دراسة عن الفوضى: كيف يقيّم الخبراء إدارة البيت الأبيض في عهد ترمب؟

الرئيس الأميركي تسبب في تعكير صفو الأسواق بحديثه عن الحروب التجارية

الرئيس الاميركي ورئيس الوزراء الياباني في اعلان يظهر سعر صرف الين (رويترز)
الرئيس الاميركي ورئيس الوزراء الياباني في اعلان يظهر سعر صرف الين (رويترز)
TT

دراسة عن الفوضى: كيف يقيّم الخبراء إدارة البيت الأبيض في عهد ترمب؟

الرئيس الاميركي ورئيس الوزراء الياباني في اعلان يظهر سعر صرف الين (رويترز)
الرئيس الاميركي ورئيس الوزراء الياباني في اعلان يظهر سعر صرف الين (رويترز)

بعد نجاحه في الارتقاء بمهاراته الإدارية للدرجة التي جعلت منه «شخصية منظمة وعبقرية»، بحسب وصف أندرسون كوبر، مقدم الإخبار بقناة «سي إن إن» الإخبارية، جاء الظهور الأول لدونالد ترمب بالبيت الأبيض فظا، ناهيك عن كونه أول رئيس ينتقل مباشرة من الجناح التنفيذي إلى البيت الأبيض.
تبدو كلمة «الفوضى» الأقرب للذهن، وكثيرا ما يعقبها كلمة «اضطراب» عند وصف الحال في البيت الأبيض، لكن هناك تعبيرا آخر جاء استثناء استخدمه المتحدث الرسمي للبيت الأبيض، شأن سبايسر، الذي استخدم وصف «مفعم بالأحداث».
فخلال أقل من أسبوعين، تسبب ترمب فيما يشبه الثوران على الحدود الأميركية، وجعل الحلفاء الأبديين ينفرون من سياسته، وعكر صفو الأسواق بحديثه عن الحروب التجارية؛ ليتسبب في موجة احتجاجات لم يتسبب فيها رئيس من قبل.
وحتى الصفحة الافتتاحية لصحيفة «ذا وول ستريت جورنال» المحافظة عبرت عن السياسة الجديدة التي انتهجها ترمب تجاه اللاجئين بوصفها بالـ«سياسة غير المدروسة والغامضة، التي لم يجر الإعداد لها جيدا، وباتت سببا للاضطرابات ونشر الخوف في المطارات، ولنشوب معركة قانونية خاسرة وشيكة، ولحدوث احتقان سياسي شديد داخل البلاد وخارجها».
وحتى باول ريان، رئيس مجلس النواب وعضو الحزب الجمهوري، الذي كان قد صرح في البداية مُرحبا بقرار الحد من الهجرة، عاد ليغير كلامه قائلا: «من المؤسف القول إن القانون لم يُطرح بالشكل الصحيح».
جميع الرؤساء الجدد يمرون بمرحلة تحول في التعليم، لكن ترمب وعد بمرحلة تحول خالية من العيوب، في ظل وجود مدير تنفيذي أكثر منه رجل سياسة في مرحلة نستطيع أن نرى فيها إدارة أشبه بالماكينة التي تعمل بشكل جيد.
ولذلك؛ ليس من السابق للأوان أن نطلب من بعض خبراء الإدارة تقييم إدارة ترمب في أسابيعها الأولى استنادا إلى سلوكها التنظيمي وكفاءتها الإدارية، كما فعلت أنا الأسبوع الحالي.
جاء الحكم المجمع عليه كالتالي: حتى الآن، تمثل إدارة ترمب نموذجا مثاليا لعدم الحاجة إلى إدارة منظمة معقدة.
بحسب ليندرد غريير، أستاذة السلوك المؤسسي المساعدة بكلية ستاوفورد للدراسات العليا في الاقتصاد «هذا يعد من الأساسيات، ويمكنك الاطلاع على ذلك في مقدمة برنامج الماجستير في إدارة الأعمال الذي يدرسه جميع طلابنا. فمن خلال المؤشرات الظاهرية، فإن ترمب في حاجة ماسة إلى اجتياز هذه الدورة».
في السياق ذاته، أفادت جيفري بفيرير، أستاذ السلوك التنظيمي بجامعة ستانفورد ومؤلف كتاب «القوة: لماذا يمتلكها البعض ولا يمتلكها البعض الآخر؟»، بأن الإجراءات التنفيذية التي اتخذها ترمب بصفته رئيسا للجمهورية حتى الآن «بعيدة كل البعد عن أي إحساس بالمسؤولية الإدارية»، للدرجة التي تجعلنا عاجزين عن التحليل.
