«جنيف 4» تنطلق اليوم باجتماع بروتوكولي وسقف توقعات منخفض

موسكو طلبت من النظام وقف القصف الجوي خلال المفاوضات

مارة يجتازون عربات محطات تلفزيونية وأطباق لاقطة عشية انطلاق المحادثات السورية - السورية في جنيف اليوم (أ.ف.ب)
مارة يجتازون عربات محطات تلفزيونية وأطباق لاقطة عشية انطلاق المحادثات السورية - السورية في جنيف اليوم (أ.ف.ب)
TT

«جنيف 4» تنطلق اليوم باجتماع بروتوكولي وسقف توقعات منخفض

مارة يجتازون عربات محطات تلفزيونية وأطباق لاقطة عشية انطلاق المحادثات السورية - السورية في جنيف اليوم (أ.ف.ب)
مارة يجتازون عربات محطات تلفزيونية وأطباق لاقطة عشية انطلاق المحادثات السورية - السورية في جنيف اليوم (أ.ف.ب)

بعد انقطاع تسعة أشهر، عاد ملف الأزمة السورية إلى جنيف في جولة رابعة تنطلق اليوم ولأسبوعين بعد وصول وفود المعارضة «الثلاثة» ووفد النظام أمس إلى المدينة السويسرية وسط مخاوف من عجزها عن تحقيق اختراق جدي.
وكما في الجولات الثلاث السابقة، يعود دور الأمم المتحدة إلى الواجهة بعد أن سرق اجتماعا آستانة في يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) الأضواء منها، ليعود التركيز على الحل السياسي. لكن إحدى صعوبات الجولة الجديدة تتمثل في الانتهاكات الواسعة لوقف إطلاق النار الذي أرسي في العاصمة الكازاخستانية وفيما تعتبره المعارضة إخفاقا لروسيا وأنقرة في تنفيذ التعهدات التي التزمت بها، وأولها وقف النار والبحث في ملف السجناء والمخطوفين وإيصال المساعدات الإنسانية.
وفي مؤتمر صحافي حافل عقده المبعوث الخاص إلى سوريا ستيفان دي ميستورا، عصر أمس، برزت وبشكل فاضح الصعوبات التي تحيط بجولة المفاوضات الجديدة حيث تبدى أن الأخير لا يعرف بالتحديد كيف ستجري الأمور اليوم، لا لجهة كيفية حصول أول اجتماع ولا لجهة الوفود التي تمثل المعارضة والتي وجه إليها دعوات رسمية وآخرها لمنصتي القاهرة وموسكو.
وقال المبعوث الخاص للصحافيين: «لا تسألوني عن كيفية تنظيم كل ذلك»، مضيفا أنه سيجتمع ثنائيا صباح اليوم مع الوفود التي وصلت لبحث هذه المواضيع. وفهم منه أن الاجتماع الأول سيكون فقط بروتوكوليا وبحضور ممثلين عن مجموعة الدعم الدولية لسوريا. ووصلت لـ«الشرق الأوسط» في جنيف معلومات تفيد بأن الهيئة العليا للمفاوضات «مستاءة» من دعوة دي ميستورا لوفدين إضافيين، ومنح صفة «وفد معارضة» عليهما بناء على ضغوطات من روسيا. وكان من المنتظر أن يعقد وفد الهيئة العليا وأعضاء منها وصلوا إلى جنيف عصرا اجتماعات تشاورية. كذلك سيبحث هذا الجانب مع دي ميستورا نفسه صباح اليوم.
