غياب الممثل ـ المخرج في السينما العربية رغم انتعاشه عالميًا

فقدان طموح أم تقصير؟

محمد خان وخيري بشارة - وورن بيتي
محمد خان وخيري بشارة - وورن بيتي
TT

غياب الممثل ـ المخرج في السينما العربية رغم انتعاشه عالميًا

محمد خان وخيري بشارة - وورن بيتي
محمد خان وخيري بشارة - وورن بيتي

تبادل المخرجان؛ خيري بشارة، والراحل، محمد خان، التمثيل، كلاً في أفلام الآخر. الأدوار لم تكن كبيرة بل أحيانًا ما كانت أقرب إلى ظهور كضيف شرف وفي أحيان أخرى ضمن أدوار محددة وصغيرة. ما دفعهما إلى ذلك صداقة كل منهما للآخر، وتبادل الظهور وطرافته.
كذلك ظهر المخرج توفيق صالح في أحد أفلام يوسف شاهين وأدت المخرجة اللبنانية أدوارًا في أعمال سواها، فظهرت مثلاً كبطلة في فيلم «رصاصة طائشة»، وكإحدى ممثلات الفيلم المغربي «روك القصبة» (لاعبة دور إحدى بنات عمر الشريف). كما ظهر العراقي قاسم حول كأحد ممثلي فيلمه الأخير «بغداد، خارج بغداد»، وقام التونسي نوري بوزيد بالظهور في آخر عمل له كمخرج وهو «الفيلم الأخير».
والبحث في التاريخ سيؤدي لاكتشاف بضع حالات لمخرجين عرب قاموا بالتمثيل في أفلامهم أو أفلام سواهم، لكنه لن يؤدي بالضرورة إلى الكشف عن قائمة موازية من الممثلين الذين تحوّلوا كليًا إلى مخرجين.
هناك حسين صدقي ويوسف وهبي كونهما جاءا من التمثيل أساسًا، لكنهما مثَّلا في معظم ما قاما بإخراجه وتوقفا عن ذلك في أول فرصة متاحة. بكلمات أخرى، لم يُظهرا رغبة عارمة في احتواء الإخراج كحالة منفصلة أو كمستقبل يتفرغان له.