أضاف في حواره معي قائلا: «بالطبع هذا ليس بجديد؛ إذ إن حملته الانتخابية أيضا خالفت القواعد الإدارية المتعقلة. فالجميع، ومنهم أصدقاؤنا بصحيفة «وول ستريت جورنال» اعتقدوا أنه حتما سيتغير بعدما يصبح رئيسا للجمهورية، لكنني لم أقتنع بهذا المنطق».
فقد لاحظت صحيفة «وول ستريت جورنال» أنه بعد شهور من الهتاف تأييدا للاحتجاجات المطالبة بالإصلاحات الضريبية والإنفاق على البنية التحتية، باع المستثمرون أسهمهم عقب عطلة نهاية أسبوع فوضوية نتيجة للاضطرابات التي شهدتها المطارات الأميركية بسبب قرار الرئيس المتعلق بالهجرة. فيوم الاثنين الماضي، شهد مؤشر أسهم «داو جونز» أكبر تراجع يحدث في يوم واحد منذ الانتخابات بسبب المخاوف من أن يتسبب خلل الإدارة بالبيت الأبيض في عدم تنفيذ قرار سياسات ترمب.
وحذر فيفر بقوله: «إن كنت تعتقد أن موضوع الهجرة سيئ لهذا الحد، فقط انتظر قانون الرعاية الصحية»، ولم يستجب البيت الأبيض لطلب التعليق بهذا الخصوص.
غير أن هناك مواد مطبوعة وبيانات بكميات ضخمة تغطي موضوع الإدارة الفاعلة للمنظمات المعقدة، حيث أفاد البروفسور جيفري بولزار، أستاذ الموارد البشرية بكلية إدارة الأعمال بجامعة هارفارد، بأن «المبادئ الأساسية ساعدت الكثير من القادة بدرجة كبيرة»، مضيفا: «من البديهي أنك تريد أن تحيط نفسك بأشخاص موهوبين يملكون خبرات كبيرة ورؤى مختلفة حول الموضوع قيد البحث. ولذلك؛ فأنت تعمل على طرح القضية للنقاش للاستفادة من مختلف الآراء بهدف الوصول إلى الحل الأنسب».
لكن كل هذا سهل نظريا، لكنه صعب عند التنفيذ: «حيث يتطلب ذلك انفتاحا وقبولا للتحدي وبعض الإدراك والمعرفة بقدراتك الذاتية، وأيضا قدرا من التواضع للاعتراف بأن هناك من يعرف أكثر منك»، بحسب بولزار.
أضاف: «وإن كان هذا لا يعني أن جميع القرارات يجب أن تُتخذ بالإجماع؛ إذ يكفي أن تصدر القرارات عن الشخص الممسك في السلطة، لكن استنادا إلى الحقائق والخبرات الضرورية اللازمة لاستصدار قرارات سليمة».
خالف ترمب الكثير من تلك المبادئ الأساسية بالفعل، فمثلا قام باعتماد قانون حظر الهجرة عندما كان وزير الأمن الداخلي، جون كيلي، لا يزال في مرحلة مناقشة الأمر بصفته مقترحا، ولم يستشر وزير الدفاع جيمس ماتيس، الذي رأى القرار النهائي قبل ساعات من بدء سريانه.
فبحسب غريير، عدم التشاور مع كبار الوزراء والمسؤولين قبل اتخاذ القرار يعد ضربا من «الجنون» طالما أنهم «يملكون الخبرة والمعلومات الكافية»، مضيفة أن «تجاهلهم يؤدي حتما إلى قرارات سيئة، ناهيك عما يسببه ذلك من خفض لمعنوياتهم».
هناك سبب آخر يدعوك إلى الاستشارة، بحسب غريير «فعندما يكون الناس طرفا في صياغة قرار ما، ويكون كلامهم مسموعا ويشكل قيمة ويلقى الاحترام، فسيزيد دعمهم القرار، وسيمثل ذلك حافزا لهم للإجادة وبذل أقصى ما في طاقتهم، حتى وإن كان القرار على غير هواهم».
وعلى العكس، فالناس الذين لا تجرى استشارتهم يشعرون بأنهم لم يشاركوا في النتائج. وناهيك عن مسألة تشجيع وتقييم مختلف الرؤى بوصفها جزءا من صناعة القرار، فإن ترمب من ذلك النوع الذي يرى اختلاف الآراء نوعا من عدم الولاء. فبعدما قام ضباط إدارة الأمن الداخلي بتوزيع استبيان للتأكد من فاعلية قرار حظر الهجرة، كان رد سبايسر «عليهم الالتزام بالبرنامج أو الرحيل».
