كيف نخلق تقليداً علمياً إسلامياً معاصراً؟

يمنى طريف الخولي تبشر بنموذج إسلامي يسمح بتوطين العلم في ثقافتنا

كيف نخلق تقليداً علمياً إسلامياً معاصراً؟
TT

كيف نخلق تقليداً علمياً إسلامياً معاصراً؟

كيف نخلق تقليداً علمياً إسلامياً معاصراً؟

صدر أخيراً، عن المؤسسة العربية للفكر والإبداع ببيروت، كتاب جديد للدكتورة يمنى طريف الخولي، بعنوان رئيسي: «نحو منهجية علمية إسلامية»، وعنوان فرعي: «توطين العلم في ثقافتنا». والكتاب جاء تتويجاً لمسار الباحثة في مجال «الابستمولوجيا»، مستجيباً هذه المرة، لهموم عالمنا العربي - الإسلامي. فالخولي عملت لسنوات، كأستاذة لفلسفة العلوم بالقاهرة، وكباحثة زائرة في جامعات عربية ودولية، وحصلت على الكثير من الجوائز، ولها رصيد يتجاوز العشرين كتاباً ما بين التأليف والترجمة، ويكفي ذكر عملها عن الفيلسوف الكبير كارل بوبر: «منطق العلم ومنهج العلم»، وترجمة كتابه: «أسطورة الإطار».
تندرج جهود طريف الخولي ضمن مباحث فلسفة العلوم. وقد أشبعت نهمها منها انطلاقاً من بحوث رصينة، حيث تعاملت ولوقت طويل، مع أعمدة فلاسفة العلم في القرن العشرين، أمثال: كارل بوبر وتوماس كون، اللذين شكلا تياراً نظرياً، تحرك عكس النزعة الوضعية، التي لا ترى في العلم إلا مناهجه وطرق اشتغاله من الداخل وآلياتها، ضاربة عرض الحائط الإطار الاجتماعي الذي تجري فيه العملية العلمية. وهذا ما أصبح مرفوضاً. فللعلم تاريخيته وطابعه الاجتماعي. وهو يمارس في إطار حضاري مخصوص. بمعنى آخر، يعد العلم ليس فقط تقنيات معزولة عن السياق المعرفي العام والاجتماعي الخاص، بل هو ينتج معجونا وممزوجا بالثقافة السائدة والمكونة من الاعتقاد والسياسة والأخلاق ومختلف القيم. فيمنى الخولي ستقتنع بضرورة التخلي عن الفكرة الوضعية التي ولى عهدها في الغرب، والتي أعاد إنتاجها كبار الفلاسفة العرب من أمثال زكي نجيب محمود، والتي تحكم على العلم ومنهجيته من خلال ذاته فقط، وكونه بلا وطن أو هوية، إلى وجوب الحكم عليه انطلاقاً من البعد الحضاري والقيمي، خاصة مع ظهور «مفهوم البراديم» الذي نحته توماس كون، في كتابه الذائع «بنية الثورات العلمية». وهو المفهوم الذي زلزل أركان المباحث الفلسفية في العلوم الكلاسيكية، وأبرز أن العلم لا ينفصل أبدا عن شروط إنتاجه السوسيولوجية. هذا المفهوم الذي تعول عليه الخولي كثيراً في كتابها الجديد الذي تترجمه: «بالنموذج الإرشادي»، على الرغم من أن هناك ترجمات أخرى للمفهوم، نراها أقوى (كالنموذج الموجه، الإبدال، المنوال وغير ذلك.
توطين العلم في الثقافة الإسلامية
لا ننكر أن هذا الزمن، الذي نعجز عن ولوجه، هو زمن علمي بامتياز. فمنذ القرن السابع عشر، والثورات العلمية تكتسح كل المجالات، وتحقق كل النجاحات، إلى درجة أصبح «العقل العلمي» طاغياً وكأنه الخيط الناظم لكل تفكير، والخلفية الواعية واللاواعية، الواضحة والمعتمة، الموجهة لرؤية الناس للعالم. إنه كالمستبد والطاغية الذي أصبح الكل يطلب وده ويسعى إلى التقرب منه. فكل البحوث من دون استثناء، تلهث وراء يافطة «علمي» خوفاً من أن لا يعتد بها، ومن ثم يجري إقصاؤها من نادي التنافس المعرفي.
