مدينة عارية في فضاء مغلق على الخسارات

«جريمة في رام الله»... رواية لا تحتاج إلى مصادرة بل إلى «تنظيف»

غلاف الرواية
غلاف الرواية
TT

مدينة عارية في فضاء مغلق على الخسارات

غلاف الرواية
غلاف الرواية

تنتهي رواية «جريمة في رام الله» للفلسطيني عباد يحيى (منشورات المتوسط، ميلانو 2017، 237 صفحة من القطع المتوسط)، بانتحار وسام، بطل ثالث حكاياتها، بعد مقتل صديقته بطريقة غامضة. فيما تنتهي الحكاية الأكبر، التي تشكل قلب الرواية وترفع حمولتها السردية، بوصول أحد بطليها الرئيسيين، نور، واسمه الحقيقي صهيب، إلى باريس، وارتمائه في أحضان صديقه الأجنبي آرنو بريير، الذي وعده بوضع كتاب يتناول سيرته الحياتية، أو عمل فيلم يروي الحكاية التي اضطرته إلى الهرب من رام الله في الضفة الغربية، لأن «إشاعات الناس في البلد وأقاويلهم واتهاماتهم، كذب صغار الصحافيين ونمائم الإذاعات المحلية، وبيانات الشرطة وتحقيقاتها، أفدح بكثير من الحقيقة». كما يرد في الصفحة 225 من الرواية.
تنقسم الرواية التي أثارت ضجة ولغطا كبيرين، وفوضى تقدير وتقييم، بعد قرار النائب العام الفلسطيني منعها ومصادرة ما وزع منها على المكتبات، واستدعاء مؤلفها وناشرها، إلى ثلاثة أجزاء:
الأول، ويحمل عنوان رؤوف (52 صفحة)، ويتضمن 12 مقطعًا:
يقدم هذا القسم، حكاية الطالب الجامعي رؤوف - أكثر شخصيات العمل إقناعا - الذي يتناول سيرة عائلته الفلاحية، وخلفيته الاجتماعية، وحكاية الفتاة دنيا التي تدخل عالمه، من لمسة يد لكتفه حين تعطيه أجرة سيارة تاكسي أقلتهما، ليناولها بدوره للسائق.
من بريق اليد الأنثوية وسخونة مشاعر مراهق، تنطلق مخيلة رؤوف لترسم علاقة وهمية في فضاء واسع، يقع بين السراب والأمل، الوهم والحقيقة، واختبار المشاعر الأولية للتجربة الأولى، التي تمهد لمرحلة من محاولات اكتشاف الجسد والميول الجنسية. وفيه يروي رؤوف بشيء من التفصيل، في مونولوج داخلي استرجاعي يشبه العزف المضطرب، علاقته بجسده في مراحل البلوغ والشباب، وتورطه لاحقا، في علاقة جنسية مع الشاب نور. يعاني رؤوف من ضياعه في ضياع دنيا «تختفي دنيا ليحل محلها اختفاؤها» (ص42)، و«كأنها صارت خيالا لأواجه الحياة» (ص66)، ومن يأس وإحباط وعزلة وابتعاد، وغرق في عبث تفقد فيه الأشياء قيمتها ومعانيها.
الثاني، وعنوانه نور (57 صفحة) 8 مقاطع:
في هذا القسم من العمل، نقرأ الوجه الآخر للعلاقة بين الشابين رؤوف ونور، بلغة بسيطة شفيفة وحميمة، ترفع سردا ذاتيا يضفي مصداقية على النص تقربه كثيرا من الحقيقة. في هذا الجزء، نتعرف على شخصية نور، التي تبرز كثاني أفضل شخصيات العمل، من حيث وضوح سماتها ودواخلها، وانسجام تصرفاتها مع طبيعة شاب مثلي في مجتمع محافظ.
الثالث، وهو بعنوان وسام (74) صفحة، 13 مقطعا:
يستخدم الكاتب في هذا القسم، الضمير الثالث، متناوبا الحديث عن وسام ونور، باستثناء مقطع صغير يظهر فيه رؤوف مجددا، وتعود دنيا في شخصية مذيعة تنقل خبر جريمة وقعت في رام الله، حين تُقتل فتاة طعنا بسكين، أثناء خروجها وصديقها وسام، من بار أبي وليم في المدينة. في هذا المقطع يقدم عباد سردا موجزا لكنه بديع لعلاقة جميلة، يبلغ ذروته في تصوير ما حل بوسام فور وقوع الجريمة، في مشاهد قصيرة، وعبارات مشحونة لاهثة تخطف أنفاس وسام وأنفاس القارئ.
يتصدر كثير من مقاطع الرواية، مفتتحات إخبارية قصيرة لا تُعلن وظيفتها الفنية صراحة. ومع تقدم القراءة، يتضح أنها ترسم بإيجاز، عالما واقعيا خارج الرواية، يقدم أبرز أحداث العالم المعاش، في موازاة ما يجري في المتخيل داخل الرواية في الضفة الغربية، وكم يبدو بعيدا منه، منشغلا عنه، انشغال عالم اليوم عن المسألة الفلسطينية نفسها.
يقترب الإخباري الحقيقي من المتخيل الروائي، قبيل وقوع الجريمة مباشرة، إذ يتصدر الحادث خبر عن سقوط أكثر من مائة «شهيد» في غزة، ونصبح أمام مشهدين للموت: مشهد يرسمه الاحتلال الإسرائيلي، وآخر يكشف مسؤولية المجتمع عنه، لأسباب لا تأتي عليها الرواية مباشرة، لكننا قد نعثر عليها موزعة في ثنايا السرد، حيث الجريمة الفعلية الأكبر. إنها هناك، في بطريركية الأب والأخ وسلطة العائلة، في الفساد، في النميمة الشعبية، في الكذب والادعاء، في الانتهازية، في مآل الفصائل الفلسطينية، في قتل البنات باسم شرف العائلة وغير هذا. ثم يتوالفان: الخبر والنص المتخيل، قبيل التحقيق في الجريمة، حين تعلن الشرطة عن مقتل المواطنة ر. س (29 سنة) في شارع فرعي في حي الماصيون في رام الله.
