لتقليل المخاطر... استمرار السياسة التحفيزية في إنجلترا

الحكومة تنشر «الكتاب الأبيض» لطريق مفاوضات الخروج من دول الاتحاد الأوروبي

لتقليل المخاطر... استمرار السياسة التحفيزية في إنجلترا
TT

لتقليل المخاطر... استمرار السياسة التحفيزية في إنجلترا

لتقليل المخاطر... استمرار السياسة التحفيزية في إنجلترا

قرر بنك إنجلترا المركزي أمس (الخميس) استمرار سعر الفائدة المنخفض بشكل قياسي، والسياسة النقدية التحفيزية، مع رفع توقعات نمو الاقتصاد البريطاني في بداية العام الجديد، بما يخفف من حدة المخاطر الناجمة عن المحادثات المنتظرة بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والمنتظر بدؤها بحلول مارس (آذار) المقبل.
وقد قررت لجنة السياسة النقدية برئاسة محافظ البنك المركزي، مارك كارني، بالإجماع استمرار سعر الفائدة عند مستوى 0.25 في المائة، مع استمرار شراء سندات شركات بقيمة تصل إلى 10 مليارات جنيه إسترليني.
وقد صوت أعضاء اللجنة على استمرار برنامج شراء السندات بقيمة إجمالية قدرها 435 مليار جنيه إسترليني، وهو ما جاء متفقا مع توقعات المحللين.
وذكرت اللجنة في بيان، أن استمرار استقرار السياسة النقدية الحالية يعتمد على الموازنة بين الحد الأعلى المستهدف لمعدل التضخم وحالة الاقتصاد. وأضافت اللجنة، أن السياسة النقدية يمكن أن تتعامل مع أي اتجاه للتغيرات بالنسبة للتوقعات الاقتصادية عند ظهورها.
في الوقت نفسه، أبقت اللجنة خلال اجتماع أمس على موقفها بالنسبة للسعي إلى عودة معدل التضخم إلى المستوى المستهدف خلال فترة زمنية أطول من المعتاد، وأن السياسة النقدية ما زالت مناسبة لتحقيق التوازن في الطلب.
وتشير التوقعات إلى ارتفاع معدل التضخم في بريطانيا خلال الربع الأول من العام الحالي إلى 2 في المائة وليس 1.8 في المائة، وفقا للتقديرات السابقة.
في الوقت نفسه، فإن التوقعات تشير إلى وصول معدل التضخم إلى 2.7 في المائة خلال الربع الأول من العام المقبل، وهو ما يقل قليلا عن التقديرات السابقة التي كانت 2.8 في المائة سنويا.
وحسّن البنك المركزي البريطاني توقعاته بشأن معدل البطالة إلى 4.9 في المائة الربع الأول من العام الحالي وليس 5 في المائة، وفقا للتوقعات السابقة.
وبالنسبة لنمو الاقتصاد، يتوقع البنك نمو الاقتصاد بمعدل 0.5 في المائة خلال الربع الأول من العام الحالي في ظل تعديل المستهلكين إنفاقهم وفقا لنمو دخلهم الحقيقي، كما رفع البنك توقعات النمو للعام الحالي ككل من 1.4 في المائة إلى 2 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، ورفع توقعات النمو للعام المقبل من 1.5 في المائة إلى 1.6 في المائة من إجمالي الناتج المحلي.
