومة خفض معدلات نمو الديون وتعزيز الاستقرار المالي.
وقال رئيس الوزراء الصيني «لي كيشيانج» أمام مؤتمر الشعب القومي (البرلمان الصيني)، الأحد الماضي إن الحكومة تستهدف تحقيق نمو اقتصادي بمعدل 6.5 في المائة تقريبا خلال العام الحالي.
كانت الصين قد حققت نموا اقتصاديا بمعدل 6.7 في المائة خلال العام الماضي وهو ما جاء متفقا مع المستهدف الحكومي الذي كان يتراوح بين 6.5 في المائة و7 في المائة من إجمالي الناتج المحلي. يأتي ذلك فيما تتباطأ وتيرة نمو الاقتصاد الصيني باطراد، في الوقت الذي تحاول فيه الحكومة تحويل النمو من الاعتماد على التصدير إلى الاعتماد على الاستهلاك المحلي.
وقال: «لي كيشيانج» إن معدل النمو المستهدف للعام الحالي يتفق مع هدف خلق «مجتمع مزدهر بطريقة معتدلة». وبحسب التقرير المقدم إلى الاجتماع السنوي للبرلمان الصيني، فإن الحكومة تستهدف معدل تضخم قدره 3 في المائة تقريباً خلال العام الحالي، وهو معدل التضخم في العام الماضي نفسه. كما تستهدف الصين توفير أكثر من 11 مليون وظيفة جديدة خلال العام الحالي.
وأشار تقرير العمل المقدم إلى البرلمان إلى اعتزام الحكومة مواصلة جهود خفض فوائض الطاقة الإنتاجية في القطاع الصناعي وتقليل المعروض في سوق العقارات، وتقليص المديونيات في القطاع المصرفي. وقال «لي» إن الحكومة ستقوم بإصلاحات في المجالات الأساسية لمواجهة المخاطر ذات الصلة بالديون المتعثرة والسندات المشكوك في تحصيلها والنظام المصرفي الموازي (غير الرسمي) والخدمات المالية عبر الإنترنت.
وأضاف رئيس الوزراء أنه سيتم تحرير سعر صرف العملة الصينية اليوان بصورة أكبر، وذلك بعد ضمه لسلة العملات الرسمية لصندوق النقد الدولي.
وقال هوانغ شو هونغ، مدير مكتب أبحاث مجلس الدولة الذي ساعد في صياغة تقرير رئيس الوزراء، إن نموا بنحو 6.5 في المائة سيكفي لحماية التوظيف.
وأضافت الصين 13.14 مليون وظيفة جديدة في المدن عام ،2016 وسجل عدد خريجي الجامعات الذين عثروا على وظائف أو بدأوا مشروعات رقماً قياسياً حسبما أفاد تقرير «لي». وقال هوانغ: «أما فيما يتعلق بحد أدنى للنمو فما دام التوظيف بلا مشاكل فإن نمواً أعلى أو أقل بقليل سيكون مقبولاً».
وقال مايكل تين النائب عن هونغ كونغ في البرلمان الصيني ومؤسس متاجر الملابس جي2000 إنه مندهش لرقم النمو البالغ 6.5 في المائة.
وأضاف: «أعتقد أنه بالغ الارتفاع... في الأعوام القليلة الماضية كانوا يحققون أي رقم يأتون به بل ويتجاوزونه بهامش طفيف. لذا ومع هذا الاقتصاد فإن 6.5 في المائة رقم مذهل». ويقول الاقتصاديون إن من الصعب تحقيق التوازن بين دعم النمو والمحافظة على السيولة وفي الوقت نفسه المضي في إصلاحات وترويض القوى المالية الجامحة، ولكن الصين يبدو أنها ستنجح.
وتحدد هدف نمو المعروض النقدي بمفهومه الواسع عند نحو 12 في المائة لعام 2017 من نحو 13 في المائة في 2016. ومع ذلك ظل هدف عجز الميزانية الحكومية دون تغيير عند ثلاثة في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وقال لي إن الصين ستواصل تطبيق سياسة مالية استباقية، مضيفاً أن الحكومة تهدف إلى خفض أعباء الضرائب عن الشركات نحو 350 مليار يوان (51 مليار دولار) هذا العام، وأضاف أن الصين ستواصل انتهاج سياسة نقدية تتسم بالحذر والحياد.
وقال لي إن المخاطر الشاملة تحت السيطرة في الوقت الحالي، لكن على الصين أن تتحلى باليقظة التامة وأن تشيد «سياجا» للحماية من المخاطر المالية.
وقدمت البنوك الصينية مستوى قياسيا من القروض بلغ 12.65 تريليون يوان في 2016 وتظهر بيانات حديثة أن القروض الجديدة باليوان بلغت 2.03 تريليون يوان في يناير (كانون الثاني)، وهو ثاني أعلى مستوى على الإطلاق.
وقال لي: «سنطبق مجموعة كاملة من أدوات السياسة النقدية، ونحافظ على استقرار السيولة، ونعمل على أن تظل أسعار الفائدة في السوق عند مستوى ملائم، ونحسن آلية انتقال السياسة النقدية».

