«آستانة 2» ينتهي من دون بيان ختامي... ووعود روسية للمعارضة السورية

الجعفري وإيران يلقيان مسؤولية الفشل على الفصائل... وعلوش: ستستكمل المباحثات في أنقرة

رئيس وفد المعارضة إلى «آستانة 2» محمد علوش والناطق باسم الوفد أسامة أبو زيد في الاجتماع الذي استضافته العاصمة الكازاخية أمس (إ.ب.أ)
رئيس وفد المعارضة إلى «آستانة 2» محمد علوش والناطق باسم الوفد أسامة أبو زيد في الاجتماع الذي استضافته العاصمة الكازاخية أمس (إ.ب.أ)
TT

«آستانة 2» ينتهي من دون بيان ختامي... ووعود روسية للمعارضة السورية

رئيس وفد المعارضة إلى «آستانة 2» محمد علوش والناطق باسم الوفد أسامة أبو زيد في الاجتماع الذي استضافته العاصمة الكازاخية أمس (إ.ب.أ)
رئيس وفد المعارضة إلى «آستانة 2» محمد علوش والناطق باسم الوفد أسامة أبو زيد في الاجتماع الذي استضافته العاصمة الكازاخية أمس (إ.ب.أ)

كما كان متوقعا لم يتوصل المجتمعون في آستانة إلى أي اتفاق لتثبيت وقف إطلاق النار في سوريا ومن دون صدور بيان ختامي، واقتصار النتائج على تلقي المعارضة وعودا روسية متعلقة بالبنود الإنسانية، على أن يتم استكمال المباحثات في أنقرة.
وبعد «مفاوضات شاقة مع الجانب الروسي استمرت أربع ساعات»، وفق وصف رئيس وفد المعارضة السورية إلى مفاوضات آستانة، محمد علوش، أعلن أنه «سيتم نقل المفاوضات حول آليات وقف إطلاق النار إلى أنقرة» من دون تحديد الموعد. وقال علوش، في مؤتمر صحافي في آستانة، أمس: «تلقينا وعودا من موسكو بإيقاف القصف على مناطق المعارضة، وأنهم سيرسلون لنا جدول أعمال لفك الحصار عن الغوطة الشرقية على أن تصلنا عبر الضامن التركي، كما طرحوا آلية سريعة للإفراج عن المعتقلين تبدأ بتسليمهم لائحة من مائة اسم، وهو ما سنعمل على دراسته». وفيما أكّد رفض المعارضة أي دور إيراني شدّد على «ضرورة أن يكون هناك دور أساسي للمجموعة العربية؛ السعودية والأردن وقطر والإمارات العربية».
وفي وقت اعتبرت فيه مصادر في المعارضة أن أبرز ما كشفه مؤتمر آستانة «هو عمق الخلافات بين الطرفين الراعيين، تركيا وروسيا»، مؤكدة أن «تركيا كما المعارضة رفضت حتى البحث بالوثيقة الجديدة التي قدمتها موسكو»، حمّل كل من رئيس وفد النظام بشار الجعفري المعارضة مسؤولية الفشل برفض التوقيع على البيان الختامي، في وقت كانت وسائل إعلام روسية تروّج فيه لما قالت إنه «مشروع وثيقة ختامية يتضمن إنشاء مجموعة مشتركة لتثبيت وقف إطلاق النار، وقع عليه رؤساء وفود الدول الضامنة، روسيا وإيران وتركيا». وهو الأمر الذي نفاه مصدر كان حاضرا في اجتماعات آستانة، موضحا لـ«الشرق الأوسط»: «كان هناك تحفظ تركي على الوثيقة، واقتصر ممثلوها على وفد مصغّر لا يملك أساسا صلاحية التوقيع أو المناقشة».
مع العلم أن البروتوكول الذي عرضه الطرف الروسي وحصلت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، وطرح باسم المعارضة والنظام السوري كموقعين عليه، أشار إلى «التزام الطرفين بنظام وقف الأعمال العدائية المعلن عنه في 30 يناير (كانون الثاني) 2016، وإقرارهما بسلطات الاتحاد الروسي وتركيا بصفتهما ضامنين للاتفاق على آلية لتسجيل انتهاكات نظام وقف إطلاق النار وعلى نظام لتطبيق عقوبات على المنتهكين وتطرق إلى تفاصيل حول آلية تطبيق الاتفاق ومراقبته في سبع نقاط تفصيلية».