كان المعهد الوطني للأبحاث الاقتصادية والاجتماعية قد توقع في وقت سابق من الأسبوع الحالي نمو الاقتصاد البريطاني بمعدل 1.7 في المائة خلال العام الحالي، وبمعدل 1.9 في المائة في العام المقبل.
واعتبر البنك المركزي أن «غياب تباطؤ ملحوظ حتى الآن في نمو إنفاق الأسر في الأشهر السبعة منذ الاستفتاء يظهر أن تباطؤا حادا في الاستجابة لحالة عدم اليقين الاقتصادي كان أقل احتمالا.
وبين الأسباب التي دفعته إلى زيادة توقعاته للنمو، أشار البنك المركزي إلى تأثير الحوافز المالية التي أعلنها وزير المال الخريف الماضي وتعزيز النشاط العالمي وشروط ائتمانية أفضل، وخصوصا للأسر.
ويحذر بنك إنجلترا من أن بعض التباطؤ في النمو لا يزال متوقعا، بسبب ارتفاع أسعار الواردات والتباطؤ في زيادة الأجور.
ولكن بعد ما تغلب عام 2016 على جميع التوقعات مع نمو كبير نسبته 2 في المائة، يبدو إعلان بنك إنجلترا كأنه مؤشر إلى أن النمو سيبقى قويا لفترة أكثر مما كان متوقعا.
وبالنسبة لعام 2018، يتوقع البنك المركزي البريطاني نموا نسبته 1.6 في المائة مقابل 1.5 في المائة، كما أعلن في نوفمبر (تشرين الثاني)، ولا يزال يتوقع 1.6 في المائة لعام 2019، وذلك رغم أن المملكة المتحدة ستشهد فترة صعبة مع بدء مرتقب للمفاوضات مع الاتحاد الأوروبي.
ونشرت الحكومة البريطانية أمس استراتيجيتها حول «بريكست» التي ستشكل خريطة طريق للمفاوضات المقبلة مع دول الاتحاد الأوروبي الأخرى غداة تصويت «تاريخي» في البرلمان.
وهذه الخطة التي أُطلق عليها اسم «الكتاب الأبيض» والتي طال انتظارها تقع في 77 صفحة، وتتمحور حول النقاط الـ12 التي سبق أن عرضتها رئيسة الوزراء تيريزا ماي في 17 يناير (كانون الثاني) خلال خطاب أشاد «ببريطانيا مستقلة».
وتؤكد الوثيقة رغبة بريطانيا في الانسحاب، ليس فقط من الاتحاد الأوروبي بحسب تصويت البريطانيين خلال استفتاء 23 يونيو (حزيران) 2016؛ لكن أيضا من السوق الموحدة، ومن محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي. وتؤكد الوثيقة مجددا، أن الأولوية هي «استعادة ضبط» الهجرة، وهو ما لم يكن متطابقا مع مبدأ حرية تنقل العمال في دول الاتحاد الأوروبي مع الاحتفاظ «بأفضل إمكانية وصول» للسوق الموحدة التي تشمل 500 مليون مستهلك.
وقال الوزير البريطاني المكلف بشؤون «بريكست» ديفيد ديفيس إن «نجاحنا السياسي والاقتصادي هو في مصلحة بريطانيا والاتحاد الأوروبي على حد سواء».
وبعد ترددها في نشر هذه الخطة، رضخت الحكومة أخيرا لضغوط النواب الذين يطالبون بمثل هذه الوثيقة منذ أن قررت المحكمة العليا أن تتم استشارة البرلمان بشأن آلية الخروج.
وبعد 17 ساعة من النقاشات الحادة، وافق النواب مساء أول من أمس (الأربعاء) بغالبية 498 صوتا مقابل 114 على مواصلة النظر في مشروع قانون يسمح للحكومة بتفعيل المادة 50 من اتفاقية لشبونة، التي تطلق سنتين من مفاوضات الانسحاب.