إن عالمنا العربي الإسلامي، وعلى الرغم من كل المجهودات المبذولة فيه، لم يقدر على جعل العلم يمد جذوره إلى أعماق ثقافته. نعم نحن نستهلك المنجزات العلمية وربما أكثر حتى من الغرب، لكن الروح العلمية تكاد تغيب عنّا، والدليل هو عدم مساهمتنا الفعالة والمبدعة في العلم العالمي بإنجازات تذكر. فما السبب في ذلك؟ ولماذا هذا العجز في الانخراط في العلم العالمي بقوة؟ هذا هو الهم الذي حملته يمنى الخولي، واضطرها إلى تأليف كتاب تبرز فيه بعض المعوقات التي تحول دون تغلغل العلم إلى ثنايا ثقافتنا.
تنطلق يمنى الخولي بداية، من ضرورة الاعتراف بتواضع الإسهام في التقدم العلمي من قبل العالم الإسلامي المعاصر. نعم لدينا المجتهدون والمبدعون، وبعض الجامعات الرائدة والعريقة وذات الموقع في التصنيفات العالمية، وكذلك بعض المؤسسات. لكن كل هذه الجهود مشتتة. فنحن مازلنا في مرحلة النقل والاستهلاك (مشتقة من الهلاك)، ولم نحقق بعد، الذات الحضارية مثلما فعلت اليابان ولحقت بها، أو سبقتها الصين، وانضمت إليهما ثقافات أخرى لم تسهم في الحداثة ولكنها استوعبت المنجز العلمي، وهي تقدم اليوم مساهمات في المنجز العالمي المعاصر.
ترى يمنى الخولي، أن الدخول إلى عالم الإضافة والإبداع في العلم والبحث العلمي، لن يتم إلا إذا جرى التفكير في الطرق الكفيلة بتوطين العلم، وجعله جزءا لا يتجزأ من ثقافتنا وليس غريبا عنا. بمعنى آخر، تريد الخولي أن تقول، إن على المثقفين والمتخصصين التفكير في السبل التي يجب أن نسلكها لجعل الروح العلمية تتغلغل إلى مخ عظام العربي- المسلم. أي علينا بذل الجهد لخلق تقاليد إسلامية تمهد لمجتمع العلم. وهنا تستشهد يمنى الخولي بفيلسوف العلم العربي الشهير رشدي راشد، الذي قال إن «المجتمع العلمي يكون موجودا عندما توجد تقاليد وطنية في البحث العلمي، تمهد لوجود هذا المجتمع العلمي، وتقدم له الخصائص التي تميزه. وإذا انعدمت التقاليد الوطنية في البحوث، لا يبقى سوى كمية من المعلمين وتجمع من التقنيين». وهذا بالضبط ما تريد الخولي القيام به في كتابها الجديد، أي وضع خريطة طريق تسمح، وبعزم، بخلق نموذج إرشادي يمتح أصوله من الثقافة الإسلامية، يمكنه أن يعطي الانطلاقة نحو التقليد العلمي المنشود. فهي قررت عدم العودة إلى الماضي بحثاً عن أسباب التخلف، أو البحث عن تلك النقط المضيئة لكي نحتمي بها. بل قررت على العكس من ذلك، النظر إلى المستقبل، أي البحث عن القوى التي يمكن الاستناد إليها لخلق الحماسة وتوليد الحركة في العقل المسلم. فما هي ملامح هذا «النموذج الإرشادي الإسلامي» الذي تبشر به يمنى الخولي؟
ملامح النموذج العلمي الإسلامي
تعترف يمنى بداية، بأن عملها في اقتحام «العقدة المنهجية» التي تتخبط فيها ثقافتنا، جاءت كتوليف لمجهودات السابقين. وتقصد بالأساس، عمل أو حلم مصطفى عبد الرزاق في تحقيق الذات الحضارية، الذي سيسير في دربه علي سامي النشار. وهو العمل الذي سيفتر ويتحول إلى نقيضه، حين تهيمن الأطروحة الوضعية المنطقية مع زكي نجيب محمود، الذي شد انتباه الباحثين إلى المعاصرة، وزاد من حدتها العمل التنويري القاطع والحاد الذي أنجزه فؤاد زكريا وآخرون. فهذا الموقف الذي يتحرك ما بين الأصالة والمعاصرة، بين الأخذ من الذات ومن الآخر، هو ما شد انتباه الخولي، حيث عملت على التركيب والتوليف المتناغم، عبر المزاوجة بين المنهجية ذات البعد المشترك والمنهجية ذات البعد الخاص. أو بعبارة أخرى، عملت على خلق جدل بين ما هو كوني وما هو خصوصي. وهنا تعلن استفادتها من المعهد العالمي للفكر الإسلامي في فرجينيا منذ 1977.