الصين تحارب التلوث أيضاً

العالم أصبح أقل تأثراً بنشرات مخاطر التلوث، والإدارة الأميركية الجديدة واضحة في تغليب هدف النمو على هدف حماية البيئة، ولكن الصين أمرها مختلف.
تعتزم الصين خفض طاقة إنتاج الصلب 50 مليون طن، وطاقة إنتاج الفحم أكثر من 150 مليون طن هذا العام، حسبما ذكرت هيئة التخطيط الرئيسية مع تعزيز بكين جهودها لمحاربة التلوث، وحل مشكلة الطاقة الإنتاجية الفائضة.
وقالت اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح في تقرير عمل إنها ستغلق أو توقف أعمال البناء بمحطات كهرباء تعمل بالفحم تزيد قدرتها على 50 مليون كيلو وات.
تأتي التعهدات في إطار مساعي بكين منذ سنوات من أجل تقليص حصة الفحم في مزيج الطاقة بهدف الحد من التلوث الذي يخنق مدن الشمال، وتحقيق الأهداف المتعلقة بتغير المناخ مع زيادة تنظيم الصناعات المتخمة بالطاقة الإنتاجية والملوثة للهواء مثل صناعة الصلب.
وأوضحت الخبيرة الاقتصادية في مكتب «نومورا» «وندي تشن» أن خفض هدف النمو سيسمح أيضاً بمواصلة تقليص الفائض الهائل في القدرات الإنتاجية في مجالي التعدين والفحم.
وتؤكد حكومة الصين بهذا الصدد أن الصين ستخفض بـ150 مليون طن القدرات الإنتاجية السنوية في قطاع الفحم، مع تحديد هدف يقضي بتخفيض قدره 800 مليون طن بحلول 2020. متعهدة بشن «حرب بلا هوادة» من أجل إعادة إحلال «سماء صافية» في الصين.
ولا يزال الفحم يؤمن إنتاج نحو 60 في المائة من الكهرباء في الصين، مساهماً في التلوث الذي يؤدي إلى انتشار الضباب في المدن الكبرى.
في المقابل، لا تعتزم بكين التخلي عن دعمها التوجيهي للاقتصاد، ولو أدى ذلك إلى زيادة العجز، وستستثمر هذه السنة 355 مليار يورو في مشاريع سكك الحديد والطرقات العامة والمجاري المائية.
ويبدو أن الرئيس شي جينبينغ يميل إلى الاعتماد على الموارد التقليدية لإبقاء الاقتصاد بمستوى مقبول، مع العمل على ضبط تجاوزات النظام المالي بشكل أفضل.
والهدف هو الحفاظ على الاستقرار قبل استحقاق مرتقب في الخريف، مع انعقاد المؤتمر الخمسي للحزب الشيوعي الذي سيتقاعد خلاله غالبية الأعضاء السبعة في اللجنة الدائمة للمكتب السياسي للحزب، الهيئة العليا للنظام.
ورأى الخبير السياسي في جامعة هونغ كونغ المعمدانية جان بيار كابيستان أن «لي كي تشيانغ أعطى انطباعاً بأنه يسعى لتهيئة الأذهان» لانهيار الفورة المالية، لكنه لفت إلى أن «المخاطر الاقتصادية لن تمنع شي من تعزيز سلطته وتوزيع رجاله في أعلى هرم» السلطة.