وستجري نقاشات أخرى الأسبوع المقبل، لكن وزير الخارجية المحافظ بوريس جونسون تحدث من الآن عن «لحظة تاريخية».
وعبّر النائب المحافظ جون ريدوود، الذي عرف منذ فترة طويلة بمعارضته التكتل الأوروبي، عن فرحته قائلا: «لقد تجاوزنا نقطة اللاعودة، سنغادر الاتحاد الأوروبي». وعنونت صحيفة «ديلي مايل» التي تعتبر معارضة للبقاء في الاتحاد الأوروبي أيضا الخميس «انطلاقة ناجحة!»
وكان آخرون أقل تفاؤلا؛ إذ ردد النائب العمالي ستيفن باوند عند إعلان النتيجة أنه «انتحار».
ورغم أن ثلثي النواب قاموا بحملة مناهضة لـ«بريكست» فإن نتيجة تصويت مجلس العموم لم تشكل مفاجأة، وكانت غالبية البرلمانيين تعتبر أنه من الصعب مخالفة رغبة الناخبين الذين أبدوا بنسبة 52 في المائة تأييدهم الخروج من الاتحاد الأوروبي.
وباستثناء الوزير السابق كين كلارك المؤيد لأوروبا، وافق النواب المحافظون على النص، ولو «ببعض الحزن» أحيانا، كما أقرت آنا سوبري.
والنتيجة كانت متوقعة؛ إذ إن حزب العمال المعارض وعد بعدم عرقلة مشروع القانون، ويبقى حزب العمال منقسما حول هذه المسألة؛ إذ إن 47 من نوابه تحدوا النهج الرسمي للحزب.
ولم يعلن زعيم الحزب جيريمي كوربن بعد كيفية رده على رفض الانصياع لدى هؤلاء بعدما هدد بتعليق المنصب المسؤول في الحزب لأي نائب لا ينصاع لقراره الرسمي، واستقال ثلاثة أعضاء من حكومة الظل حتى الآن. وصوت نواب الحزب القومي الاسكوتلندي الـ54 ونواب الحزب الليبرالي الديمقراطي أيضا ضد مواصلة النقاش.
ويتواصل النظر في مشروع القانون الأسبوع المقبل على مدى ثلاثة أيام من النقاشات في مجلس العموم الاثنين والثلاثاء والأربعاء تنتهي بتصويت جديد.
وسيدرس النواب مئات التعديلات المطروحة، وهم مهتمون بشكل خاص بمصير ثلاثة ملايين مواطن أوروبي يقيمون في بريطانيا، وهي نقطة تثير الخلاف، حتى في صفوف الغالبية.
ويعتبر الكثير من النواب المحافظين أنه من «غير الإنساني» عدم ضمان حقوق المواطنين الأوروبيين الموجودين على الأراضي البريطانية اعتبارا من الآن، ورفضت رئيسة الحكومة تيريزا ماي القيام بذلك سعيا أولا للحصول على ضمانات للبريطانيين المقيمين في دول الاتحاد الأوروبي الأخرى، ولم تعرض وثيقة الحكومة أي تقدم في هذا الصدد. وشدد كوربن أيضا على ضرورة «عدم إطلاق يد تيريزا ماي لتحويل بريطانيا إلى ملاذ ضريبي». وبعد مجلس العموم، يُعرض مشروع القانون على مجلس اللوردات الذي يُفترض أن يعطي موافقته عليه في 7 مارس قبل أن يُحول على الملكة للموافقة النهائية.
وتعهدت تيريزا ماي إثر الاستفتاء، بإطلاق آلية الخروج من الاتحاد الأوروبي قبل نهاية مارس، وتعتزم الالتزام بهذا الجدول الزمني.



أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
TT

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)

قفزت أسعار النفط نحو 4 في المائة، يوم الاثنين، بعد أن بدأ الجيش الأميركي حصاراً بحرياً على السفن المغادرة للموانئ الإيرانية. وتأتي هذه الخطوة التصعيدية في أعقاب انهيار محادثات نهاية الأسبوع الرامية لإنهاء الحرب، مما دفع طهران للتهديد بالرد ضد جيرانها في الخليج.

تقلبات حادة في الأسواق الآجلة والفورية

أنهت العقود الآجلة تعاملات يوم الاثنين على ارتفاع، مواصلةً حالة التذبذب التي سادت الأسواق منذ بدء النزاع في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وارتفع خام برنت بمقدار 4.16 دولار أو ما نسبته 4.4 في المائة ليستقر عند 99.36 دولار للبرميل. كما صعد الخام الأميركي بمقدار 2.51 دولار أو 2.6 في المائة ليستقر عند 99.08 دولار.

وسجلت أسعار الخام المخصص للتسليم الفوري في أوروبا مستويات قياسية وصلت إلى 150 دولاراً للبرميل.

مضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي في خطر

تسببت الحرب في أكبر اضطراب شهدته إمدادات النفط والغاز العالمية على الإطلاق، نتيجة تعطل حركة المرور في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.

وفي حين ذكر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن 34 سفينة عبرت المضيق يوم الأحد، إلا أن تقارير الملاحة تشير إلى انخفاض حاد، حيث تعبر في الظروف العادية أكثر من 100 سفينة يومياً.

تداعيات التضخم العالمي وتراجع الطلب

بدأت التكاليف المرتفعة تضغط بشدة على ميزانيات المستهلكين حول العالم. ففي الولايات المتحدة، سجلت أسعار البنزين والديزل أعلى مستوياتها منذ صيف 2022. وفي أوروبا، أعلنت المفوضية الأوروبية عن زيادة قدرها 22 مليار يورو في فواتير الوقود الأحفوري منذ بدء الحرب.

في حين خفضت منظمة «أوبك» توقعاتها للطلب العالمي على النفط في الربع الثاني بمقدار 500 ألف برميل يومياً.

انقسام دولي وإجراءات طارئة

في الوقت الذي لوّح فيه ترمب باستهداف أي سفن هجومية إيرانية تقترب من الحصار، أعلن حلفاء الناتو امتناعهم عن المشاركة في خطة الحصار، مقترحين التدخل فقط بعد انتهاء القتال.

من جانبه، أشار رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، إلى أن الدول الأعضاء قد تضطر للسحب من احتياطاتها النفطية الاستراتيجية لمواجهة نقص الإمدادات، معرباً عن أمله في ألا تكون هذه الخطوة ضرورية إذا استقرت الأوضاع.


«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)

أطلق رؤساء ثلاث من كبرى المنظمات الدولية - وكالة الطاقة الدولية وصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي - تحذيراً شديد اللهجة بشأن التداعيات الاقتصادية المتفاقمة والناجمة عن الحرب المستمرة في منطقة الشرق الأوسط.

وفي بيان مشترك صدر يوم الاثنين عقب اجتماع رفيع المستوى في واشنطن، أكد قادة هذه المؤسسات أن النزاع أحدث صدمة «جوهرية وعالمية وغير متكافئة»، حيث طال الضرر بشكل أساسي الدول المستوردة للطاقة، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل. وأشار القادة إلى أن هذه «الصدمة» أدت بشكل مباشر إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، وإثارة مخاوف جدية تتعلق بالأمن الغذائي وفقدان الوظائف، وانخفاض كبير في إيرادات الصادرات لبعض الدول المنتجة للطاقة في المنطقة.

استمرار حالة عدم اليقين واضطراب الملاحة

وصف البيان الوضع الراهن بأنه «لا يزال غير يقيني للغاية»، مع الإشارة إلى أن حركة الشحن عبر مضيق هرمز لم تعُد إلى طبيعتها بعد. وحذر القادة من أنه حتى في حال استئناف الملاحة المنتظمة، فإن العودة لمستويات الإمداد ما قبل النزاع ستستغرق وقتاً، مما قد يبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة طويلة نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.

تداعيات قطاعية وإنسانية

أوضح البيان أن نقص المدخلات الأساسية الناتج عن تعطل الإمدادات سيؤثر على قطاعات الطاقة والغذاء والصناعة. كما أشار إلى أن الحرب تسببت في نزوح قسري للسكان، وتأثر الوظائف بشكل مباشر، وتراجع في حركة السفر والسياحة، وهو مسار قد يستغرق وقتاً طويلاً للتعافي منه.

