وزير خارجية تونس السابق: حل الأزمة السياسية في ليبيا يعود إلى الليبيين أنفسهم

رفيق عبد السلام قال إن حركة النهضة ساهمت في نضج تجربة ديمقراطية تتماشى وطبيعة الثورة التونسية

وزير خارجية تونس السابق رفيق عبد السلام («الشرق الأوسط»)
وزير خارجية تونس السابق رفيق عبد السلام («الشرق الأوسط»)
TT

وزير خارجية تونس السابق: حل الأزمة السياسية في ليبيا يعود إلى الليبيين أنفسهم

وزير خارجية تونس السابق رفيق عبد السلام («الشرق الأوسط»)
وزير خارجية تونس السابق رفيق عبد السلام («الشرق الأوسط»)

كشف رفيق عبد السلام، وزير الخارجية التونسية السابق والقيادي في حركة النهضة الإسلامية، عن الدور الذي تلعبه تونس وحزبه السياسي في إقناع الأطراف الليبية بضرورة التوصل إلى حل سياسي للأزمة الليبية، وأقر بوجود رؤية مشتركة تونسية - جزائرية انطلقت من مبادرة الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي والرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة وانضمام مصر إليها، مؤكدا أن هذه الرؤية بصدد التبلور من أجل تحقيق المصالحة بين الفرقاء الليبيين.
وبخصوص دور الشيخ راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة، في التوصل إلى حل للنزاع الليبي من خلال محاورته للأطراف الليبية، وبخاصة الإسلامية منها، قال عبد السلام في حوار خص به «الشرق الأوسط» بالعاصمة التونسية، إن النهضة تضع كل إمكاناتها وعلاقاتها الطيبة مع معظم الأطراف السياسية من أجل إنجاح المبادرة السياسية الثلاثية، لكنها تبقى مبادرة رسمية تقودها الدولة التونسية، لتكون بذلك «النهضة» طرفا مساعدا وليس الطرف الأصلي الموكول إليه حل الملف الليبي. وأوضح عبد الله أن الثورة التونسية تميزت بخصوصيات محلية، وذلك عبر سعيها لحل أزمة السلطة وتقاسم النفوذ بين التونسيين، وأنها نجحت في ذلك إلى حد كبير، لكنها ليست قابلة للتصدير إلى أي دولة من دول العالم... وفيما يلي بقية الحوار...
* تعددت الزيارات السياسية في مختلف الاتجاهات بين تونس والجزائر ومصر بما ينبئ عن بلورة حل للأزمة الليبية. لماذا سرعت هذه الأطراف المختلفة وتيرة الاتصالات السياسية في هذا الظرف بالتحديد؟
- هناك اهتمام مشترك لمعالجة الأزمة الليبية بحكم أننا معنيون مباشرة بما يجري في ليبيا المجاورة، وبخاصة فيما يتعلق بالمخاطر الأمنية ومصالحنا الاقتصادية وروابطنا الاجتماعية. وهناك أيضا رؤية مشتركة تونسية - جزائرية انطلقت من مبادرة الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي والرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، وهي الآن بصدد التبلور من أجل تحقيق المصالحة بين الفرقاء الليبيين.
* كنتم ضمن الوفد الذي قاده راشد الغنوشي في زيارته إلى الجزائر. ما حقيقة الدور الذي تلعبه حركة النهضة في هذه المبادرة السياسية الموجهة لحلحلة الملف الليبي؟
- حركة النهضة تضع إمكاناتها وعلاقاتها الطيبة مع معظم الأطراف السياسية من أجل إنجاح هذه المبادرة، ولكنها تبقى مبادرة رسمية تقودها الدولة، وبذلك تكون حركة النهضة طرفا مساعدا وليست الطرف الأصلي الموكول إليه حل الملف الليبي.
* وماذا عن الدور المصري في هذه المبادرة، وخصوصا بعد الزيارة التي قام بها سامح شكري وزير الخارجية المصرية إلى تونس؟
- مصر طرف معني مباشرة بما يجري في ليبيا، وقد انضمت إلى الجهد الثلاثي على مستوى وزراء الخارجية في البلدان الثلاثة من أجل تحقيق إنجاح أو تقديم ما يحرز تقدما ملموسا لهذا الملف الشائك.
* تحركت الدبلوماسية في تونس والجزائر ومصر، ولكن لا يعرف على وجه الدقة موقف الأطراف الليبية من هذه المبادرة. فهل لمست حركة النهضة من خلال اتصالاتها بالأطراف الليبية اهتماما ليبيا بما تفعلون؟
- المنطلق الأساسي لحل الأزمة السياسية والأمنية في ليبيا يعود إلى الليبيين أنفسهم، ورغم أن الأزمة هناك معقدة ومركبة، لكنها تبقى قابلة للحل بسبب عدم وجود انقسامات عميقة في النسيج الاجتماعي الليبي، كما أن المعطى القبلي قد يكون من بين العناصر المشجعة على التوصل إلى حل سياسي في ليبيا باعتبار وحدة الفضاء القبلي هناك منذ حربه ضد الوجود الاستعماري الإيطالي.