تمثيل فقط

ذلك يدفع للتساؤل حول ما يمكن أن يكون السبب الذي يحد من رغبة الممثلين، ولدينا منهم مئات في الماضي والحاضر، في التحوّل (جديًا) إلى الإخراج. بالمراجعة، يرصد المرء اكتفاء المعظم الكاسح من الممثلين المعروفين بالعمل أمام الكاميرا وترك مهمّة الإخراج لسواهم على نحو مَن يؤكد للآخر، هذا عملي وذلك عملك، ولا خلط بين الاثنين.
لكن، إذا ما كانت السينما الغربية هي النموذج التي احتذت به السينمات العربية، وتحقيق الأفلام على منوالها وبمستوياتها كان دائمًا حلم المبدعين العرب، فإن تلك السينما، في بريطانيا وإيطاليا وفرنسا والولايات المتحدة أساسًا، عرفت كثيرًا من الممثلين الذين مارسوا الإخراج في أفلام ظهروا في بعضها واكتفوا بالإخراج في بعضها الآخر.
الاكتفاء بالإخراج يعني شيئًا واحدًا، وهو أن هذا الممثل المنتقل إلى الإخراج يريد أن يبرهن لمجتمعه السينمائي ووراءه الجمهور الكبير على قناعتين: الأولى أنه يستطيع أن يخرج بنجاح، والثانية أنه إنسان طموح ولديه موهبة أكيدة في هذا المجال.
فهل شكا أحمد زكي أو صلاح ذو الفقار أو فريد شوقي أو محمود ياسين أو هند رستم أو مريم فخر الدين، وسواهم كثيرون، من افتقارهم إلى الطموح أو هم اعتبروا أن الاكتفاء بعملهم الأول والأساسي هو كل ما يصبون إليه؟
الغالب أن الطموح كان موجودًا. لكنه اقتصر على طموح التمثيل وحده. أو التمثيل والإنتاج مثلاً على أساس أن الإنتاج يمنح الممثل قوّة مضاعفة، ليطوّع الفيلم على النحو الذي يريده، ولكي يحقق عبره مزيدًا من الدخل إذا ما نجح.
لا عيب في ذلك باستثناء أنه يرسم قطيعة مباشرة، وإن كانت غير ظاهرة سابقًا، بين ممثلي السينما العربية وأترابهم في السينمات الغربية.
روبير أوسين في فرنسا وديفيد أتنبورغ في بريطانيا وروبرتو بينيني في إيطاليا أمّوا الإخراج جديًا بعد سنوات التمثيل بصرف النظر عن النتائج الفنية أو التجارية (تتفاوت عمومًا بين جيد وممتاز). لكن إذا ما كانت هذه التجارب تبدو محدودة (وهي ليست كذلك إذا ما رصدنا كل الممثلين الأوروبيين الذين تحوّلوا إلى الإخراج واستمروا فيه)، فإن تلك الأميركية أكثر وضوحًا لمن يريد المقارنة.
في الماضي، كما في الحاضر، لا تتوقف النماذج عن التأكيد على أن الرابط بين التمثيل والإخراج كان ضروريًا في خلد كثير من الممثلين والممثلات في هوليوود من أيام السينما الصامتة وحتى اليوم.
فالكوميديان بستر كيتون وتشارلي شابلن في العقدين الأولين من القرن العشرين طمحا، وعن صواب، لضم الإخراج إلى ملكياتهما الفنية، وأفضل ما قاما بتمثيله كان من إخراجهما أيضًا. وإذا ما تجاوزنا تجارب أورسون ولز في هذا الصدد (لمجرد أنه ظاهرة قائمة بحد ذاتها)، فإن الوضع ما زال على حاله منذ الستينات والسبعينات وحتى اليوم.
وورن بيتي كمثال أول، بدأ ممثلاً في عام 1961 بفيلم «روعة على الحشائش» ((Splendor on the Grass واستمر في هذا الدرب وحده حتى سنة 1987 عندما اشترك مع الكاتب بَك هنري بتحقيق فيلم عنوانه «السماء تستطيع الانتظار». بعده أم بيتي درب الإخراج منفردًا من دون أن ينقطع عن التمثيل في أفلام سواه، فحقق «حمر» (1981) و«دك ترايسي» (1990) ثم «بولوورث» (1998) وحاليًا «القوانين لا تطبق» (2017). ومن البداية، عرف كيف يفرض أعمالاً جيدة تحمل علامات المخرج الجيد في كل جوانبها. هذا تبدّى بوضوح في «حمر» و«دك ترايسي» و«بولوورث» لكن «القوانين لا تطبق» يعاني شيئًا من بعد المسافة عما سبق من أعماله في هذا المجال.

