مصممون اختاروا الهروب إلى عوالم بعيدة

من عرض «بيتر بيلوتو» - من عرض «تامبرلي لندن» - من عرض {ماريا كاترانزو}
من عرض «بيتر بيلوتو» - من عرض «تامبرلي لندن» - من عرض {ماريا كاترانزو}
TT

مصممون اختاروا الهروب إلى عوالم بعيدة

من عرض «بيتر بيلوتو» - من عرض «تامبرلي لندن» - من عرض {ماريا كاترانزو}
من عرض «بيتر بيلوتو» - من عرض «تامبرلي لندن» - من عرض {ماريا كاترانزو}

في الساعة السابعة من يوم الأحد الماضي، كان الموعد مع ماري كاترانزو في الـ«تايت مودرن». على الكراسي، وضعت ورقة يتيمة تشرح فيها أنها استلهمت تشكيلتها من فيلم ديزني الكلاسيكي «فانتازيا». كان من الطبيعي أن نتوقع قصة حالمة، بخطوط مستوحاة من أناقة الأربعينات، بحكم أن الفيلم صدر في تلك الحقبة، لكن ما إن بدأ العرض حتى تأكدنا أن لا شيء قد حضرنا للبركان المتفجر بالألوان، ولا لحديقة الأزهار المتفتحة بكل الأشكال. وإذا كانت الفكرة من «فانتازيا» هي الهروب إلى عالم من الأحلام والجمال، فقد نجحت المصممة اليونانية الأصل في تحقيق هدفها. بعد عرضها قالت كاترانزو إن الفيلم «سمح لي أن أحلم»، وفي الوقت ذاته فتح أمامها آفاقًا جديدة لاستعراض قدراتها الفنية.
وللتخفيف من توهج الألوان السكرية والصارخة، اعتمدت خطوطًا مفصلة من حقبة الأربعينات، وتحديدًا من بطلات موجة أفلام «فيلم نوار»، مستعملة تطريزات غنية بالنسبة لها ورسمات قوية. كان هناك مثلاً معطف مزين بقطع مرايا معدنية، تجسد أشكال بجعات، وآخر مستقيم وبطول أقصر، مطرز بطبقات من الورود المصنوعة من الريش والزجاج المعشق، إضافة إلى ياقات مصنوعة من الفرو بألوان متوهجة. تشك للحظة إن كنت تتابع عرضًا في «تايت مودرن» أم في قاعة «فرساي»، فكل قطعة أطلت علينا كانت تحاكي بفنيتها وجمالها الـ«هوت كوتير».
في مجموعتها الخاصة بالمساء والسهرة تحديدًا، قدمت فستانًا رسمت عليه سماء صافية في ليلة تضيئها النجوم والقمر، من خلال تطريزات دقيقة وزعتها في أماكن استراتيجية أعطته بعدًا ثلاثيًا، وجعلته يبدو وكأنه لوحة من رسم فنان ماهر. لم تكتف بالتطريزات، واستعملت أقمشة لا تقل ترفًا، مثل البروكار والحرير والتول.
الطريف أننا في كل موسم نصاب بالقلق على ماري كاترانزو، كونها حققت نجاحًا ساحقًا منذ بدايتها بفضل رسماتها الثلاثية الأبعاد والقوية. فنجاح مفاجئ من النوع الذي حققته يصعب الحفاظ عليه طويلاً، ويحتاج إلى تجديد دائم لإرضاء التوقعات.
في كل موسم، تنجح ماريا كاترانزو في الاختبار، وتُنسينا ما قدمته في الموسم الذي سبق. وهذا ما أكدته في تشكيلتها لخريف وشتاء 2017، التي تشبعت بنضج من نوع جديد. فما قدمته يوم الأحد لم يكن لامرأة عصرية فحسب، بل كان أيضًا متوجهًا لمناسبات السجاد الأحمر، حيث صبت فيه كل ما تحتاجه امرأة ذكية أنيقة واثقة في حياتها، من الصباح إلى آخر الليل. ودائما تلحظ بين جديدها وقديمها خيطًا رفيعًا من الإبداع الفني؛ هذا الخيط هو ما يميز مصممًا عاديًا عن مصمم غير عادي.
الثنائي بيتر بيلوتو وكريستوف دي فوس، مؤسسا دار «بيتر بيلوتو»، من جيل ودُفعة ماري كاترانزو. هما أيضًا مسكونان، مثلها، بروح التجديد والإبداع، وهو ما أكدته تشكيلتهما لخريف وشتاء 2017، التي قدماها في فندق «وولدورف» بديكورات إثنية تصرخ بالألوان والعصرية، قالا إنهما جمعاها من أصدقاء لهما يعملون في مجالات فنية مختلفة.
