شبح العزوف يؤرَق الحكومة الجزائرية

مع العد العكسي للانتخابات البرلمانية

شبح العزوف يؤرَق الحكومة الجزائرية
TT

شبح العزوف يؤرَق الحكومة الجزائرية

شبح العزوف يؤرَق الحكومة الجزائرية

تواجه الحكومة الجزائرية صداعا حادا يتمثل في احتمال عزوف نسبة كبيرة من الناخبين، عن استحقاق البرلمان المرتقب يوم 4 مايو (أيار) المقبل. والسبب فتور كبير يظهر على الجزائريين، الذين لا يرون في صندوق الاقتراع أداة تغيَر من معيشتهم المهددة حاليا بخطة تقشَف صارمة، تنفذها السلطات منذ عام ونصف العام نتيجة لشح الموارد المالية. غير أن برودة المواطنين تجاه الانتخابات ليست هي وحدها من يقلق المسؤولين في البلاد، وإنما أيضا دعوة المعارضة إلى مقاطعة الموعد بذريعة أنه مزوَر ومحسوم النتيجة لصالح أحزاب «الموالاة»، التي تؤيد سياسة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.
وتقول السلطات إن آلية استحدثتها المراجعة الدستورية، التي جرت العام الماضي، كفيلة بضمان نزاهة الانتخاب. ويتعلق الأمر بـ«الهيئة العليا لمراقبة الانتخابات»، التي وضعت على رأسها وزير العلاقات مع البرلمان، ومندوب الجامعة العربية بالاتحاد الأوروبي سابقا، عبد الوهاب دربال.
حاول عبد الوهاب دربال، الذي كان في تسعينات القرن الماضي قياديا بارزًا في حزب «حركة النهضة» الإسلامي المعارض، خلال لقاء مع صحافيين أخيرًا، طمأنة الرأي العام بخصوص دور «الهيئة العليا لمراقبة الانتخابات» في التصدي لأي محاولة لتزوير الانتخابات؛ إذ قال إنه يعتزم «متابعة الوزراء المترشحين للاستحقاق، في حال ثبت أنهم استعملوا وسائل الدولة خلال حملة الانتخابات». وهنا، علَق ناشطون بشبكة التواصل الاجتماعي، بسخرية على كلامه؛ لأن الوزراء المترشحين يستعملون دائما الإمكانات المتاحة لهم بصفتهم موظفين ساميين في الدولة، لتوظيفها لمصلحتهم في الانتخابات، من دون أن تتصدى لهم الهيئات التي تسهر على نزاهة الانتخابات.
دربال أبدى، في الواقع، قلقه من احتمال التلاعب بأرقام اللائحة الانتخابية، بعدما نقلت صحف عن مسؤول بوزارة الداخلية بأن 3 ملايين متوفى، لم تسقط أسماؤهم من اللائحة. وفهم من كلامه أن الحكومة قد تستعمل هذه الكتلة لتضخيم نسبة المصوَتين، في حال رأت عشية الموعد، أن مؤشرات العزوف كبيرة. ويشار إلى أن «هيئة مراقبة الانتخابات»، تتكون من 410 أعضاء، نصفهم قضاة والنصف الآخر ناشطون بالمجتمع المدني. وقد تم اختيارهم من طرف الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وكان ذلك كافيا في نظر المعارضة للحكم عليها بأنها غير مستقلة، وأنها لن تستطيع إبعاد شبح التزوير.
* الحرص على الشفافية
وقال دربال أن «دسترة» الهيئة التي يرأسها، والنص عليها بأنها «دائمة»، بمثابة «إشارة واضحة، حسبه، للأهمية التي يوليها الرئيس لشفافية العملية الانتخابية». وأضاف بأن «تركيبتها المتكونة من قضاة وكفاءات وطنية، أمر يبعث على الطمأنينة والارتياح ويؤكد إشراك المواطن في إدارة الشأن العام». وتابع بأن «القانون الذي يحدد تفاصيل عملها، منحها 11 صلاحية تتعلق بمرحلة ما قبل انطلاق العملية الانتخابية، تتناول التأكد من المراقبين والترشيحات، ومن استعمال وسائل الدولة من طرف المترشحين والأحزاب، إلى جانب التأكد من الهيئة الناخبة وكل التحضيرات الخاصة بالعملية». وتمتد صلاحياتها إلى مصاحبة العملية الانتخابية، من خلال تنظيمها بدء من فتح صناديق الاقتراع إلى نهاية فرز الأصوات.