في مجمل المقاطع السابقة، وباستثناء انتحار وسام في نهاية الرواية، ووصول نور إلى باريس، لا تصل أي من الوقائع الدرامية إلى نهاياتها: لا المحاكمات، ولا تحقيقات الشرطة في الجريمة، ولا العلاقات بين الأبطال أنفسهم، ولا بقية مصائر الشخوص، كأنما لا شيء يصل إلى نهايات واضحة في رام الله، تماما كحال الاحتلال «الموجود وغير الموجود» ولا نهاية له، والوضع السياسي الذي لا أفق له، والفساد الذي لم تظهر نتيجة واحدة لأي تحقيق فيه، والانقسام، الذي يتوحد بالانقسام، والقرارات الوطنية المتتالية التي لا تطبق، والاستيطان المفتوح على ابتلاع الأرض. ربما لا تقول الرواية ذلك، لكنه تجعلنا نفكر على الأقل.
يطرح نص عباد يحيى، ثيمات الاضطهاد، واليأس، والازدراء، والعبث، والعزلة، والتمييز، وغياب الهدف، وانعدام الجوهر في حياة الشخصيات، التي تقدم حيواتها بسرد استرجاعي (تيار الوعي)، أحيانا، ومن خلال منولوجات داخلية، أحيانا أخرى، تكشف الكثير عن معاناة تفرز نقمة على الذات وعلى المحيط.
نص جريء وغني بالانتقادات السياسية والاجتماعية اللاذعة أحيانا، للأهل الذين تحولوا «إلى كومبارس يؤدون أدوارا ثانوية جدا في حياتي» (ص 35)، حيث «كنت أعيش بلا أب فعلي، أبي البيولوجي تقاعد، وأبي الوظيفي استقال حين رزق بأبناء، وأمي انحشرت في حدود القرية. الآن أنا بأبوين وأم يريدون وصاية كاملة» (ص 59)، وللأحزاب السياسة: «حين دخل أبي التنظيم توقف عن الفلاحة، كأن النضال للدفاع عن الأرض وانتزاع الحق فيها، في إحدى محصلاته، ابتعاد عن العلاقة اليومية معها، ومن ثمّ، تحويلها من مصدر حياة إلى رصيد مجمد» (ص60 - 61)، والتحولات الاجتماعية: «لم يبق لنا من الفلاحين إلا اسمهم» (ص 61)، وكثرة النميمة الاجتماعية والوصاية الظالمة: «يجعلك الناس موضوعا للرصد والمراقبة وإطلاق الأحكام قبل أن يروا فيك شيئا آخر» (ص 110)، ودور العبادة: «مدينة مليئة بمساجد ومؤذنين أصواتهم ناشزة، تستفز أي أذن كأنها أجهزة إنذار للكوارث» (صفحة 119)، وحركة حماس: «لم يكن يسعدها شيء (زوجة شقيقه) مثل تدبير الزيجات بين شباب الحركة (حماس) وبناتها، كأنها تشتري بذلك مستقبلا للحركة، وتضمن استمرارها» (ص 121). والعمل الكفاحي اليومي: «تحولت الانتفاضة من الشارع إلى التلفاز» (ص 124).
لكن هذه الومضات الانتقادية للحال الفلسطيني، لا تتناول، في مشاهد أخرى قليلة - لحسن الحظ، الديني والمقدس، وبعض الرموز الوطنية والمنظمات السياسية، بالحس الدرامي ومن خلال تطور الحدث، أو من خلال حوار يقع في سياقه، بل من خارج الفعل، في مشاهد أُقحمت على النص وزجت به وأفسدت سياقاته. ويبدو واضحا، من خلال النص نفسه، أن الكاتب سعى إلى معادلة انتقاده الحاد لحماس، بانتقاد مواز فتح وزعامتها التاريخية ورموزها الوطنية، فلم يوفق، وتجاوز منطق الاختلاف، إلى رسم مشاهد بذيئة، كما في مشهد خروج نور من المدرسة، ومشاهدته ملصقا لأبي عمار «ببدلته العسكرية يقف فوق رشاش رصاص ثقيل» (ص 94)، حيث يقدم المؤلف - من خلال شخصية نور - قراءة للملصق- المشهد، تشكل سقطة لا يمكن الدفاع عنها، تغطي المشهد وما يتبعه بإحالات لا تخدم وظيفته.
نص «جريمة في رام الله»، جيد ومتماسك، حافظ المؤلف على مستواه الذي ميز بقية الأقسام والمقاطع، بما فيها مشاهد تبدو غريبة للبعض، أو مستهجنة، أو غير محتملة. بينما هي في صلب عمله الدرامي وتظهر قوة نسيجه، وقد صيغت بلغة سردية مقبولة تماما. وقدم الكاتب، من خلالها، صورة واقعية، لمشاعر مراهق يكتشف ميوله الجنسية ويعاني منها: «ألا يمكن لهذا الجسد أن يهدأ قليلا ويتوقف عن العبث بي؟ ألا يمكنه أن يتركني دون هذه الحيرة والقلق؟ (...) ألا يمكنه أن يهدأ ويتركني أهدأ؟ ألا يمكنني أن أتصرف بشكل طبيعي؟ أن أكون على طبيعتي؟» (ص100).
لا يخلو نص عباد يحيى من استطالات وحشو وثرثرة، ومن «محاضرة» في الطب النفسي، لا لزوم لها ولا مبرر دراميا يستدعيها، تمتد على 13 صفحة (المقطع 9 في القسم الثالث)، وكان يمكن الاستغناء عنها بالكامل.
في مقابل هذا، يتميز العمل بلغته البسيطة، والرشيقة، وسرده المتدفق، واستخدامه للعامية بنجاح في حوار الشخصيات. كلاهما، الإيجابي في هذه الرواية، وهو كثير، والسلبي وهو قليل، كان في غنى عن قرار النائب العام الفلسطيني. كان بحاجة إلى تركه للقراء والنقاد يحكمون عليه، ويتصرفون به وفقا لذائقاتهم.



«صفر فاصل خمسة».. سردية تقاوم أحلام الذكاء الاصطناعي

«صفر فاصل خمسة».. سردية تقاوم أحلام الذكاء الاصطناعي
TT

«صفر فاصل خمسة».. سردية تقاوم أحلام الذكاء الاصطناعي

«صفر فاصل خمسة».. سردية تقاوم أحلام الذكاء الاصطناعي

تؤسس رواية «صفر فاصل خمسة» للكاتب المصري أحمد القرملاوي عالماً تتداخل فيه الحدود بين الإنساني والاصطناعي، ويختلط فيه وعي بطلها البشري بـ«طموحات» الآلة، وتختبر الرواية موقع الإنسان أمام تكنولوجيا لم تعد مجرد أداة مسخّرة لخدمته، وإنما عقل موازٍ يشارك في تشكيل تجربته واختبار إرادته.

صدرت الرواية أخيراً عن دار ديوان للنشر بالقاهرة، ومنذ استهلالها بعبارة «الريلز تحاصرني»، يدخلنا القرملاوي إلى وعي بطله وراويه بضمير المتكلم، وتمارس عليه الريلز (مقاطع فيديو سريعة) صورة من الضغط، عبر خلق عالم بديل يبدو أكثر إغراءً من واقعه؛ فرغم عمله مديراً لشؤون العاملين في شركة متعددة الجنسيات، وما يبدو عليه من استقرار مادي واجتماعي، يصف وظيفته بأنها مغموسة «في سخام الروتين وقانون العمل واللوائح الداخلية»، ويتصوّر أنه لو استُبدل مدير آخر به «لما شعر أحد بفارق يُذكر»، ولا ينفصل خوفه من أن يصبح «قابلاً للاستبدال» عن انجذابه إلى تجربة تعده بأن يكون مركز عالم يُصنع من أفكاره ورغباته.