نماذج أخرى

نظيره الأنجح في هذا المجال كان كلينت إيستوود الذي بدأ في منتصف الخمسينات بأدوار إذا ما رمشت عينك غفلتها من صغرها، ثم أمّ التمثيل في ثلاثية سيرجيو ليوني المعروفة «حفنة من الدولارات» و«لأجل حفنة أكثر من الدولارات» و«الطيب والشرير والبشع» قبل أن يعود إلى الولايات المتحدة نجمًا في منتصف الستينات.
هناك التحق بأعمال مخرجين كلاسيكيين مؤسسين أمثال دونالد سيغل وجون ستيرجز لبعض الوقت لكن عيناه كانتا مرتكزتين على كرسي الإخراج. في عام 1971 أخرج أول أفلامه «اعزف لي ميستي»، وكان ذلك بداية طريق ناجح ومتصاعد كمخرج حتى بات الآن معروفًا أكثر كمخرج منه كممثل. عمليًا هو مخرج السنوات العشرين السابقة وممثل ما قبلها.
من الفترة ذاتها، وفي طريق مشابه في أكثر من وضع، انتقل وودي ألن من التمثيل الكوميدي لآخرين إلى التمثيل في أفلام يقوم بإخراجها هو (كما فعل إيستوود مطلع الأمر) لكن عندما تأكد أنه لم يعد يصلح للعب دور العاشق أو الحبيب استبدل بشخصيته ممثلين أصغر سنًا، واكتفى بناصية الإخراج وأنجز أيضًا نجاحًا متواليًا حتى اليوم.
جودي فوستر هي من نتاج السبعينات كذلك. تعرّفنا عليها في السادسة عشرة من عمرها تؤدي دور فتاة دون تلك السن اضطرت للعمل «عاهرة»، وذلك في فيلم مارتن سكورسيزي «تاكسي درايفر». بعد ذلك باتت ممثلة مشهورة، و(بالنسبة للكثيرين) نجمة قبل أن تضع الإخراج نصب عينيها، وحتى الآن أخرجت أربعة أفلام آخرها «وحش المال» في العام الماضي.
والعروض الحالية من الأفلام تشهد باستمرار هذا المد ونجاحه.
لدينا بن أفلك وفيلمه الجديد «عش ليلاً» (رابع أعماله مخرجًا) ودنزل واشنطن الذي يعود للإخراج بفيلم «حواجز»، ومل غيبسون الذي يعود بدوره إلى الإخراج بفيلم «هاكسو ريدج». ويقوم جورج كلوني بوضع اللمسات الأخيرة على فيلمه الجديد مخرجًا (السادس له منذ سنة 2002 عندما حقق «اعترافات عقل خطير») وعنوانه «سبيربيكان» تمهيدًا لفيلم سابع بات السيناريو جاهزًا له بعنوان «هجمة قراصنة الكومبيوترز» Hack Attack)).
كل ذلك يعيدنا إلى حقيقة أن الممثلين العرب، في الإجمال، لم يؤمنوا بأن شغل المخرجين هو خطوة تكميلية لشغل الممثلين. لجانب أن البعض افتقر إلى الطموح، فإن السائد أيضًا هو اعتبار أن الشهرة التي تتحقق عبر التمثيل (بصرف النظر عن مستواه) أسرع وأفضل من تلك التي تتحقق عبر الإخراج.



أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
TT

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)

لم يتوانَ المخرج والمنتج أنور قوادري، منذ دخوله عالم السينما في سن السابعة عشرة، عن العمل في مختلف المجالات بين الكتابة والإنتاج والإخراج. نقل شغفه بالسينما من بيروت إلى لندن؛ حيث أنجز حتى الآن 13 فيلماً بوصفه مخرجاً ومنتجاً. وكان أحدها أول اقتباس غربي عن فيلم عربي، وهو «كلوديا» (1986)، المأخوذ عن فيلم «موعد على العشاء» (1981) للمخرج الراحل محمد خان.

وبعد إنتاج أول أفلامه في لبنان، «قطط شارع الحمرا» (1971)، انتقل إلى لندن، حيث أنجز 12 عملاً سينمائياً وتلفزيونياً، من بينها «كسّارة البندق» (1982)، و«أراب لندن» (2009)، و«هيدا غابلز» (2016). وقد تعاون مع ممثلين عرب وأجانب بارزين، مثل جوان كولينز، وجورجينا هايل، وجِف فاهي (الذي طلبه كلينت إيستوود مباشرة لفيلم آخر بعد ظهوره في فيلم القوادري «الوقت انتهى»)، إلى جانب ياسمين خيّاط، وياسمين المصري، وخالد الصاوي.

حالياً، يُحضِّر قوادري لفيلم جديد ومختلف، بعنوان «العائلة»، يرصد فيه صعود وسقوط أسرة حافظ الأسد وابنه بشّار عبر مراحل مختلفة من حياتهما، في مشروع ضخم يتناول عائلة أحكمت قبضتها على السلطة بيدٍ من حديد، واستأثرت بالصلاحيات والمغانم، وفرضت حكمها على الشعب، بل وقتلت في سبيل الحفاظ عليه.

القوادرري مع جوان كولينز خلال تصوير «كسّارة البندق» (أرشيف الممخرج)

حوافز أساسية

> إلى جانب كونه مشروعاً يبحث في التاريخ السياسي لعائلة الأسد، هو عمل مختلف عمّا قدّمته سابقاً. ما الذي دفعك إليه؟

- راودتني الفكرة منذ عام 2011، مع بداية الثورة السورية. ابني ألويز، الذي درس السينما، سألني لماذا لا أصنع فيلماً عن عائلة الأسد. وقد أمدّني بمعلومات ووثائق، وحفّزني على كتابة سيناريو يسرد حكاية العائلة عبر مراحل زمنية متداخلة، تتنقّل بين فترات مختلفة.

