بوتين يسبح في فضائه السوفياتي

عزز نفوذ بلاده جنوباً ويحاول تدارك التصدعات غرباً

الرئيس الروسي بوتين في موسكو في ذكرى «يوم المدافعين عن أرض الآباء»
الرئيس الروسي بوتين في موسكو في ذكرى «يوم المدافعين عن أرض الآباء»
TT

بوتين يسبح في فضائه السوفياتي

الرئيس الروسي بوتين في موسكو في ذكرى «يوم المدافعين عن أرض الآباء»
الرئيس الروسي بوتين في موسكو في ذكرى «يوم المدافعين عن أرض الآباء»

جاءت جولة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في آسيا الوسطى ليعزز نفوذه جنوبا، ويؤكد دعم بلاده لحلفائه في تلك الدول التي يعاني بعضها مشكلات داخلية، إلا أن الوضع على الجبهة الروسية غربا ليس بأفضل حال؛ فالتوتر ما زال يخيم على العلاقات بين موسكو وحليفتها بيلاروس، لأسباب اقتصادية، تأخذ طابعا سياسيا، وهو ما برز بوضوح حين وجه الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو انتقادات لاذعة جدا لروسيا، وقال في ذلك إن بيلاروس «لن تدفع استقلالها ثمناً للنفط الروسي». لكن خلال جولة بوتين في آسيا الوسطى، كان لوكاشينكو يستعد لاستقبال الرئيس الجورجي غيورغي مارغفيلاشفيلي، الذي ما زالت بلاده ماضية، رغم الاستياء الروسي، على درب العضوية في حلف شمال الأطلسي (الناتو). وقد حاول بوتين خلال مؤتمره الصحافي في قرغيزيا في آسيا الوسطى التقليل من «خطورة» الخلافات مع بيلاروس، واعتبرها أمرا طبيعيا «لأن كل طرف يدافع عن مصالحه»، وأبدى حرصه على رأب الصدع، معربا عن قناعته «سنجد مخرجا من أي وضع مهما كان معقداً».
أجرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين جولة في منطقة آسيا الوسطى، شملت كازاخستان وطاجيكستان وقرغيزستان، الأعضاء إلى جانب روسيا وبيلاروس وأرمينيا في منظمة معاهدة الأمن الجماعي. كازاخستان كانت محطته الأولى، وهو بذلك يؤكد أهمية علاقاته مع الرئيس الكازاخي نور سلطان نزار بايف، صاحب معظم المبادرات التكاملية في الفضاء السوفياتي، بما في ذلك مبادرته التي أطلقها عام 1994 لتشكيل الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، ويضم إلى جانب روسيا وكازاخستان كلا من أرمينيا وبيلاروس وقرغيزيا.
ولا تقتصر الشراكة بين بوتين ونزاربايف على لعبهما الدور الرئيسي في تشكيل المنظمات الإقليمية آنفة الذكر، فهما في الوقت ذاته لاعبان رئيسيان معا ضمن تكتلات دولية مثل منظمة معاهدة الأمن الجماعي، ومنظمة شنغهاي للتعاون. أما العلاقات الثنائية الروسية - الكازاخية فهي مثالية تقريباً، ولا تشوبها حتى الآن خلافات طفيفة أو جدية، فكلاهما يدرك الأهمية الحيوية والمصيرية لعلاقاته مع الأخر.
ومؤخراً طرأت نقلة نوعية على التعاون بين موسكو وآستانة، تجسدت بالتطبيق الفعلي لرغبتهما في توسيع تعاونهما حول القضايا الإقليمية، والتوجه نحو تعاون في الشأن الدولي، فكانت الأزمة السورية خير ملف في هذا المجال، يتبادل فيه بوتين ونزاربايف الخدمات وفق مبدأ المنفعة المتبادلة. وكان بوتين قد اقترح نهاية العام الماضي عقد جلسات مفاوضات حول الأزمة السورية في العاصمة الكازاخية آستانة، ويبدو أن اختياره العاصمة الكازاخية لم يكن عن عبث، فهو في حاجة إلى عاصمة يضمن أولا موافقتها على اقتراحه، وبالقدر ذاته يضمن أن استضافتها المفاوضات ستساعده في تشديد قبضته على جوانب حساسة في الملف السوري. أما كازاخستان فإن استضافتها للمفاوضات السورية شكلت بوابة أخذت الدبلوماسية الكازاخية تولج عبرها للظهور لاعبا على المسرح الدولي. ويدعم بوتين تلك الرغبة الكازاخية؛ إذ أثنى خلال محادثاته مع نزاربايف على الدور الكازاخي في الأزمة السورية، وقال: إن ذلك الدور لم يقتصر على استضافة المفاوضات وتنظيمها، بل وكانت هناك مشاركة من الجانب الكازاخي ساهمت في إنجاح المفاوضات، ولفت إلى الدور الذي لعبه شخصيا الرئيس نزار بايف.