يضعنا السرد أمام خريطة لوعي البطل، يبدو فيها «السأم» جزءاً من تكوينه منذ الطفولة، قبل أن يتفاقم إلى أزمة وجودية وشعور بانعدام المعنى مع انتصاف عمره، عندئذ يجد في المقاطع التي تروّج لتجربة «أخوية صفر فاصل خمسة» وعداً بعالم آخر، خصوصاً أنها تخاطب أزمته مباشرة، كما يقول: «يعرفون كيف يسحبونني من خيط السأم حيث يريدونني أن أكون»، فالإعلان لا يعرض عليه متعة عابرة فحسب، إنما يلتقط شعوراً قديماً بالعجز عن احتمال حياته كما هي، ويقدّم الدخول إلى التجربة كأنه فرصة للخروج منها.

عالمان وذهنان

يتشكّل المستوى الأول في الرواية من حياة البطل اليومية، بداية أزمته العمرية، ووظيفته، وعلاقته بعائلته الصغيرة، ويبدأ المستوى الثاني داخل الشقة التي يُعزل فيها المشاركون في تجربة «صفر فاصل خمسة»، كلٌّ في غرفة منفصلة، ليخوض تجربته مرتدياً «نظارة المحاكاة»، ليجمع المكان الواحد بين المشاركة والعزلة؛ فيدخل كل مشارك عالماً لا يصاحبه فيه سوى وعيه والعقل الاصطناعي.

أما المستوى الثالث فهو العالم الذي تفتحه النظارة أمام البطل، فيخوض رحلة سفر طويلة يلتقي خلالها بـ«باتريشيا»، راقصة المهرجانات التي ينجذب إليها، قبل أن تنزلق علاقتهما نحو الجنون. وتقوده مفاجآت الرحلة إلى مواجهة ذاته «الأخرى»، وإعادة اكتشاف علاقته بزوجته وعالمه العائلي، وكأن العقل الاصطناعي يعيد تركيب ما يكمن داخل البطل، ويمنحه هيئة أشخاص وأماكن ومواقف يستطيع التفاعل معها. فتغدو الرحلة مواجهةً مع الذات.

وتتجسد الصلة بين العالمين في «سلمى»، وهي كيان مطوّر من الذكاء الاصطناعي يتجسد للبطل وراء النظارة «بسمرة لطيفة وبشرة ملساء». يراها ويتفاعل معها، لكنه يظل يسألها: «هل أنت حقيقية؟»، وهو سؤال يزيد الالتباس والشك في الحدود بين الخوارزمي والواقعي. فملامحها البشرية لا تحسم طبيعتها، بقدر ما تجعل التمييز بين ما يشعر به البطل وما يعرفه عنها أكثر صعوبة.

تكشف «سلمى» طبيعة التجربة بعبارة تبدو «نزيهة» في اعترافها بحدود العقل الاصطناعي: «أنت تخوض هذه التجربة بمفردك، ليس ثمة سواك أنت والعقل الاصطناعي، هو من يتغذى على أفكارك وهواجسك، يترجمها إلى حياة وأحداث، وقد يقع في أثناء الترجمة في أخطاء جسيمة، فلا يزال أمامه كثير لكي يتعلمه»، وهكذا يتشكل وراء النظارة عالم «هجين» من ذهنين؛ فالبطل يمدّ الآلة بأفكاره وهواجسه، وهي تحوّلها إلى أمكنة وشخصيات وأحداث. فلا يكون المكان الروائي امتداداً خالصاً لوعيه، ولا ابتكاراً مستقلاً للعقل الاصطناعي؛ إذ إن ما يراه ينشأ من التفاعل بين ما يعرفه عن نفسه وما تصنعه الخوارزمية من تلك المادة.

من هذا التبادل تنشأ سردية الرواية المضادة؛ فالعقل الاصطناعي يحتاج إلى خبرة البطل كي يتعلم ويطوّر أدواته، بينما يتعلّق البطل بالعالم الذي تفتحه له التجربة، تعلقاً يقترب من «الإدمان»، إذ يختبر فيه احتمالات ومشاعر لا تبدو له أقل «حقيقية» مما يعيشه خارجها. ويصبح في الوقت نفسه مشاركاً في صنع التجربة ومادةً تتغذى عليها، وكلما أمدّها بالمزيد من ذاته، ازدادت قدرتها على منحه عالماً يصعب عليه الانفصال عنه.