وأضافا أن قطع الديكور هذه تعكس التنوع، وحب الاستكشاف الذي تتضمنه تشكيلتهما المطبوعة بأقمشة مترفة، وتطريزات ورسمات إثنية. فعلى فساتين من المخمل مثلاً، بأطوال متباينة، وعلى جاكيتات من الساتان مبطنة، وبجيوب ضخمة، وفساتين صوفية، ظهرت هذه التطريزات، بل حتى في الإكسسوارات، من الأحذية العالية الرقبة إلى الأساور وأقراط الأذن. أغلبها، إن لم نقل كلها، كانت بإيحاءات من قبائل منسية في منغوليا أو بيرو، لا سيما فيما يتعلق بالمنسوجات والتطريزات الهندسية التي غطت كثيرًا من القطع المصنوعة من الحرير المبطن أو التويد والصوف.
خلافًا للمعتاد، كان بيتر بيلوتو وكريستوف دي فوس في استقبال الضيوف، عوض أن يكونا وراء الكواليس يرجفان خوفًا من ردود الفعل، ويتصببان عرقًا كما هي الصورة التي نتابعها في كل الأفلام الوثائقية لعروض الأزياء.
تفسير بيتر بيلوتو، عندما تم التلميح لهذه النقطة، أنهما أرادا أن تكون الدعوة بمثابة دعوة «بيتوتية»، لهذا استعانا بديكورات استعاراها من أصدقاء يعملون في مجال الأثاث والهندسة، وآخرين يعشقون السفر واقتناء القطع التي تشدهم. ما أكد هذه الصورة أن بعض الضيوف حضروا مع أطفالهم الذين جلسوا على إحدى هذه الكراسي يرسمون على الورق، ويلونون غير عابئين لما يجري حولهم بين الكبار، ولا فاهمين أنه وراء كل هذا الإخراج هناك صناعة وتجارة تتلخص مهمتها في تسويق حلم. في لندن، على الأقل، يبدو أنه ليس هناك ما يسوق الحلم أكثر من الألوان المتوهجة، فهي تلعب دور العطور نفسه في تحسين المزاج، والرفع من المعنويات، لا سيما في موسمي الخريف والشتاء.
ومثل ماريا كاترانزو و«بيتر بيلوتو»، قدمت أليس تامبرلي تشكيلة حلقت بنا إلى عوالم حالمة أبعدتنا عما يجري من حولنا من أحداث متسارعة.
المعروف عنها أنها من المصممين الذين يعشقون السفر والترحال، وأنها تستعمل السفر للغرف من ثقافات الغير وألوانها وتطريزاتها. وهذا ما ظهر في هذه التشكيلة التي تعبق برومانسية تنأى بنفسها عن الواقع المعاش، وهو ما اعترفت به، قائلة: «من البداية، أردتها أن تكون هادئة أنيقة، على أن تتضمن عناصر رومانسية تتجاوز الواقع»، وأضافت: «شخصيًا، مللت من متابعة ما يجري في العالم من أحداث مخيفة، وهربت إلى عالم خاص بي لكي أبدع تشكيلة بها حلم وواقع أجمل».
أهم ما يلفت النظر في هذه التشكيلة، مقارنة بما قدمته سابقًا، أنها أكثر صقلاً. فخطوطها الأنثوية تستحضر «ذي نيو لوك»، الذي أطلقه كريستيان ديور في الخمسينات من القرن الماضي في بعض القطع، بينما كانت التصاميم الغالبة تعانق الجسم، وتنسدل عليه بانسيابية تساعد عليها أقمشتها. التطريزات التي غطت معظمها حولتها إلى شبه جواز سفر تنقلنا به إلى أماكن بعيدة، مثل المكسيك وغيرها، زارتها أليس تامبرلي، إما في أسفارها أو في مخيلتها.
ورغم أن التطريزات ظهرت في كثير من تشكيلاتها السابقة، ويمكن القول إنها أصبحت ماركتها المسجلة، فإن الورود هذه المرة اكتسبت جرأة أكبر، ودقة غير مسبوقة، الأمر الذي منحها توازنًا، وخلق لغة شاعرية جديدة. كانت هناك أيضًا «شقاوة» غير معهودة، تجسدت في شفاه طرزتها على الظهر تارة، أو على جانب تنورة تارة أخرى، بأشكال طريفة لكن قوية، تجمع بين «البوب آرت» والسريالية؛ الجميل فيها أنها كانت بجرعات محسوبة متوازنة، يمكن أن تغوي حتى المرأة التي تعاني من فوبيا التطريزات.