إن أهم ما استفادت منه يمنى الخولي من الابستمولوجيا المعاصرة، هو أن العلم لم يعد مجرد إجراءات تجريبية عقلية ورياضية، أو مجرد آليات يجري تعلمها. بل هو يحتاج، قبل كل شيء، إلى قوة دافعة تؤخذ من الثقافة السائدة. فالبعد العقدي والنسيج العاطفي والمنظومة القيمية، تولّد في النفوس، الطاقة اللازمة، وتخلق فيها الحماسة الضرورية لانبثاق العلم. باختصار، لكي يتطور العلم يحتاج إلى المشترك الإنساني العام، أي الحصيلة المعرفية الكونية. لكنه يحتاج أيضاً، إلى أن يضخ كل ذلك في إطار الخصوصية الثقافية والواقع الاجتماعي. لهذا ولكي ينطلق العلم عندنا، لا بد من إقحام المنجز العلمي المعاصر في التربة الإسلامية بما يتلاءم ومبادئها وأسسها، وإلا سيكون الأمر كصرخة في واد. بكلمة واحدة، تؤكد الخولي على أن الانطلاق في العلم، يجب أن يكون مربوط الصلة بالماضي. إذ لا ينبغي البدء من دون جذور. وتجسير الهوة بين المشترك الكوني وبين المخزون الثقافي والحضاري، يغدو مطلبا ملحا، وإلا لن نتحرك قيد أنملة في جعل العلم يتشكل كتقليد يسري في كيان الثقافة العربية الإسلامية.
وتبعا لما جرى تحديده أعلاه، يكون المسلم بحسب يمنى الخولي، مطالبا بالاشتغال وفق إطار منهجي إسلامي عام، إن شاء أن لا يحس بالغرابة تجاه العلم، ويمكن تحديد ملامحه كالآتي:
أولاً: الانطلاق من نواة التوحيد. والتوحيد هنا، ليس مجرد مبدأ ميتافيزيقي وحسب، يوفر إمكانية النظام. بل هو أيضاً، مبدأ قيمي، يضفي على البحث العلمي أخلاقيات ومعايير يفتقدها العلم الغربي. فعلاقة المسلم بالعالم، لا ينبغي أن تسير في منحى المنهجية الغربية نفسها، ذات القراءة الوحيدة لكتاب الطبيعة. بل يجب أن تتجاوزها إلى نظرة تكاملية تستحضر قراءة الكتاب المنزل. وهذا الدمج بين القراءتين أي قراءة الكتاب المنظور (الطبيعة) والكتاب المسطور (الوحي)، هو ما سيضفي الخصوصية على العلم الإسلامي المرتقب.
ثانياً: إذا ينبغي على المنهجية الإسلامية الانطلاق من نواة صلبة هي التوحيد، تضمن النظام والأبعاد القيمية، فإنه ينبغي أن تضاف إليها موجهات ومقاصد، هي: مقصد الاستخلاف، أي أداء الأمانة وتحمل المسؤولية في الأرض، ومقصد العمران، أي الاضطلاع بمهام البناء وأعمار الأرض، ومقصد التزكية، أي التطهير وترقية النفس وصون قيمة الحياة.
إذن ترى يمنى الخولي، أن إقحام العلم وتوطينه وإبعاده عن أن يكون غريبا عن ثقافتنا، لن يتحقق إلا إذا تلاءم ومرجعية المسلمين. بعبارة أخرى، على العقل المسلم أن يسدد العلوم الطبيعية، ويخرجها من النزعة الآلية الجافة، كما هي في المنهجية الغربية، نحو إضفاء صبغة الغائية والقيم والمقاصد عليها، ما سيولد لديه الإحساس بالتميز، وكذلك الحافز، والحماسة نحو الاشتغال بما يناسب ميوله وثقافته المتغلغلة في جوفه.
نخلص إلى أن الخولي، تشتغل ضمن السؤال نفسه الطاعن في السن: لماذا تقدم الغرب وتأخر المسلمون؟ والجواب عندها، يكمن في غياب العلم. لكن الإشكالية الأهم المتفرعة عن السؤال الأول: لماذا لم نفلح في تبيئة العلم وتوطينه، كي يسري في عروق ثقافتنا، ويصبح تقليداً عاماً يسمح بالإبداع؟ الجواب عندها، هو أن الأمر جرى بمعزل عن مراعاة سياقنا الحضاري العقدي والعاطفي والقيمي. فظل العلم عندنا مشتتاً وتقنياً يردده بعض المعلمين فقط، فأضحى غير مستساغ، بل غريباً عنا. فهل نبدأ في وضع مناهج تدمج الكوني بالخصوصي ولو على سبيل التجريب؟



حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل
TT

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

رغم أن جذورها تعود إلى حقبة ما قبل الميلاد، فإن دمية العروس في مصر تحمل في نسختها الشعبية العديدَ من الأشكال والمفارقات، تتنوع ما بين دلالات وطقوس وحكايات تدعو للتأمل.

هذا ما تؤكده الفنانة التشكيلية والباحثة سماء يحيى في كتابها «العروسة في الفن والحياة»، الصادر أخيراً عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» ضمن سلسلة «آفاق الفن التشكيلي»، لافتة إلى أن الدُمى كانت توضع في حقب زمنية سابقة في قبور الأطفال الصغار، وكأنها تبعد عنهم الوحشة، وهو ما يعكس قوة حضورها في الثقافة الشعبية.

تشير المؤلفة إلى أن «العروسة» هي تشكيل نحتي يُصنع على هيئة إنسان أو حيوان بحجم صغير وخامات مختلفة لأغراض اللعب أو لأغراض تزينيية وطقسية وفنية، وتعد واحدة من أقدم التشكيلات النحتية التي صنعها الإنسان، ويعود تاريخها في رأي بعض الباحثين إلى ما قبل ظهور الحضارة.

ومن الواضح أن افتتان الإنسان الأول بالجسد وخيالاته الأولى في التجسيد جعله يحاول تقريب صور الطبيعة لكي تشبه شكله وأشكال مخلوقات أخرى مألوفة لديه ليخلق في مخيلته اعتقاداً بأنه يستطيع أن يقترب منها أو يقوم بطقس ليتقي شرها، فكانت هناك عرائس لموسم الحصاد في بداية عصر الزراعة والأمطار وأخرى لجلب الرزق والصيد في المجتمعات الرعوية، كذلك عرائس منحوتة كتمائم وآلهة صُنعت من القش والعظم وعرائس لأغراض الخصوبة والإنجاب.

نجد أيضاً أن الإنسان الأول صنع تشكيلات من خامات البيئة المحلية مثل الطين والبوص والأخشاب في محاولة لتجسيد الآباء الراحلين الأعزاء على نحو يجعله قادراً على أن يتواصل معهم ويحدثهم بما يجول في خاطره. حتى في الطقوس السحرية والإيذاء، كانت صناعة دمية على شكل العدو أمراً شائعاً في عصور ما قبل التاريخ، حيث تخلق الدمى نوعاً من التواصل الحسي والحركي مع البيئة وتفتح المجال للخيال ونمو العقل لدى الأطفال، فالظروف البيئية في العصر الحجري على سبيل المثال كانت من العوامل المهمة التي قامت حولها طائفة من العقائد والطقوس القديمة.

حرف وصناعات

تلفت سماء إلى أنه ترتب على ذلك قيام مجموعة من الحرف والصناعات والفنون لنجد أن الطقوس الدينية أو السحرية اتخذت من تلك الحرف وسيلة لحفظ هذا التراث الإنساني من الضياع، بل ربما كانت ضماناً لارتقاء تلك الحرف والصناعات.

عُثر على العديد من نماذج الدمى في العصور الأولى المبكرة للحضارة المصرية القديمة، لا سيما في كل من «نقادة» و«البداري»، كما وُجدت بأحجام وخامات وأشكال منوعة في سيبيريا ووسط آسيا والبلطيق، وابتُكرت في أشكال مختلفة بملابس أو من دون، وألبست حلياً تشبه تلك التي يستخدمها أهل المنطقة ولُوّنت في بعض الأحيان مثل الدمى السومرية الملونة، كما وُجدت منها نماذج فرعونية مكسوة بالذهب والمطعمة بالملابس.

ومع هذا التاريخ العظيم الثري من استخدام العرائس والدمى في التعبير الفني والثقافي والمجتمعي في مصر، فإن المؤلفة تلاحظ أن النظر إلى «العروسة» كعنصر مهم من الممكن الاستفادة منه في الفن التشكيلي المصري الحديث بكل مجالاته، وهذا لم يلق العناية الكافية من الفنانين التشكيليين المصريين المعاصرين.

وبينما اقتصرت أغلبية الأعمال التشكيلية المعاصرة في مصر على «تيمة عروس المولد» في أعمال نحتية وتصويرية، لم يهتم إلا قليلون باستخدام مفاهيم وتشكيلات أخرى لدمى مصرية لها خصوصية متفردة واستلهامها في تطوير أساليب وأعمال فنية ذات فرادة، وفي الوقت نفسه يقبل على مشاهدتها الجمهور العادي لأنها ليست غريبة على ثقافته وذائقته، وإن كان هذا لا ينفي قيام بعض التشكيليين بمحاولات رائدة في هذا السياق مثل جمال السجيني، وعبد الغني الشال، وممدوح عمار، ومصطفى الرزاز، وفرغلي عبد الحفيظ، ورمزي مصطفى، وعصمت داوستاشي، وحلمي التوني.