استثمارات خارجية

الصين تدعم الطلب المحلي، ولكنها لا تهمل الخارج، فقد استثمرت الصين أكثر من 50 مليار دولار في الدول الواقعة على حزام طريق الحرير، منذ إطلاق مبادرة الحزام والطريق عام 2013. هذا بالإضافة إلى دعم التنمية في الكثير من الدول، واستمرار تحالف بريكس، وإنشاء البنك الآسيوي لدعم البنية التحتية.
وبحسب «هي ليفنج» رئيس هيئة الإصلاح والتنمية الوطنية الصينية في مؤتمر صحافي على هامش الاجتماع السنوي للبرلمان الصيني، فإن «مبادرة الحزام والطريق» تحظى بدعم أكثر من 100 دولة ومنظمة دولية من خلال نحو 50 اتفاقية تعاون تم توقيعها بين الحكومات، وأضاف أن التقدم الذي تحققه المبادرة «أفضل من المتوقع».
وأشارت وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا) إلى أن الصين كانت قد أطلقت هذه المبادرة بهدف توفير شبكة للتجارة والبنية التحتية تربط بين آسيا وأوروبا وأفريقيا على امتداد طرق التجارة العالمية القديمة مثل طريق الحرير.
وفي إطار هذه المبادرة تستثمر الصين في مشروعات الطيران والطاقة والسكك الحديدية والطرق البرية والاتصالات في الدول المشاركة في المبادرة. يأتي ذلك فيما تستضيف الصين في مايو (أيار) المقبل منتدى رفيع المستوى حول مبادرة الحزام والطريق بهدف تعزيز التعاون بين جميع أطراف المبادرة.



من الأكثر تضرراً من حرب إيران وتأثيرها على الاقتصاد العالمي؟

صدمة جديدة في قطاع الطاقة الأوروبي تعيد إلى الأذهان ذكريات مؤلمة للحرب الروسية - الأوكرانية (رويترز)
صدمة جديدة في قطاع الطاقة الأوروبي تعيد إلى الأذهان ذكريات مؤلمة للحرب الروسية - الأوكرانية (رويترز)
TT

من الأكثر تضرراً من حرب إيران وتأثيرها على الاقتصاد العالمي؟

صدمة جديدة في قطاع الطاقة الأوروبي تعيد إلى الأذهان ذكريات مؤلمة للحرب الروسية - الأوكرانية (رويترز)
صدمة جديدة في قطاع الطاقة الأوروبي تعيد إلى الأذهان ذكريات مؤلمة للحرب الروسية - الأوكرانية (رويترز)

تسبَّبت حرب إيران، التي دخلت أسبوعها الرابع، في أزمة كبيرة في إمدادات الطاقة تؤثر على جميع قطاعات الاقتصاد العالمي. لكن من الواضح أن بعض الدول إما أكثر عرضةً لهذا التأثير، أو أقل قدرةً على التعامل معه.

وبالنظر إلى الوضع في أوروبا، فهناك صدمة جديدة في قطاع الطاقة تعيد إلى الأذهان ذكريات مؤلمة للحرب الروسية - الأوكرانية قبل 4 سنوات، والتي سلَّطت الضوء بشكل حاد على اعتماد المنطقة على واردات الطاقة الروسية.

ومن المتوقع أن يرتفع التضخم مجدداً، ويتوقع المتداولون أن يضطر البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا إلى رفع أسعار الفائدة هذا العام.

وأظهرت بيانات، الثلاثاء، أنَّ النشاط التجاري قد تأثَّر بالفعل بالنزاع؛ مما ينذر بتباطؤ النمو الاقتصادي.

ألمانيا

يُعدُّ اقتصاد ألمانيا، الذي يعتمد بشكل كبير على الصناعة، من أبرز الاقتصادات المُعرَّضة لخسائر جراء ارتفاع تكلفة الطاقة، وأي انكماش عالمي قد يؤثر على مُصدِّريها.