وكشف المبعوث الأممي أن ممثل روسيا في مجموعة متابعة لوقف إطلاق النار التي التأمت أمس في مقر الأمم المتحدة، أعلن أن موسكو «طلبت رسميا من النظام السوري الامتناع عن عمليات القصف الجوي في المناطق المشمولة بوقف النار وطيلة انعقاد الجولة الراهنة». كذلك أشار إلى أنه طلب من «الأطراف الأخرى المؤثرة» أن تفعل الشيء نفسه من أجل ألا تكون الأعمال العسكرية سببا لانهيار المفاوضات الحالية. إلا أنه استدرك بالإشارة إلى أن وقف النار الذي «يعاني من انتهاكات كثيرة ما زال قائما إلى حد كبير».
وفي إشارة مبطنة ربما إلى النظام السوري أو أطراف أخرى، نبه المبعوث الأممي إلى أنه يمكن أن يتعرض لـ«محاولات تخريب» أو لـ«محاولات استفزازية من أجل دفع طرف ما إلى الانسحاب من المفاوضات». وبرأيه، فإن وقف النار «بحاجة إلى الزخم السياسي» حتى يستمر، ما يعني في نظره أنه لن يستمر إذا ما فشلت جنيف4. كذلك رأى أن العملية السياسية تستفيد كذلك من احترام وقف الأعمال العدائية. ومع ذلك، فإن دي ميستورا نبه إلى أنه يريد أن تستمر المفاوضات وحتى إن لم يحترم وقف النار «لأن ذلك ليس شرطا أساسيا» ما يفسر قوله إنه «سيرفض الشروط المسبقة» التي يمكن أن يطرحها هذا الطرف أو ذاك.
وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر أوروبية ومن أوساط المعارضة أن اجتماعات تمهيدية حصلت أمس في جنيف من أجل تنسيق المواقف، ومنها اجتماع بين المبعوث الأميركي مايكل راتني ووفد الهيئة العليا للمفاوضات، واجتماعات أخرى مع ممثلين لدول «النواة الصلبة» الداعمة للمعارضة السورية. وبحسب هذه المصادر، فإن الغربيين نصحوا المعارضة بأن «تثابر» على حضور الاجتماعات حتى وإن كانت صعبة و«ألا ترتكب الغلطة التي ارتكبتها في شهر أبريل (نيسان) الماضي عندما انسحبت من المحادثات بسبب التصعيد العسكري الذي لجأ إليه النظام والميليشيات التي تحارب إلى جانبه». وقال عضو من منصة موسكو لـ«الشرق الأوسط»، إن «أفضل هدية نقدمها لبشار الأسد هي الانسحاب من المفاوضات وإعطاؤه حجة هو والإيرانيين من أجل تصعيد العمليات العسكرية والسعي لفرض أمر واقع على الشعب السوري».
وفي السياق عينه، رأى مصدر غربي أن المعارضة السورية «أقوى على طاولة المفاوضات مما هي عليه عسكريا وبالتالي يتعين عليها استخدام هذه الورقة واستثمار جنيف من أجل إعادة التركيز على عملية الانتقال السياسي التي يهرب النظام من التطرق إليها». ويضيف هذا المصدر أن موسكو تقول لنا إنها «تريد تحقيق تقدم على طاولة المفاوضات، لذا علينا أن نرى إن كانت جادة وكيف سيترجم ذلك ابتداء من اليوم وأول اختبار لها هو مدى قدرتها على حمل النظام على الدخول في مفاوضات جدية».