ومن خلال ذلك نتعرّف إلى حكم الأسد الأب، وكيف انتقلت السلطة إلى بشّار، مع متابعة الشخصيات التي أحاطت بهما خلال 5 عقود من الحكم الاستبدادي.

> متى بدأت العمل الفعلي على هذا المشروع؟

- بدأ التفكير الجدي عندما هرب بشّار الأسد من سوريا في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024. لا أخفي أن هذا الفرار استفزّني. هل يُعقل أن نظاماً دام 53 سنة، مدعوماً بجيش وأجهزة مخابرات، ينهار بهذه السرعة؟ فكّرت في هذا الانهيار السريع لعائلة حكمت وسرقت ونهبت.

المخرج والمنتج أنور قوادري (أرشيف المخرج)

> لماذا اخترت مشهد الهروب كبداية؟

- هروب بشّار نقطة درامية فاصلة ومهمة. التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين. لذلك قررتُ البدء بمشهد الهروب، ثم الانتقال بين الحاضر والماضي لربط الأحداث.

> كيف ستجمع بين الأحداث التاريخية والدراما الخيالية؟

- المزج بين الجانبين أساسي. حرصت على تحقيق توازن بين السياسي والاجتماعي والإنساني. سيعرض الفيلم ما حدث، لكنه سيعمد إلى بناء أحداث موازية للكشف عن العلاقات ضمن تلك الأسرة الكبيرة. السؤال كان: هل أقدّم فيلماً دعائياً عن مجرمين وسفّاحين سرقوا البلد، أم عملاً لا يتجاهل أفعالهم، لكنه يسلّط الضوء أيضاً على العلاقات الإنسانية داخل الأسرة؟ هناك دور الأم، والأبناء، والبنات، والأزواج، بعيداً عن 25 مليون لم يكترث أحد بهم.

التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين

طاقم العمل عربي وعالمي

> حل كهذا مارسته في فيلمك السابق «جمال عبد الناصر» سنة 1998.

- صحيح. لم أرغب حينها في سرد التاريخ فقط، بل سعيت إلى بناء دراما، لأن الهدف لم يكن فيلماً وثائقياً. واجهت ردود فعل سلبية في مصر، لكنها كانت متوقعة. وقد أثبت الفيلم قيمته الفنية، ومنحني القدرة على المزج بين التاريخ والدراما، كما فعل فرنسيس فورد كوبولا في «العرّاب»، حين بنى الدراما على الأحداث الواقعية وأبدع، كذلك فعل أوليڤر ستون في «جون ف. كندي» (JFK) فالفيلم الدرامي يحتاج إلى الخيال ليصل إلى جمهور واسع.

> لمن سيتوجه هذا الفيلم في رأيك؟

- هناك عشرات الملايين من السوريين في الخليج والعالم. الهدف هو تقديم عمل يثير فضولهم، ويعيد ترتيب الأحداث لفهم كيف قادت عائلة الأسد والمحيطين بها البلاد إلى الهاوية. كما أتوجّه إلى الإنسان السوري العادي الباحث عن الحقيقة في خفايا تلك العائلة التي حكمت سوريا بالبطش، وفي النهاية هربت عندما ثار الشعب، ومهتم أيضاً بتوجيهه إلى المهرجانات الدولية، مثل «كان» و«ڤينيسيا» و«تورونتو» وسواها.

> من أبرز المرشّحين للمشاركة؟

- سؤال مهم. هناك تواصل جدي مع «هيئة الترفيه السعودية» لدعم المشروع. أما الترشيحات، فقد اخترت الممثل الدنماركي مادس ميكلسن لتجسيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نظراً لوجود مشهدين مهمين له. كما سيؤدي غسّان مسعود دور حافظ الأسد، وقد أُعجب بالسيناريو. ومن الأسماء أيضاً جوان خضر في دور ماهر الأسد، وجهاد عبده في دور محمد مخلوف. ويسعدني كذلك التعاون مع الموسيقار معن خليفة، الذي وضع موسيقى تناسب الأجواء الملحمية للفيلم.