في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
TT

في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)

في اليوم الأول لأسبوع الموضة في لندن لخريف وشتاء 2026، أكد عرض «بول كوستيلو» أن من «خلَّف ما مات». كان هذا أول عرض لويليام كوستيلو، الابن الذي تسلم المشعل بعد وفاة والده بول العام الماضي لقيادة القسم الإبداعي في الدار.

كان العرض «بداية جديدة» للدار بكل المقاييس. والأهم من هذا، كان اختباراً لابن ورث اسماً ظل لأربعة عقود جزءاً لا يتجزأ من الموضة البريطانية عموماً، وأسبوع لندن خصوصاً.

احترم الابن إرث والده من حيث الأقمشة لكنه قدمها بنبرة جديدة تشير إلى بداية عهد جديد (بول كوستيلو)

نجح الابن في هذه التجربة الأولى، وحقّق المعادلة بأن جعل الإرث خفيفاً على النظر رغم التفاصيل المبالغ في أحجامها ونسبها. فقد ترجم حمولته العاطفية من خلال أحجام شفع بناؤها المتقن لجرأتها المبالغ فيها، وهو ما تؤكده المعاطف والكورسيهات المشدودة والبنطلونات الواسعة ذات الطيات المبتكرة. يبدو أنه تعمَّد أن يأخذ رموز الدار وأيقوناتها، وضخّمها بدلاً من تخفيفها.

تشعر منذ أول إطلالة بأن ويليام كان مدركاً أن عليه خلق توازن بين الماضي والحاضر، أي بينه وبين والده. والنتيجة أنه لم يلغِ أو يُفرط في إرث والده. بالعكس تماماً استعان به بوصفه أساساً لبناء عهده الجديد، وهو ما أكده بعد العرض قائلاً: «سيبقى والدي مصدر إلهامي دائماً، وسأحرص على إرثه لأنه غني ومذهل.. فقد كانت له رؤية واضحة وهذه الرؤية هي ما أحمله معي اليوم». لحسن حظِّه أن التفاصيل المُبالغ فيها لم تُفقد أي تصميم قوة تأثيره، بما في ذلك حقائب اليد، للنهار أو المساء، التي جاءت بأحجام تنافس حقائب السفر.

بلوزات بفيونكات وكورسيهات وحقائب ضخمة استلهمها من الثمانينات (بول كوستيلو)

بين الأب والابن

احترام الابن لإرث الأب تجلى في العديد من العناصر، مثلاً أبقى على مكان العرض وهو فندق وولدورف هيلتون، وسط لندن ولم يُغيّره إلى وجهة أخرى. ركَّز أيضاً على الأقمشة المنسوجة في آيرلندا، مثل تويد تُنتجه دار «ماجي 1866» وهو القماش ذاته الذي اختاره الأب في مجموعته لخريف العام الماضي لارتباطه الوثيق بجذوره، إضافة إلى أنه نسيج صوفي عالي الجودة ومتين يستلهم ألوانه من الطبيعة الآيرلندية. لكنه في المقابل استعاض عن الموسيقى الآيرلندية التقليدية بموسيقى شبابية، وركز على الأزهار بأن جعلها تتفتح أكبر وأكثر في إشارة رمزية إلى بداية عهد جديد. هذه اللمسات وفق قوله تُعبِر عن «انطلاقة متجددة لعلامة بول كوستيلو» مع عودة إلى حقبة مهمة من تاريخ الدار، لأنها شهدت انطلاقتها.