طاجيكستان كانت المحطة الثانية في جولته على حلفائه في آسيا الوسطى. الأمر الرئيسي الذي يهم موسكو في علاقاتها مع دوشنبيه يتعلق بالنفوذ الروسي في المنطقة، وضمان أمنها، عبر القاعدة العسكرية الروسية القريبة من الحدود الطاجيكية - الأفغانية. وكان الجانبان قد وقعا عام 2012 اتفاقية لتمديد وجود القاعدة التي تضم قرابة سبعة آلاف جندي لثلاثين عاما أخرى، أي لغاية عام 2042، حينها قال بوتين إنه يريد ضمان أمن بلاده وتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة عبر تلك القاعدة، أما معاونه يوري أوشاكوف فقد كشف عن أن الاتفاق الجديد ينص على دفع روسيا إيجارا ضئيلا جدا، وقال: «عمليا ستكون القاعدة مجانية».
من جانبها، تولي طاجيكستان أهمية فوق عادية لعلاقاتها مع موسكو، وفي مؤتمر صحافي مشترك عقب محادثاته مع بوتين، وصف الرئيس الطاجيكي روسيا «شريك استراتيجي في شتى المجالات»، كما ثمن دور روسيا في دعم الاقتصاد الطاجيكي، إلا أنه لم يعرض بالتفصيل طبيعة ذلك الدعم. أما بوتين، وللتأكيد بأن بلاده تقدر مواقف القيادة الطاجيكية، فقد عرض ما تقدمه بلاده لطاجيكستان، وأشار في هذا السياق إلى ما يزيد على 1.6 مليار دولار استثمارات روسية في الاقتصاد الطاجيكي، والسد الذي شيدته شركات روسية ويؤمن 12 في المائة من احتياجات البلاد من الطاقة الكهربائية، هذا فضلا عن حوالات بلغت قيمتها العام الماضي 1.9 مليار دولار، أرسلها إلى طاجيكستان أكثر من 800 ألف مواطن طاجيكي يعملون حاليا في روسيا، حسب قول بوتين، الذي لفت إلى أن ذلك المبلغ يشكل تقريباً ثلث الناتج المحلي الإجمالي الطاجيكي. وللتأكيد على رغبته بتعزيز التعاون الثنائي، تعهد بوتين بحل مشكلة زهاء 200 ألف عامل طاجيكي، ممنوع دخولهم الأراضي الروسية بسبب مخالفات قانونية، وأكد بموازاة ذلك اهتمام بلاده بالمنتجات الزراعية الطاجيكية، ولفت إلى تخفيضات اعتمدتها شركة السكك الحديدية الروسية، لنقل تلك المنتجات إلى روسيا.
ومن طاجيكستان انتقل بوتين إلى العاصمة القرغيزية بشكيك، حيث أجرى محادثات مع الرئيس ألماز بيك أتمبايف، ركزت على التعاون الاقتصادي وفي المجال العسكري - التقني بين البلدين، على ضوء تصاعد التهديد الإرهابي في المنطقة. وأكد الرئيس القرغيزي، أنه بحث مع بوتين مسائل التعاون العسكري، وتحديداً تطوير القوات المسلحة القرغيزية والحصول على سلاح من روسيا. ومن المتوقع أن تلبي روسيا طلب الجانب القرغيزي، ما سيعني بالمقابل تعزيز روسيا دورها ونفوذها في تلك الجمهورية.
وكان موضوع القاعدة الجوية الروسية بالقرب من العاصمة القرغيزية بشكيك، قضية رئيسية تناولها بوتين في مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره القرغيزي. ونفى بوتين المعلومات حول خطط لتوسيع تلك القاعدة الجوية، وأكد في حديثه للصحافيين «لا توجد لدينا أي ضرورة لنشر قوات عسكرية هنا»، و«القاعدة الجوية في قانت، موجودة لمسألة واحدة هي ضمان أمن قرغيزيا نفسها».
سياسيا، سيطرت «التحولات الداخلية» وتغيير أنظمة الحكم نفسه على المؤتمر الصحافي المشترك لبوتين وأتمبايف؛ إذ وصل بوتين العاصمة بشكيك بالتزامن مع احتجاجات نظمها مؤيدو عضو في البرلمان القرغيزي، وزعيم حزب سياسي، بتهمة فساد مالي، وسط تحذيرات من تصاعد الاحتجاجات في المدن القرغيزية. في هذا الشأن، قال الرئيس القرغيزي بحزم إن عصر الثورات في قرغيزيا قد ولى، معيداً إلى الأذهان احتجاجات عام 2005 وعام 2010 في البلاد، وأضاف أن الوقت الآن هو وقت العمل. وقد لاقى هذا الموقف دعماً مطلقا من جانب بوتين، الذي قال: «أوافق تماما مع ما قاله الرئيس أتمبايف» و«نحن ننطلق من أنه علينا أن نقدر ونثمن الاستقرار في الفضاء السوفياتي»، وأي تغيير للسلطة يجب أن يجري وفق القانون.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended