بوادر تحالف إقليمي جديد

بوادر تحالف إقليمي جديد

السبت - 29 جمادى الأولى 1438 هـ - 25 فبراير 2017 مـ
لندن: أمير طاهري
في الشهر الماضي فقط ضجت الدوائر السياسية في كل من أنقرة وموسكو وطهران بالكلام عن «تحالف ثلاثي» جديد يضم تركيا وروسيا وإيران يعمل على إنهاء الأزمة السورية وإعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط. وكان من المفترض أن تمنح القمة المبرمجة في مطلع مارس (آذار) المقبل غطاء دبلوماسيًا شبه رسمي.
ولكن خلال الأيام العشرة الماضية بدا كأن المخطط يتداعى في ضوء انجذاب أطراف «الثلاثي» إلى خيارات أخرى. وجاءت الضربة الأولى من موسكو عندما أعلن ناطق باسم وزارة الدفاع الروسية أن بلاده ليست مستعدة لتزويد إيران بـ«أسلحة هجومية»، قبل أن ترفع واشنطن الحظر المفروض عليها.
وجاءت الضربة الثانية مع قول وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو أمام مؤتمر ميونيخ الأمني السنوي، في مدينة ميونيخ الألمانية، إن إيران تثير «التأزم الطائفي» في الشرق الأوسط ضمن إطار طموحها للهيمنة. وما لبث كلام جاويش أوغلو أن جوبه بردٍّ حادٍ من طهران على لسان بهرام قاسمي، الناطق باسم وزارة الخارجية الإيرانية، الذي اتهم تركيا بأنها «تسعى عبثًا وراء تحقيق أحلام إمبراطورية».
وذهب الإيرانيون أبعد من ذلك، باستدعاء الخارجية الإيرانية السفير التركي رضا هاكان تاكين، وسلم احتجاجًا شديد اللهجة. قبل أن يعود الجانب التركي بالرد على الرد عبر حسين مفتي أوغلو، الناطق باسم الخارجية التركية، الذي وصف إيران بأنها دولة معزولة عرضة لإدانة الأمم المتحدة. وتابع الناطق التركي: «لا يمكننا قبول أو فهم كيف توجه دولة لا تتردد في طرد من يلجأون لأراضيها إلى بؤر قتال، تحت وطأة المحن الإقليمية، اتهامات إلى الآخرين بأنهم مسؤولون عن التوتر والاضطرابات في المنطقة».
تبعًا للمحللين السياسيين، فإن كلاً من الأطراف الثلاثة للتحالف المشار إليه، قرّر اعتماد سياسة الانتظار والترقب لاستكشاف ما إذا كان بمقدوره عقد صفقات منفردة بينه وبين إدارة الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترمب في واشنطن. وبعد صرف النظر عن القمة الثلاثية المزمع عقدها في موسكو، أعلنت طهران الثلاثاء الماضي أن الرئيس حسن روحاني قد يتوجه إلى موسكو في مطلع مارس المقبل. وفي ميونيخ، عقد وزير الخارجية الأميركي الجديد ريكس تيلرسون «لقاء مهمًا» مع نظيره الروسي سيرغي لافروف.
والواقع أنه على الرغم من عقد لافروف عدة لقاءات خلال السنوات الأخيرة مع وزير الخارجية الأميركي السابق جون كيري، فإن جدول المباحثات انحصر بالوضع السوري. أما لقاء تيلرسون - لافروف فكان أشمل وبدا جولة أفق تناولت عددًا من القضايا.
وبينما كان الوزير الأميركي يختبر نيات نظيره الروسي، كان المدير الجديد لوكالة الاستخبارات المركزية (سي آي آيه) الأميركية مارك بومبيو قد توجه في «زيارة عمل» إلى أنقرة، حيث اجتمع بالقادة الأتراك، وعلى رأسهم الرئيس رجب طيب إردوغان. ووفق المصادر التركية، أبلغ بومبيو الجانب التركي أن الإدارة الأميركية الجديدة تعتبر تركيا حليفًا أساسيًا لها في الشرق الأوسط، ويجب أن يكون لها دور قيادي في إنهاء المأساة السورية.
كذلك وعد بومبيو إردوغان بما كان قد رفضه مرارًا الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، أي «مناطق أو ملاذات آمنة» مع «مناطق حظر طيران» على تخوم سوريا التركية والأردنية والعراقية. ومن شأن دعم واشنطن «مناطق آمنة» تتحكم بها تركيا داخل الأراضي السورية منع أنقرة قاعدة صلبة تنطلق منها للعب دور فعال في تقرير مصير سوريا. أضف إلى ذلك أن هذه «المنطقة الآمنة» ستمنع أكراد سوريا من التواصل جغرافيًا مع أكراد تركيا عبر الحدود المشتركة بين البلدين، وهذا التواصل أمر تعتبره أنقرة تهديدًا مباشرًا لها.
أيضًا خلال هذه الفترة، كان مسؤول رفيع ثالث في الإدارة الأميركية الجديدة، هو وزير الدفاع جيمس ماتيس، قد طار إلى العراق ليؤشر إلى استراتيجية أميركية جديدة، تتحول من التأييد الفاتر للحرب على تنظيم داعش الإرهابي المتطرف إلى دعم كامل ومباشر لضرب التنظيم وتصفيته.
ماتيس، بالمناسبة، يعرف العراق جيدًا، وزاره هذه المرة حاملاً رسالة بسيطة هي «لسنا وراء نفط العراق، بل لتأكيد قيمة التحالف مع العراق في مسائل الأمن. لن نتخلى عنكم». أما المعنى الضمني لهذا الموقف فهو أن إدارة دونالد ترمب تريد من سلطات بغداد الخروج من تحت عباءة طهران، من دون مقاطعتها أو معاداتها. وفي المقابل، الاقتراب من تركيا كجزء من تحالف جديد للقوى الإقليمية، الذي بمرور الوقت، سيضم بعض حلفاء واشنطن العرب في جبهة واحدة تشمل استراتيجيتها؛ القضاء على «داعش»، واحتواء غيران، وإعادة تشكيل الشرق الأوسط، ولو بإسهام معقول من روسيا.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة