انتحاري الموصل «داعشي» بريطاني كان معتقلاً في غوانتانامو

متحدث باسم حكومة المملكة المتحدة: لا يوجد تأكيد أن المنفذ جمال الدين الحارث

انتحاري الموصل «داعشي» بريطاني كان معتقلاً في غوانتانامو
TT

انتحاري الموصل «داعشي» بريطاني كان معتقلاً في غوانتانامو

انتحاري الموصل «داعشي» بريطاني كان معتقلاً في غوانتانامو

ذكرت مصادر أمنية غربية يوم أمس أن انتحاريا بريطانيا من تنظيم داعش فجر نفسه في هجوم على القوات العراقية قرب الموصل هذا الأسبوع، قد كان محتجزا في غوانتانامو بين العامين 2002 و2004. وحصل على تعويض من الحكومة البريطانية بعد الإفراج عنه.
وتبنى تنظيم داعش التفجير الانتحاري يوم الاثنين الماضي مؤكدا أن منفذه كان يدعى أبو زكريا البريطاني وهو مواطن بريطاني كان يعرف في الأساس باسم رونالد فيدلر ثم سمى نفسه جمال الدين الحارث. كما نشر المتطرفون صورة للمفجر وهو يبتسم بينما تحيطه أسلاك في مقعد السيارة التي فجرها على ما يبدو، ورصد الأنباء والصورة مركز «سايت» الأميركي المتخصص بمراقبة المواقع المتطرفة.
وأكد شقيق الانتحاري ليون جيمسون أن الصورة التي رصدها مركز «سايت» تعود للحارث. ونقلت صحيفة «ذا تايمز» البريطانية عن جيمسون قوله: «يمكنني أن أعرفه من ابتسامته. إذا كان الأمر صحيحا فلقد خسرت أخا، وبالتالي فقد رحل (فرد) آخر من العائلة». من جهتها، نقلت قناة «4 نيوز» البريطانية عن فرد من العائلة لم تذكر اسمه ومصدر آخر تأكيدهما أن الصورة تعود للحارث.
لكن الحكومة البريطانية أشارت إلى أنها لم تتمكن من تأكيد التقارير. إذ قالت متحدثة باسم الحكومة «نظرا إلى أن جميع الخدمات القنصلية البريطانية معلقة في سوريا، ومحدودة بشكل كبير في العراق، فمن الصعب جدا تأكيد مكان وحالة الرعايا البريطانيين في تلك المناطق»، حسبما نقلت عنها وكالة الصحافة الفرنسية. كما قال متحدث باسم رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي أمس إنه لا يوجد تأكيد مستقل بأن الانتحاري هو مواطن بريطاني كان معتقلا في سجن غوانتانامو. وأضاف للصحافيين: «لا يوجد تأكيد مستقل لهوية هذا الرجل الذي يعتقد أنه لقي حتفه في الموصل»، حسب رويترز.
وكان كينيث كلارك وزير العدل البريطاني الأسبق قد صرح في عام 2010 بأن بريطانيا توصلت إلى تسوية مدنية مع السجناء البريطانيين السابقين في غوانتانامو لكنها لم تكشف عن حجم المدفوعات مشيرة إلى اتفاقات سرية.
إلا أن صحيفة «ديلي ميل» البريطانية ذكرت أن الحارث قد حصل على 1.25 مليون دولار من الحكومة البريطانية خلال فترة حكومة توني بلير العمالية، بعدما زعم الحارث أن ضباطا بريطانيين كانوا على علم أو كان لهم يد في إساءة معاملة يقول إنه تعرض لها داخل المعتقل.
وسرعان ما أصدر توني بلير بيانا رسميا ينفي أن المليون جنيه الإسترليني جرى دفعه للحارث تحت حكومته، بل إن ذلك تم تحت حكومة الائتلاف بين المحافظين والليبراليين الأحرار بقيادة ديفيد كاميرون.
واعتنق البريطاني من أصل جامايكي المولود عام 1966 والذي يتحدر من مدينة مانشستر في شمال إنجلترا الإسلام في العشرينات من عمره عام 1994. ثم قضى أربعة أعوام في دراسة اللغة العربية وتدريس اللغة الإنجليزية بجامعة الخرطوم بالسودان.
وفي عام 2001 سافر الحارث لباكستان، وبينما هو هناك دفع بعض المال لسائق شاحنة لكي ينقله إلى إيران. وعلى الحدود الأفغانية، ولدى رؤية جواز سفره البريطاني، ألقى حراس طالبان القبض عليه لشكهم في أن يكون جاسوسا بريطانيا. وعند اكتشاف القوات البريطانية الحارث في سجون طالبان بمدينة قندهار قامت بالتوسط للإفراج عنه، وقامت لجنة الصليب الأحمر الدولية بالترتيب لعودته إلى بريطانيا. ومن ثم اعتقلته قوات خاصة أميركية في أفغانستان ونقلته إلى غوانتانامو في 2002 للاشتباه بارتباطه بطالبان وجماعات متطرفة.
وفي وثيقة سرية نشرتها «الغارديان» عام 2011 كانت قد أصدرتها وزارة الدفاع الأميركية في 2003 تفاصيل عن إلقاء القبض على الحارث. وأتى فيها: «تم اعتقال الحارث في غوانتانامو لاشتباهه بالارتباط بطالبان وامتلاكه معلومات استخباراتية عن الجماعة المتطرفة، ولكنه لا ينتمي للجماعة ولا لتنظيم القاعدة».
وأضافت الوثيقة: «قد يكون المعتقل على صلة بمنفذي هجوم إرهابي سابق داخل الولايات المتحدة وهو على صلة ببعض رجالات تنظيم القاعدة وكان على تواصل مع شبكة أسامة بن لادن خلال تواجده في السودان». وتضمنت الوثيقة توصية بعدم إطلاق سراحه.
إلا أنه أطلق سراحه في 2004 بعدما ضغطت حكومة رئيس الوزراء في ذلك الحين توني بلير من أجل الإفراج عنه. وأمضى الحارث فترة عصيبة في إنجلترا، لم يستطع التأقلم مع المجتمع ولا إيجاد وظيفة ملائمة خلالها (بحسب ما كتب الحارث في شهادته على موقع كيدج، المجموعة أسسها معتقل غوانتانامو السابق معظم بيك للدفاع عن حقوق المعتقلين في عمليات مكافحة الإرهاب).
وقرر الحارث، حسب وسائل الإعلام البريطانية السفر إلى سوريا عام 2014 للانضمام إلى تنظيم داعش، ورافقته في رحلته زوجته وأطفاله الخمسة عام 2015 قبل أن يقوموا بالفرار من المناطق الخاضعة لسيطرة «داعش».
وصرحت زوجته للمراسلين أنها غادرت لكي تقنعه بالعودة إلى بلاده، إلى أنه نفذ عمليته الانتحارية الشهر الجاري غربي الموصل.

المدير التنفيذي لمنظمة كويليام: التعويض المدفوع للحارث قد يكون بأيدي «داعش» الآن
* قال آدم دين المدير التنفيذي لمنظمة كويليام لمكافحة التطرف ومقرها لندن إن الأنباء حول جمال الدين الحارث مقلقة فعلا، لكنها أيضا ترسم صورة واضحة لحال التطرف ومكافحته اليوم. وأضاف خلال حديث لـ«الشرق الأوسط» أمس على أن تعرض الحارث لتعذيب في غوانتانامو واعتقاله هناك لمدة عامين من دون تهمة واضحة، وتعرضه لحلقات تطرف داخل المعتقل كانت جميعها مقومات لعدم تأقلمه مع مجتمعه عند عودته.
لكنه أضاف مستدركا أن تجربته داخل المعتقل التي لم يصدر من بعدها حكم مؤكد حول ارتباطه بالأفكار المتطرفة «أجبرت المملكة المتحدة أن تدفع له تعويضا بمقدار مليون جنيه إسترليني، موله الشعب من ضرائبه، وقد يكون حط بين يدي تنظيم داعش المتطرف الذي يسفك دماء سكان الموصل». وقال: «لو قمنا بمحاكمته في محكمة بريطانية مثلما يحدث عادة، كان لا يزال وراء القضبان اليوم».
وحول سبل مكافحة التطرف وإعادة تأهيل المتأثرين، أكد دين أن «معاقبة المتهمين بالإرهاب بدلا من المحاولة من نهيهم عن الإرهاب من خلال إلهائهم بمحفزات في المعتقل، تعني أن هؤلاء سيستمرون على نهج آيديولوجية التطرف بعد إطلاق سراحهم». وأضاف: «بما أن آيديولوجية (القاعدة) و(داعش) متشابهتان، ليس من المفاجئ أن ينتقل شخص مثله من ولاء لـ(القاعدة) إلى مبايعة لـ(داعش)». ولم يستبعد دين أن التعذيب والأحوال السيئة في غوانتانامو زادت كرهه للغرب.
وعن الحلول لإعادة تأهيل المتطرفين في بريطانيا، رأى دين أنه قد يتحقق ذلك «من خلال توظيف القانون البريطاني لمحاكمة المتهمين بالإرهاب والالتزام بحقوق الإنسان في جميع عمليات مكافحة الإرهاب»، أولا. وثانيا «عن طريق إعادة هيكلة نظام السجون في بريطانيا والتعامل مع المتطرفين بحساسية والتركيز على سبل إعادة تأهيلهم داخل السجن»، ثالثا. أهمية محارب آيديولوجية التطرف بشكل عام وليس فقط «داعش».



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».