لكن في الوقت الراهن، يحافظ النشاط التجاري الألماني على استقراره نسبياً، ويواصل قطاع التصنيع نموه بعد انكماش دام قرابة 4 سنوات. ومن المتوقع أن يساعد برنامج التحفيز الضخم الذي أعلنته ألمانيا، العام الماضي، على تخفيف بعض الآثار.

إيطاليا

تُعدُّ إيطاليا موطناً أيضاً لقطاع تصنيع كبير، علاوة على ذلك، يُعدُّ النفط والغاز من بين أعلى مصادر استهلاك الطاقة الأولية في أوروبا.

ففي هذه الحالة قد تكون إيطاليا أيضاً مُعرَّضةً لتحديات جمة مع استمرار حرب إيران.

بريطانيا

تعتمد بريطانيا على الطاقة المُولَّدة بالغاز بشكل أكبر من نظيراتها الأوروبية، في إنتاج الكهرباء. وتحدِّد أسعار الغاز أسعار الكهرباء لديها في أغلب الأحيان، وهي حالياً ترتفع بوتيرة أسرع من أسعار النفط منذ بداية الحرب.

ومن شأن تخفيف تحديد سقف لأسعار الطاقة من الأثر التضخمي الأولي، إلا أنَّ رفع أسعار الفائدة سيزيد من معاناة المقترضين، إذ تعاني بريطانيا بالفعل من أعلى تكاليف اقتراض في مجموعة السبع في ظلِّ ارتفاع معدلات البطالة.

وتحدُّ الضغوط على الميزانية وسوق السندات من خيارات الحكومة لمساعدة الشركات والأسر.

اليابان

تستورد اليابان نحو 95 في المائة من نفطها من الشرق الأوسط، ويمرُّ نحو 90 في المائة منه عبر مضيق هرمز. لذلك هي الأخرى في دائرة الخطر.

وتُضاف ذلك إلى الضغوط التضخمية التي تعاني منها اليابان بالفعل نتيجة ضعف الين، مما يؤثر على أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية اليومية نظراً لاعتمادها الكبير على المواد الخام المستوردة.

الهند

تُعدُّ الهند أيضاً مُعرَّضةً للخطر؛ لأنَّها تستورد نحو 90 في المائة من نفطها الخام ونحو نصف غازها المسال، ويمرُّ عبر مضيق هرمز نحو نصف ما تحتاج إليه نيودلهي تقريباً.

وقد بدأ الاقتصاديون خفض توقعات النمو الاقتصادي للبلاد، وانخفضت قيمة الروبية إلى مستوى قياسي.

وفي المطاعم والمطابخ في جميع أنحاء الهند، تختفي الأطعمة والمشروبات الساخنة - حتى السمبوسة والدوسا والشاي - من قوائم الطعام، لأن ارتفاع أسعار الغاز أدى إلى تقنين غير رسمي.

تركيا

تتشارك تركيا حدوداً مع إيران، وتستعدُّ لتدفق محتمل للاجئين ومزيد من عدم الاستقرار الجيوسياسي. وفي غضون ذلك، يُعدُّ التأثير الاقتصادي الرئيسي على البنك المركزي.

ويشعر البنك المركزي بالفعل بتكرار أزمات التضخم السابقة. فقد اضطر إلى إيقاف دورة خفض أسعار الفائدة للمرة الثانية في غضون عام، وباع ما يصل إلى 23 مليار دولار من احتياطاته الثمينة لتعزيز عملته.

الدول الهشة

هناك أيضاً عدد قليل من الدول التي تبدو عرضةً للخطر بشكل خاص، بعد أن مرَّت مؤخراً - أو كادت تمر - بأزمات اقتصادية شاملة.

فقد أعلنت سريلانكا مؤخراً، يوم الأربعاء، عطلةً رسميةً للعاملين في القطاع الحكومي في محاولة للحد من تكاليف الطاقة. ويتم إغلاق المدارس والجامعات والمؤسسات العامة، وتعليق وسائل النقل العام غير الضرورية، ويتعيَّن على السائقين الآن التسجيل للحصول على تصريح وقود وطني يقيد مشتريات الوقود.