اختبارات فلسفية

يصف البطل تجربته بمفردات تستدعي أسئلة قديمة عن الحقيقة والوجود وإرادة الإنسان، فهو يتحدث عن «الحقيقة» و«حُلكة العدم»، ويتساءل عن حدود اختياره في عالم تستخدم فيه الخوارزمية رغباته وهواجسه لتقوده إلى مسار قد تكون رسمته له مسبقاً، وهنا لا يتعلق الشك بما إذا كانت الصور التي يراها مصنوعة، فهو يعرف أنه يرتدي نظارة محاكاة، بل بما إذا كانت معرفته هذه تمنحه قدرة فعلية على مقاومة تأثيرها فيه.

فيصف «باتريشيا»، التي يلتقيها خلال التجربة، بأنها «حقيقية، مطلقة، جوهرية، داحضة للشك»، فتبدو هذه الصفات محاولةً منه للتمسك بيقين واحد، في وقت لم يعد يستطيع فيه الجزم بما إذا كان ما يراه نابعاً من وعيه أم من العالم الذي تصنعه له الخوارزمية، كلما اشتد يقينه بحقيقة شعوره تجاهها.

تحافظ لغة الرواية على صلتها بالتفاصيل اليومية الراهنة، من حصار مقاطع «الريلز»، وأداة الذكاء الاصطناعي «جيميناي»، إلى حضور السجائر الإلكترونية «الأيكوس» بديلاً للسجائر التقليدية، وهي مفردات يستخدمها القرملاوي لرسم عالم بطله قبل دخوله المحاكاة، فلا تبدو التجربة قطيعة مفاجئة مع حياته، إنما امتداد لواقع تتدخل فيه التكنولوجيا بالفعل في انتباهه وعاداته اليومية، وصورته عن نفسه. ومن هذا الواقع نفسه ينتقل البطل تدريجياً ليصبح أحد «مواد» العالم الاصطناعي وموارده.

ويكثف عنوان «صفر فاصل خمسة» المنطقة البينية التي تتحرك فيها الرواية؛ فرغم غموض دلالته، يوحي الرقم الكسري، الواقِع بين الصفر والواحد، بحالة البطل المعلّقة بين الحقيقة والمحاكاة، والاختيار والخضوع، وربما موقع ذكاء اصطناعي لم يكتمل تعلّمه، وإنسان لم يصل إلى يقين بعد.


«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل
TT

«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل

لطالما كان الأدب تأريخاً لما تجاهله التاريخ، وصوتاً لمن تواطأ المنتصرون على تغييبهم، فهو يستعيد من هوامش ذاكرة الناس ما لا تقوله الروايات الرسمية، ويمنح المنسيين مكاناً في الحكاية. وبإطلاقها الجزء الثاني من مسلسل «مائة عام من العزلة»، أعادت منصة «نتفليكس»، رائعة الأديب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز إلى قلب نقاش سياسي وثقافي محتدم يتجاوز حدود التقييم الفني للعمل التلفزيوني، ليمس جوهر تلك العلاقة الملتبسة بين الأدب والسلطة وتاريخ أميركا اللاتينية. ويتعلق الأمر بصراع حول تفسير النص الروائي وامتلاكه، وبمدى شرعية تحويله إلى منتج بصري، وبالرسائل السياسية التي يحملها، وهو نقاش تتداخل فيه خلفية ماركيز السياسية المعروفة، وتاريخ كولومبيا المضطرب، وموقف ورثته من إرثه.

منذ صدورها عام 1967، لم تكن «مائة عام من العزلة» مجرد عمل أدبي خالص، بل استقبلت على نطاق واسع كتشريح سياسي لتاريخ أميركا اللاتينية. يرى النقاد أن الرواية، بكونها عملاً مؤسساً للواقعية السحرية، استخدمت الأسطورة كأداة لنقل التاريخ، حيث يصبح المتخيل وسيلة لفهم الواقع السياسي والاجتماعي. هذه القراءة أتت من حقيقة أن أحداثاً مركزية في الرواية، مثل حرب الألف يوم (1899-1902) ومذبحة عمال الموز عام 1928، هي أحداث تاريخية موثقة استخدمها ماركيز لفضح العنف السياسي والاستغلال الإمبريالي في كولومبيا.