* وما الخطوات التي يمكن أن تمر بها عملية المصالحة السياسية في ليبيا؟
- نحن ندرك جميعا أن الصراع في ليبيا حاليا هو صراع حول السلطة والنفوذ، وإذا كانت دول الجوار الليبي قد اقتنعت بضرورة المعالجة السياسية للملف الليبي فما على الإخوة في ليبيا إلا لعب الدور الأول والأساسي لحل الأزمة، ويأتي الدور التونسي وبقية دول الجوار في المرتبة الثانية. وقد لمسنا من خلال مختلف الاتصالات السياسية التي أجرتها تونس والجزائر ومصر أن جميع الأطراف معنية ببذل مزيد من الجهد لاستعادة الأمن والاستقرار هناك. ونحن هنا نذكر الإخوة في ليبيا بأننا لسنا في موقع من يقدم الدروس، لكن يمكن الاستفادة من التجربة التونسية في تخطي الخلافات السياسية.
* لاحظنا من خلال التصريحات المختلفة للقيادات الليبية عدم الاتفاق حول ما أفرزه اجتماع الصخيرات المغربية، كما أن كثيرا من القيادات الليبية غير متحمسة حاليا للجلوس حول طاولة النقاش نفسها؟
- هذا صحيح، ولكن دول الجوار التي تعرف استقرارا سياسيا وأمنيا نسبيا مطالبة بمساعدة الأطراف الليبية على الخروج إلى بر الأمان. ولتحقيق ذلك فمن الضروري إنجاح مشاركة مختلف الأطراف في العملية السياسية المستقبلية، وعدم إقصاء من يريد الصعود إلى مركب المصالحة الليبية، باستثناء من يحمل السلاح أو يهدد دول الجوار، ونعني بذلك المجموعات الإرهابية.
* على المستوى المحلي، كيف تقيمون أوضاع حركة النهضة في علاقتها ببقية الأحزاب السياسية؟ وهل تجاوزت أزمة الثقة الصادرة عن بعض القيادات السياسية؟
- السياسة لا تبنى على رغبات بل على توازنات، وهذا معطى رئيسي في بناء المؤسسات الجديدة، ومن الضروري اليوم اعتبار حركة النهضة جزءا من نسيج الحكم. ولا بد من الإشارة إلى أن الحكم لا يعني بالضرورة مقدار المشاركة في الحكومة. وفي تونس تم الاتفاق على توزيع الحكم، ولحركة النهضة ثقلها الاجتماعي ووزنها البرلماني، وعندما اتفق الساسة على نظام برلماني معدل فإن ذلك يعني أن السلطة موزعة بين جميع الأطراف. وعلى الرغم من وجود بعض الصعوبات فقد نجحنا في المرور من مركزية السلطة إلى توزيع السلطة، ولا بد أن نقر بأن الطبقة السياسية لا تزال تتدرب على التكيف مع هذا الواقع السياسي الجديد.
* وهل تمكنت حركة النهضة من تجاوز هاجس الثورة المضادة وإمكانية عودة رموز النظام السابق وتضييق الخناق من جديد على وجودها السياسي؟
- أعتقد أن موضوع الثورة المضادة مبالغ فيه في تونس، ذلك أن طبيعة الوضع السياسي لا تسمح لأي طرف سياسي بتشكيل المشهد بصفة منفردة، ومع أن الواقع الحالي اختلف عن العوامل التي أطاحت بالقوى القديمة فإن هذه القوى لا يمكنها استعادة مواقعها، كما أن القوى الجديدة لا يمكنها الحكم وحدها. وكانت تونس أمام خيارين: إما التمادي في خط الصراع والاستقطاب السياسي والدخول في حرب أهلية، أو الذهاب إلى تسويات وتوافقات سياسية تراعي موازين القوى على الأرض.
وهذا التوافق التونسي اختصر الجهد والوقت وحقن الدماء، بعد أن فهمت مختلف الأطراف السياسية أنه من الأفضل لتونس وللتحول الديمقراطي أن يؤدي إلى عقد سياسي جديد.
* ألهذا السبب غادرت حركة النهضة السلطة نهاية سنة 2013؟ وما نصيب التخوف من الإقصاء السياسي في ذاك القرار؟
- المؤكد أن السيناريو المصري الذي لوحت به بعض الأطراف السياسية لا يمكن أن يتحقق في تونس، لأنه ليس لبلدنا مؤسسة عسكرية قوية منغمسة في القرار السياسي. و«النهضة» غلبت مصلحة البلاد على مصلحتها حين غادرت السلطة، وربما خسرت بعض المقاعد في البرلمان وجزءا من الحكم، ولكنها ساهمت بذلك في نضج تجربة ديمقراطية تتماشى وطبيعة الثورة السلمية في تونس.
* ما موقف حركة النهضة من إشراك المؤسستين العسكرية والأمنية في الانتخابات البلدية المقبلة؟
- من الواضح أن إشراك الأمن والجيش في الانتخابات يعد مخاطرة في ظل تجربة سياسية وليدة، إذ مازلنا في حاجة لتقاليد تجذر المؤسسات السياسية، لكن يمكن أن تعدل الأمور في المستقبل.