باكستان

كانت باكستان على حافة أزمة قبل عامين، فرفعت أسعار البنزين وأغلقت المدارس لمدة أسبوعين.

وخفَّضت مخصصات الوقود للدوائر الحكومية إلى النصف، وتم منع الجهات الحكومية من شراء مكيفات الهواء وأثاث جديد، وأمرت بسحب عدد كبير من مركباتها من الخدمة.

مصر

تواجه مصر، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية الأساسية، احتمال انخفاض حاد في عائدات قناة السويس والسياحة، التي ضخَّت نحو 20 مليار دولار في اقتصادها العام الماضي.

كما ازداد عبء سداد ديونها، التي يُشكِل الدولار معظمها، صعوبةً؛ بسبب انخفاض قيمة عملتها بنسبة نحو 9 في المائة منذ بدء الحرب.


آيرلندا تخفض ضريبة الوقود حتى مايو لامتصاص صدمة الأسعار التاريخية

وسط مدينة دبلن عاصمة آيرلندا (أرشيفية - رويترز)
وسط مدينة دبلن عاصمة آيرلندا (أرشيفية - رويترز)
TT

آيرلندا تخفض ضريبة الوقود حتى مايو لامتصاص صدمة الأسعار التاريخية

وسط مدينة دبلن عاصمة آيرلندا (أرشيفية - رويترز)
وسط مدينة دبلن عاصمة آيرلندا (أرشيفية - رويترز)

أعلنت آيرلندا، يوم الثلاثاء، خفض ضريبة الإنتاج على الوقود حتى نهاية مايو (أيار)، ضمن حزمة بقيمة 250 مليون يورو (290 مليون دولار)؛ بهدف التخفيف من الأثر الاقتصادي الناجم عن الصراع في الشرق الأوسط.

وجاء القرار بعد موافقة مجلس الوزراء، في ظلِّ ارتفاع حاد بأسعار النفط الخام، الذي دفع أسعار البنزين الخالي من الرصاص في بعض محطات الوقود الآيرلندية لتجاوز 2 يورو للتر الواحد، وهو مستوى لم يُسجَّل منذ عام 2022 مع بداية الأزمة في أوكرانيا، وفق «رويترز».

وأوضحت الحكومة أنَّ خفض ضريبة الإنتاج سيبلغ 15 سنتاً للتر الواحد من البنزين و20 سنتاً للتر من الديزل، ويُطبق اعتباراً من منتصف ليل الثلاثاء.

وقال رئيس الوزراء، مايكل مارتن، في مؤتمر صحافي إن هذه الإجراءات «محددة الأهداف ومؤقتة»، مشيراً إلى أنها ستخضع للمراجعة وفقاً لتطورات السوق.

وأعلنت الحكومة تعليق ضريبة وكالة احتياطات النفط الوطنية (NORA) لمدة شهرين، ما سيخفِّض سعر وقود السيارات وزيت التدفئة المنزلية بمقدار سنتين إضافيَّين للتر الواحد، إلا أنَّ ذلك يتطلب إقرار تشريع إضافي. وتتولى الوكالة مسؤولية صيانة الإمدادات الاستراتيجية من النفط في آيرلندا، ويتم تمويلها من خلال هذه الضريبة.

وستُمدِّد الحكومة أيضاً مدفوعات التدفئة لمستفيدي الضمان الاجتماعي لمدة 4 أسابيع، مع تحسين برنامج الخصومات المُخصَّص لشركات النقل.

وأشار وزير المالية، سيمون هاريس، يوم الأحد إلى أن الحكومة ستحدِّد الحزمة الأولية لتوفير المجال لمزيد من الدعم إذا استمرَّ ارتفاع أسعار الطاقة.