فبحسب غريير: «النقاش والاختلاف ضروريان للوصول إلى نتيجة إيجابية»، مضيفة أن «التعليقات، مثل تلك التي صدرت عن سبايسر، ستمنع أي إنسان عن الكلام، وسينتهي بك الأمر بالتفكير الجمعي، وستشعر بأنك في غرفة يردد من بداخلها ما يود الرئيس سماعه فقط».
ورغم أن الجميع يفهم أن الرئيس يود السير بسلاسة لتنفيذ وعوده الانتخابية، فقد جاءت قائمة قراراته التي أصدرها في يومه الأول بالبيت الأبيض متسرعة من دون داع وغير مدروسة. فبعض القرارات كانت تحتاج إما إلى إعادة صياغة «مثل الحديث عن الضريبة الإضافية على الحدود المكسيكية»، أو لتعديل وتوضيح كبير (بعد قانون الهجرة).
لقد طالب خبراء الإدارة بتجاهل رؤاهم إزاء مزايا سياسات ترمب، لكن الجميع أفاد بأن نصوص المواد والتنفيذ مرتبطان، ولا مناص من ذلك.
«فعندما تكون على الطرف الآخر المتلقي للقرار، فإن مزايا القرار والتنفيذ يسيران يدا بيد»، وفق بولزار. «فإن جرى تنفيذ أي منهما بشكل سيئ، فستكون النتائج سيئة. فحتى الخطط الجيدة سيئة التنفيذ لا تعمل بشكل جيد».
فبالنسبة للكثير من الناس، فإن قانون الرعاية الصحية تعرض لضرر كبير بسبب أعطال الكومبيوتر التي طرأت في البداية. وبالصورة نفسها، فبالنسبة للكثير من الأميركان، فالصورة التي ستستمر في الذهن هي صورة سياسة الهجرة التي سنها ترمب التي جسدها المهاجر العراقي الباكي الذي احتجز بمطار جون كينيدي الدولي بعدما ضحى بحياته في العمل مترجما لحساب الجيش الأميركي لعشر سنوات كاملة، ولم يُفرج عنه إلا بعدما تدخل بعض المحاميين دفاعا عنه.
دعا ذلك ريان للقول إن «لا أحد يود أن يرى حاملي الغرين كارد (الإقامة الأميركية)، أو حاملي التأشيرات الأميركية الخاصة، مثل المترجمين، يُلقي القبض عليهم بهذه الطريقة».
وقال بعض المدافعين عن ترمب: إنه من هذا النوع الذي يتغذى على الفوضى (ينجح في ظل المناخ الفوضوي)، وهو النهج الذي أثبت فاعليته في الماضي. لكن كل خبير استشرته أفاد بأنه ليس هناك بيانات تجريبية أو أبحاث تقول إن الفوضى يمكن أن تمثل بيئة إدارة منتجة: «لا أعرف أيا من المدافعين عن هذا النهج، ولا أعرف ما يجري في البيت الأبيض حقيقة؛ ولذلك لا أشعر بالارتياح للتعليق على هذا الأمر تحديدا. لكن بصفة عامة أستطيع القول إنه من الناحية التنظيمية، فإن الفوضى ليست مستحبة».
فالجميع وافق على أنه لا يزال هناك متسع من الوقت أمام ترمب لتعديل مسار السفينة؛ فالإدارات السابقة، أجرت تصحيحا في المسار وتغيرات في الأسماء، لكن أن يتم ذلك بعد أسابيع من تولي السلطة شيء غير مبشر. فلو أن هذا حدث في القطاع الخاص فسيؤدي إلى الطرد من العمل، وفق غريير. فمن غير المرجح تنفيذ ذلك طالما أن ترمب لم يعترف بالمشكلة بعد، ولكن اللوم يوجه للإعلام لإيحائه بأن هناك ثورانا في البيت الأبيض.
ووصف بفيرير ما يحدث بالمشكلة الكبيرة، وأنه «من غير المعقول اتخاذ قرارات استنادا إلى أكاذيب، فشعوري هو أن ترمب لا يستشير أحدا غير نفسه؛ ولذلك فأسوأ فترات الإدارة هي تلك التي نعيشها».