يصعب القول إن دي ميستورا بدا متفائلا قبل ساعات قليلة على معاودة المفاوضات. فأكثر من مرة، خفض من سقف التوقعات، وهو وإن كان متيقنا أن الجولة الجديدة ستكون «مفيدة وجدية»، إلا أنه «لا يتوقع اختراقا كبيرا». ورغم أنه «لا توقعات مفرطة» من جنيف 4. إلا أن دي ميستورا «يريد منح الشعب السوري فرصة» لإحلال السلام في بلاده. واستبق المبعوث الأممي انطلاق المحادثات ليعلن أنه ينتظر الخطابات العدائية والتهويل. وردا على سؤال حول ظروف انعقاد الجولة الراهنة مقارنة مع ما حصل العام الماضي، رأى دي ميستورا أن العام 2017 «مختلف عن 2016 من الناحيتين الجيوسياسية والعسكرية»، مدللا على ذلك بأن اتفاقات وقف النار السابقة كانت ثنائية أميركية - روسية بينما العام الحالي تغيرت بتراجع الدور الأميركي ودخول تركيا وإيران إليها.
لكن المبعوث الأممي الذي أدهش المجتمعين في ميونيخ الأسبوع الماضي بتأكيده أنه لا يعرف ما هي السياسة الأميركية الجديدة إزاء الملف السوري، سعى بالأمس للتخفيف من انتقاداته بالقول إن أي إدارة جديدة «تحتاج لشهر من أجل وضع استراتيجية جديدة». لكن هذا لا يعني في نظره أنه يتعين الانتظار حتى تتبلور مواقف واشنطن لأن الخطر هو أن «نفقد الزخم» المتأتي من آستانة. ووصف جولتي المفاوضات في آستانة بأنها كانت «بادرة إيجابية جدا» آملا أن تحصل لقاءات جديدة تتناول الجوانب العسكرية بينما مرجعية المسائل السياسية هي جنيف. ودعا دي ميستورا إلى الصبر وانتظار «نهاية المحادثات» بدل الحكم عليها سلفا.
واستفاد المبعوث الأممي من فرصة المؤتمر الصحافي أمس ليوجه رسائل في أكثر من اتجاه وأولها إلى موسكو وذلك في موضوع بلورة دستور سوري جديد وفق الفصول الثلاثة المنصوص عليها في القرار الدولي رقم 2254 وهي، إلى جانب الدستور، الحوكمة والانتخابات. وفيما يبدو أنه انتقاد لبادرة موسكو ببلورة مسودة دستور جديد، قال دي ميستورا إن صياغة الدستور «امتياز خالص للشعب السوري»، وإنه «ليست هناك دولة سمحت لدولة أخرى أن تضع دستورها». لكن هذا الانتقاد لا ينطبق على الأمم المتحدة التي يمكن أن «تضع خبراتها بتصرف الشعب السوري».
وأمس، كانت صورة الوضع كما تبدو من جنيف «غير مشجعة» لجهة النتائج التي يمكن أن تسفر عنها الجولة الراهنة. فأوساط المعارضة وكذلك مسؤولون غربيون اتصلت بهم «الشرق الأوسط»، أجمعوا على تأكيد أن جدية المفاوضات ستتبدى سريعا جدا ومنذ الاجتماعات الأولى، وأنه لذلك «يتعين الالتفات بشكل خاص لما سيكون عليه الأداء الروسي» ومدى استعداد موسكو لـ«لي ذراع» الأسد وقدرتها على «مواجهة» التأثير الإيراني. كذلك تعرب هذه الأوساط عن قلقها من التأثيرات السلبية للغياب الأميركي عن هذه الجولة رغم أن مايكل راتني، المندوب الأميركي السابق ما زال في موقعه وهو موجود في جنيف.
وفي سياق آخر، عادت الشائعات لتسري مجددا عن احتمال استقالة المبعوث الأممي من مهمته. ولدى سؤاله عن ذلك، رد بقوله إن الإشاعات «لا تزعزعه» وإن القرار في هذا الموضوع هو «بيد الأمين العام للأمم المتحدة» و«زوجة دي ميستورا»، وبيده هو وليس في أي مكان آخر.



لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.


اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

تتصاعد المخاوف الإنسانية في محافظة الحديدة الساحلية غرب اليمن، مع استمرار قطع التيار الكهربائي عن مراكز الغسيل الكلوي، في خطوة تُنذر بعواقب كارثية على حياة مئات المرضى الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه الخدمات للبقاء على قيد الحياة.

وأثار هذا الإجراء، الذي تنفذه الجهة الحوثية المسيطرة على قطاع الكهرباء في المحافظة، موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الطبية والإنسانية، وسط تحذيرات من ارتفاع وشيك في معدلات الوفيات.

تأتي هذه التطورات في ظل أوضاع صحية ومعيشية بالغة التعقيد، تعيشها الحديدة وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث يواجه القطاع الصحي انهياراً كبيراً نتيجة نقص التمويل وشح الموارد، مما يجعل أي خلل إضافي، مثل انقطاع الكهرباء، عاملاً مباشراً في تهديد حياة المرضى، خصوصاً أولئك المصابين بالفشل الكلوي.

طفلة يمنية مريضة بفشل كلوي بمركز خاضع للحوثيين في الحديدة (إكس)

وأفادت مصادر طبية بأن استمرار انقطاع الكهرباء أدى إلى تعطيل عدد كبير من جلسات الغسيل الكلوي، وتأجيل أخرى، في وقت يعجز فيه الطاقم الطبي عن توفير بدائل مناسبة لتشغيل الأجهزة الحيوية.

وتزداد خطورة الوضع مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مما يضاعف من معاناة المرضى ويزيد من احتمالات تدهور حالتهم الصحية.

نقص حاد

أكدت المصادر الصحية أن مراكز الغسيل في الحديدة تعاني أصلاً من نقص حاد في الإمكانات، سواء من حيث عدد الأجهزة أو توفر المحاليل الطبية، فضلاً عن غياب مولدات كهربائية كافية أو توفر الوقود اللازم لتشغيلها بشكل مستمر.

ويُعد التيار الكهربائي عنصراً أساسياً لا غنى عنه لتشغيل أجهزة الغسيل، حيث تستغرق الجلسة الواحدة ما بين ثلاث إلى خمس ساعات، ويحتاج كل مريض إلى ثلاث جلسات أسبوعياً على الأقل.

صالة مركز الغسيل الكلوي في مدينة الحديدة خلال توقفه عن العمل (إكس)

في المقابل، تبرر الجهة الحوثية المسؤولة عن الكهرباء قرارها بتراكم فواتير الاستهلاك وعدم سدادها من إدارات المراكز الطبية، وهو ما يرفضه العاملون في القطاع الصحي، مؤكدين أن هذه المرافق تقدم خدمات إنسانية منقذة للحياة، ولا ينبغي إخضاعها لمثل هذه الإجراءات التي تتجاهل طبيعة عملها الحساسة.

كما كشف عاملون في أحد مراكز الغسيل عن توافد أعداد كبيرة من المرضى يومياً من مختلف مديريات الحديدة، إضافةً إلى مناطق مجاورة، مثل حجة والمحويت وريمة وذمار، مما يؤدي إلى ازدحام شديد أمام المراكز، في ظل محدودية القدرة الاستيعابية وتراجع مستوى الخدمات.

معاناة إنسانية

في ظل هذه الظروف، عبّر مرضى وأهاليهم عن استيائهم الشديد من استمرار انقطاع الكهرباء، مؤكدين أن هذا الإجراء يفاقم معاناتهم اليومية ويضع حياة ذويهم في دائرة الخطر المباشر.

وأوضحت المصادر أن المرضى يواجهون آلاماً متزايدة نتيجة تأخر جلسات الغسيل أو توقفها، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأشار الأهالي إلى أن فرض تحصيل الفواتير بهذه الطريقة لا يراعي الأوضاع الإنسانية الصعبة، ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة الخدمات التي تقدمها هذه المراكز، مطالبين بتدخل عاجل لإعادة التيار الكهربائي وضمان استمرارية العمل دون انقطاع.

من جهتهم، حذر ناشطون في المجال الإنساني من خطورة استخدام الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، وسيلةَ ضغط، معتبرين أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الإنسانية، ويزيد من تعقيد الأزمة التي تعيشها المحافظة.

وأكد الناشطون أن استهداف مراكز الغسيل الكلوي، التي تقدم خدمات حيوية، يعكس غياب الاعتبارات الإنسانية، وينذر بتداعيات خطيرة على حياة مئات المرضى.