«اليورو» يخشى الانسحاق تحت ضغط المخاوف الأوروبية

تحذيرات من انهيار «العملة الموحدة»... ودعوات لضرورة التقارب

برزت توقعات بإمكانية انهيار العملة الموحدة لمنطقة اليورو خلال 18 شهرًا (رويترز)
برزت توقعات بإمكانية انهيار العملة الموحدة لمنطقة اليورو خلال 18 شهرًا (رويترز)
TT

«اليورو» يخشى الانسحاق تحت ضغط المخاوف الأوروبية

برزت توقعات بإمكانية انهيار العملة الموحدة لمنطقة اليورو خلال 18 شهرًا (رويترز)
برزت توقعات بإمكانية انهيار العملة الموحدة لمنطقة اليورو خلال 18 شهرًا (رويترز)

مع توالي الضغوط التي تزيد من ثقلها على كاهل الاقتصاد الأوروبي، تعاني العملة الأوروبية الموحدة أكثر من غيرها من العملات، وسط تحذيرات باحتمالية انهيارها أمام الضغوط في حال عدم نجاح القادة الأوروبيين في إيجاد حلول واسعة النطاق لإنقاذ مستقبل اقتصاداتهم وعملتهم الموحدة.
ومن أزمة ديون اليونان «المزمنة»، وتفاقم مشكلات البنوك الإيطالية وخللها الذي يهدد القطاع المصرفي الأوروبي برمته، مرورا بما أنتجه الاستفتاء البريطاني بالانفصال عن الاتحاد الأوروبي، مرت العملة الأوروبية بعام قاس في 2016، وافتتحت العام الجاري بصعود الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى سدة الحكم، الذي تزامن مع زيادة المخاوف حول مستقبل الاقتصاد العالمي بشكل عام، خصوصا في ظل دعواته «الحمائية» ومعاداته الواضحة لاتفاقات التجارة الحرة، زاعما أنها «أحادية الفائدة» لأطراف أخرى، وليس نهاية بدعوته الصريحة لدول الاتحاد الأوروبي بالامتثال ببريطانيا والانفصال عن اتحادها القاري. وجاء تولي ترمب متزامنا مع انتخابات أوروبية متعددة تجري العام الحالي على المناصب الرفيعة، أبرزها في فرنسا وألمانيا وهولندا، وهي من أصحاب الاقتصادات الكبرى في أوروبا... وهي الانتخابات التي تشهد صعودا صاروخيا وقويا لـ«اليمين» بشتى أطرافه، ما يؤجج المخاوف من صعود «الشعبوية» في القارة الأوروبية بشكل واسع لم تشهده منذ فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية.
وفي دوائر المخاوف، تعددت التحذيرات من المخاطر التي تحيق وتهدد مستقبل الاقتصاد الأوروبي «المجمع»، الذي يعد «نظريا» ثاني أقوى اقتصاد على مستوى العالم بعد الولايات المتحدة، بإجمالي ناتج محلي قدره أكثر من 16 تريليون دولار، بحسب تقرير البنك الدولي لعام 2017.
وفي هذا الصدد، قال صندوق النقد الدولي في تقييم دوري لمنطقة اليورو، قبل نحو 10 أيام، إن اقتصادات المنطقة التي تضم 19 دولة تتقاسم العملة الأوروبية الموحدة، يجب أن تتقارب أكثر، وإلا فإنها ستعاني من أزمات متكررة. وقال الصندوق إنه «من دون مزيد من التقارب، من المرجح أن يعاني الاتحاد المالي من نوبات من عدم الاستقرار»، لكنه أضاف في نبرة أكثر تفاؤلا أن «التعافي الاقتصادي بمنطقة اليورو يتحسن»، وتوقع نموا بنحو 1.6 في المائة هذا العام، وفي 2018 و2019، لكن توقعاته للنمو في الأجل المتوسط كانت ضعيفة.

توقعات بالانهيار

وأمس، وعلى وقع المخاوف، هبط اليورو بنسبة 0.5 في المائة مع القلق المتصاعد بشأن الوضع السياسي في فرنسا قبيل الانتخابات الرئاسية في أبريل (نيسان) ومايو (أيار)، وهو ما أعاد إلى أذهان المستثمرين مجددا المخاطر السياسية للنظام القائم في أوروبا.
وربما كانت أكثر التصريحات «صدمة» فيما يتعلق بالتوقعات حول مستقبل أوروبا الاقتصادي، من نصيب البروفسور تيد مالوك قبل نحو أسبوع، حين توقع إمكانية انهيار العملة الموحدة لمنطقة اليورو خلال 18 شهرا فقط، خلال حديث لشبكة «بي بي سي» البريطانية.
ووجه مالوك، وهو المرشح لمنصب السفير الأميركي بالاتحاد الأوروبي، انتقادا للسياسات التي يتبعها الاتحاد الأوروبي، قائلا إن «بريطانيا عندما تكون خارج السوق الموحدة والاتحاد الجمركي، يمكنها تخطي البيروقراطيين الأوروبيين في بروكسل وإبرام اتفاق تجارة حرة».
ثم وجه تحذيرا للاتحاد الأوروبي من إعاقة المفاوضات بين بريطانيا والولايات المتحدة، وأوضح أنه سيكون أشبه «بالزوج الذي يحاول منع زوجته من تركه». وأشار مالوك إلى أن هذه العقبات لن تمنع بريطانيا من الحصول على اتفاق تجارة حرة متقدمة على بقية دول الاتحاد الأوروبي، كما أن الانتخابات المقبلة في هولندا وفرنسا وألمانيا قد تؤدي إلى هزة في البنية الأساسية للاتحاد.
وربما تكون تصريحات مالوك جزءا من السياسة الرسمية الجديدة التي تتبعها إدارة الرئيس ترمب، لكن مزيدا من البحث خلف ذات الأمر يكشف أنه لا يتعلق فقط بمناورات سياسية، لكنه يتصل بمخاوف فعلية.