وكانت المفوضية الأوروبية قد أوصت بتخفيض الضرائب الوطنية على الوقود بوصفه إحدى الوسائل التي يمكن للدول الأعضاء من خلالها كبح جماح ارتفاع أسعار الطاقة. وفي هذا الإطار، خفَّضت إيطاليا مؤقتاً الرسوم الجمركية، بينما اقترحت إسبانيا، يوم الجمعة، إجراءات أوسع بقيمة 5 مليارات يورو تشمل تخفيضات في أسعار الوقود وفواتير الكهرباء.


ارتباك وحذر في الأسواق العالمية بعد «مناورة» ترمب ونفي طهران

زيت ونماذج مصغرة لبراميل زيت ومضخة زيت وورقة نقدية من فئة الدولار (رويترز)
زيت ونماذج مصغرة لبراميل زيت ومضخة زيت وورقة نقدية من فئة الدولار (رويترز)
TT

ارتباك وحذر في الأسواق العالمية بعد «مناورة» ترمب ونفي طهران

زيت ونماذج مصغرة لبراميل زيت ومضخة زيت وورقة نقدية من فئة الدولار (رويترز)
زيت ونماذج مصغرة لبراميل زيت ومضخة زيت وورقة نقدية من فئة الدولار (رويترز)

شهدت الأسواق العالمية، يوم الثلاثاء، حالة من الارتباك والحذر، عقب قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب تأجيل قصف شبكة الكهرباء الإيرانية. وبينما حاول الإعلان عن تقدم في المحادثات مع طهران تهدئة الأسواق، سارعت إيران إلى نفي أي مفاوضات مباشرة، مما أضاف مزيداً من الغموض والتقلب للمستثمرين.

في هذه الأجواء، حققت الأسهم العالمية مكاسب محدودة، فيما حافظت أسعار النفط على تداولاتها فوق مستوى 100 دولار للبرميل، بينما ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية واستعاد الدولار جزءاً من قوته، مع تزايد الشكوك بشأن إمكانية التوصل إلى تسوية سريعة للحرب في الشرق الأوسط.

وقال استراتيجي العملات في بنك أستراليا الوطني، رودريغو كاتريل، إن هذه التصريحات «تساهم في تهدئة التقلبات إلى حدّ ما، لكنها لا تكفي للإشارة إلى تحول واضح نحو المخاطرة». وأضاف أن سجل ترمب الحافل بالسياسات غير المتوقعة أبقى الأسواق في حالة ترقب؛ إذ لا يزال المتعاملون غير متأكدين مما إذا كانت هناك مفاوضات فعلية أم مجرد تراجع تكتيكي عن تهديدات سابقة أثارت تقلبات حادة في الأسواق.

متداول في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

الدولار: تعافٍ جزئي

ارتفع مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأميركية مقابل سلة من العملات الرئيسية، بنسبة 0.1 في المائة ليصل إلى 99.293 نقطة، بعد أن تراجع بنسبة 0.4 في المائة يوم الاثنين، مسجلاً أدنى مستوى له منذ نحو أسبوعين.

وتراجع اليورو بنسبة 0.2 في المائة إلى 1.1593 دولار، بعد أن سجل مكاسب في الجلسة السابقة، فيما انخفض الجنيه الإسترليني بنسبة 0.4 في المائة إلى 1.3406 دولار بعد قفزة قوية بلغت 0.9 في المائة، يوم الاثنين.

ورأى تومي فون برومسن، استراتيجي العملات في «بنك هاندلسبانكن»، أن تصريحات ترمب تعكس رغبة في إنهاء النزاع، مضيفاً: «في حال انتهاء الحرب، من المرجح أن نشهد انعكاساً في اتجاهات سوق الصرف، ما يعني ضعف الدولار».

النفط يستأنف ارتفاعه

عاودت أسعار النفط الارتفاع، حيث صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بمقدار 2.20 دولار ليصل إلى 90.33 دولاراً للبرميل، بينما ارتفع خام برنت بمقدار 1.47 دولار ليبلغ 101.41 دولاراً للبرميل، بعد أن كان قد تراجع بنسبة تصل إلى 15 في المائة في جلسة الاثنين.

وقال بوب سافاج، رئيس استراتيجية الاقتصاد الكلي في «بنك نيويورك»: «تتأرجح الأسواق بين تفاؤل هش بإمكانية التوصل إلى هدنة، وبين واقع استمرار الصراع وتزايد الضغوط المالية».