وأوضحت مصادر المعارضة لـ«الشرق الأوسط»: «رفضت الفصائل البحث في الوثيقة التي قدمت إليها اليوم، لأنها كانت قد قدمت في اجتماعات آستانة الأولى وثيقة تتضمن خطة كاملة لمراقبة ومعالجة خروقات وقف إطلاق النار، وكان يفترض أن تحصل على إجابة عنها، بحسب الوعود الروسية، فإذا بهم يقدمون لها وثيقة جديدة». وأضافت: «لا يمكن البدء في بحث ورقة جديدة قبل الحصول على جواب حول الأولى، لا سيما أن ما قدّم أمس يتضمن نقاطا غامضة وثغرات خطيرة».
و«رغم فشل آستانة، لا تجد المعارضة أمامها إلا خيار المشاركة في مفاوضات جنيف الأسبوع المقبل»، وفق ما قال مصدر في «الهيئة العليا التفاوضية» لـ«الشرق الأوسط»، موضحا «لغاية الآن لا يوجد قرار بالمقاطعة»، وأضاف: «الوضع دقيق وروسيا تبحث عن سبب لاستبدال وفد آخر بوفد الهيئة، معبّرا عن أمله بأن لا تكون مفاوضات جنيف أكثر سوءا من «آستانة». وفي حين لم يصدر أي تصريح رسمي عن ممثلي الدول الراعية، نقل تلفزيون المنار التابع لـ«حزب الله»، صباح أمس، عن رئيس وفد إيران في آستانة قوله إن المفاوضات تواجه صعوبات، ملقيا باللوم فيها على المعارضة السورية وأنصارها. وقال رئيس الوفد إن من المهم «أن نستمر بالمسار الصحيح» للمحادثات التي بدأت اليوم بعد تأخرها عن موعدها الأصلي بيوم واحد، بسبب تأخر وصول مفاوضي المعارضة السورية.
ورغم أن توماتوف إيدربيك المسؤول في وزارة الخارجية الكازخية، كان قد أفاد في وقت سابق بأن الجولة الحالية من مفاوضات آستانة ستختتم الخميس (أمس) بإعلان بيان مشترك، قال رئيس الوفد الروسي الكسندر لافرنتييف، أمس، إن «الاجتماع لم يكن له افتتاح رسمي، وبالتالي ليس من المهم صدور بيان ختامي عنه».
واعتبر «أن كل جانب من النظام والمعارضة كررا المواضيع نفسها، فلم يكن هناك داع لصدور بيان».
ولفت في مؤتمر صحافي في ختام الاجتماع إلى أن «عدم وجود بيان ختامي لا يعني وجود تناقضات أو خلافات بين الأطراف الضامنة، فلا داعي لإصدار بيان عن حصول توافق، ولكن أكدنا الموقف والنتيجة، وأن هناك نصا ختاميا لم نعلن عنه، وهو يثبت وجود توافق تركيا روسيا وإيران».
وبيّن أنه «خلال هذا اللقاء شارك وفدا النظام والمعارضة، بشكل أساسي، ورغم حالة عدم الثقة بين الطرفين فإنه كما أظهر الواقع، هناك كثير من وجهات النظر التي تجمع الطرفين». وشدد على أنه «كانت هناك مشاورات جادة، وعمل كبير ومضن مع الأطراف كلها على المستوى الثنائي والثلاثي والخبراء، ساهم بمناقشة كل التفاصيل حول سوريا للوصول إلى حل مناسب».
كما اعتبر أن «منصة آستانة فريدة وأثبتت فعاليتها، وناقشت عدة مواضيع، خصوصا وقف إطلاق النار، وتثبيته، لأنه أولوية، ولا بد من التعاون المشترك على المستوى الثنائي للوصول إلى التسوية».
وسبق حديث رئيس الوفد الروسي، حديث رئيس وفد النظام وممثله الدائم في الأمم المتحدة بشار الجعفري، حيث وجه اتهامات للمعارضة بعرقلة المفاوضات.
وكانت جلسة الاجتماع الرسمية قد استمرت نحو ساعة بتأخير دام ساعتين ونصف الساعة، وسط معلومات عن رفض المعارضة الدخول إلى الاجتماع بسبب فشل تطبيق وقف إطلاق النار المتفق عليه.