«خيانة» وأخطاء

مالوك لم يكن الوحيد الذي يطلق مثل هذا التحذير، بل إن الأغرب من ذلك أن مطلق مشروع العملة الموحدة بنفسه كان سباقا في التحذير من انهياره. ونقلت «الإندبندنت» البريطانية عن أوتمار أسينغ، صاحب فكرة العملة الموحدة، في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي تصريحا جريئا، قال فيه إن سياسات المنطقة الأوروبية «خانت تجربة العملة الموحدة».
وأوضح الخبير الاقتصادي أسينغ، في سياق حديثه، أنه «من الناحية الواقعية، سوف تكون حالة من التخبط ومكافحة أزمة تلو الأخرى. من الصعب التنبؤ بمدة استمرار هذا الأمر، ولكنه لا يمكن أن يستمر للأبد»، مؤكدا أن البنك المركزي الأوروبي قام «بخطأ قاتل» لموافقته على إنقاذ دول مفلسة مثل اليونان وآيرلندا.
وأضاف أن «ميثاق الاستقرار والنمو فشل بشكل أو بآخر، وتقضي تدخلات البنك المركزي الأوروبي على انضباط السوق. لذلك فلا توجد آلية لدى الأسواق أو السياسة لممارسة الرقابة المالية، وكل هذا يتضمن كل عناصر الكارثة على الاتحاد النقدي»، متابعا أنه «لا مفر من مشكلات اليورو إلا من خلال وحدة سياسية»، لكنه استبعد تحقيق مثل هذه الوحدة.
وانتقد أسينغ قرض البنوك الفرنسية والألمانية اليونان في 2008، مؤكدا أن هذا كان في مصلحة البنوك ليس أكثر، وأنه كان يجب طرد اليونان من منطقة اليورو وتقديم الدعم السخي لها بعد استعادة استقرار سعر الصرف.

نجاة من الكبوات

لكن مع تلك التوقعات السوداوية، فإن قوة الاقتصاد الأوروبي النابع من قوة دوله فرديا، تبقى عاملا مهما في المعادلة. ولعل أبرز دليل على ذلك أن توقعات انهيار اقتصاد اليورو والعملة الموحدة ليست بجديدة تماما، فقد سبق أن ظهرت مثل تلك المخاوف في أعوام سابقة، ومن أبرزها توقع خاص بمؤسسة الاستثمار الأميركية البارزة «غولدمان ساكس» في مطلع عام 2015، حين قال البنك في بيان آنذاك: «نهاية العام المقبل (2016)، ستصبح قيمة الدولار الواحد تساوي قيمة اليورو الواحد»، وهو الأمر الذي لم يحدث.
وتوقع البنك، في تقريره، إمكانية انهيار الاقتصاد الأوروبي، وهبوط سعر اليورو إلى أقل من دولار، مشيرا إلى أن المشكلات الاقتصادية التي تعاني منها القارة الأوروبية تعد سببا أساسيا في تراجع قيمة اليورو، خصوصا في ظل ارتفاع معدلات البطالة بالاتحاد الأوروبي، وانخفاض أسعار المستهلكين في أواخر عام 2014.
وأيضا في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، ووفقًا للخبير الاقتصادي الفرنسي جاك أتالي، رئيس بنك إعادة البناء والتنمية الأوروبي سابقًا، فإن الأوضاع الاقتصادية العالمية والأوروبية بشكل خاص تضع اليورو أمام وضع استثنائي وغير مسبوق. وقال إن إمكان انهيار اليورو، وبالتالي منطقة اليورو بأكملها، لم يعد مجرد سيناريو «كابوس على الورق» فقط، وإنما احتمال قائم يمكن أن يصبح واقعا في أي لحظة الآن. وبحسب أتالي، يتمثل هذا الوضع في أن احتمالي بقاء العملة الأوروبية الموحدة أو انهيارها بالكامل متساويان تماما. مرجعا وقوف اليورو على حافة الانهيار في المقام الأول إلى أن اليونان تبدو، رغم تكرر محاولات الإنعاش التي تتلقاها بين الفينة والأخرى، ماضية على الطريق نحو إعلان إفلاسها وعجزها عن تسديد ديونها الخارجية.



«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.