لقد أتى تصريح المخرجة الكولومبية لورا مورا، المشرفة على الجزء الثاني من المسلسل، بمثابة اعتراف بهذا البعد السياسي المنسي أو المهمّش. فقد أكدت أن هدفها الأساس كان «إعادة الطابع السياسي إلى المسلسل الذي فقد بعضاً منه»، محذرة من أن تصنيف «الواقعية السحرية» قد دفع بالرواية نحو خانة الخيال، مُبعداً إياها عن جوهرها الاجتماعي والسياسي بما يطرح سؤالاً حول ما إذا كان الجمهور العالمي قد اختزل الرواية في صورها الغرائبية الخلابة، متجاهلاً السياق التاريخي الذي أنتجها، وهو سياق يعيد إنتاج نفسه في الحاضر بصور جديدة من العنف السياسي والفساد.

يقع الجدل الأكثر حساسية حول شرعية الاقتباس في موقف عائلة ماركيز نفسها، وهو موقف ينطوي على تناقض ظاهري. فمن ناحية، كان ماركيز نفسه يرفض طوال حياته تحويل روايته إلى فيلم، ليس لأنه احتقر السينما، بل لأنه كان يرى أن قيود الزمن السينمائي (ساعتان أو ثلاث) لن تسمح أبداً بتقديم سيرة سبعة أجيال وتاريخ قارة كاملة بعدالة. وقد عبر عن رفضه القاطع في مناسبات عدة، حتى أنه رفض عرضاً بمليون دولار من الممثل أنتوني كوين، قائلاً إن كوين لن يكون أبداً الكولونيل أوريليانو بوينديا بالنسبة له.

في المقابل، يبرر نجله رودريغو غارسيا باركا قرارهما، هو وشقيقه غونزالو، بالمضي قدماً في المشروع بأن والدهما كان قد قال لهما: «عندما أموت، افعلوا ما تشاءون»، وهو ما فسّراه كإشارة ضمنية للموافقة. يضيف رودريغو أن المنصة الأميركية قدمت ظروفاً مثالية لم تكن متاحة في السابق: التصوير باللغة الإسبانية، والمواقع الأصلية في كولومبيا، وممثلين محليين، ومدة كافية لتغطية الرواية. هذا التبرير يثير سؤالاً أخلاقياً حول حقوق الورثة مقابل الإرادة الصريحة للمؤلف، وهو نقاش انقسمت حوله الأوساط الأدبية في أميركا اللاتينية، حيث اعتبر بعضهم أن في هذا خيانة لإرادة الأديب الراحل.

ما يجعل الجدل حول الرواية والمسلسل سياسياً بامتياز هو أن نسيجها السردي يفضح آليات السلطة والقمع في أميركا اللاتينية. فتحضر في الرواية «حرب الألف يوم» كحرب أهلية عبثية بين المحافظين والليبراليين، وهي حرب لم تكن سوى مسرح للتدخل الأجنبي ونهب الثروات تحت غطاء أيديولوجي. كما أن «مذبحة عمال الموز»، التي شهدها أحد أبطال الرواية، ليست مجرد حدث مأساوي، بقدر ما كانت نموذجاً لسياسة الإنكار الرسمي والتواطؤ بين الدولة والشركات الأجنبية لإخفاء الحقيقة.

وتكتسب إشارة الرواية إلى «الدكتور غير المرئي» (الرئيس الكولومبي السابق) وقدرته على إخفاء قمعه، بعداً عالمياً كدليل على أن الأحداث التي صورها ماركيز، بوصفها «واقعية» أكثر منها «سحرية»، لا تزال تتكرر في غير بلد في المنطقة والعالم. وهذا البعد يجعل من إعادة إنتاج الرواية في مسلسل تلفزيوني، بحسب مورا، «مفتاحاً لفهم الحاضر» في عالم «يتجه نحو الجنون والاستعمار الجديد»، حيث إن قصة نهاية ماكوندو تعكس بشكل مقلق دورة الاستغلال والنسيان التي لم تنكسر بعد.

ولعله من المثير أن تتجاوز معركة الاقتباس كونها مسألة فنية، لتصبح صراعاً على رواية التاريخ وتملّكه. فالمسلسل، بوصفه منتجاً عالمياً، يطرح إشكالية تحويل تاريخ كولومبيا الدامي إلى سلعة استهلاكية للجمهور العالمي. وهذا ما يفسر الانتقادات القاسية التي وجهتها الكاتبة الكولومبية كارولينا سانين، التي اعتبرت أن المسلسل «يؤذي الروح» لأنه يحول «ألحان» الرواية إلى «موسيقى خلفية»، ويستبدل قوتها الروحية والتحريرية بقوة المال والتكنولوجيا. هذا الرأي يجد جذوراً في حقيقة أن «نتفليكس»، وهي شركة أميركية معولمة، تتحكم في إنتاج وتوزيع صورة تاريخ أميركا اللاتينية، وهو ما يثير أسئلة حول «الاستعمار الرقمي» ومدى قدرة أي منتج أجنبي على فهم تعقيدات هذا التاريخ.

ربما أزيلت «لعنة» ماركيز عن الاقتباس بحكم الضرورة التاريخية والتكنولوجية بعدما تحولت روايته إلى صورة متحركة وموضوع للاستهلاك البصري للمليارات من البشر حول العالم، لكن هذا التحول لم يلغِ الرمزية السياسية للنص، بل أعادها إلى الواجهة. فكما أن الرواية استخدمت الواقعية السحرية لفضح واقع مسحوق، فإن المعركة حولها اليوم تكشف عن واقع جديد: واقع تسعى فيه الذاكرة الجمعية لأميركا اللاتينية إلى إيجاد صوت لها في ظل هيمنة منصات عابرة للحدود. ولهذا لم يعد السؤال ما إذا كان المسلسل وفياً للرواية، بل ما إذا كان قد نجح في جعل العالم يتذكر أن حكاية عائلة بوينديا، بكل دوراتها وعنفها، هي حكاية قارة لم تحصل أبداً على فرصة ثانية، تماماً كما جاء في خاتمة «مائة عام من العزلة».


مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
TT

مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي

ازدهرت العمارة المدنية في الحقبة الأموية، وتميّزت بحللها الزينية المتعدّدة الأشكال التي جمعت بين الحجر والطوب والآجر، وحوت عدداً كبيراً من المجسّمات التصويرية الآدمية، وصل أغلبها على شكل كتل مهشّمة، بدت أشبه بالقطع المنحوتة. يحتفظ متحف دمشق الوطني بمجموعة كبيرة من هذه الكتل، مصدرها قصر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف بقصر الحير الغربي. تحضر في هذه المجموعة سلسلة من القامات تشهد لتنوّع كبير في الأساليب الفنية المتبعة، منها قامة تمثّل فتًى يحمل بين ذراعيه بهيمة من دواب البر، وقامة تمثل صبية تحمل بيدها اليمنى إناءً صغيراً يحوي باقة من الزهور، وقامة تمثّل شاباً يضمّ بيده اليسرى طيراً.

ظلّ قصر الحير الغربي مطموراً تحت الرمال إلى أن كشفت عنه بعثة فرنسية قادها العالم دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938. خرجت هذه الحملة بكمّ هائل من القطع المنقوشة، نُقل الجزء الأكبر منها إلى متحف دمشق، حيث خصّص لها ركن واسع في جناح الفن الإسلامي. يعود جزء من هذه القطع إلى واجهة القصر الخارجية، ويعود الجزء الآخر إلى فناء يقع خلف هذه الواجهة، تحدّه كذلك واجهة عريضة. جمع فريق المنقّبين هذه القطع المبعثرة، وعددها بالآلاف، وأعادوا تركيب جزء منها بجهد جهيد. هكذا تشكّلت واجهة القصر الخارجية من جديد، ورُفعت عند مدخل المتحف، وباتت واجهة له. كذلك تشكّلت الواجهة الداخلية، ورُفعت في الركن المخصص لقصر الحير ضمن جناح الفن الإسلامي.

في المقابل، عجز فريق المنقبين عن تحديد موقع قسم من هذه القطع المنقوشة بدقّة، وشكّل هذا الموقع المجهول أساساً لسلسلة متواصلة من الأبحاث العلمية. من هذه القطع، تبرز مجموعة من القامات تعود على الأرجح إلى الفناء الداخلي. تتميّز كلّ منها بحركة حية خاصة، ويتبيّن عند دراسة هذه المجسّمات أنّها ترتبط بخيط جامع، يتراءى في حركتها الحية. تبرز في هذا الميدان ثلاث قطع من الحجم المتوسّط، تشكّل كما يبدو ثلاث عينات مترابطة، بالرغم من اختلافها الظاهر في التكوين.