* خدمة «نيويورك تايمز»



صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر، إثر الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) 2026، موضحاً أن هذا النزاع لم يمثل مجرد أزمة حدودية، بل تحول إلى زلزال ضرب قلب الممرات الاقتصادية الاستراتيجية، مخلفاً صدمة طاقة عالمية وشللاً في سلاسل الإمداد. وفي خضم هذه التحديات، برز اقتصاد السعودية بوصفه نموذجاً للصمود؛ حيث أظهر «متانة استثنائية» مكنته من امتصاص تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج الإقليمي، بفضل ركائز «رؤية 2030» التي عززت السياسات المالية القوية والقدرة اللوجيستية على التكيف مع أعنف المتغيرات الجيوسياسية.

وصف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، خلال عرضه لتحديث «تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي» في واشنطن، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، الحرب الحالية بأنها تعيد رسم خريطة النمو الإقليمي بنسب لم تشهدها الأسواق منذ عقود، حيث أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى تعطل تدفق 21 مليون برميل نفط يومياً، ما دفع بأسعار خام برنت لتجاوز حاجز 100 دولار. ولم تقف الصدمة عند النفط، بل طالت إمدادات الغاز الطبيعي، حيث قفزت أسعاره في أوروبا بنسبة 40 في المائة، متخطية المستويات القياسية التي سجلتها إبان أزمة أوكرانيا عام 2022، مما وضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح.

وقال إن اضطرابات الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية ستؤثر بشدة على اقتصادات الدول الخليجية المصدرة للنفط والغاز، بينما تواجه الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط، مثل مصر والأردن، صدمات من ارتفاع أسعار السلع الأساسية واحتمال انخفاض دخل تحويلات العاملين في دول الخليج.

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (رويترز)

وبشكل عام، من المتوقع أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تباطؤاً ملحوظاً في النمو هذا العام، حيث يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.1 في المائة، أي أقل بنسبة 2.8 نقطة مئوية من التوقعات قبل الحرب، قبل أن تشهد انتعاشاً في عام 2027، وفقاً لأحدث تقرير للتوقعات الإقليمية الصادر عن صندوق النقد الدولي.