* هل كنتم على علم بالقرار الذي اتخذه الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي بقطع العلاقات مع النظام السوري؟ وما تقييمكم لذاك القرار؟
- لا بد من تأكيد أن قرار قطع العلاقات الدبلوماسية مع النظام السوري اتخذه الرئيس المرزوقي، دون استشارة بقية مكونات المشهد السياسي، وما نلاحظه حتى الآن، رغم وجود وعود انتخابية بعودة العلاقات مع النظام السوري، تغييرا على مستوى اللغة فقط، أما في الواقع فقد بقي الأمر كما كان عليه في فترة حكم المرزوقي. ومن الضروري الإشارة إلى أن الملف السوري كان ولا يزال ملفا إشكاليا حتى على مستوى الدول العربية، وهناك دول التزمت بمقاطعة النظام السوري، وهناك من أبقى على حبل العلاقة معه.
* وهل أثر قرار المرزوقي على ملف تدفق الإرهابيين التونسيين على سوريا؟ وكيف ترون الحل لهذا الملف في حال تسوية الأزمة السورية؟
- أعتقد أن مشكل عودة المقاتلين قد يكون أكثر صعوبة بالنسبة للعائدين من ليبيا، مما عليه في سوريا. فعودة الإرهابيين تمثل مشكلا وصداعا لعدد من دول المنطقة والدول الأوروبية، والحل في نظري يكمن في الحذر الأمني والعمل الاستخباراتي، وبذل جهد وطني لحماية أمن تونس خوفا من احتمال انتقال الأزمة من جديد إليها. ولا بد من إخراج ملف الإرهابيين العائدين من سوريا من دائرة التوظيف السياسي والالتزام بالقوانين الدولية في هذا المجال.
* وهل توافقون على مقترح نزع الجنسية من الإرهابيين التونسيين العائدين من بؤر التوتر؟
- هذا مشكل عويص، وما على المؤسسة الأمنية والعسكرية والسلطة القضائية إلا لعب دورها الأساسي والمساعدة في حل هذا الملف، ولا يمكن تنفيذ مقترح بعض الأطراف السياسية الداعي إلى محاكمة الإرهابيين التونسيين فوق الأراضي السورية، إذ من المعروف أن النظام السوري لا يسيطر على كامل الأرض السورية.
* هل تتحمل النهضة جزءا من المسؤولية في تسفير الشباب التونسي إلى بؤر التوتر من خلال دعوات سابقة إلى الإطاحة بالنظام السوري، ودعم الثورة السورية بكل الوسائل؟
- يجب الإشارة إلى أن عددا كبيرا من الشباب التونسي سافر إلى بؤر التوتر قبل فترة حكم الترويكا في تونس بزعامة حركة النهضة. والثورة السورية وجدت دعما كاملا من قبل عدة دول عربية، ومن الضروري اليوم قطع الصراعات المسلحة وعقد تسويات داخلية، بعد أن تأكد عجز أي طرف سياسي أو مسلح عن حسم الأمور لصالحه.
* وهل استعادت تونس علاقاتها الوطيدة ببقية الدول العربية، وخصوصا دول الخليج العربي بعد فترة طغى عليها الشك والتخوف من الثورة التونسية؟
- أؤكد اليوم أن النفوس قد هدأت، وتأكد للجميع أن الثورة التونسية جاءت لمعالجة مشكلات تونس المحلية، وبخاصة مشكل السلطة. وقد أعدنا علاقاتنا السياسية الأخوية مع الدول العربية، ونحن نؤكد أهمية التضامن العربي والتكامل الاقتصادي العربي لمواجهة مجموعة من المخاطر المشتركة. وقد تبين بعد سلسلة الثورات التي حصلت في بعض الدول العربية أن أمننا - نحن العرب - شديد التداخل والترابط، ولهذا فإنه من مصلحة الجميع إنجاح التجربة التونسية والحفاظ على أمن تونس واستقرارها، الذي هو جزء من أمن دول المغرب العربي وبقية الدول العربية.
* ما تقييمكم بعد نحو ست سنوات لما تحقق في تونس؟
- أعتقد أن الثورة مسار متكامل، وقد اخترنا في تونس النهج السلمي والمدني والتدريجي، ومن الضروري تأكيد أن الثورة التونسية بضاعة تونسية بالأساس، لها خصوصيات محلية وليست قابلة للتصدير إلى أي دولة من دول العالم.
* ألا ترى أن الثورة التونسية كانت في حاجة لسند ثقافي وفكري حتى لا تتحول إلى فوضى وتنتهي التجربة بالفشل؟
- هذا صحيح، وقد انتبهنا إلى العامل الثقافي والفكري، ولا شك أن رصيد تونس واعتبارها حاضنة أساسية للفكر والعلم على المستويين العربي والإسلامي، يمكن أن يلعب دورا أساسيا في إحياء الحركة الإصلاحية والدور الريادي في تجديد الفكر السياسي، وتجذير الإصلاح الاجتماعي.



إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)

وسّع الجيش الإسرائيلي موجة إنذارات الإخلاء إلى السفح الغربي لجبل الشيخ، في تمدد غير مسبوق باتجاه منطقة حدودية مع سوريا لم تكن محتلة منذ العام 1985 في جنوب شرقي لبنان، وهو ما أثار موجة أسئلة عن خريطة الحركة الجديدة التي لا تقتصر على تقييد عودة السكان فحسب، بل تعيد توجيه ثقلها العملياتي نحو الشرق.

ويشير ضم الجيش الإسرائيلي لبلدة عين عطا ضمن تمددها إلى جبل كريستوباني، وهي تسمية إسرائيلية مستحدثة للمنطقة، إلى أن المعركة لم تعد محصورة في الجبهة الجنوبية التقليدية، بل تتجه تدريجياً إلى اختبار محاور بديلة باتجاه الحدود مع سوريا، قد تعيد رسم خطوط الاشتباك. وبدل أن تتحول الهدنة إلى مساحة استقرار، تبدو مرحلة لإعادة التموضع، وتقوم على ضبط الأرض جنوباً، وفتح احتمالات التصعيد شرقاً.

خريطة نشرها الجيش الإسرائيلي للمنطقة الحدودية مع لبنان (الجيش الإسرائيلي)

وعين عطا، تتبع إدارياً قضاء راشيا في محافظة البقاع، وتقع على مرتفع استراتيجي على الجانب اللبناني من سفح جبل حرمون، وهي منطقة اتصال بين الأراضي اللبنانية والأراضي السورية التي احتلتها إسرائيل في العام الماضي في شمال القنيطرة، وتشرف في لبنان على عمق استراتيجي يربط البقاع بالجنوب.

محررة منذ 1985

ويضع مصدر نيابي لبناني هذا التصعيد بالتحذيرات في إطار مختلف، معتبراً في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أنّها «تندرج ضمن الضغط الذي يستهدف كل اللبنانيين، عبر توسيع رقعة القلق، وزرع حالة دائمة من الترقّب، والخوف»، مضيفاً: «إنّ المشروع التوسعي الإسرائيلي لا يستثني أحداً من حيث الاستهداف».

ويوضح المصدر أنّ إدراج عين عطا ضمن هذه التحذيرات «يثير تساؤلات جدية، لا سيما أنّ البلدة ليست من القرى التي خضعت للاحتلال في مراحل التسعينات، بل تُعدّ محرّرة منذ عام 1985»، مشدداً على أنّ «الحديث عنها بهذا الشكل يفتقر إلى الدقة، سواء من الناحية التاريخية، أو الميدانية».

أطفال يلهون في سيارة مدمرة بجنوب لبنان العام 1983 (متداول)

تبدّل في التفكير العملياتي

في قراءة أوسع لهذه المؤشرات، يضع رئيس «مركز الشرق الأوسط للدراسات» العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر هذا التصعيد ضمن سياق تحوّل في المقاربة العسكرية الإسرائيلية. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنّ «الحديث عن منطقة جنوب عين عطا لا يمكن فصله عن القراءة العسكرية لطبيعة السيطرة النارية والاستكشافية التي يؤمّنها جبل الشيخ»، موضحاً أنّ «جبل الشيخ يوفّر إشرافاً بالنار والاستطلاع يمتد إلى البقاع الغربي، ومناطق واسعة من الجنوب».

ويشير إلى أنّ «إسرائيل بعدما لم تنجح في تحقيق تقدّم حاسم في الجنوب، بدأت تبحث عن محاور بديلة، من بينها البقاع الغربي، ومنطقة عين عطا تحديداً، لما لهذه المنطقة من أهمية عملياتية»، لافتاً إلى أنّ «هذا المحور كان مطروحاً سابقاً كخيار لهجوم بري محتمل، خصوصاً أنّ التقدّم من الجنوب أثبت تعقيداته الميدانية».

جرافات إسرائيلية معززة بدبابات عسكرية تنفذ أعمال هدم داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

ويضيف أنّ «السيناريو الأكثر ترجيحاً كان، ولا يزال، يعتمد على اختراق من جهة البقاع الغربي، نظراً لخصوصية هذه المنطقة من حيث الطبيعة الجغرافية والديموغرافية، فهي أقل تعقيداً من الجنوب، وأرضها أكثر انفتاحاً، ما يسهّل العمليات العسكرية».