أشهر النماذج

تعد «دمية فرن الخبز» أشهر عروس في منازل المصريين الذين كانوا حتى وقت قريب يصنعون الخبز في منازلهم، من وجه بحري حتى أقاصي الصعيد، وهى تُصنع من قطعة صغيرة من العجين، وتخلطها الأمهات والجدات بالسمن وبعض السكر، ثم يشكلها الأطفال على هيئة دمى بدائية قريبة الشبه جداً بتلك التي شُكلّت في عصور فرعونية قديمة تعود إلى ما قبل الأسرات.

تخرج «عروسة الخبيز» وقد نضجت بنار الفرن فيفرح بها الصغار ويلهون بها قبل أن يأكلوها في طقس بسيط يحمل معاني البهجة والاحتفال، وربما كان متوارثاً من أعياد ومناسبات سحيقة لا يُعرف عنها شيء الآن.

أما ثاني الدمى المهمة في الحياة الاجتماعية المصرية فهي «عروس القمح»، أو باللهجة الشعبية «عروس الغلة»، التي تُصنع من سنابل القمح الخضراء المضفرة في تركيبة تشبه علامة «العنخ» أو «مفتاح الحياة» المصري القديم، التي تعلّق على أبواب المنازل وفوق النوافذ للاحتفال وجلباً للخير.

وكانت الدمية تُقدم ومعها وعاء من القمح كقربان للإلهة «رنتوتت» في مصر القديمة كنوع من الشكر لها على بركة الحصاد، وهى الآن تُصنّع وتباع في أعياد «شم النسيم» ويطلق عليها «مشط الفريك» وتعلق على الشرفات والعتبات.

وتذكر سماء أنه من أشهر الدمى الشعبية في هذا السياق «خيال المآتة» وهي تشكيل يوضع في الحقول الزراعية لتخويف الطيور يتكون من خشبتين متصالبتين، ويصنع لهما رأس من القماش أو يلبس قبعة من القش، وقديماً كان يُصنع لها رأس مخيف من الطين ويطلق عليه لقب «أبو خف».

أيضاً توجد دمية الحسد الورقية الشهيرة التي تُقص من ورقة على شكل إنساني، ثم تخرم بالإبرة الغشيمة التي ليس لها عين ثقباً باسم كل من تحوم حوله الشكوك في أنه حاسد أو يحمل شراً، ثم تُحرق في موقد صغير مع بخور الحسد ولبان وشبّة، ثم يخطو المحسود فوق الموقد سبع مرات ويقال إنه تظهر في رماد الدمية وجوه الحساد.

وهناك كذلك «عروسة الخماسين» المصنوعة من القش وورق الشجر، التي يصنعها الأطفال أيام رياح الخماسين في أرياف الدلتا ويُلبسونها جلباباً قديماً مثل «خيال المآتة»، ثم يزفونها ليلاً على عرصة فرن حديدية بمركب في النهر، ومع مطلع الفجر يأخذونها للشاطئ ويشعلون فيها النار ثم يقفزون في الماء وهم يغنون: «عروسة الخماسين... سنة بيضة على الفلاحين».


الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري
TT

الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري

صدر عن دار «العين» للنشر في القاهرة كتاب «الشخصية القبطية في الأدب المصري» للدكتورة نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة، والحاصلة على جائزة الدولة التقديرية العام الماضي. ويسعى الكتاب لمقاربة صورة الشخصية القبطية على مدار عقود طويلة، ولدى أجيال مختلفة من الأدباء، ويتَّخذ من ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 مرحلةً مفصليةً في تحولات تمثيل هذه الشخصية في الأعمال الروائية.

يبدأ الكتاب بمقدِّمة مقتضبة كتبها الروائي المصري نعيم صبري، ثم مقدمة المؤلفة التي تشرح فيها تاريخ اهتمامها بالموضوع، بدءاً من دراسة مطولة نشرتها في إحدى المجلات في عام 1999، ثم عودتها مؤخراً لهذه الدراسة وتحويلها إلى كتاب، ومحاولتها رصد وتحليل معظم الأعمال الروائية التي تقدم الشخصية القبطية عقب 2011، وما حدث في تقديمها من اختلاف بين روايات القرن الماضي وروايات ما بعد الثورة.