تأثير الثمانينات كان واضحاً في التفصيل والأكتاف والكثير من التفاصيل الأخرى (بول كوستيلو)

تأثير الثمانينات

أغلب التصاميم، إن لم نقل كلها، وعددها 44 تصميماً، تحمل روح الثمانينات، الحقبة التي شهد فيها والده بزوغ نجمه، ودخلت تصاميمه خزانة الأميرة الراحلة ديانا: أكتاف عريضة منحوتة بعناية، بلوزات بفيونكات، سترات مزدوجة الأزرار مفصلة بإحكام مع خصر «بيبلوم» يحدد القوام بجرأة أنيقة، وقفازات أوبرا تغطي كامل الذراع أحياناً فتغني عن الأكمام. أما التفاصيل مثل الطيات والياقات المبتكرة فحدث ولا حرج. بالنسبة للألوان، اكتفى ويليام بعدد محدود، أغلبه من درجات الرمادي والرملي والبني الغامق والموكا والأسود والأبيض. هذه الدرجات كان لها مفعول السحر في منح التصاميم رُقياً خفّف إلى حد ما من جرأة القصات والمبالغة فيها، وأضفى عليها عصرية. حتى الإيحاءات التاريخية التي تضمنتها تخففت من حمولتها التاريخية بفضلها.

التصاميم الموجهة لمناسبات السهرة والمساء تباينت بين المفصل والمنسدل (بول كوستيلو)

لمناسبات السهرة والمساء، قدّم تصاميم بقصات تلعب على الإبهار والتاريخ في الوقت ذاته. جاء بعضها مزدانا برسوم الراحل بول كوستيلو التوضيحية الشهيرة، في محاولة من ويليام لتخليد والده من خلالها، وبعضها الآخر يحمل بصمته الخاصة، ويهمس بنبرة جديدة سواء كانت بدلات التوكسيدو المرصعة بترتر خفيف وأزرار من أحجار لامعة أو فساتين من الجاكار الأسود والفضي تنساب برشاقة أو فساتين من التويد بطيات وثنيات مبتكرة.

والنتيجة أن التشكيلة تضمنت الكثير من القطع التي تناسب كل الأوقات، لأن الفكرة منها وفق رؤية ويليام كوستيلو أن تخاطب كل النساء، بأن «تثير الحلم بداخلهن وبالتالي يرتدينها بفخر ومحبة».


الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
TT

الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)

إذا كانت دور الساعات والمجوهرات السويسرية قد احتفت بعام الحصان من خلال إصدارات محدودة تستلهم الرمز الفلكي، فإن علامة «أختين» أعادت قراءة الرمز ذاته من زاوية الهوية العربية الحية.

أطلقت حديثاً مجموعة أطلقت عليها «The Fifth Wind (الريح الخامس) من خلال تجربة فروسية حية هي الأولى من نوعها في مصر. فبينما احتفت عواصم الموضة العالمة بهذا الرمز بطرقها الخاصة، اختارت دار «أختين» أن تعيد تقديمه من منبعه الأول: الفروسية العربية نفسها في عرض غير تقليدي دعت فيه ضيوفها لخوض تجربة ميدانية.

استعاضت الأختان موناز وآية عن منصة تقليدية لتقديم ما يوصف بـ«باليه خيول» (أختين)

فالمؤسستان، موناز وآية عبد الرؤوف لم تتعاملا في هذه المجموعة، مع الحصان بوصفه عنصراً زخرفياً أو مجرد استعارة جمالية، بل بوصفه كائناً يحمل في حركته ومرونته معنى الصمود، وفي رشاقته فلسفة ضبط النفس، وفي حضوره امتداداً للذاكرة الثقافية. على هذا علَقت المصممتان: «يمثل الحصان العربي في مخيلتنا معاني كثيرة مثل التحمل، والحدس، والقوة الهادئة. وهي صفات تتناغم بعمق مع أسلوبنا في التصميم ورؤيتنا للمرأة العربية المعاصرة، وبالتالي جاء احتفالنا بالإطلاق من خلال تجربة الفروسية وسيلة حية لتجسيد هذه الرؤية على أرض الواقع».