وقد أعلنت القوى السياسية الكبيرة مشاركتها في الموعد، وأبرزها «حزب السلطة الأول»: «جبهة التحرير الوطني» الذي يرأسه الرئيس بوتفليقة، ولكن لا يحضر اجتماعاته أبدا، وأمينه العام هو وزير التضامن سابقا الدكتور جمال ولد عباس، الذي قال إن أي راغب في الترشح بصفوف الحزب ينبغي أن يتوفر فيه شرط واحد، هو «عدم الإساءة إلى رئيس الجمهورية بأي شكل من الأشكال».
وتملك «الجبهة» الأغلبية بـ«المجلس الشعبي الوطني»، (الغرفة البرلمانية الأولى)، وهي «الحزب الواحد» قبل دخول البلاد عهد التعددية الحزبية عام 1989. ويرجح متتبعون أنها ستحافظ على هذه المكانة في البرلمان الجديد، بينما لقي البرلمان الذي انتهت ولايته انتقادا شديدا، بسبب خضوعه للحكومة فيما يخص التشريع. فأكثرية القوانين التي أصدرها خلال 5 سنوات الماضية، جاءت من الحكومة وليس من النواب. وتقول المعارضة البرلمانية إن كل مبادرتها بإطلاق قوانين تمت مواجهتها بالرفض من طرف الأغلبية الموالية للحكومة؛ لأنها لا تصب في مصلحة السلطة التنفيذية.
* ضمن معسكر «الموالاة»
وسيشارك في المعترك أيضًا «حزب السلطة الثاني»، وهو «التجمع الوطني الديمقراطي»، القوة الثانية في البرلمان بقيادة وزير الدولة ومدير الديوان برئاسة الجمهورية أحمد أويحي، الذي كان رئيسا للوزراء. ويسعى «التجمع» إلى استعادة الأغلبية التي ضاعت منه منذ انتخابات 1997، التي حل فيها أولا رغم أنه تأسس 3 أشهر فقط قبل الاقتراع! ويوصف هذا الاستحقاق بأنه «أكبر عملية تزوير في تاريخ البلاد». ويواجه أويحي حاليا سيلا من الانتقادات؛ بسبب موقفه المعادي لتولي المهاجرين المزدوجي الجنسية مناصب سامية في الدولة.
وضمن «كتلة الموالاة»، تبرز أحزاب أقل شأنا؛ لأنها حديثة النشأة. ومن أهمها «تجمع أمل الجزائر» الذي يرأسه وزير الأشغال العمومية سابقا عمر غول، و«الحركة الشعبية الجزائرية» بقيادة عمارة بن يونس وزير التجارة سابقا. وكلاهما يراهن على حصة في البرلمان لا تقل عن 50 مقعدا من مجموع 462 مقعدا.
* ... ومعسكر «المعارضة»
أما في معسكر المعارضة فالشرخ عميق داخل «تنسيقية الانتقال الديمقراطي»، التي تضم أهم التشكيلات المعارضة. ويعود الانقسام إلى إعلان البعض المشاركة في الانتخابات، بينما رفض البعض الآخر. ومن أبرز المشاركين، الحزب الإسلامي «حركة مجتمع السلم»، الذي سيدخل المعترك بلوائح مرشحين مشتركة مع «جبهة التغيير»، بقيادة وزير الصناعة سابقا عبد المجيد مناصرة. ولقد عقد الحزبان أخيرًا «وحدة» إيذانا بوجود مؤشرات على انتعاش في صفوف التيار الإسلامي الذي تراجع رصيده الانتخابي كثيرا، منذ الفوز الساحق لـ«الجبهة الإسلامية للإنقاذ» نهاية 1991، وهي التجربة التي أجهضها الجيش عندما تدخل لإلغاء نتائج تلك الانتخابات، بحجة أن الإسلاميين «يشكلون خطرا على الديمقراطية الناشئة». ودخلت البلاد في حرب أهلية بعدها، وما زالت تعيش إفرازاتها إلى اليوم.