توسعة بالتحذيرات

وتتزامن التحذيرات مع استمرار تمركز القوات الإسرائيلية خلال فترة وقف إطلاق النار، وتشمل طيفاً واسعاً من القرى، من الناقورة في جنوب غربي لبنان، إلى مرجعيون وكفرشوبا وعين عطا شرقاً، مروراً ببلدات محورية، مثل بنت جبيل، والخيام، وميس الجبل، إضافة إلى مناطق حيوية كنهر الليطاني ووادي السلوقي. وعلى الأرض، تتقاطع هذه الإنذارات مع معطيات ميدانية تشير إلى استمرار تمركز القوات الإسرائيلية داخل بعض النقاط، ما يحوّل الهدنة عملياً إلى مساحة ضبابية بين وقف النار واستمرار السيطرة.

وتتقدم منطقة عين عطا في هذه القراءة بوصفها نقطة مفصلية في أي سيناريو عسكري محتمل. ويشدّد جابر على أنّ «منطقة جنوب عين عطا تشكّل نقطة مفصلية في أي حسابات عسكرية، كونها مفرق طرق يربط بين البقاع الغربي وراشيا وحاصبيا والجنوب، وبالتالي فإن السيطرة عليها تفتح مسارات متعددة لأي تقدّم عسكري»، معتبراً أنّ «أهميتها تكمن في كونها عقدة مواصلات تتيح الانتقال نحو عدة اتجاهات في وقت واحد».

نازحون يعبرون جسراً مدمراً في طريق العودة إلى منازلهم في قرية طير فلسيه في جنوب لبنان (أ.ب)

ويشير إلى أنّ السيطرة عليها تتيح التحرك شرقاً نحو عمق البقاع، وجنوباً نحو حاصبيا والعرقوب، وغرباً باتجاه القرى الأساسية في البقاع الغربي، ما يمنح أي قوة مهاجمة مرونة عالية في المناورة، والتحكم بخطوط الإمداد». ويقول إنّ «التركيبة الديموغرافية المختلطة في هذه المنطقة تجعلها، عسكرياً، أكثر رخاوة من بيئة الجنوب».

ويرى أنّ «هذا السيناريو، في حال تحقّق، قد يؤدي إلى فصل البقاع الشمالي عن الجنوب، ما يغيّر موازين المعركة بشكل جذري، ويضع القوى المدافعة أمام تحديات لوجستية وميدانية أكثر تعقيداً».

الأهداف تتجاوز الميدان

لا يقتصر هذا التحوّل، وفق جابر، على البعد العسكري، بل يتعداه إلى أهداف سياسية واضحة. ويرى أنّ «إسرائيل، في حال دخلت واحتلت نقاطاً في هذه المنطقة، قد تتكبّد خسائر، لكنها تراهن على استخدام هذا التقدّم ليكون ورقة ضغط، ولفرض شروطها السياسية على لبنان، خصوصاً فيما يتعلق بسلاح (حزب الله) وترسيم الحدود». ويضيف أنّ «الهدف من أي تحرّك عسكري إسرائيلي لا يقتصر على المكاسب الميدانية، بل يتجاوزها إلى تحقيق أهداف سياسية، أبرزها الضغط على الدولة اللبنانية لفرض وقائع جديدة، سواء لجهة سلاح (حزب الله)، أو إعادة ترتيب الحدود الجنوبية».


ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
TT

ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)

لم تمر وفاة الطبيب المصري ضياء العوضي في دولة الإمارات قبل بضعة أيام مرور الكرام، فالجدل دائر منذ أشهر حول شخصيته و«نظريته» التي يروج لها برفض العلاج عبر الأدوية التقليدية والاعتماد على نظام غذائي أطلق عليه «الطيبات».

ورغم تأكيد محاميه أن الوفاة «طبيعية»، وصدور بيان من وزارة الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، الثلاثاء، ذكر أن الوفاة التي حدثت في أحد فنادق مدينة دبي «جاءت طبيعية، ولا توجد أي شبهات جنائية، وجاءت بسبب جلطة مفاجئة بالقلب»، فإن ملابسات الواقعة تحولت إلى مادة جدل واسع على منصات التواصل الاجتماعي.

فالعوضي عُرف بآرائه المثيرة للجدل، مثل التحذير من تناول الأطفال الذكور الدواجن بزعم تأثيرها على «الرجولة»، وتفضيل الإفطار بـ«النوتيلا» على الأطعمة التقليدية مثل الفول، والدعوة إلى استهلاك كميات كبيرة من السكر يومياً، إلى جانب التحذير من الخضراوات رغم قيمتها الغذائية المعروفة.