شاشة الناقد: ثلاثة أفلام عن ثلاثة آمال عرضها مهرجان برلين الأخير

 هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد: ثلاثة أفلام عن ثلاثة آمال عرضها مهرجان برلين الأخير

 هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)

Only Rebels Win

«لمن يجرؤ» ★★★

• إخراج:‫ دانيال عربيد‬

• لبنان/ فرنسا (2026)

• النوع: دراما عاطفية

هناك تناقض بين ما يسرده الفيلم وبين العنوان التسويقي الذي اختاره وهو (Only Rebels Win) («لمن يجرؤ»). هذا لأن العلاقة بين سوزان المسيحية الفلسطينية الأصل (الجيد هيام عبّاس) وبين السوداني عثمان (أمين بن رشيد) لا تنتهي بأي ربح. بعد علاقة حب متبادل بين الأرملة التي تبلغ 63 سنة والعامل السوداني عثمان ذي الـ 27 سنة يمشي كل منهما في درب مختلف. تعود هي إلى كنفها وواقعها ويبعث لها برسالة بعدما هاجر إلى بلد آخر.

لا غبار على الحكاية ذاتها: سوزان تنقذ عثمان من شبّان تعرّضوا له بالضرب. تأويه إلى شقّتها في تلك الليلة التي تلتها ليالٍ أخرى حفلت بحب كلٍّ للآخر عاطفياً وجسدياً. هي تجد فيه أملاً أن تُحب من جديد، وهو يجد فيها أمل الاستقرار من حياة من العوز وعدم الاستقرار.

حديث عن زواجهما المحتمل (والذي لا يتم) يُضاعف من ردّ الفعل الذي يفوح بالعنصرية. تصبح سوزان حديث محيطها الاجتماعي في بيروت (حيث تدور الأحداث)، وسبباً في مواجهات وخناقات بينها وبين ابنتها وابنها، كما بين جيرانها.

الفحوى هنا يكاد يكون أهم ما يعرضه الفيلم. عربيد تعرف ما تتحدّث فيه وتعرض مواقف عنصرية عانى منها، كما يذكر الفيلم، الفلسطينيون والسوريون وأجانب آخرون. هنا تصبح سوزان عرضة لانتقاد القريب والبعيد لها على أساس أنها تعاشر سودانياً مسلماً. هناك فصول يشوبها الضعف (كمشهد سرقة بغية دفع عثمان لتكاليف السفر)، كذلك أن الانتقالات بين كل مشهد وآخر لا تقوم على الربط بينها في سياق مشدود. وبينما كل الشخصيات تعكس واقعاً وعمقاً، فإن شخصية عثمان تقوم على الفكرة وليس التجسيد.

TRACES

«آثار»

★★1/2

• إخراج:‫ أليسا كوڤالنكو، مرسيا نيكيوك‬

• أوكرانيا/ بولندا (2026)

• النوع: دراما عاطفية

الفيلم الخامس للمخرجة الأوكرانية أليسا كوڤالنكو.

في العام 2014، خلال احتلال الروس لمقاطعة دونباس، تعرّضت المخرجة أليسا كوڤالنكو للاغتصاب والعنف، ثم لمحاولات «إعادة تأهيلها». خرجت من التجربة وقد حدّدت هدفاً ثابتاً لها، وهو مساعدة أخريات عانين ما عانته. الناتج هو هذا الفيلم، الذي تشرح فيه ما حدث لها وكيف قررت إنشاء جمعية للاعتناء بالنساء اللواتي تعرّضن للتجربة ذاتها (تُعرف الجمعية بأحرفها الأولى CRSV).