أيضًا من ضمن كتلة المعارضة، سيدخل سباق الانتخابات «جبهة العدالة والتنمية» برئاسة عبد الله جاب الله، و«حركة النهضة» وأمينها العام هو محمد ذويبي، و«حركة البناء الوطني»، بقيادة أحمد دان. والأحزاب الثلاثة إسلامية عقدت هي أيضا تحالفا بمناسبة الانتخابات سمّته «الاتحاد الإسلامي». ويشار إلى أن جاب الله كان رئيسا لـ«النهضة»، وجرى الانقلاب عليه من طرف قياديين منها عام 1998، وكان من بينهم عبد الوهاب دربال، وتمت إزاحته.
ويبرز الحزب العلماني «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية»، بوصفه أحد أهم أحزاب المعارضة المشاركة في الانتخابات. وكان قد غاب عن انتخابات 2012 على أساس أن البرلمان «لا يوفر منبرا حقيقيا يتيح التغيير المنشود». واللافت أن هذا الحزب عاد إلى المسار الانتخابي، من دون أن يتغير أي شيء يشجع على المشاركة في الانتخابات، إذا تم أخذ بعين الاعتبار مبررات غيابة عن الاستحقاق الماضي. ويرجح متتبعون أن يحقق الحزب نتيجة جيدة في منطقة القبائل، إلى الشرق من العاصمة، فقط؛ لكونه حزبا نشأ بهذه المنطقة الناطقة بالأمازيغية، وقياداته ومناضلوه كلهم من القبائل.
* جبهة القوى الاشتراكية
غير أن الحزب القبائلي الأكثر شعبية، هو «جبهة القوى الاشتراكية»، وهو أقدم حزب معارض أسسه عام 1963 رجل الثورة حسين آيت أحمد، الذي توفي العام الماضي. وتشارك «الجبهة» في الاستحقاق المقبل، وتعوَل على تحقيق نتيجة أفضل من الاستحقاق الماضي الذي خرجت منه بـ26 مقعدا. وكل الأحزاب المعارضة، التي سبق ذكرها، طالبت من السلطات إنشاء لجنة مستقلة لمراقبة الانتخابات، تتكون من كفاءات لم يسبق لهم أن مارسوا مهام حكومية، ومشهود لهم بالاستقامة ونظافة اليد. غير أن الرئيس بوتفليقة رفض هذا الطرح، مفضلا آلية يتبع أعضاؤها له.
ما عدا «الأوزان الثقيلة»، تحاول الأحزاب الصغيرة أن تجد لنفسها مكانا في «قبة زيغود يوسف» (مبنى البرلمان)، فيما يوجد إجماع في الوسط السياسي والإعلامي، بأن حظوظها ضئيلة. ولقد أطلق 14 حزبا صغيرا تكتلا انتخابيًا يرأسه رجل الأعمال هواري حميدي. وأحد هذه الأحزاب: «التجمع الجزائري»، عرض العام الماضي ما يعادل 4 آلاف دولار، على كل شخص يرغب في الترشح في صفوفه. وكان ذلك مؤشرا على أن هذه الأحزاب «موسمية» لا تظهر إلا في المواعيد الانتخابية؛ مما يجعل حظوظها بالفوز ضئيلة. غير أن أكبر عقبة تواجهها في الاستحقاق المقبل، هي شرط تضمنه قانون الانتخابات الجديد، يتمثل في حصول كل حزب على 4 في المائة من نتائج آخر انتخاب؛ حتى يمكنه دخول المعترك الجديد، بينما هذه الأحزاب كلها مجتمعة لا توفر هذه النسبة.
ويطغى على الخطاب السياسي في فترة ما قبل الانتخابات، قضايا التقشف وأزمة أسعار النفط زيادة على تهديدات الإرهاب بالحدود. وتتهم أحزاب المعارضة الحكومة، بالعجز عن التصدي للمشكلات التي خلفها انهيار سعر البترول، على اقتصاد مبني على الريع لم يعرف النمو منذ أن استقلت البلاد عن الاستعمار الفرنسي. واضطرت الحكومة في إطار مواجهة عجز الموازنة، إلى وقف استيراد السيارات والكثير من المنتجات الغذائية، والمواد المصنعة ونصف المصنعة؛ ما تسبب في ارتفاع فاحش للأسعار في السوق المحلية. فالجزائر لا تنتج شيئا، تقريبًا، ما عدا النفط والغاز. ويقول الخبراء المتشائمون من مستقبل الاقتصاد، إن البلاد ستعلن إفلاسها في غضون ثلاث سنوات ما لم تسرع الحكومة لإيجاد مصادر دخل جديدة. وإذا استمر تآكل احتياطي العملة الصعبة (110 مليارات دولار بداية العام)، ستفرغ خزائن الدولة من المال بحلول 2020، بحسب الخبراء أنفسهم.