تنسيق دولي ودعم مالي مرتقب

يأتي هذا الاجتماع باعتباره جزءاً من «مجموعة التنسيق» التي تم إنشاؤها في أوائل أبريل (نيسان) الجاري لضمان استجابة مؤسسية متكاملة للأزمة. وأعلن القادة أن فرق العمل المشتركة تعمل حالياً على مستوى الدول لتقديم مشورات تقنية مخصصة بهدف مساعدة الحكومات على وضع سياسات لمواجهة الصدمة، وتوفير دعم مالي مباشر من خلال صندوق النقد والبنك الدوليين للدول الأكثر تضرراً، لا سيما الدول ذات الدخل المنخفض التي تعاني من عبء فاتورة استيراد الطاقة.

واختتم رؤساء المنظمات بيانهم بالتزامهم بمواصلة مراقبة الأسواق عن كثب، والتنسيق مع المنظمات الدولية الأخرى لضمان وضع أسس «تعافٍ مرن» يضمن الاستقرار والنمو وتوفير فرص العمل في مرحلة ما بعد النزاع.


اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
TT

اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)

اتفاق غاز بين مصر وقبرص جاء بعد تقلبات في إمدادات الغاز الإسرائيلي بسبب حرب إيران، لكن إسرائيل تحدثت عن أنها «شريكة بذلك الحقل القبرصي وأن ذلك دليل على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

في المقابل، تعتقد مصر بحسب تصريحات رسمية، أن «لقبرص سيادة على الحقل، وليس لإسرائيل سلطة مطلقة فيه»، وهو ما جعل خبراء بينهم رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية للبرلمان) يؤكدون لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق يساعد مصر على تنويع الإمدادات من مصادر عدة، ويجعلها بعيدة عن الارتهان لضغوط سياسية من إسرائيل أو غيرها، بخلاف كونه يؤكد مكانة مصر في الإسالة التي لا بديل عنها حالياً».

وقالت سفارة إسرائيل لدى مصر، في بيان، إنه «تم توقيع عقد غاز ضخم مع مصر في حقل قبرصي بمشاركة شركة (نيو ميد) الإسرائيلية»، زاعمة أن «هذه الصفقة تسلط الضوء على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

وسبق محاولة إسرائيل تكريس هيمنتها، تأكيد وزير الدولة المصري للإعلام، ضياء رشوان، الخميس الماضي، في مؤتمر صحافي، أن «العقد موقَّع بين مصر وقبرص كمالكة للحقل، و(شيفرون) و(شل) بوصفهما الشركتين المسؤولتين عن إدارته». ولفت إلى أن جميع الشركات متعددة الجنسيات تضم «أطرافاً أخرى» (في إشارة لإسرائيل).

وتحت عنوان «مصر تخرج من شرنقة إسرائيل غازياً» كتب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عمرو هاشم ربيع، مقالاً بصحيفة «المصري اليوم» المحلية، قال فيه إن الكمية المصدرة من قبرص تقترب من الكمية المصدرة من إسرائيل، وتبلغ نحو مليار قدم مكعب يومياً، ومن ثم فإن تنويع المصادر الخارجية للغاز المورد لمصر أمر مهم للغاية، حتى تتجنب أي مثالب تتعلق باستيراد كمية كبيرة من الغاز من إسرائيل.

ويخلص إلى «أنه بذلك تكون مصر قد خرجت تدريجياً من شرنقة الغاز الإسرائيلي»، لافتاً إلى «أنه صحيح أن الغاز المتفق على توريده أخيراً من حقل (أفروديت) منتج من حقل تشارك فيه شركة (نيوميد إنرجي) الإسرائيلية، إلا أن باقي الشركاء غير ذلك؛ فالحكومة القبرصية في واجهة المشهد، لوقوع الحقل في أرضها، كما أن أكبر مُلاك الحقل هما شركة (شيفرون) الأميركية، وشركة (بي جي شل) البريطانية».

