شوقي أبي شقرا لـ «الشرق الأوسط»: في مجلة «شعر» وجريدة «النهار» نظّفت القصائد قبل نشرها وصغت المحتوى

مذكراته تصدر قريبًا وتتناول نحو 100 شخصية ثقافية عربية ولبنانية

شوقي أبي شقرا لـ «الشرق الأوسط»: في مجلة «شعر» وجريدة «النهار» نظّفت القصائد قبل نشرها وصغت المحتوى
TT

شوقي أبي شقرا لـ «الشرق الأوسط»: في مجلة «شعر» وجريدة «النهار» نظّفت القصائد قبل نشرها وصغت المحتوى

شوقي أبي شقرا لـ «الشرق الأوسط»: في مجلة «شعر» وجريدة «النهار» نظّفت القصائد قبل نشرها وصغت المحتوى

بصدور مذكرات الشاعر والصحافي اللبناني شوقي أبي شقرا، بعد أيام، يكتشف القارئ تفاصيل جديدة، عن محطات رئيسية شكلت حركة الشعر العربي الحديث في النصف الثاني من القرن العشرين، وعلاقة هذه الحركة بتأسيس الصحافة الثقافية في لبنان، وصناعتها، كما وضع مداميكها الأولى ورسم معاييرها.
يصف أبي شقرا لـ«الشرق الأوسط» كتابه بأنه: «شهادة للتاريخ، مرآة، كتبت فيه عما يقارب 100 مثقف لبناني وعربي. استغرقتني الكتابة أكثر من سنة. هذا أنني وحدي وليس عندي سكرتيرة أو مساعد، إلا دار النشر هي التي أعانتني». يشرح أبي شقرا، ونحن نسأله إن كان قد خشي وهو يسجل مذكراته المليئة بالأحداث والأسماء الأدبية المعروفة، من ردود فعل غاضبة، ويقول: «لا تجريح ولا إساءة لأحد كي يأتي الكتاب مطابقًا للذوق والأصول. عندي أخلاق ونصاعة في الكتابة وحرص، وهدوء واحترام للآخر، كما كان يسميني محمد الماغوط (المرشد الجمالي) الذي لا يسقط دون مرتبة الجمال. لذلك أسميت كتابي (شوقي أبي شقرا يتذكر... كلمتي راعية وأقحوانة في السهول، ولا تخجل أن تتعرى)».
«الأقحوانة» تتعرى إذن، إنما بشيء من الخفر، لتروي مسارًا استمر لأكثر من خمسين سنة. ففي عام 1965 وبعد أن ترك «مدرسة الحكمة» وعمل أستاذا كان أبي شقرا (الذي بلغ ثمانينه اليوم)، أحد مؤسسي «حلقة الثريا» مع رفاقه جورج غانم، وإدمون رزق وميشال نعمة. حركة أدبية في مدينة تتفتح على نهضة، وبلد يتحول إلى جسر. شغف القراءات لبعضهم بعضا، الندوات التي تجعل الحلقة تكبر، الأمسيات والنقاشات. هناك في «الثريا» سيلتقي نور سلمان، جورج شامي، وأنور سلمان. حركة لا تزال تدور في إطار كلاسيكيي، لكنها محطة للقفز إلى مكان أكثر رحابة إلى مجلة «شعر»، حيث المغامرة مفتوحة على التغيير، والحرية والاختبار والتجريب، وصداقات تمتد جسورها مع شعراء عرب وجدوا لهم في بيروت، ومع «جماعة شعر» مكانًا لصياغة القصيدة الجديدة، يوم كان الشعر الكلاسيكي حاضرًا بقوة. هناك التقى بدر شاكر السياب، جبرا إبراهيم جبرا، نازك الملائكة، وأدونيس. هذا الأخير الذي «بعد صداقة قوية بيننا، جاء النفور. حين يتطور الإنسان، يصبح لكل آراؤه، ونحن كل منا تطور في اتجاه». الماغوط وأبي شقرا الذي كان يضع لمساته على القصائد، عملا على تحرير مجلة «شعر». هذا لم يكن يعجب أدونيس الذي وجد فيما يسميه أبي شقرا تنظيفًا للقصيدة، مبالغة في التصحيح. «كان خلافنا شعريًا بالمطلق، لكن في الحقيقة ما من سبب جوهري. أدونيس ويوسف الخال، جاء كل منهما إلى المجلة وفي رصيده قصائد كلاسيكية على الوزن والقافية. لم تكن هذه حالتي وصرت أشكل نصوصي بطابع جديد. كانت روح التحدي سائدة بيني وبين أدونيس، هو من طريق وأنا من طريق». يصف أبي شقرا خلال حديثه عن أدونيس «بأنه بقي على النمط النابع من التراث. إنه نمط هوسي ومنطقي بالتفكير. من ناحيتنا كانت عندنا الحركة مفتوحة. ثم وجدنا أن الوزن والقافية استوعبتا التجربة الجديدة في العالم العربي».