* المخاطر الأمنية
أما عن الأمن، فأحزاب الموالاة والمعارضة متفقة على كون الخطر الذي يهدد الأمن القومي للجزائر، هو «دواعش ليبيا» الذين هددوا جيش البلاد بـ«عمل استعراضي»، انتقاما منه بسبب تعاونه مع قوى غربية وبخاصة فرنسا؛ من أجل دحر المتطرفين في البلد الجار. وتعتبر الجزائر نفسها أكثر بلدان منطقتي المغرب العربي والساحل الأفريقي تضررا من ترسانة السلاح الليبي المفتوحة على الهواء، التي تسرَب منها الآلاف من القطع، عبر الحدود التي يفوق طولها 900 كلم.
وطلبت «الشرق الأوسط» من المحلل السياسي محمد صالحي قراءة في الظروف التي يجري فيها التحضير للانتخابات، وحظوظ المشاركين فيها، فقال: «هناك إشكاليات عدة تطرح حول نزاهة الانتخابات، ومنها التزوير بمختلف الوسائل المعروفة وغير المعروفة، ومنها ما يدور حاليا من حديث حول وجود ثلاثة ملايين ناخب ميت ومدى قدرة هيئة دربال على منع التزوير، والوقوف في وجه المزورين، رغم أن دربال يحاول التأكيد أنه بمقدوره أن يفعل ذلك. أمر آخر مهم، هو سيطرة «المال القذر» على بعض لوائح المترشحين وتصدرها؛ إذ إننا نسمع ونرى كيف يصل إلى البرلمان في كل ولاية «بارونات» مكانهم الطبيعي هو السجن... أو على الأقل الشارع والمقهى وليس البرلمان».
وأضاف صالحي «إشكالية أخرى تطرح وهي المحاباة في إعداد لوائح المترشحين... وحسب ما وصلني من معلومات بخصوص التحالفات الإسلامية الجديدة، فقد بدأ هذا المشكل غير الطبيعي يطرح نفسه بجدية في هيئاتها القيادية. ويجرني هذا إلى الحديث عن الكتل السياسية ممثلة في التحالف الرئاسي ولواحقه وكذا الكتلتان الإسلاميتان: الاتحاد وحركة مجتمع السلم التاريخية، اللتان عليهما إقناع مناضليهما بالتجند للانتخابات، بعدما تمت إحالتهم على البطالة السياسية الإجبارية، بفعل الخلافات الحادة بين القيادات؛ ما دفعهم إلى العزوف عن النضال والالتزام بالبيوت والمقاهي، وفي أحسن الأحوال بالمساجد».
وتابع صالحي كلامه قائلا «هناك تكتل آخر نشأ قبل فترة قصيرة يضم الأحزاب الصغيرة، ويهدف إلى التغلب على مشكلة عتبة الـ4 في المائة، سواء بمطالبة رئيس الجمهورية بإعفائها من هذا الشرط، أو بتعاون أعضائها على جمع توقيعات المواطنين لتتمكن من تقديم مرشحين، وتشكيل لوائح ترشيح مشتركة على غرار الاتحاد أو التكتل الأخضر عام 2012. وهنا تجدر الإشارة إلى وجود بعض الأحزاب الصغيرة، التي رفضت الانضمام إلى هذا القطب، وهدفها واضح هو البقاء منفردة بحثا عن حرية في بيع لوائح الترشيح لتجار المخدرات والمجرمين والمسبوقين قضائيا».