دعت المصممتان موناز وآية عبد الرؤوف ضيوفهما لدخول تجربة غامرة مع الخيول والموضة (أختين)

أما كيف ترجمت مناز وآية هذه الرؤية، فبطرح حقائب مبتكرة طبعاً، وبطريقة لا تقل ابتكاراً. فقد كشفتا الستار عنها من خلال تجربة ممتعة تلاقت فيها الموضة مع فن استعراض الخيول العربية، أو ما يوصف بـ«باليه الخيول»؛ لأنه يمثل أرقى مستويات فن الفروسية من حيث التناسق والتحكم بدل السرعة.

تشير المواد المختارة من جلود ومعادن إلى قوة الحصان وسلاسته في الحركة (أختين)

ضمن هذه التجربة، ظهرت الحقائب بوصفها مقاربةً تنطلق من الداخل الثقافي، وليس مجرد محاولة لتوظيف الحصان عنصراً بصرياً، استُبدلت فيه بمنصة العرض التقليدية أداءً يعكس مهارة فارسات وأصالة خيول وهي ترقص على موسيقى عربية ذات طابع كلاسيكي معاصر. شرحت الأختان أن طريقة عرض المجموعة قراءة معاصرة لتلك العلاقة الوطيدة بالفروسية في المنطقة، ليس من منظور فولكلوري استعراضي، بل بصفتها علاقة قائمة على الانضباط والثقة والتحكم.

تعكس التفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وفنون اللجام والأحزمة تُرجم فيها التراث من خلال الحرفية (أختين)

كلها قيم تجسَّدت في حقائب بُنيت على مرجعيات واضحة من فنون الفروسية العربية، سواء في البناء الهيكلي أو في التفاصيل المضفرة المستوحاة من اللجام والأحزمة، أو في اختيار المواد المعدنية المصقولة التي تعكس الصلابة والمرونة في آن واحد. والنتيجة، أن مجموعة «The Fifth Wind»، لم تعد مجرد إكسسوارات موسمية، بل أصبحت مثالاً على كيفية توظيف التراث الحي في صياغة منتجات معاصرة تحمل قصصاً من التراث كما يراه الجيل الجديد. ما فهمته موناز وآية أن الموضة حالياً تسعى لتعريف الفخامة والتفرد من خلال سرديات خاصة ومرجعيات ثقافية راسخة، وهذا ما نجحتا في تقديمه.


الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
TT

الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)

ليس من السهل الارتقاء بالسجاد من وظيفته التقليدية باعتبار أنه عنصر عملي، أو تزييني في المنزل إلى مساحة فنية قائمة بذاتها. لكن هذا ما نجحت مجموعة Becoming You في تحقيقه من خلال قطع سجاد محدودة لا تتعدى الست. بخطوط انسيابية تستحضر حركة النيل، وألوانا دافئة قريبة من تدرجات الصحراء المصرية، وعناصر أخرى مستمدة من الطبيعة وكائناتها الحية، تؤكد المجموعة أن النسيج اليدوي يمكن أن يتجاوز وظيفته المباشرة، ويتحول فعلاً إلى لوحات. كل هذا بفضل تعاون بين دار «الكحال 1871» إحدى أعرق دور صناعة السجاد في مصر، ومهندسة الديكور المنزلي المعروفة هالة صالح.

محمد الكحال من الجيل الخامس للعائلة (الكحال 1871)

محمد الكحال، محرك هذا التعاون، ينتمي إلى الجيل الخامس من العائلة، ويحمل على عاتقه مسؤولية تطوير ما ورثه عن أسلافه بما يتناسب مع روح العصر. يقول: «خمسة أجيال تعاقبت على الشركة، وواجهت تحديات مختلفة فرضتها ظروف، إما سياسية، أو ثقافية، أو اقتصادية. ومع ذلك كان كلما تسلم جيل المشعل من سابقه، يجتهد في كتابة فصل جديد يعكس زمنه وتحولاته». ويتابع: «لم تتوقف عملية التطوير في أي مرحلة من تاريخنا، لأن الكل يعرف أن الاستكانة للماضي والاكتفاء بما تم تحقيقه من نجاح غير واردين، وهذا سر استمراريتنا، وتصدرنا مشهد صناعة السجاد الفاخر إلى اليوم».