يتكوَّن الكتاب من 3 فصول رئيسية، الأول نظري بعنوان «الشخصية القبطية بين تاريخين»، تشير فيه إلى أنَّ هناك اهتماماً كبيراً منذ يناير 2011 بالكتابة عن الأقباط، وأن أبرز أهداف هذا الاهتمام هو محاولة النفاذ إلى داخل المجتمع القبطي، وجعل الأقباط يعبِّرون عن أنفسهم، بدلاً من الكتابة عنهم وعن مجتمعهم من خارجهم. وكذلك إعادة قراءة تاريخ بعض الشخصيات القبطية الأكثر خلافية، فضلاً عن توثيق وإضاءة المساحات غير المعروفة في حياة الأقباط.

الفصل الثاني بعنوان «الشخصية القبطية في الأدب المصري قبل ثورة يناير 2011»، وتتوقَّف فيه عند عدد كبير من الروايات، ومنها روايات لنجيب محفوظ ويحيى حقي، ويوسف إدريس، وإدوار الخراط، وإبراهيم عبد المجيد، وبهاء طاهر، وسلوى بكر، ونعيم صبري، ونبيل نعوم، وغيرهم. وتخلص من خلال دراسات هذه الروايات إلى 17 نقطة تلخص خصائص تقديم الشخصية، ومنها خلو تلك الأعمال من خصائص شكلية ينفرد بها الأقباط، كما تخلو من صفات ذاتية تلازمهم، كما كانت الشخصية القبطية تتخلل مختلف أنحاء الوطن وسائر الأعمال والمهن، كما تتخلل رقائق النسيج الاجتماعي المصري في الواقع، وتتضافر مع خيوطه في جديلة واحدة.

النقطة الأخيرة، ضمن النقاط الـ17، تتصل بالبُعدَين الوطني والقومي للشخصية القبطية، وموقف الأقباط من العروبة. وتشير المؤلفة إلى أنَّ «الأقباط ليست لهم مشكلة مع العروبة، بل يجدون أنفسهم في إطارها، ولا يحسنون التعبير عن ذواتهم إلا بلسانها». وتشير إلى مواقف الأقباط الواضحة «من القضايا القومية عموماً، ومن القضية القومية المركزية، أو الصراع العربي - الإسرائيلي خصوصاً، وكيف تفاعلت الشخصيات القبطية بكل عمق مع تطورات هذا الصراع».

الفصل الثالث «الشخصية القبطية في الأدب المصري بعد ثورة 2011»، قراءة في 28 رواية قدَّمت هذه الشخصية عقب الثورة. وتُخصِّص الكاتبة مقالاً منفرداً عن كل رواية، وتخلص من هذه القراءات إلى ظهور نزعة واضحة للتمرُّد على السلطة الأبوية للكنيسة بعد الثورة، رغم أنَّ نوازع هذا التمرد على السلطة البطريركية كانت موجودة قبل هذا التاريخ، لكن الفرق في المساحة التي أخذت تتمدَّد فيها روح التمرُّد بعد الثورة.


هابرماس... حارس الحداثة الذي احترقت أدواته في أتون غزة

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
TT

هابرماس... حارس الحداثة الذي احترقت أدواته في أتون غزة

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس

ليس مؤلماً في موت الفلاسفة أن أجسادهم ترحل؛ بل أن أفكارهم تُستدعى في لحظة الوداع لتُحاكم على ضوء العالم الذي خلَّفوه وراءهم. هكذا يغادر عالمنا يورغن هابرماس، آخر حرّاس الحداثة الكبار، في وقت يبدو فيه العقل الذي دافع عنه طويلاً عاجزاً عن تسمية المذبحة في غزة، والحوار الذي بشّر به ضيقاً عن احتواء صراخ الضحايا. فماذا يبقى من «العقلانية التواصلية» حين تتكلم القنابل، ويختار المفكّر أن يختار ذاكرة أوروبا على كونية الإنسان؟

مات الفيلسوف الألماني في اللحظة التي كان فيها إرثه أحوج ما يكون إلى محكمة، لا إلى تأبين. فالرجل الذي أمضى عمره يدافع عن المجال العام، وعن حق البشر في بلوغ الحقيقة عبر الحوار الحر، انتهى في لحظة غزة إلى لغة تضيق بالحقيقة، وتضع للضحايا سقفاً أخلاقياً لا يجوز لهم تجاوزه. لذلك يأتي رحيله بوصفه لحظة كاشفة لمصير تقليد فلسفي كامل: تقليدٍ أراد إنقاذ الحداثة، ثم وجد نفسه عاجزاً عن إنقاذ إنسانها المستعمَر من العمى الأوروبي القديم.