قال أزعور: «إنها ليست مجرد قصة نفط وغاز، بل هي أيضاً تأثير هذه الحرب على جميع المنتجات الأخرى التي تُنتج في المنطقة، والتي تتمتع فيها المنطقة بموقع استراتيجي»، بما في ذلك صادرات الأسمدة والعديد من المنتجات الكيميائية وغيرها من المنتجات المتخصصة التي تجعلها ممراً اقتصادياً استراتيجياً عالمياً. وحذر من أن ارتفاع تكاليف الغذاء بات يهدد الفئات الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بشكل مباشر، خصوصاً مع تأثر الصادرات الخليجية الحيوية؛ حيث تورد دول المنطقة 40 في المائة من صادرات الكبريت و20 في المائة من أسمدة النيتروجين عالمياً. وأشار إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الإمدادات يعني تهديداً مباشراً للمواسم الزراعية العالمية والقدرة الشرائية لملايين البشر.

وأضاف: «علاوة على ذلك، أثر الصراع على القطاع غير النفطي، حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع استراتيجي عالمي، لا سيما في مجال الطيران والخدمات اللوجيستية».

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة تعتمد اعتماداً كبيراً على اقتصادات الخليج في استيراد الطاقة والتدفقات المالية، مما يجعلها عرضة للخطر في حال اشتدت الحرب أو طالت مدتها.

تجربة السعودية

أكد أزعور أن أحد أبرز الدروس القاسية والملهمة التي استخلصها الاقتصاد العالمي من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، يكمن في ضرورة «تنويع طرق التجارة» بوصفها ضمانة وجودية لاستمرار تدفق السلع والطاقة.

وفي هذا السياق، اعتبر أزعور أن النهج الذي سلكته السعودية ضمن رؤيتها الاستراتيجية لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية، بل كان إعادة رسم شاملة لخريطة العبور اللوجيستي؛ حيث نجحت المملكة من خلال تطوير الموانئ البديلة على البحر الأحمر، وتوسيع شبكات الربط البري والسككي، في تقليل حالة «الهشاشة» التقليدية الناتجة عن الارتباط بممر مائي واحد وضيق.

ويرى أزعور أن هذه «الرشاقة السيادية» في خلق مسارات تجارية موازية هي التي مكنت التجارة السعودية من الاستمرار بفاعلية رغم الشلل الذي أصاب ممرات إقليمية أخرى، مما حول المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية حماية الأمن الاقتصادي عبر فك الارتباط بالممرات البحرية القابلة للتعطل الجيوسياسي، وضمان وصول الإمدادات الحيوية إلى الأسواق المحلية والدولية دون انقطاع، وهو ما يجسد نجاح المرحلة الثانية من الرؤية في تحصين الاقتصاد الوطني ضد أعنف الصدمات الجيوسياسية.

مصر

وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر وتعزيزها لهوامش الأمان يمكّنان البلاد من التعامل بشكل أفضل مع الصدمات الخارجية.

وأضاف: «لقد سمحوا لسعر الصرف بأن يكون أكثر مرونة، لامتصاص أي صدمة خارجية، كما أنهم قاموا بزيادة وبناء مستوى مرتفع من الاحتياطيات بما يتيح لهم توفير مزيد من الطمأنينة للسوق».

تفاوت إقليمي

رصد التقرير تفاوتاً حاداً في القدرة على امتصاص الصدمة؛ فبينما واجهت قطر خفضاً تاريخياً في توقعات النمو بواقع 15 نقطة مئوية نتيجة تضرر بنيتها التحتية للغاز، أظهرت سلطنة عُمان صموداً بفضل موقعها الجغرافي. وعلى صعيد آخر، تزايدت الضغوط التمويلية على مصر وباكستان والأردن نتيجة ارتفاع الفوارق السيادية، مما دفع أزعور للتأكيد على جاهزية الصندوق لتقديم الدعم الفني والمالي لمواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.