العوضي عُرف بالترويج لما سمّاه «نظام الطيبات» رافضاً العلاج بالأدوية التقليدية (لقطة من لقاء تلفزيوني أجراه معه الإعلامي محمود سعد)

ولا تزال صفحات مؤيدة له تضم آلاف المتابعين تعيد نشر مقاطع له وتدافع عن منهجه في التغذية، ومن بين هؤلاء مدوِّنة تُدعى رشا حجازي، قالت إن الطبيب الراحل طوّر ما يُعرف بـ«دايت الأرز» الذي وضعه الطبيب الألماني - الأميركي والتر كيمبنر.

غير أن الطبيب والإعلامي المصري الدكتور خالد منتصر روى تفاصيل موقف وحيد جمعه مع العوضي، عبر منشور على «فيسبوك»، حين علّق الراحل بشكل عدّه منتصر «غير طبيعي» وحذره من «أكل البطيخ» مظهراً «ثقة زائدة»، ولفت منتصر إلى أن «تحويل الطبيب العوضي إلى تريند» على مواقع التواصل أسهم في «زيادة حضوره الإعلامي».

وشدد منتصر على أن الوفاة لا تنفي حق نقد «الآراء الطبية غير العلمية»، مؤكداً أن «توصية الطبيب الراحل بوقف الإنسولين أو مثبطات المناعة أو الكورتيزون بشكل مفاجئ يُعد جريمة طبية»، محذراً من أن ذلك يكرّس الجهل ويغذي من وصفهم بـ«سماسرة الوهم».

اتهامات وشطب عضوية

في السياق ذاته، أشار الدكتور أسامة حمدي، أستاذ الباطنة والسكر بجامعة هارفارد الأميركية، إلى ما وصفها بـ«أخطاء طبية جسيمة» نُسبت إلى الطبيب الراحل، تمثلت في الترويج لعلاج مرض السكري بزيادة تناول السكر، والدعوة إلى وقف الإنسولين حتى لمرضى النوع الأول، إضافةً إلى وقف الكورتيزون عن مرضى يعتمدون عليه.

وأوضح أن هذه الممارسات، وفق روايات طبية، أدت إلى مضاعفات خطيرة بينها حالات تسمم كيتوني ووفاة سيدة، محذراً من خطورة تجاهل الأسس العلمية في علاج الأمراض المزمنة، حسب منشور عبر صفحته على «فيسبوك».

وفي مارس (آذار) الماضي، قررت نقابة الأطباء المصرية شطب عضوية العوضي، بعد اتهامه بنشر معلومات طبية مضللة وغير مدعومة علمياً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدةً أن هذه الممارسات قد تمثل تهديداً مباشراً لصحة المواطنين.

كما شملت الاتهامات الترويج لأساليب علاجية غير معتمدة علمياً في التعامل مع بعض الأمراض المزمنة، وهو ما عدّته لجنة التأديب بالنقابة إخلالاً جسيماً بأصول المهنة وقواعدها الأخلاقية والمهنية.

ويعتقد الدكتور وسام إبراهيم حمودة، استشاري ورئيس قسم جراحات التجميل والحروق بجامعة بنها، أن «الأدوية العشبية والمنتجات الطبيعية قد تلعب دوراً في الوقاية من بعض الأمراض، إلا أن فاعليتها في العلاج أو تسريع التعافي لا تزال بحاجة إلى أدلة علمية حاسمة».

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «حسم هذا الجدل يتطلب جهوداً بحثية جادة تقودها مؤسسات علمية وشركات دواء عربية، لإنتاج دراسات موثوقة قادرة على الفصل في هذا الملف، في ظل غياب يقين علمي نهائي حتى الآن».

«منظومة مصالح» أم «منظومة تغذية»؟

ووسط الجدل الدائر حول منهجه، قال مصطفى ماجد، محامي العوضي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن ملابسات وفاة موكله تواكبت مع انقطاع التواصل مع أسرته قبل أيام. لكنه أكد أن سبب الوفاة «لا تتوفر به أي شبهة جنائية»، مشيراً إلى أنه تلقى إخطاراً هاتفياً من السلطات المصرية يفيد بأن «التحقيقات الجارية في الإمارات عزت سبب الحقيقي للوفاة إلى أزمة قلبية». وهو ما أوضحته وزارة الخارجية في بيان الثلاثاء.

وسبق أن وجّه وزير الخارجية، بدر عبد العاطي، القنصلية المصرية في دبي بـ«التواصل المستمر مع السلطات الإماراتية المختصة للوقوف على ملابسات الواقعة، ومتابعة الإجراءات ذات الصلة»، إلى جانب سرعة إنهاء الإجراءات اللازمة لنقل الجثمان إلى مصر.