توفي هابرماس -حسبما أعلن ناشره- السبت الماضي، 14 مارس (آذار) 2026، مخلِّفاً وراءه إرثاً فكرياً ضخماً هيمن على الساحة الفلسفية والاجتماعية الغربيّة أكثر من ستة عقود، أهّله ليكون الوريث الأبرز لمدرسة فرانكفورت النقدية، والشخصية التي حاولت ترميم مشروع التنوير الأوروبي، وإعادة الثقة في العقلانية بعد الفظائع التي شهدها القرن العشرين.

وُلد عام 1929 في مدينة دوسلدورف، وعاش طفولته في ظل صعود النازية، وهي التجربة التي شكّلت وعيه السياسي المبكر. وقد عانى من تشوه خلقي في الحنك (الشفة الأرنبية)، ما سبب له صعوبات في النطق، ربطها متابعوه باهتمامه العميق لاحقاً بمفهوم «التواصل» واللغة. تلقى تعليمه في جامعات بون وغوتينغن وزيوريخ، وعمل مساعداً للفيلسوف تيودور أدورنو في معهد البحوث الاجتماعية بفرانكفورت.

تمثل أعمال هابرماس -وخصوصاً «نظرية الفعل التواصلي» و«التحول البنيوي للمجال العام»- محاولات جادة لصياغة ديمقراطية تقوم على مبدأ الحوار الحر، فطرح فكرة أن المجتمعات الحديثة تعاني من «استعمار العالم المعيش» أي تغلغل منطق الربح المادي والآليات الإدارية الجافة إلى تفاصيل حياتنا اليومية وقيمنا الأخلاقية؛ فيتم تنحية «الحوار»، وإبراز «المال» و«السلطة» كوسائل وحيدة للتنظيم. وبدلاً من أن يتفاهم البشر حول غاياتهم المشتركة، تُحيلهم البيروقراطية إلى مجرد «زبائن»، وتُحوّلهم الرأسمالية إلى «مستهلكين»، ما يؤدي إلى تآكل الروابط الاجتماعية وفقدان المعنى. ونظّر بأن الخلاص يكمن في استعادة الإنسان لقدرته على التفاهم العقلاني، وبناء سد منيع من «الديمقراطية التداولية» يحمي المساحات الإنسانية من طغيان الأنظمة البيروقراطية والرأسمالية.

ارتبط اسمه بالماركسية منذ بداياته في مدرسة فرانكفورت، ولكنه قدم قراءة نقدية وتعديلية واسعة للماركسية التقليدية. فبينما ركّز ماركس على «العمل» و«قوى الإنتاج» كمحرك للتاريخ، رأى هابرماس أن ذلك يغفل جانباً حيوياً هو «التفاعل اللغوي» أو «التواصل»، وزعم أن التحرر الإنساني لا يتحقق فقط عبر تغيير علاقات الملكية أو السيطرة على الطبيعة؛ بل عبر تحرير اللغة من الزيف والإكراه. وقد خلص إلى أن «دولة الرفاهية» في الغرب استطاعت امتصاص حدة الصراع الطبقي الماركسي التقليدي، ما يوجب نقل المعركة إلى «المجال العام» لضمان شرعية ديمقراطية حقيقية. في هذا السياق، كان يسمي نفسه «ماركسياً» من حيث الالتزام بالتحرر ونقد الرأسمالية المتأخرة، ولكنه يرفض الحتمية الاقتصادية، ويفضل عليها ما أطلق عليها وصف «العقلانية التواصلية».

تمحورت فلسفته حول مفهوم «العقلانية التواصلية» هذا، مفرقاً بين نوعين من العقلانية: «العقلانية الأداتية» التي تهتم بالوسائل لتحقيق الأهداف والسيطرة، و«العقلانية التواصلية» التي تهدف إلى الوصول إلى تفاهم مشترك. ويُنسب إليه ابتكار مفهوم «المجال العام»، أي تلك الفضاءات التي يلتقي فيها الأفراد كمواطنين لمناقشة القضايا العامة بحرية، معتبراً أن الديمقراطية الحقيقية تعتمد على جودة هذا النقاش وقدرة «الحجة الأفضل» على الإقناع دون استخدام القوة. كما طوّر «أخلاقيات الخطاب»، وهي القواعد التي تجعل الحوار عادلاً، مثل حق الجميع في المشاركة، وصدق المتحدثين، وخلو النقاش من الضغوط الخارجية.

مثلت علاقته بالفلاسفة المعاصرين صراعاً بين «بقاء الحداثة» و«ما بعد الحداثة». في مواجهة ميشيل فوكو، انتقد هابرماس اختزال كل شيء في «علاقات القوة»، وأصر على وجود معايير عقلانية كونية يمكن الاحتكام إليها، متهماً الفيلسوف الفرنسي الراحل بأنه يقدم تشريحاً للسلطة يفتقر إلى معيار أخلاقي للتغيير.