يستدرك الشاعر وهو يتحدث عن تجربته: «هنا أريد أن أتوقف لأشكر المثقف التونسي القوي والبليغ محمد علي اليوسفي، الذي أقدره كثيرًا فقد كتب عن كتابي (صلاة الاشتياق في سرير الوحدة) عندما صدر عام 1995 يقول: «هذه اللغة عند شوقي أبي شقرا دون غيرها، جديدة على اللغة العربية».
يتحدث أبي شقرا بشغف عن تجربته الرائدة والمديدة في جريدة «النهار» التي انتقل إليها حاملا مهاراته في التحرير من مجلة «شعر»: «كان عندي نظرة وقدرة على التنظيف والتشذيب والصياغة، فعلت تمامًا كما كنت أفعل في مجلة (شعر*». يروي أبي شقرا أنه وصل إلى «النهار» فوجد الصفحتين الموجودتين في وسط الجريدة، متروكتين للارتجال والفراغ، «عندها قلت لفرنسوا عقل، أعطني صفحة، بيضاء أخصصها للثقافة. لم تكن قبل ذلك صفحات يومية للثقافة كما هي السياسة. في مصر كانت الصفحات أسبوعية. خضنا تجارب ثقافية كثيرة في (النهار)، منها الملحق الثقافي أيضا، قمنا بجهد لا يضاهيه جهد». معلوم أن أبي شقرا فتح صفحات «النهار» أمام شبان صغار، مبتدئين في الكتابة. كثر يقولون: إنهم كانوا يضعون نصوصهم في صندوق البريد في مبنى الجريدة ويجدونها منشورة في اليوم التالي. ليسوا في حاجة إلى مقابلة الرجل، طالما أنه قرر النشر بالحكم على النص، هذا شرع الباب أمام لبنانيين وعرب كثر، من بين هؤلاء سعدي يوسف الذي نشر قصيدة له على صفحات «النهار» وكان عمره 18 عامًا. النصوص لم تكن كلها بديعة، نقول له ومع ذلك نشرتها: «هؤلاء اشتغلت على قصائدهم كما كنت أفعل في مجلة (شعر)، وكانوا لا يغضبون، بل يأتون ويشكرونني أحيانًا ولو تحت ستار الحياء، لتنظيفي القصائد وصياغة المحتوى». يستدرك حين سؤاله إن لم يكن بعض هؤلاء قد خذلوه في مسارهم الشعري، بعد أن لمعت أسماؤهم، ويقول: «البعض فهم خطأ احتفائي باللغة. هذه الطريقة التي اتبعت منذ مجلة (شعر)، فيها التروي والتأنق قبل النشر. العمل على اللغة يكون كما الشغل على سبحة، على كل ما هو ثمين. هناك شعراء استسهلوا واستعجلوا، لم يهتموا إلى الجدار المتين الذي يحفظ الرونق. إنهم يلقون الكلام على عواهنه. لذلك؛ أقول إن مجلة «شعر» كانت ظالمة، لأنها اعتنت بالقصيدة من كل جوانبها، قبل نشرها، كي تكون جيدة جدًا وباقية للزمن. الوزن والقافية في الشعر الكلاسيكي، هما الثوب الذي يغطي القصيدة، حين ذهبا ونزل الشعراء عن المنبر ضاع بعضهم. صارت العناية بترتيب الألفاظ والجملة، دون القبض على سر القصيدة. ولكل قصيدة سر».
في جعبة أبي شقرا الكثير من الذكريات التي ستصدر في 816 صفحة عن «دار نلسن» في بيروت بالشراكة مع «مجلة الحركة الشعرية» في المكسيك، لكن صاحب الكتاب يقول: إن هذه الأجواء الشعرية العامرة ليست هي التي استغرقته وهو يكتب، وإنما «مرحلة الذات المقهورة في الطفولة، موت الوالد الذي كان يعمل في قوى الأمن الداخلي في الأربعينات، بحادث سيارة، ثم انتقال العائلة إلى بيروت. ذاتي المقهورة هناك أيضًا، جراء حياتي في المدرسة الداخلية دون حنان أو رحمة، أنا وأخي الصغير. والدنا كان عنده شفقة كيانية علينا كما كل أب محب، كان