المحامي مصطفى ماجد (صفحته الرسمية)

ورغم الإعلان لم ينقطع الجدل، إذ كتب أحد متابعيه، ويدعى علي محمد، معبّراً عن قناعته بأن العوضي واجه ما وصفها بـ«منظومة مصالح» داخل القطاع الطبي تشمل أطباء ومعامل وشركات أدوية. وزعم أن هذه المنظومة تستفيد من المرضى عبر الإكثار من الوصفات الطبية والفحوص، وترتبط بعلاقات دعائية وتسويقية مع شركات الأدوية.

غير أن هذه الفرضية يرفضها الدكتور أسامة حمدي الذي رأى أن وقوع الوفاة نتيجة «جلطة قلبية مفاجئة» كان «أمراً متوقعاً»، وكتب في منشور عبر حسابه في «فيسبوك»: «مع الأسف، لقد توقعت تماماً ما حدث له حين رأيت نحافته الشديدة والمستمرة، وفقدانه الشديد لعضلات فخذيه، وشحوب وجهه وتوتره، نتيجة لنظام غذائي صارم ينتهجه، ويمنع عنه -عن عمد- كثيراً من الفيتامينات والأملاح المعدنية، وكثيراً من الأحماض الأمينية المهمة للعمليات الحيوية في الجسم، مع استمراره في التدخين بشراهة رغم التحذيرات المعروفة والمثبتة علمياً».

رأي خبراء الاجتماع

ويُبدي علماء اجتماع شكوكاً في أن هذا الجدل يحمل قدراً مما يُعرف بـ«الافتعال الإعلامي»، وهي أيضاً رؤية الدكتور سعيد صادق، أستاذ الاجتماع السياسي بالجامعة الأميركية، الذي لفت إلى أن العوضي «لم يكن لديه منتج علمي أو طبي ملموس يبرر فرضيات الاستهداف أو المؤامرة، مثل حالات شهيرة لعلماء في عالمنا العربي».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «الانشغال الواسع بالقضية يعكس خللاً في ترتيب أولويات النقاش العام، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية التي يواجهها المواطن المصري»، مضيفاً أن «تضخم مثل هذه القضايا يرتبط بطبيعة الإعلام الرقمي وسعي بعض الصفحات وراء (التريند) لما يحققه من عوائد سريعة».

وانتهى إلى أن «ثورة السوشيال ميديا أعادت تشكيل بيئة الإعلام، وأصبح البحث عن الانتشار هدفاً رئيسياً لدى كثير من المنصات»، مؤكداً أن ذلك يؤدي إلى تضخيم قضايا هامشية على حساب ملفات أكثر أهمية وتأثيراً في المجتمع.


قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
TT

قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

صعّدت الجماعة الحوثية من حملات القمع والاعتقالات في محافظة إب، في تطور يعكس تشديداً في القبضة الأمنية على واحدة من أعلى المحافظات اكتظاظاً بالسكان وأكبرها رفضاً لسلطة الجماعة الانقلابية، وذلك بالتزامن مع تحويل منشآت مدنية سجوناً سرية.

في هذا السياق، كشفت مصادر حقوقية عن استحداث الجماعة ما لا يقل عن 14 سجناً سرياً داخل منشآت مدنية وعسكرية في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، بينها مرافق رياضية وثقافية، في وقت ارتفع فيه عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، بينهم ناشطون وتربويون وشباب، في سياق حملة تستهدف كبح أي تحرك مجتمعي معارض.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن هذه الحملة تأتي ضمن استراتيجية أمنية أوسع تهدف إلى إحكام السيطرة على المحافظة التي ظلت، خلال السنوات الماضية، بؤرة احتجاجات صامتة ومفتوحة ضد ممارسات الجماعة، خصوصاً في ظل تدهور الأوضاع المعيشية وغياب الخدمات الأساسية.

وتفيد مصادر حقوقية بأن ما يسمى «جهاز استخبارات الشرطة»، الذي يقوده علي الحوثي، نجل مؤسس الجماعة، يقف وراء موجة اعتقالات جديدة طالت أكثر من 40 شاباً في مركز المحافظة وأريافها خلال الأسابيع الأخيرة. وبذلك يرتفع عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، في ظل اتهامات فضفاضة تتعلق بدعم الحكومة الشرعية أو معارضة سلطة الجماعة.

أكثر من مائة معتقل يمني في إب دون تهم واضحة خلال العام الماضي (إعلام محلي)

وأكدت منصة «ضمير»، المعنية بتوثيق قضايا المعتقلين والمُخفَين قسراً، أنها رصدت نحو 150 حالة اختطاف خلال العام الماضي والربع الأول من العام الحالي، «ضمن خطة أمنية منظمة تستهدف وأد أي نشاط مجتمعي مناهض».

ولفتت إلى أن هذه العمليات لا تجري عشوائياً، بل وفق آلية تبدأ بـ«الرصد والمتابعة، ثم تنفيذ مداهمات ليلية، تنتهي باقتياد المستهدفين إلى أماكن احتجاز سرية، دون أوامر قضائية».