أيضا يقول المعلق السياسي الجزائري، إنه يتوقع فوز أحزاب الموالاة «لما تملكه من استقرار نسبي في الهياكل وأموال طائلة، ونفوذ في الإدارة ودعم فوقي، وحتى التزوير الذي قد تلجأ إليه كما حدث في مختلف الاستحقاقات الماضية، للوصول إلى النسبة الضامنة لبقاء نمط الحكم الحالي، واستمرار رموزه في قيادة الدولة. أما التكتلات الإسلامية فستكون ثانية في الترتيب؛ وذلك لاعتبارات عدة، منها حالة التشرذم التي لزمتها لأكثر من 10 سنوات، وتأخرها في عقد وحدتها التي تزامنت مع الانتخابات؛ ما أعطى كثيرين، حتى من أبناء التيار الإسلامي، انطباعا بأن مسعى الوحدة يهدف أصحابه إلى ضمان مقاعد لهم في البرلمان».
وأوضح صالحي، بأن أهم المشاكل التي ستعترض الإسلاميين في الانتخابات هي «نقص إمكانياتهم المادية مقارنة بأحزاب التحالف الرئاسي الذين ينهلون مباشرة من مؤسسات الدولة. وأيضا هناك المحيط الدولي الذي تمثله القوى الكبرى، التي ترفض تشكيل حكومات يديرها الإسلاميون، وما النموذج التونسي إلا مثال على ذلك».
* رأي وزير سابق
من جهته، يقول وزير الإعلام سابقا، محمد السعيد الذي أعلن مشاركة حزبه «الحرية والعدالة» في الاستحقاق «كنا نتمنى أن تجري الانتخابات في مناخ سياسي أفضل، لا يعكر صفوه استمرار أزمة الثقة بين الشعب وقيادات مؤسساته. هذه الأزمة تُبقي على ظلال الشك في مصداقية التصريحات الرسمية المتعلقة بضمان نزاهة وشفافية الانتخابات، أضف إلى ذلك أن تجارب سابقة منذ تطبيق التعددية السياسية عودتنا على التناقض الصارخ بين الخطاب الرسمي والممارسة الميدانية».
وعبر السعيد عن أسفه، لـ«كون السلطة لم تعالج هذا الجانب في إصلاحاتها السياسية المعلنة، بالانفتاح الحقيقي على الحوار مع سائر القوى السياسية والاجتماعية، والبحث عن حلول توافقية للمشكلات المطروحة، بل تجاهلت كل شيء عندما انفردت بتعيين نصف أعضاء اللجنة من المجتمع المدني دون استشارة الأحزاب السياسية عن المقاييس المعتمدة مثلما فعلت عند تعيين رئيس الهيئة العليا لمراقبة الانتخابات». وأردف «بالمناسبة، يصعب جدا في مثل هذه الحالة، وصف هذه الهيئة بالمستقلة؛ لأنه يصعب التصديق بأنها مستقلة عن السلطة السياسية التي عينت أعضاءها جميعا وضمنت، بالتالي، ولاءهم لها، أو مستقلة عن الإدارة التي أوكلت إليها مهمة تنظيم العملية بكاملها، وهي التي برعت في فن ترتيب نتائج الانتخابات كما يُطلب منها».
وبخصوص ما يشاع حول استمرار سيطرة «الموالاة» على البرلمان الجديد، قال السعيد «مثل هذه الشائعات موجهة للقضاء على أمل التغيير عند الناس. وبالتالي الزيادة في نسبة العزوف الانتخابي؛ حتى يخلو الجو للوجوه التي ملَ منها الناس، أو لزيادة إضعاف شرعية الهيئة التشريعية الجديدة إحراجا للنظام السياسي القائم، وقد تكون أيضا تسريبا يعبر عن نية حقيقية لدى السلطة لإبقاء دار لقمان على حالها». وأضاف الوزير السابق «شخصيا لا أستبعد أن تكون هناك بعض التعديلات في توزيع المقاعد بين أحزاب الموالاة... ولا أظن، خلافا لما يقال، أن المنافسة ستكون فعلا مفتوحة كما حصل في عام 1991. تلك التجربة لن تتكرر في القريب المنظور؛ لأن نتائجها آنذاك أفسدت حسابات أصحاب القرار، معنى هذا أن الاحتمال الأكبر هو احتفاظ السلطة بالأغلبية البرلمانية، ربما ليس بالشكل العددي المفضوح كما حصل في 2012، وتُترك بقية المقاعد للمنافسة الحرة بين الأحزاب المشاركة خارج تشكيلة الموالاة».



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.