منصة الغاز التابعة لحقل «ليفياثان» أكبر حقول الغاز في إسرائيل (رويترز)

وتحدثت شركة «نيوميد إنرجي» الشريكة في حقل «أفروديت» القبرصي، الخميس، عن توقيع اتفاق لمدة 15 عاماً لبيع الغاز الطبيعي إلى شركة (إيغاس) المصرية، في وقت تنشط الجهود الحكومية لضمان تغطية الاستهلاك المحلي في ظل اضطرابات أسواق الطاقة، مع تأثر القاهرة سلباً بتوقف إمدادات الغاز القطري نتيجة «الحرب الإيرانية»، ومع إغلاق إسرائيل بعض حقولها قبل أن تستأنف العمل في حقل «ليفياثان» أخيراً.

وزير البترول المصري الأسبق، رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ، أسامة كمال، يشير إلى أن الاتفاق المصري - القبرصي ليس صفقة لإدخال الغاز غداً، بل صفقة مستقبلية سيبدأ تنفيذها فور انتهاء شركة «شيفرون» من أعمال الربط في 2027، لافتاً إلى أن الحقل قبرصي، ولا يوجد أمام أي دولة في منطقة شرق المتوسط مخرج لتصدير غازها إلا من خلال الشبكة البحرية المصرية ومحطتي الإسالة الموجودتين في مصر، حيث لا تمتلك أي دولة أخرى في المنطقة هذه الإمكانات، ومصر لها الأولوية في الغاز.

وأكد كمال لـ«الشرق الأوسط» أن «المشروعات المشتركة تربط مصائر الدول ببعضها البعض؛ ما يضمن وقوف دول أوروبية مثل قبرص واليونان بجانب مصر في مختلف المواقف السياسية حال كررت إسرائيل، وأوقفت إمدادات غازها مجددا»، موضحاً أن الاتفاقية مع قبرص «ليست لها علاقة بالغاز الإسرائيلي، بل في إطار التنوع لمجابهة أي ضغوط سياسية مستقبلية».

الخبير الاستراتيجي في الطاقة، والزميل الزائر بجامعة جورج ميسن الأميركية، الدكتور أوميد شكري، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن اتفاق الغاز المصري - القبرصي يأتي في إطار استراتيجي، وليس اتفاقية تجارية نهائية، موضحاً أنه «يُتيح تطوير وتصدير الغاز البحري القبرصي مستقبلاً، لا سيما من حقلي (أفروديت) و(كرونوس)، عبر البنية التحتية المصرية القائمة للغاز الطبيعي المسال».

وأضاف «أنه بالنسبة لمصر يُساعد هذا الاتفاق في سدّ فجوة متزايدة في الإمدادات المحلية، مع تعزيز دورها بوصفها مركزاً إقليمياً للغاز، أما بالنسبة لقبرص فهو يُوفر مساراً تجارياً مُجدياً لتصدير الموارد التي كانت ستُهدر لولا ذلك».

وبشأن إمكانية أن يُمثل الاتفاق تحولاً عن الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، قال شكري: «ليس تماماً... حيث يعكس الاتفاق تنويعاً لا استبدالاً، خصوصاً أن مصر مُرتبطة هيكلياً بواردات الغاز الإسرائيلي، التي تُوفر إمدادات فورية وقابلة للتوسع عبر البنية التحتية القائمة. ومع ذلك، يُقلل اتفاق قبرص من اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي».

وتستورد مصر ما يصل إلى مليار قدم مكعبة يومياً، من الغاز الإسرائيلي بموجب اتفاق تم توقيعه عام 2019، ثم جرى تعديله بنهاية عام 2025 لينص على توريد 130 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي لمصر بقيمة 35 مليار دولار حتى عام 2040.

وتراجع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي إلى نحو 4.1 مليار قدم مكعبة يومياً، مقابل احتياجات يومية تقارب 6.2 مليار قدم مكعبة، ترتفع إلى نحو 7.2 مليار قدم مكعبة خلال أشهر الصيف، وفقاً لتقديرات حكومية.