ويستفيد الدولار من هذا الوضع؛ إذ تُعد الولايات المتحدة مُصدّراً صافياً للطاقة، ما يدعم العملة الأميركية في ظل ارتفاع أسعار النفط والغاز.

الأسواق العالمية: ارتياح حذر

شهدت الأسواق حالة من الارتياح الحذر، حيث ارتفع مؤشر «كاك 40» الفرنسي بنسبة 0.4 في المائة إلى 7759.97 نقطة، وصعد مؤشر «داكس» الألماني بنسبة 0.2 في المائة إلى 22695.54 نقطة، بينما ارتفع مؤشر «فوتسي 100» البريطاني بشكل طفيف.

وفي آسيا، تعافت الأسواق من خسائرها السابقة؛ إذ ارتفع مؤشر «نيكي 225» الياباني بنسبة 1.4 في المائة ليغلق عند 52252.28 نقطة، مدعوماً بآمال التهدئة رغم استمرار المخاطر. كما ارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز/إيه إس إكس 200» الأسترالي بنسبة 0.2 في المائة، وصعد مؤشر «كوسبي» الكوري الجنوبي بنسبة 2.7 في المائة، فيما قفز مؤشر «هانغ سينغ» في هونغ كونغ بنسبة 2.8 في المائة، وارتفع مؤشر «شنغهاي المركب» بنسبة 1.8 في المائة.

وسجل مؤشر «إم إس سي آي» العالمي للأسهم ارتفاعاً بنسبة 0.3 في المائة، لكنه لا يزال أقل بنحو 7 في المائة من ذروته القياسية المسجلة في فبراير (شباط)، وسط استمرار الحرب وتعطّل شحن نحو خُمس إنتاج العالم من النفط والغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز، ما يبقي أسعار الطاقة مرتفعة لفترة ممتدة.

السندات: ارتفاع العوائد

ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بعد تراجع حاد في ظل غموض مسار النزاع وتزايد رهانات الأسواق على توجه أكثر تشدداً في السياسات النقدية العالمية.

وارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، الأكثر ارتباطاً بتوقعات السياسة النقدية، بمقدار 5 نقاط أساس ليصل إلى 3.878 في المائة، بعد انخفاضه بأكثر من 6 نقاط أساس في الجلسة السابقة، فيما ارتفع عائد السندات القياسية لأجل 10 سنوات إلى 4.36 في المائة بزيادة 3 نقاط أساس.

وقد أدى تسارع التضخم المدفوع بارتفاع أسعار الطاقة إلى تراجع توقعات التيسير النقدي عالمياً، مع تحول الأسواق نحو توقع رفع أسعار الفائدة في معظم الاقتصادات المتقدمة.

ويتوقع أن يُبقي الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير هذا العام مع احتمال ضعيف للرفع، بينما تشير التوقعات إلى إمكانية رفع الفائدة من قبل بنك إنجلترا والبنك المركزي الأوروبي.

وقال كيت جوكس، رئيس استراتيجية العملات الأجنبية في «سوسيتيه جنرال»: «إذا لم يُفتح مضيق هرمز سريعاً، فمن المرجح أن نشهد ارتفاعاً في أسعار الفائدة وزيادة ملموسة في تكاليف مستوردي النفط خلال الأسابيع المقبلة».

المعادن النفيسة

واستقر الذهب الفوري عند نحو 4400 دولار للأونصة، بعد أن سجل أدنى مستوياته في أربعة أشهر دون 4100 دولار قبل إعلان ترمب يوم الاثنين، وسط توقعات باستمرار ارتفاع أسعار الفائدة الأميركية لفترة أطول.

كما ارتفع سعر الفضة الفوري بنسبة 0.9 في المائة ليصل إلى 69.77 دولاراً للأونصة، بينما صعد البلاتين الفوري بنسبة 1.3 في المائة إلى 1906.80 دولار، فيما انخفض البلاديوم بنسبة 1 في المائة إلى 1419.25 دولار.