الديمقراطية الهولندية أمام اختبار التطرف

فيلدرز المعادي للمسلمين يراهن على «المنطق» لاستعادة الوطن

الديمقراطية الهولندية أمام اختبار التطرف
TT

الديمقراطية الهولندية أمام اختبار التطرف

الديمقراطية الهولندية أمام اختبار التطرف

لم يصبر النائب الهولندي اليميني المتطرف المعادي للمسلمين خيرت فيلدرز طويلاً. وبدلا من أن يركز في البداية على أهم الخطوات التي سيقوم بها في قضايا الأمن والاقتصاد أو غيرها، بدأ حملته الانتخابية بتصريحات اعتاد المهاجرون في هولندا - وخاصة المسلمين منهم - على سماعها، وعندما أثارت غضب هؤلاء، لجأوا مرارًا إلى القضاء الهولندي. بيد أن مثل هذه التصريحات كانت تلقى صدى إيجابيًا لدى بعض الهولنديين، بل وساعدت في احتلال فيلدرز مقدمة استطلاعات الرأي منذ أشهر.
لقد بادر خيرت فيلدرز، الزعيم الهولندي اليميني المتطرف، في أول أيام حملته للانتخابات البرلمانية الهولندية المقرّرة يوم 15 مارس (آذار) المقبل، إلى شن هجوم مقذع عنصري الروح على من وصفهم بـ«الرعاع المغاربة»، مضيفًا أنه يريد تخليص البلاد منهم «لإعادتها إلى الشعب الهولندي».
بعدها استدرك فيلدرز، الذي يتصدر وفق استطلاعات الرأي، القوى المتنافسة في الانتخابات، وتابع أمام جمع من سكان بلدة سبيكينيسي، جنوب مدينة روتردام – ميناء هولندا الأول – «طبعًا، المغاربة في هولندا ليسوا كلهم حثالة، لكن كثيرين منهم كذلك، وهم يجعلون طرقاتنا أخطر، وخاصة الشباب منهم، ويجب أن يتغير ذلك».
وواصل النائب والسياسي المتطرف تحريضه العنصري: «إذا أردتم استعادة بلدكم، وإذا أردتم أن تكون هولندا وطنًا للهولنديين، بلدكم، عليكم أن تصوّتوا لحزب الحرية (الحزب المتطرف الذي يتزعمه)». وبالفعل، تشير آخر استطلاعات الرأي إلى أن حزب فيلدرز يمكن أن يفوز بما بين 24 إلى 28 مقعدا في البرلمان الجديد، متقدما بمقعدين أو أربعة عن الحزب الليبرالي الحاكم حاليًا بزعامة رئيس الحكومة مارك روتي. وهنا نشير إلى أن البرلمان الهولندي يضم 150 مقعدا.