وتركز الحملة، وفق تقرير المنصة، على فئات محددة في المجتمع، في مقدمتها المدرسون والناشطون المجتمعيون، «خصوصاً في فترات تشهد تصاعداً في الغضب الشعبي أو قبيل المناسبات الوطنية، حيث يُخشى من تحول هذا السخط احتجاجاتٍ ميدانية».

سجون سرية

من أبرز ما كشفت عنه المصادر الحقوقية استخدام الجماعة الحوثية منشآتٍ مدنيةً، بينها مرافق رياضية وثقافية، مراكزَ احتجاز سرية، في خطوة تعكس توسعاً في البنية الأمنية غير الرسمية.

وتشمل هذه المواقع أجزاء من معسكرات، مثل «معسكر الحمزة» في منطقة ميتم، و«معسكر القوات الخاصة» بمنطقة شبان، و«معسكر اللواء55» في مديرية يريم، إلى جانب مبانٍ أخرى توصف بأنها «بيوت آمنة».

كما جرى توسيع سجن المخابرات المعروف باسم «الأمن السياسي»، ليضم أعداداً متصاعدة من المعتقلين، وسط تقارير عن استخدام أساليب تعذيب لانتزاع اعترافات، في ظل غياب أي رقابة قضائية أو حقوقية.

تحويل منشآت رياضية في إب سجوناً حوثية سرية للنشطاء (إعلام محلي)

ويثير تحويلُ المنشآت المدنية أماكنَ احتجازٍ مخاوفَ واسعة من تآكل ما تبقى من البنية المدنية في المحافظة، فضلاً عن تداعيات ذلك على الحياة الاجتماعية والثقافية، إذ كانت إب تُعرف قبل سنوات بأنها «عاصمة السياحة» في اليمن.

على وقع هذه التطورات، أعلنت منصة «ضمير» ما سمتها «قائمة العار»، التي تضم قيادات حوثية قالت إنها مسؤولة بشكل مباشر عن إدارة السجون السرية وحملات القمع في إب. وتهدف هذه الخطوة، وفق المنصة، إلى وضع هؤلاء تحت طائلة المساءلة القانونية مستقبلاً.

وتضم القائمة هادي الكحلاني، المعين مديراً لأمن المحافظة، ونائبه حميد الرازحي، ورئيس فرع ما يسمى «جهاز الأمن والمخابرات»، زيد المؤيد، إضافة إلى عدد من القيادات المحلية المتهمة بتنفيذ الاعتقالات والتغطية على الانتهاكات، من بينهم بكيل غلاب ويحيى القاسمي وعبد الباري الطالبي وأشرف الصلاحي.

وتشير المصادر إلى أن بعض هؤلاء يلعبون أدواراً مزدوجة، تجمع بين العمل الأمني والاستفادة المالية من ملف المعتقلين، عبر شبكات وساطة تبتزّ أسر الضحايا مقابل وعود بالإفراج، غالباً ما يتبين لاحقاً أنها زائفة.

اقتصاد الابتزاز

وفق شهادات حقوقية، تحوّل ملف المعتقلين في إب مصدرَ دخلٍ غير مشروع لبعض المتنفذين، حيث تُفرض على الأسر مبالغ مالية كبيرة مقابل تسهيلات مزعومة أو وعود بالإفراج. وفي كثير من الحالات، يُشترط على الأسر عدم التواصل مع وسائل الإعلام أو المنظمات الحقوقية.

ويرى ناشطون أن هذه الممارسات تعكس ما يصفونه بـ«نظام رهائن»، حيث يُعتقل الأفراد ليس فقط لأسباب سياسية، بل أيضاً لأغراض مالية أو نتيجة وشايات كاذبة. ويشمل ذلك مدرسين يطالبون برواتبهم، وشباباً يشاركون في فعاليات وطنية، وحتى أطباء وناشطين مدنيين.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك رشاشاً على متن عربة عسكرية (إ.ب.أ)

وفي ظل هذه التطورات، تتصاعد الدعوات من قبل ناشطين ومنظمات حقوقية إلى ضرورة تحرك عاجل من المجتمع الدولي لمحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات. ويؤكد هؤلاء أن تحويل المنشآت المدنية سجوناً سرية، وممارسة التعذيب، والإخفاء القسري، كلها تشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.

كما يطالبون بفتح تحقيقات مستقلة، وضمان وصول المنظمات الدولية إلى أماكن الاحتجاز، والإفراج الفوري عن جميع المعتقلين دون تهم واضحة، ووضع حد لسياسات القمع التي تستهدف المجتمع المحلي في إب.

ويرى مراقبون أن ما يجري في محافظة إب يمثل نموذجاً مصغراً لسياسات أوسع تتبعها الجماعة في مناطق سيطرتها، حيث تُستخدم الأدوات الأمنية لإدارة المجتمع بالقوة، في ظل غياب مؤسساتِ الدولة وسيادةِ القانون.