وقال أزعور: «إذا شهدنا انتعاشاً في إنتاج النفط، وفتحاً كاملاً لمضيق هرمز، فسيعني ذلك أن الدول ستزيد إنتاجها بسرعة كبيرة. كما أن مستوى أسعار النفط، المتوقع أن يبقى مرتفعاً مقارنةً بمستويات ما قبل عام 2026، سيمكن الدول المنتجة للنفط من استعادة بعض المكاسب التي تتكبدها حالياً بسبب الأزمة».


ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم، في وقت أكد فيه أن «البنك المركزي الأميركي» في موقع يسمح له بالاستجابة للتطورات الاقتصادية المحتملة.

وأوضح ويليامز، في كلمة ألقاها أمام ندوة أعضاء «بنك الإقراض العقاري الفيدرالي» في نيويورك لعام 2026، أن «التطورات في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة؛ مما ينعكس بالفعل في زيادة التضخم العام»، وفق «رويترز».

وأضاف أنه في حال انتهاء الاضطرابات سريعاً، فإن من المرجح أن تتراجع أسعار الطاقة، «إلا إن استمرار الصراع مدة أطول قد يؤدي إلى صدمة عرض كبيرة، تدفع التضخم إلى الارتفاع عبر زيادة تكاليف السلع الوسيطة والأسعار النهائية، وفي الوقت نفسه تُضعف النشاط الاقتصادي».

وحذّر ويليامز بأن هذه العملية «بدأت بالفعل»، مشيراً إلى مؤشرات متصاعدة على اضطرابات في سلاسل الإمداد، وإلى أن ارتفاع تكاليف الوقود بدأ ينعكس على أسعار تذاكر الطيران والمواد الغذائية والأسمدة وغيرها من السلع الاستهلاكية.

ورغم هذه الضغوط، فإن ويليامز جدّد تأكيده على «الالتزام الراسخ» بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ اثنين في المائة. وقال إنه في ظل «ظروف استثنائية»، فإن السياسة النقدية الحالية في وضع جيد يسمح بالموازنة بين مخاطر تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار، من دون تقديم توجيهات واضحة بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة.

وتتسق تصريحاته مع نهج «الترقب والانتظار» الذي يتبناه مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» في تقييم تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد. وكان «البنك المركزي» قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه بمنتصف مارس (آذار) الماضي عند نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 في المائة، مع توقعات بخفض إضافي خلال العام الحالي. ومن المقرر أن يعقد اجتماعه المقبل يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، دون توقعات بتغيير فوري في السياسة النقدية.

وفي الأيام الأخيرة، تجنب مسؤولو «الفيدرالي» تقديم إشارات واضحة بشأن مسار الفائدة على المدى القريب، رغم أن بيث هاماك، رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، أشارت في مقابلة مع «سي إن بي سي» إلى احتمال تحرك السياسة في أي اتجاه؛ سواء بالخفض والرفع، تبعاً لتطورات الاقتصاد.

وأشار ويليامز إلى أن الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة، أسهمت في رفع التضخم العام، الذي كان أصلاً عند مستويات مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة في الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات.

ويترقب مسؤولو «الفيدرالي» ما إذا كانت هذه الضغوط السعرية ستستمر، وما إذا كانت ستنعكس على التضخم الأساسي، في ظل مخاوف من سيناريو معقد يجمع بين ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام معادلة صعبة: إما تشديد السياسة النقدية، وإما تخفيفها.

وتوقع ويليامز أن يرتفع معدل التضخم إلى ما بين 2.75 و3 في المائة خلال العام الحالي، قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل إلى هدف اثنين في المائة بحلول عام 2027. كما رجّح أن يتراوح معدل البطالة بين 4.25 و4.5 في المائة هذا العام، مع نمو اقتصادي بين اثنين و2.5 في المائة.


تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
TT

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس (آذار)، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية، ومتأثراً بشكل رئيسي بتراجع إنتاج السيارات وعدد من السلع الأخرى.

وأعلن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الخميس، أن الإنتاج الصناعي تراجع بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد تعديل بيانات فبراير (شباط) لتُظهر ارتفاعاً أقوى بلغ 0.4 في المائة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاعاً بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد زيادة سابقة قدرها 0.2 في المائة في فبراير.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.5 في المائة في مارس، فيما سجل نمواً بمعدل سنوي بلغ 3 في المائة خلال الربع الأول، متعافياً من انخفاض نسبته 3.2 في المائة في الربع الرابع. ويأتي هذا الأداء في وقت يُظهر فيه قطاع التصنيع، الذي يمثل نحو 10.1 في المائة من الاقتصاد الأميركي، مؤشرات تعافٍ تدريجي بعد الضغوط التي تعرض لها نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات.

غير أن تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران ساهم في دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بأكثر من 35 في المائة، ما قد يضيف مزيداً من الضغوط على وتيرة التعافي الاقتصادي. وفي هذا السياق، أشار تقرير «الكتاب البيج» الصادر عن «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الأربعاء، إلى أن الصراع يُعد «مصدراً رئيسياً لعدم اليقين، بما يعقّد قرارات التوظيف والتسعير والاستثمار الرأسمالي»، حيث تبنّت العديد من الشركات نهج «الترقب والانتظار».

وسجّل إنتاج السيارات انخفاضاً حاداً بنسبة 3.7 في المائة، بعد ارتفاعه بنسبة 2.6 في المائة في فبراير، فيما تراجع إنتاج المعادن الأساسية والآلات، إضافة إلى الأثاث والمنتجات ذات الصلة. كما انخفض إنتاج السلع المعمرة بنسبة 0.2 في المائة، في حين تراجع إنتاج السلع غير المعمرة بنسبة 0.1 في المائة، رغم ارتفاع إنتاج البترول والفحم ومنتجات البلاستيك والمطاط.

وفي قطاع التعدين، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 2.1 في المائة في فبراير، بينما تراجع إنتاج الطاقة بنسبة 1.6 في المائة مع انخفاض أنشطة حفر آبار النفط والغاز بنسبة 2.4 في المائة.

وأشار «الكتاب البيج» كذلك إلى أنه رغم تسجيل نشاط طفيف في قطاع الطاقة مطلع أبريل (نيسان)، فإن العديد من المنتجين ما زالوا متحفظين حيال توسيع عمليات الحفر، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن استدامة ارتفاع الأسعار.

أما إنتاج المرافق العامة فقد تراجع بنسبة 2.3 في المائة نتيجة انخفاض الطلب على التدفئة، بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 1.8 في المائة في فبراير. وبذلك، انخفض الإنتاج الصناعي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة بعد أن تم تعديل بيانات فبراير لتُظهر ارتفاعاً إلى 0.7 في المائة، مقارنة بتقدير سابق بلغ 0.2 في المائة.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.7 في المائة في مارس، وسجل نمواً قدره 2.4 في المائة خلال الربع الأول. في المقابل، تراجع معدل استغلال الطاقة الإنتاجية في القطاع الصناعي، وهو مؤشر يعكس مدى استخدام الشركات لمواردها، إلى 75.7 في المائة مقارنة بـ76.1 في المائة في فبراير، ليظل أقل بنحو 3.7 نقاط مئوية من متوسطه طويل الأجل للفترة 1972–2025.

كما انخفض معدل التشغيل في قطاع التصنيع بمقدار 0.2 نقطة مئوية ليصل إلى 75.3 في المائة، وهو أقل بنحو 2.9 نقطة مئوية من متوسطه التاريخي على المدى الطويل.