«آثار» (مهرجان برلين)

هذا فيلم كاميرا تصوّر نساءً يتحدّثن أكثر من تصوير الأحداث ذاتها. لا ملامة هنا، إذ لا يمكن استعادة هذه الحكايات روائياً وإلا لخرج الفيلم عن كونه تسجيلياً، لكن بصرف النظر عن قيمة تلك المعاناة كما تتبدّى تباعاً عبر المقابلات، فإن القيمة الفنية محدودة. كل حكاية مروية هنا من قبل الضحايا (ستة) تستحق التسجيل، لكن لا شيء أبعد من ذلك على صعيد التأليف الجيد، باستثناء اعتماد المخرجتين على شريط الصوت وكيفية تصوير شخصياتهما في إضاءة خافتة. الفيلم، بطبيعة ما يسرده، مُحمّل بالعاطفة، وحسنته في هذا المجال هي مساحات من الصمت تسود بعض مشاهده لتسجّل المشاعر الحزينة والأمل بالتغلّب على ذاكرة قاسية.

AROUND PARADISE حول الفردوس

‫يوليا لوكشينا

• ألمانيا (2026)

• تسجيلي | ألوان (120 د)

• مهرجان برلين (بانوراما) | ★★★

في أواخر القرن التاسع عشر، سعت إليزابث فورستر نيتشه، شقيقة الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه، لتأسيس «عالم جديد» في منطقة نائية في باراغواي، قريباً من الموقع المسمّى بـ«الفردوس الأخضر»، والذي اختاره حديثاً رجل أعمال ألماني امتلك مساحات أرض كبيرة بغية بناء مجتمع جديد ينأى بنفسه عن العالم المحيط وما يدور فيه.

«حول الفردوس» (مهرجان برلين)

أحد أهم مشاهد الفيلم هو الذي يُبدي فيه أحد المستثمرين قلقه من أن يختلط سكانه البيض بآخرين من عناصر أخرى.

يكشف المشهد نفسه عن أمر آخر عندما يعبّر البعض عن شكوكهم حول المشروع بعدما استثمروا فيه، ليجدوا أنه ما زال أقرب إلى الوهم منه إلى الحقيقة.

ما يوحي إليه الفيلم هو أن فكرة إقامة شعب مختار بعناية عرقياً وطبقياً تراءت للأوروبيين منذ قرون سابقة، بصرف النظر عما انتهت إليه تلك الأحلام.

عرفت المخرجة كيف تكسب ثقة أصحاب المشروع وتُصوّر ما تريد، قبل أن تقوم بعملية توليف هادفة سياسياً وتحمل تحذيراً اجتماعياً. هناك تناسق بين المشاهد داخل المحمية وخارجها، ومتابعة لعدة شخصيات. هذا وحده لا يجعل الفيلم مميّزاً على صعيد الحرفة، بقدر ما يتبلور ككشف لهاجس يعكس فكرة خوف الإنسان من العالم المحيط به.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
TT

أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)

ما الذي يجعل هذا الممثل جيداً وذاك أقلّ جودة؟ كيف الحكم على مستوى التمثيل بين ممثل وآخر؟ البعض يعتقد أنّ درجة التصديق مهمّة في هذا المجال. نعم، تصديق الممثل حين يلعب دوراً ما هو فعل مهم، لكنه ناتج عما هو أهم: مدى نجاح الممثل في تشخيص الدور المُسند إليه ليتبناه كما لو كان بالفعل هو. درجة التبنّي تصبح الهدف والإنجاز. لذلك صدّقنا أنطوني هوبكنز عندما لعب شخصية هانيبال في «صمت الحملان»، وصدّقنا مارلون براندو في «العرّاب»، وفانيسا ردغريف في «جوليا».

خيارات صعبة

إذ ينطلق حفل الأوسكار، الأحد المقبل، سنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً، التي هي عملية فرز وانتقاء تقوم على حسابات متداخلة وصعبة، كون المنافسة بين الممثلين المرشّحين للأوسكار، نساءً ورجالاً، صعبة ومربكة.

بينيسيو دل تورو وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى» (مشهد من الفيلم)

عدد المتنافسين 20 ممثلاً في 4 أقسام (أفضل ممثل في دور رئيسي، أفضل ممثلة في دور رئيسي، أفضل تمثيل رجالي مساند وأفضل تمثيل نسائي مساند)، معظمهم يستحقون الترشيح وبعضهم يستحقون الفوز.