مسودة البروتوكول الروسي لوقف إطلاق النار

1 - الالتزام بالاتفاقية السابقة على امتداد الأراضي السورية، ولهذا الغرض سيتم إعداد خرائط تلحق بالبروتوكول خلال 15 يومًا من توقيع الضامنين عليه. وستوقع الأطراف على تلك الخرائط التي ستحدد خطوط التماس بين الأطراف ومناطق نفوذ كل طرف (مع الإشارة إلى المواقع المحتملة لوجود المجموعات الإرهابية والمجموعات غير الملتزمة بنظام وقف إطلاق النار)، ولا يجوز تغيير هذا الخط إلا بقرار منفصل يتفق عليه بين الأطراف والضامنين.
2 - ستستمر في عملياتها القتالية ضد تنظيم داعش في العراق والشام، وجبهة النصرة، والمجموعات الإرهابية الأخرى في مناطق سيطرتهم بما يتوافق مع الإجرائية (سيتم تحديدها بشكل منفصل).
3 - تعد قائمة الأعمال التالية من قبل الأطراف خرقًا لنظام وقف إطلاق النار:
* الأعمال العدائية وأي استخدام للقوة ضد بعضها، المجموعات التي تدعمها، والأجسام المشكلة من قبل الضامنين، والمنظمات الإنسانية الدولية العاملة في سوريا، وكذلك الهجوم والاستهداف بأي سلاح، بما في ذلك الصواريخ والهاون ومضادات الدبابات الموجهة على القوات المسلحة للأطراف وللمجموعات التي تدعمها.
* السيطرة على أراض تشغلها أطراف أخرى للاتفاق.
* مخالفة أحكام قرار مجلس الأمن الأممي «2254» بتاريخ 18 ديسمبر (كانون الأول) 2015.
* رفض السماح للوكالات الإنسانية بالوصول المستمر والآمن والسريع دون معوقات إلى مناطق سيطرتهم العملياتية (operating control)، وكذلك إعاقة وصول المساعدة الإنسانية إلى المحتاجين إليها.
* الاستخدام غير المتناسب للقوة الدفاعية (retaliatory force) (أي استخدامها بشكل يتجاوز بحد مفرط الحاجة إلى الحماية من تهديد مباشر) بغرض الدفاع عن النفس.
4 - ستلتزم الأطراف بالمبادئ الإنسانية والقانون الدولي الإنساني، وستتخذ كل التدابير اللازمة من أجل عودة آمنة وطوعية للاجئين والنازحين إلى مناطقهم، ومن أجل إعادة تأهيل المناطق المتضررة وإيصال المساعدات الإنسانية للمدنيين.
5 - تعمل الأطراف على تحقيق إجراءات بناء الثقة والإفراج عن المعتقلين تعسفيًا، وبالدرجة الأولى النساء والأطفال، وتبادل الأسرى والجثث.
6 - تنشئ الأطراف بمساهمة من روسيا الاتحادية وجمهورية تركيا آلية لتبادل الأشخاص المعتقلين قسريًا، تعمل على وضع قوائم لهؤلاء الأشخاص والإفراج المنتظم عنهم، بناء على أسس متساوية ومتفق عليها بشكل متبادل، بما يتفق مع القانون الدولي الإنساني.
7 - تعمل الهيئة الروسية - التركية المشتركة على مراقبة الامتثال لأحكام هذا البروتوكول ونظام وقف إطلاق النار.



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».