رأي نائب عربي مسلم
وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، قال أحمد مركوش، النائب في البرلمان الهولندي عن حزب العمل (اشتراكي)، وهو من أصول مغربية: «على الرغم من أن حظوظ حزب العمل سيئة، فإنني متفائل». وأردف مركوش: «أنا متفائل لأن الاستطلاعات خلال دورتين انتخابيتين كانت تضعنا في وضع غير مريح، ولكن بما أن كثرة من المواطنين يحسمون أمر خياراتهم الانتخابية في آخر لخطة، أعتقد أن بإمكاننا صنع المفاجأة مرة أخرى كما في السابق».
ويرى مركوش أن وجود حزبه – الذي يمثل يسار الوسط – «ضروري في الخريطة السياسية لإعطاء الضعفاء والفقراء المكانة التي يستحقونها كمواطنين... بناء على قبة التضامن والتكافل الاجتماعي، بعكس الأحزاب الأخرى التي تركز في شعاراتها السياسية على محورية الفرد في المجتمع»، منوهًا بأن حزبه يدعو إلى الاستقرار السياسي والاجتماعي بهدف ضمان استقرار الدولة وتحقيق الرخاء والازدهار.
وعن موقع اليسار في هولندا، خلال الفترة الحالية، أوضح مركوش: «إن العالم كله يشهد تراجعًا في قوة اليسار أمام تقدم اليمين، ولكن مع ذلك فالتفاؤل هو شعار المرحلة بكل ما فيها من سلبيات وإيجابيات. ولنا في التجربة الألمانية دروس يجب الأخذ بها. أما عن التطرّف الذي يقوده خيرت فيلدرز، فهو يعمل على الإساءة إلى هولندا من خلال تمرير خطابات حاقدة قائمة على كراهية المهاجرين والمسلمين معًا». واستطرد: «حزب فيلدرز لا يقدم حلولا للمشكلات الراهنة، بل العكس صحيح، إذ إنه ينتج الخبث من خلال سمومه العنصرية لكون زعيمه زعيمًا فاشلاً لا يستطيع قيادة البلاد ومواجهة التحديات الداخلية والخارجية، ولذا يعمل على تشتيت المجتمع الهولندي... ما يفوت علينا الاستقرار الذي يفضي إلى الرفاهية والتعايش لجميع المواطنين رغم اختلاف دياناتهم وقناعاتهم». وفي ختام لقائنا معه قال مركوش: «أنا ولدت وتربيت وعشت مسلمًا، وسأظل مسلمًا... أحب من أحب وكره من كره».
وهنا نشير إلى أن فيلدرز يطالب بإغلاق المساجد وتكليف الشرطة الهولندية بمنع القرآن. وحقًا، سبق له أن مثل أمام المحاكم الهولندية غير مرة. وفي مستهل حملته الانتخابية الحالية للبرلمان، ناشد الناخبين قائلا: «أرجوكم، أعيدوا هولندا إلينا!»، على وقع هتافات جمع من مناصريه المتطرفين. وعلى سؤال حول «هوية» ناخبيه، أجاب فيلدرز: «كل هولندي يتحلى بالمنطق. ولحسن الحظ يتحلى كثيرون لدينا بمنطق سليم». ثم أضاف: «إن الهولنديين الذين يريدون استعادة بلدهم سيصوتون لنا أيًا كان مستوى تعليمهم أو خلفيتهم».

منع القرآن وإغلاق المساجد
من ناحية أخرى، تجدر الإشارة إلى أن النائب فيلدرز الذي وعد بمنع القرآن وإغلاق المساجد في حال تم انتخابه، كان قد أدين بالتمييز العنصري العام الماضي بسبب تعليقات مشابهة أدلى بها بشأن المغاربة في هولندا، إلا أن تعهده بالعمل من أجل وجود «عدد أقل من المغاربة» في هولندا يلقى أصداء مؤيدة لدى الناخبين التقليديين القلقين من الهجرة والهجمات الإرهابية التي ضربت أوروبا خلال السنوات الأخيرة.
عودة إلى بلدة سبيكينيسي، حيث تباينت ردود الفعل على خطاب فيلدرز، الذي وقف لمصافحة أنصاره والتقاط صور معهم في ساحة البلدة التي شهدت بعد مغادرته نقاشات غاضبة بين أنصاره ومعارضيه. وقال أحد أنصاره واسمه داني (59 سنة): «سنصوت جميعنا لصالح فيلدرز هذا العام... فالطرق لم تعد آمنة، خصوصًا في المدن الكبيرة». وقال بيتر كامرلينغ (40 سنة)، وهو أحد منظمي الحزب اليميني في المنطقة: «نعم، سنحرّر هذا البلد... فبروكسل (في إشارة إلى الاتحاد الأوروبي) تملك مفتاح ديارنا وسنسترجعه. خيرت سيحرص على ذلك». وفي هذه الأثناء، تجوّل النائب اليميني في المكان وسط وجود كثيف للشرطة. وفي هذا السياق، كان فيلدرز قد تلقّى تهديدات بالقتل من أطراف عدة، بينها جماعات متشددة ترفع لواء الإسلام، وهو ما دفع السلطات إلى توفير حراسة مشددة له على مدار الساعة، حتى بات يعرف بـ«الرجل الأكثر حماية في هولندا».
في الجهة المقابلة، رأى ثيو دو بوير (50 سنة) المناوئ لتيار العنصرية والتطرف، أن «فيلدرز يثير انقسامًا حادًا بين الناس، ويمارس التمييز... أنا لا أتفق معه على الإطلاق، لدينا دستور والحرية الدينية هي إحدى أهم ركائزه». وبين الجانبين بدا البعض حائرًا ومرتبكًا إزاء تقييم الزعيم اليميني المتطرف، مثل بائعة الأسماك ماريان سلورينك (60 سنة) التي علّقت قائلة: «خيرت يجرؤ على قول ما يكنه عدد من الهولنديين، وهذا مفيد، لكنه يثير كثيرا من الكراهية ولا يطرح حلاً فعليًا». وأردفت: «فرص وصوله إلى الحكم ضعيفة، ولا أحد يريد ذلك حقًا».