تحضر إحدى هذه العينات على شكل لوح مستطيل سقط القسم الأسفل منه، يزيّنه نقش ناتئ يلامس في نتوئه الشديد فن النحت، ويمثّل فتىً أمرد يحضر في وجهية نصف جانبية، حاملاً بين ذراعيه بهيمة سقط رأسها للأسف، ويوحي تكوين هذه البهيمة وحجمها بأنّها من فصيلة الغنم. رأس الفتى دائري، وملامحه جليّة، قوامها عينان حافظتا على بنيتهما، وأنف صغير ناتئ، وأذن ظهر صيوانها بشكل كامل، وثغر ارتسمت على شفتيه النحيلتين ابتسامة خفيّة. تكلّل هذا الوجه النضر كتلة من الشعر، تعلوها خصل متموّجة تتسّم بطابعها الحي. يرتدي هذا الفتى ثوباً من الطراز الروماني، تعلوه ثنايا تلتف حول الصدر والحوض. ضاع ساقا هذه القامة نتيجة سقوط الجزء الأسفل من اللوح، وما تبقّى من الصورة المجسّمة يوحي بأن هذا الرداء يلفّ كذلك الساقين. حركة هذه القامة واضحة، وتتمثّل بذراعين مرفوعتين تحملان الخروف في وضعية التقدمة. تظهر الذراع اليسرى بشكل كامل، وتتبع مفاصلها التشريح الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الطبيعي الحي. يظهر الساعد، وتظهر اليد بأصابعها الخمس، وفقاً لناموس الجمالية الكلاسيكية المكرّسة.

يتجلّى هذا الأسلوب في عينة أخرى تمثّل قامة أنثوية ترتدي ثوباً تعلوه ثنايا محدّدة بدقّة. فقدت هذه القامة ذراعها اليسرى وقدمها اليمنى، وحافظت على رأسها بشكل كامل. الوجه الأنثوي صاف ونضر، مع ثغر صغير ترسم شفتاه ابتسامة رقيقة. تلتفّ ضفائر الشعر حول هذا الوجه، وتشكلّ كتلتين هلاليّتين يفصل بينهما شقّ في الوسط، وفقاً لتسريحة تقليدية تُعرف بـ«التسريحة الكنيدية»، نسبة إلى مدينة كنيدوس في إقليم كاريا في جنوب غرب آسيا الصغرى، وهي التسريحة التي عُرفت بها في وجه خاص، المعبودة أفروديت، في تمثال صنعه قديماً براكستيليس، النحات البارع الذي يختصر اسمه جمالية النحت الإغريقي القديم.

يستقرّ رأس هذه الصبية الحسناء فوق عنق عريضة، وتظهر في موازاة استدارة الذقن، استدارة ناتئة في أعلى العنق، تُعرف في قاموس الفن اليوناني بـ«الذقن المزدوجة». ترتدي هذه الصبية ثوباً تلف ثناياه قامتها، مع زنار علوي يلتفّ حول الخصر. ترتفع الذراع اليمنى نحو أعلى الصدر، وتحتضن إناءً يستقرّ وسط اليد، وتظهر في وسط هذا الإناء باقة من الزهور، تتكوّن كلّ منها من أربع بتلات متناسقة. يتبنّى هذا التمثال النسق الإغريقي الكلاسيكي، ويتجلّى في الأسلوب الواقعي المعتمد في صياغة مختلف أعضاء الجسد الأنثوي، كما في صياغة ثنايا الثوب الذي يلفّ هذا الجسد.

نصل إلى المجسّم الثالث، وهو على شكل قامة منتصبة فقدت قدميها، وتمثّل هذه القامة شاباً يحضر في وضعية المواجهة، معتمراً قبّعة عريضة قمّتها مدبّبة، رافعاً ذراعيه نحو وسط صدره. يرتدي هذا الشاب ثوباً فضفاضاً ينسدل عند الركبتين، مع زنار عريض معقود حول الخصر. ويكشف هذا الثوب القصير عن سروال فضفاض، ويتبع زياً تقليدياً يُعرف بالزي الإيراني القديم، وتتبع القبّعة زياً يُعرف بالقلنسوة الفريجية، نسبة إلى إقليم فريجيا القديم في الوسط الغربي من الأناضول. ويشكّل الثوب والقلنسوة زياً جامعاً شاع بشكل واسع في العالم المتوسّطي بأقاليمه المختلفة. يحضن هذا الشاب بيده اليسرى طيراً سقط رأسه، يبدو أشبه بحمامة، ويرفع يده اليمنى في حركة موازية، حاضناً أداة سقطت بشكل كلّي، بحيث يصعب تحديد هويها. يجمع هذا المجسّم بين التقليد الروماني والتقليد الساساني، ويتبع تكوينه نموذجاً اعتُمد بشكل واسع في الفن الجنائزي الخاص بمدينة تدمر الأثرية.

في الخلاصة، يحضر كلّ من هذه المجسّمات في حركة خاصة، حاضناً خيرة من خيرات هذه الأرض، وهي هنا خروف وطير وباقة من الزهور، وتمثّل بعضاً من نِعم الأرض، وهي الأرض التي جعلها فراشاً للإنسان، كما تقول الآية الكريمة (البقرة 22)، فباتت «مهاداً، وموطأً، وقراراً يستقر عليها» كما جاء في تفسير الطبري.