ليست الغاية هنا الحديث عن التوقّعات (هذا نتركه لتحقيق آخر)، بل البحث في جوهر أداء كلّ من مايكل ب. جوردان في «خاطئون»، وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى»، وإيثان هوك في «بلو مون»، وتيموثي شالامي في «مارتي سوبريم»، وواغنر مورا في «العميل السرّي» في الجانب الرجالي، وجوهر أداء جيسي باكلي عن «هامنت»، وإيما ستون عن «بوغونيا»، ورينات راينسفي في «قيمة عاطفية»، وكايت هدسون في «سونغ سونغ بلو»، وروز بيرن في «لو كانت لدي ساقان لرفستك».

إيما ستون في «بوغونيا» (مشهد من الفيلم)

على صعيد الممثلات، انضمّت إيما ستون إلى فريق من المرشّحات والفائزات السابقات مثَّلن أدواراً خاصة يُستَخدم فيها الجسد وقدرة الممثلة على تجسيد الألم النفسي درامياً. في «بوغونيا»، تؤدّي ستون شخصية امرأة تتعرَّض للعنف الجسدي ولحلق الرأس وبعض الضرب كذلك. تؤدّي ذلك بامتثال وليس بعكس قدرات من نوع الانسجام فعلياً مع الدور.

هي في مستوى جيسي باكلي ورينات راينسفي وروز بيرن عينه لجهة أنّ كلاً منهنّ يؤدّي الدور كما أوصى المخرج بذلك. راينسفي هي الأفضل لأن الشخصية وحواراتها هما الأفضل، وهذا ينطبق على كايت هدسون أيضاً.

ينطلق حفل الأوسكار يوم الأحد وسنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً

براهين

رجالياً يمكن طرح السؤال عمّا إذا كان تيموثي شالامي يؤدّي «نمرة» مكتوبة وموجَّهة، أم لعب الدور مستقلاً وبدفع من موهبته. في أيّ من الحالتين هو أفضل ما في الفيلم الذي تولّى بطولته.

ليوناردو ديكابريو هضم الشخصية التي يؤدّيها في «معركة تلو الأخرى» جيداً. هذا مبرهَن عليه بالمَشاهد التي تتوالى. على عكس شخصية مارتي كما لعبها شالامي التي انتهجت خطاً واحداً لا يتغيّر. ديكابريو فهم السيناريو ويؤدّيه وفق تطوّراته وكلّ مرحلة زمنية منه.

إذا كان هناك من ممثل عمد إلى فنّ التمثيل عاكساً مفهوماً كلاسيكياً بنجاح، فهو مايكل ب. جوردان عن «خاطئون»، يليه في المضمار ذاته إيثان هوك في «بلو مون»، والبرازيلي واغنر مورا في «العميل السرّي».

لكن المنافسة حامية أيضاً في مسابقة أفضل ممثل في دور مساند. يكفي هنا أن نجد ممثلين آخرين في فيلم «معركة تلو الأخرى» يتنافسان على هذه الجائزة هما بينيسيو دل تورو وشون بن. الممثل المخضرم دلروي ليندو أدّى دوره في «خاطئون» بمعية ذلك الحنين الزمني لموسيقى البلوز. جاكوب إلوردي لعب شخصية الوحش في «فرانكنشتاين»، وهذا تفعيل جسدي أكثر منه درامياً مهما كانت موهبة الممثل. ستيلان سكارسغارد في «قيمة عاطفية» هو فنان أداء في دور مناسب.

ليس عن انحياز من أيّ نوع، لكن أداء تيانا تايلور في «معركة تلو الأخرى» أكثر فاعلية من زميلاتها المرشَّحات لأوسكار أفضل تمثيل نسائي مساند، وهنّ إنغا إبسدوتر (قيمة عاطفية)، ويونومي موساكو (خاطئون)، وإيمي ماديجان (سلاح)، وإيل فانينغ عن «قيمة عاطفية».

ما سبق ذكره قادر على أن يعكس إلى أيّ مدى تبلغ حدّة المنافسة بين الأسماء العشرة المذكورة. إنه قراءة قائمة على التعرُّف إلى الأساليب التي تكوَّنت من خلالها بعض الأداءات، علماً بأنّ تصويت الناخبين قد يأتي مُطابقاً لما ورد هنا أو مختلفاً تبعاً لحسابات قد لا تكون محض فنّية.