عقد تحالفات
على صعيد استراتيجية فيلدرز بعد الانتخابات، صرح النائب مارتن بوسما، الذي يعتبر أهم مساعدي الزعيم المتطرف، بأن حزبه سيسعى إلى عقد تحالفات إذا ما فاز في الانتخابات، لكنه أقر بصعوبة ذلك، نظرا إلى رفض أغلبية الأحزاب الهولندية الكبرى، وبينها حزب رئيس الوزراء، التعاون مع حزبه منذ إدلاء فيلدرز تصريحاته بشأن المغاربة وإدانته قضائيًا.
وخلال لقاء مع «الشرق الأوسط» قال الباحث نور الدين العمراني، المتخصص في شؤون الأقليات في هولندا: «تتوقع الأوساط الإعلامية والسياسية فوز حزب الحرية بزعامة اليميني المتطرف خيرت فيلدرز بالاستحقاقات النيابية التي تجرى يوم 15 مارس المقبل. والتكهنات تتوقع حصول الحزب المذكور على أكثر من 30 مقعدًا، وهذا يعني حصوله على المرتبة الأولى على الرغم من التردد الذي يجري التحدث عنه لدى الناخبين الذين عادة ما يغيروا مواقفهم في اللحظات الأخيرة قبل التصويت. والاستطلاعات تشير إلى تقدم اليمين واليمين المتطرف، مع تقدم أيضًا للأحزاب اليسارية غير الممثلة في التحالف الحكومي، كحزب اليسار الأخضر الذي يقوده يسه كلافر (من أصول مغربية) والحزب الاشتراكي وحزب الوسط - الديمقراطيون 66».
وأضاف العمراني: «أما حزب العمل المشهود له بتاريخه النضالي إلى جانب الفئات المهمشة والمهاجرين، فإنه مهدد بهزيمة نكراء، وكل التوقعات تؤشر إلى فقدانه عدة مقاعد، خاصة أنه خلال الانتخابات البلدية السابقة مني بهزائم قاسية بعدما تمكنت أحزاب شعبوية وأخرى صغيرة من التقدم عليه وإبعاده من خريطة العمل والتسيير في كبريات المدن الهولندية (لاهاي وروتردام وأمستردام)». ووفق العمراني: «من المنتظر أن يتلقى حزب العمل مزيدًا من الضربات، خاصة أن للشعب الهولندي مزاجية خاصة في التصويت واختيار مرشحيه. كما أن المواطنين يتأثرون بالبرامج الإعلامية ولا تهمهم البرامج السياسية للأحزاب، وعادة ما يلجأون إلى العقاب في اختيار الأحزاب التي يجري التصويت عليها. وبما أن هولندا لا تشذ عن حقيقة التطورات السياسية العالمية، لا سيما بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية التي انتهت بفوز دونالد ترمب، فإن خيرت فيلدرز سيستفيد من هكذا وضع في أميركا، وأيضًا في فرنسا وبلجيكا بعد الهجمات الإرهابية التي وقعت هناك، ليوظفها لتخويف المواطنين من خطر «أسلمة أوروبا»... ولذا نجده في كل خطاباته السياسية يدعو صراحة إلى إغلاق الحدود وإغلاق المساجد. بل ووصلت به الحماقة السياسية والتهوّر إلى ضرورة منع القرآن ونقله، على غرار منع كتاب «كفاحي» للزعيم الألماني النازي أدولف هتلر. وهكذا يتغذى الإسلاموفوبي من المستنقع ليشن حملاته القائمة على الحقد والكراهية.
ويختتم الباحث المغربي الأصل بالقول: «لكن فوز هذا الحزب المتطرف لا يعني بالضرورة توليه السلطة عبر رئاسة الحكومة. ذلك أنه ملزم بالبحث عن حلفاء له لتشكيل الحكومة، وهذا مستبعد جدًا، خاصة أن غالبية الأحزاب التقليدية منها أو المعارضة لا تثق ببرامج هذا الحزب... الذي ولد فاشلاً وفاقدًا للرؤى السياسية الاقتصادية والاجتماعية. وما زال الكل يتذكر سقوط الحكومة التي كان وراءها خيرت فيلدرز عندما فشل في مسايرة الحزب الليبرالي الذي انشق عنه».