يريد لنا أن ننتقل من رشميا وتتحسن حياتنا. هذا كله افتقدناه. ثم القهر مع احتكاكي بالعالم حين بدأت العمل ودخلت عالم الصحافة». ويعلق ناشر الكتاب سليمان بختي «بأن هذا اليتم المبكر يكاد يصبغ حياة بأكملها. وكأنه كان في الفردوس وخرج منه. تركه المدرسة بعد المرحلة الثانوية واضطراره إلى العمل في التعليم ومساره الشاق في عالم الأدب. كان دائمًا يعمل بشغف وكدّ، واجدًا في ذلك تعويضًا عن الفقد. كان دائمًا يعيش نوعًا من التحدي وكأنما لا يزال يصارع للخروج من تلك الطفولة القاسية. وجد في اللغة وهو يطوعها ويقولبها ويستخدمها، بدلاً عن ضائع، حيث يذهب إلى الخيال والمشاعر والفنتازيا والأدب تعويضًا عن حياة هدرت. يبقى عنده الوجع والحرقة وإحساسه بأنه انتقم بالشعر ومن الشعر انتقام النبيل الذي يوقع الفارس عن الحصان ولا يقتله».
وهل بقي القهر مستمرًا حين أخرجت من صحيفة «النهار» وقد قضيت هناك أكثر من ثلاثين سنة؟ نسأل أبي شقرا، فيجيب: «لم أطلع من النهار مقهورًا، وما همني العقوق. عند خروجي كان ثمة اعتبارات قليلة جيدة، والباقي كما هو معروف عند أصحاب الشغل. نحن من أحضرنا روح الأدب إلى روح الصحافة، ولسنا كأهل المهنة، ممن جاءوا بعدنا يتبعون طريقًا واحدًا. أردنا الثقافة يومية لتأخذ حقها تمامًا كما السياسة، ووضعناها على الصفحة الأولى. قمنا بعمل من حيث الكمية والجهد لا يضاهيه آخر».
يستخدم أبي شقرا وهو يتحدث صيغة الجمع «نحن» ليتكلم عن ذاته، حتى في مذكراته لم يستسغ الكتابة بصيغة الـ«أنا» فتوقف بعض الوقت وتريث، باحثًا عن حلّ، قبل أن يعاود الكتابة.
إنه رجل مؤسس. كان شريكًا حقيقيًا، في «حلقة الثريا» و مجلة «شعر» وترجم قصائد عن الفرنسية لشعراء كبار مثل: رامبو، ولوتريامون، وأبولينير، وريفيردي. كان مؤسسًا أيضًا لأول صفحة ثقافية يومية في لبنان، بعدما جاء به صديقه أنسي الحاج من جريدة «الزمان» إلى «النهار»، وجعلها صفحة عصرية أدخل عليها المسرح والرسم ومقالات النقد السينمائي التي كان يكتبها بالفرنسية سمير نصري، ويترجمها له إلى العربية. وفي رأي سليمان بختي أن أبي شقرا «لم يفتح فقط صفحته على التجارب والنصوص، كما لم يفعل أحد من قبل، وإنما كرّس الحدث الثقافي كأولوية حين يتعلق الأمر بمهرجان بعلبك أو أحداث على هذا المستوى. وبخاصة أن الرجل كانت تسند إليه مسؤولية التحرير السياسي عند الحاجة، وحتى الصفحة الأولى. وخلال الحرب الأهلية بقي لسنوات يحرر جزءًا مهمًا من الجريدة في بيته. لذلك هو يشعر بالعقوق والمرارة».
في الكتاب الذي سيصدر، يوجد فصل خاص عمن عمل معهم أسماه «شعب النهار»: كتاب، وصحافيون، وأصدقاء. وفيه المقالات التي نشرها في مجلة «الغاوون»، وكلام في قضايا نقدية، وإعادة استذكار لكتبه واحدًا واحدًا، وفيه وثائق وصور من بينها ما هو شخصي أو تجمعه مع «جماعة شعر» أو كتاب كبار، وعودة إلى التكريمات التي أقيمت له، سواء في «الجامعة الأميركية» أو «الحركة الثقافية - أنطلياس»، وفي الختام تحت عنوان «بيتي تأملات» كلام عن الشعر وعلاقته بالآفاق العالمية.
وعلى الغلاف الأخير نقرأ: «ربما، من الموجة المقدامة، ومن الشاطئ الذي لا يكذب، بل يزبد ويقول الحق. قول الحق ولو كان انبطاحًا على الحضيض».



الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.