أما في سجاله مع جاك دريدا، فقد انتقد «التفكيك» الذي قد يؤدي إلى العدمية، مفضلاً بناء جسور التفاهم. وبالنسبة لجان فرنسوا ليوتار، رفض هابرماس فكرة «نهاية السرديات الكبرى»، معتبراً الحداثة «مشروعاً لم يكتمل» يحتاج إلى مواصلة العمل بدلاً من التخلي عنه. وفي مقارنته مع حنا أرنت، يتفق معها لناحية أهمية الفعل السياسي في الفضاء العام، ولكنه يضيف إليها شروطاً تداولية وقانونية أكثر صرامة.

يأتي غيابه في وقت يشهد فيه إرثه الفكري هزة عنيفة بسبب مواقفه السياسية الأخيرة تجاه الحرب في غزة؛ إذ كان قد أصدر بياناً بعنوان «مبادئ التضامن» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، دافع فيه عن رد الفعل العسكري الإسرائيلي، وصوره «مبرراً من حيث المبدأ». هذا الموقف أثار موجة عارمة من النقد؛ حيث رأى كثيرون في هذا البيان «احتراقاً» لكامل مشروعه الفلسفي.

يجد النقاد -ومن بينهم أساتذة من المدرسة النقدية نفسها- أن هابرماس خان أهم مبادئه في هذا الموقف. فالفيلسوف الذي قضى حياته يبشر بـ«الكونية» الإنسانية، سقط في فخ «الخصوصية» الألمانية، بعد أن ربط التضامن مع الدولة العبرية بالهوية الديمقراطية الألمانية، وضرورة التكفير عن «الهولوكوست»، ما اعتبره بعض المفكرين نوعاً من عمى «المركزية الأوروبية» التي ترى ضحايا «الهولوكوست» وتعمى عن ضحايا الاستعمار والاحتلال.

وبينما طالب في كتبه بفتح المجال العام لكل الأصوات، يرى منتقدوه أنه ساهم في إغلاق هذا المجال في ألمانيا. فالبيان الذي أصدره حاول وضع حدود لما يجوز قوله، معتبراً أن توجيه تهمة الإبادة الجماعية لإسرائيل يمثل «انزلاقاً في المعايير»، في تناقض تام مع فكرته عن «الحوار غير المشروط»؛ إذ وضع قيوداً مسبقة على البحث عن الحقيقة؛ خصوصاً مع تحرك القانون الدولي ومحكمة العدل الدولية للنظر في هذه التهم بجدية.

تجلّت في موقفه أزمة فلسفية تتعلق بتعريف «الآخر»، واتهمه باحثون بأنه يميز بين «الآخر الأقرب» (الأوروبي أو الذي يشبهه) وبين «الآخر الأقصى» (الفلسطيني أو غير الأوروبي). إن تواصلية هابرماس التي يفترض أن تكون عالمية، بدت في لحظة غزة وكأنها حوار حصري بين الأوروبيين حول مآسيهم الخاصة، مع تجاهل تام للمعاناة الفلسطينية والظلم التاريخي الواقع عليهم.

أدى هذا الموقف إلى شعور تلاميذه في العالم العربي والجنوب العالمي بالخذلان. فإذا كان الفيلسوف الذي يُنظر إليه كحارس للقيم الديمقراطية والكرامة الإنسانية يعجز عن مد هذه القيم لتشمل شعباً يرزح تحت القصف والحصار، فإن مصداقية «الكونية الأوروبية» برمتها تصبح محل شك. ووصف البعض هذا التحول بأنه «إفلاس أخلاقي» للفلسفة الغربية؛ حيث يتم التضحية بالعقل النقدي لصالح الحسابات السياسية وسياقات «الشعور بالذنب» المحلية.

يمضي يورغن هابرماس تاركاً خلفه مفارقة كبرى؛ فبينما تظل أدواته التحليلية عن المجال العام والفعل التواصلي ضرورية لفهم أعطاب المجتمعات الرأسمالية المعاصرة، فإن تطبيقه الشخصي لهذه الأدوات في لحظة الحقيقة التاريخية كشف عن فجوة عميقة بين النظرية والممارسة. وسيبقى في ذاكرة الفكر بوصفه الفيلسوف الذي حاول بناء عالم من الحوار، ولكنه تعثر في فهم لغة الألم خارج حدود قارته، فاحترقت فلسفته في أتون غزة قبل أن يوارى الثرى.