التأثر والتأثير الخارجيان
على أي حال، حسب كثير من المراقبين، فإنه في حال فوز فيلدرز سيحسّن فوز كهذا فرص حلفائه العقائديين في فرنسا وألمانيا حيث ستجرى انتخابات مهمة. ويرى البعض أنه لا يمكن الاعتماد على استطلاعات الرأي، بينما يقول آخرون إن مؤيدي حزب الحرية المتطرف بين الناخبين البالغ عددهم 12.6 مليون شخص، يخفون تعاطفهم معه. ولكن في الأسابيع الأخيرة، نجح حزب الشعب للحرية والديمقراطية، الذي يقوده رئيس الحكومة الليبرالي مارك روتي، في تقليص الفارق بينه وبين حزب الحرية؛ إذ أشار آخر استطلاع للرأي إلى أن حزب روتي سيشغل 24 مقعدا في البرلمان مقابل 30 لحزب فيلدرز.
وعلى صعيد المحللين، يرى موريس دي هوند، الذي يجري استطلاعات للرأي، أن فوز دونالد ترمب في أميركا أعطى دفعا لحزب الحرية، لكن الاستطلاع يشير إلى أن 25 في المائة من ناخبيه ردوا سلبا على الإجراءات التي اتخذها الرئيس الأميركي. ومن جهته، قال غيرتن فالينغ، الخبير في الشؤون السياسية بجامعة «لايدن»، إن فيلدرز يعمل في السياسة منذ 20 سنة «لكن عددًا متزايدًا من الناخبين يريدون الآن بالذات التصويت له لأنهم لا يرون تغييرات كافية». وبالفعل، في فولندام، معقل النائب المتطرف الذي يطلق باستمرار تصريحات نارية، عبّر سيمن كابر (70 سنة) عن الرأي نفسه، إذ قال إن «الساسة لا يصغون للناس. هؤلاء الناس ليسوا عنصريين، لكنهم يريدون أشياء مختلفة».
وفي ظل توقع إخفاق مسعى الحزب المتطرف للحصول على المقاعد الـ76 الضرورية لنيل الغالبية في مجلس النواب الذي يضم 150 مقعدًا، كما يحدث في كل انتخابات، سيكون على الأحزاب التفاوض لأسابيع؛ إن لم يكن لأشهر، بغية تشكيل تحالف حاكم. وهنا يرى فالينغ أن «لا أحد يريد أن يحكم مع فيلدرز، ولن يكون قادرا أبدا على الحصول على غالبية... لذلك سيكون حزبا معارضًا قوي التأثير». وما يذكر في هذا المجال أن روتي الذي كان قد تحالف مع فيلدرز عام 2010 وعد بالامتناع عن العمل مع من يريد إغلاق مساجد البلاد وأدين بالتمييز العام الماضي بسبب تعليقات أدلى بها حول المغاربة. وفي محاولة لجذب مؤيدي الزعيم المتطرف، صعّد روتي اللهجة حول الهجرة في رسالة مفتوحة دعا فيها المهاجرين الذين لا يحترمون القيم الهولندية إلى مغادرة البلاد. ومع ذلك، أصر فيلدرز في مقابلة على أنه لا يمكن تجاهل حزبه.