صورة تعبر عن مرحلة الإدراك كما تم تصورها (الكحال 1871)

مراجعة الأرشيف تكشف بوضوح اختلاف الأساليب بين مرحلة وأخرى، مع ثبات المعايير التقنية والجمالية التي أرساها المؤسسون. وحتى عندما تم إطلاق «الكحال 1871» باعتبار أنها خط معاصر، حرصت الدار على جذورها، بأن وضعت الحرفة المصرية في سياق عالمي يؤكد أن التراث يمكن أن يكون قاعدة صلبة للانطلاق نحو المستقبل.

تزامن هذا التعاون أيضاً -بكل ما يحمله من تجديد ورغبة في التطوير- له ما يُبرره. فمحمد الكحال يمر بمرحلة شخصية مهمة في حياته بعد أن أصبح أباً. هذه الولادة عزَّزت اهتمامه بفكرة الاستمرارية، وما يمكن أن يتركه بما أنه يمثل الجيل الحالي لمن يأتي بعده. هذا بالإضافة إلى أسئلة أخرى كثيرة بدأت تُلح عليه عن النمو، والتطور، والتحول. أخذ كل هذه الأسئلة وناقشها مع هالة. أنصتت هذه الأخيرة له، وفهمته، وكانت ثمرات النقاش قطعاً تتضمن مفهوم التطور بلغة معاصرة.

المصممة هالة صالح (الكحال 1871)

اختيار هالة صالح لتصميم المجموعة أيضاً لم يكن صدفة. بل كان مدروساً. فإلى جانب مكانتها في مجال التصميم في مصر، يتقاطع أسلوبها مع توجه الدار نحو تقديم منتج معاصر يتكئ على مرجعية ثقافية واضحة. تاريخ هالة -مهندسة الديكور- يشير إلى أنها ترى أن السجاد عنصر أساسي في تشكيل المساحات الداخلية، وتحديد العلاقة بين الأثاث والفراغات. فهو بالنسبة لها ليس فقط للزينة، بل رابط إنساني يعكس شخصية من اختاره ونسَقها ومن شأنه أن يفتح نقاشات فنية مثيرة.

سجادة تجسد مرحلة النمو (الكحال 1871)

في هذه المجموعة يتضاعف هذا الرابط لما يتيحه من حوار مفتوح بين الإنسان، وهويته، وثقافته، والطبيعة المحيطة به. تقول هالة: «في عالم التصميم حالياً نلاحظ أن الطريق إلى الحداثة يبدأ من الماضي. كثيراً ما نطرح السؤال عن كيف يمكن أن نُزاوج القديم بالحديث مثلاً؟». الجواب يكون غالباً بمزج العناصر التقليدية بالخطوط المعاصرة، وخلق علاقة عضوية بين محيط الإنسان وثقافته، وبالتالي لم يعد الأمر مجرد خيار لتجميل المكان، بل أصبح أسلوباً يعكس الرغبة في الحفاظ على الهوية.

مرحلة الظهور ويبدو فيها الطائر قبل تحليقه (الكحال 1871)

بيد أن هالة صالح ورغم أن عدد القطع التي ساهمت في إبداعها لا تتعدى الست، فإنها لا تُخفي أن تنفيذها شكَّل تحدياً كبيراً. هذا التحدي حفّز أيضاً مخيلتها. تقول: «استندت في مقاربتي على الطبيعة من خلال رحلة طائر، منذ لحظات ولادته إلى أن استكمل نموه وبدأ يستعد للتحليق». أما كيف ترجمت هذه الصورة، فعبر ست مراحل مترابطة: التشكل، الظهور، التفاعل، النمو، الإدراك، ثم الاكتمال. قدمت هذه المراحل عبر ثلاثة تصاميم مزدوجة، أي ست سجادات، تعكس كل واحدة منها مرحلة محددة من مسار التحول، تظهر فيها أشكال مستمدة من الطبيعة، مثل تفرعات الأشجار، وتشابك الأغصان، وحركة الأجنحة، وما شابه من تفاصيل كلما تمعَّنت فيها زاد تأثيرها الجمالي، والفني.