فيلدرز «الظاهرة»... إعلاميًا وقضائيًا
* قبل نهاية عام 2016 بأيام، اختير النائب الهولندي اليميني المتطرف خيرت فيلدرز «رجل العام» في هولندا في ختام استطلاع تلفزيوني (على التلفزيون الرسمي «إن بي أو وان»)، في حين حل حزبه، حزب الحرية، في الطليعة حسب استطلاعات الرأي وحصل فيلدرز على 26 في المائة من نحو 40 ألف صوت.
تلك كانت المرة الرابعة التي يفوز فيها باللقب خلال هذا الاستطلاع. إذ سبق له أن اختير «رجل العام» بين السياسيين خلال أعوام 2010 و2013 و2015، وعلى الأثر كتب فيلدرز تغريدة على حسابه قال فيها: «أشكر الهولنديين الذين انتخبوني رجل العام بين السياسيين لعام 2016».
ولكن، في مطلع العام الجاري اعتبرت محكمة هولندية فيلدرز مذنبًا في ملف إهانة أقلية مسلمة – هي المغاربة – استهدفها بتصريحاته في مارس 2014. بيد أن القاضي لم يصدر أي عقوبة مع منحه الحق في التقدم بطلب للاستئناف ضد الحكم في غضون أسبوعين. ويومها اعتبر القاضي أن فيلدرز مذنب بالتحريض على التمييز، عندما دعا إلى وجود أعداد أقل من المغاربة في هولندا، لكنه غير مذنب فيما يتعلق بالدعوة إلى الكراهية. كذلك اعتبر القاضي أن تصريحات فيلدرز لا تأتي في إطار حرية التعبير، بل أساء إلى مجموعة من الأشخاص، ولذا تعتبر تصريحاته دعوة إلى التمييز.
وفي رد فعل على القرار قال جان كنوبس، محامي فيلدرز، إنه تلقى من موكله ما يفيد بموافقته على الاستئناف ضد القرار. وأضاف المحامي أن موكله يرى أن قرار المحكمة يعتبر خسارة للديمقراطية وحرية التعبير. وفي تغريدة له على «تويتر» وصف فيلدرز قرار المحكمة بأنه «قرار مجنون صدر بإدانته هو ونصف الشعب الهولندي من جانب ثلاثة قضاة يكرهون حزب الحرية».
ويذكر أنه قبل النطق بالحكم قال فيلدرز: «مهما يكن قرار المحكمة، لن أتوقف عن قول الحقيقة حول مشكلة المغاربة، ولن يستطيع القضاء ولا السياسية ولا الإرهاب أن يمنعوني». أما القاضي فقال – أيضًا قبل النطق بالحكم - إن العامل الأساسي الوحيد للتعامل مع هذه القضية هو القانون، أما الآراء الشخصية فليس لها أي دور. وأضاف القاضي: «حرية التعبير للسياسيين مرتبطة أيضا بالقانون، وخيرت فيلدرز ليس فوق القانون. وبالتالي، فالأمر لا يتعلق باتجاه سياسي».



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.