وزير خارجية تونس السابق: حل الأزمة السياسية في ليبيا يعود إلى الليبيين أنفسهم

رفيق عبد السلام قال إن حركة النهضة ساهمت في نضج تجربة ديمقراطية تتماشى وطبيعة الثورة التونسية

وزير خارجية تونس السابق رفيق عبد السلام («الشرق الأوسط»)
وزير خارجية تونس السابق رفيق عبد السلام («الشرق الأوسط»)
TT

وزير خارجية تونس السابق: حل الأزمة السياسية في ليبيا يعود إلى الليبيين أنفسهم

وزير خارجية تونس السابق رفيق عبد السلام («الشرق الأوسط»)
وزير خارجية تونس السابق رفيق عبد السلام («الشرق الأوسط»)

كشف رفيق عبد السلام، وزير الخارجية التونسية السابق والقيادي في حركة النهضة الإسلامية، عن الدور الذي تلعبه تونس وحزبه السياسي في إقناع الأطراف الليبية بضرورة التوصل إلى حل سياسي للأزمة الليبية، وأقر بوجود رؤية مشتركة تونسية - جزائرية انطلقت من مبادرة الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي والرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة وانضمام مصر إليها، مؤكدا أن هذه الرؤية بصدد التبلور من أجل تحقيق المصالحة بين الفرقاء الليبيين.
وبخصوص دور الشيخ راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة، في التوصل إلى حل للنزاع الليبي من خلال محاورته للأطراف الليبية، وبخاصة الإسلامية منها، قال عبد السلام في حوار خص به «الشرق الأوسط» بالعاصمة التونسية، إن النهضة تضع كل إمكاناتها وعلاقاتها الطيبة مع معظم الأطراف السياسية من أجل إنجاح المبادرة السياسية الثلاثية، لكنها تبقى مبادرة رسمية تقودها الدولة التونسية، لتكون بذلك «النهضة» طرفا مساعدا وليس الطرف الأصلي الموكول إليه حل الملف الليبي. وأوضح عبد الله أن الثورة التونسية تميزت بخصوصيات محلية، وذلك عبر سعيها لحل أزمة السلطة وتقاسم النفوذ بين التونسيين، وأنها نجحت في ذلك إلى حد كبير، لكنها ليست قابلة للتصدير إلى أي دولة من دول العالم... وفيما يلي بقية الحوار...
* تعددت الزيارات السياسية في مختلف الاتجاهات بين تونس والجزائر ومصر بما ينبئ عن بلورة حل للأزمة الليبية. لماذا سرعت هذه الأطراف المختلفة وتيرة الاتصالات السياسية في هذا الظرف بالتحديد؟
- هناك اهتمام مشترك لمعالجة الأزمة الليبية بحكم أننا معنيون مباشرة بما يجري في ليبيا المجاورة، وبخاصة فيما يتعلق بالمخاطر الأمنية ومصالحنا الاقتصادية وروابطنا الاجتماعية. وهناك أيضا رؤية مشتركة تونسية - جزائرية انطلقت من مبادرة الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي والرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، وهي الآن بصدد التبلور من أجل تحقيق المصالحة بين الفرقاء الليبيين.
* كنتم ضمن الوفد الذي قاده راشد الغنوشي في زيارته إلى الجزائر. ما حقيقة الدور الذي تلعبه حركة النهضة في هذه المبادرة السياسية الموجهة لحلحلة الملف الليبي؟
- حركة النهضة تضع إمكاناتها وعلاقاتها الطيبة مع معظم الأطراف السياسية من أجل إنجاح هذه المبادرة، ولكنها تبقى مبادرة رسمية تقودها الدولة، وبذلك تكون حركة النهضة طرفا مساعدا وليست الطرف الأصلي الموكول إليه حل الملف الليبي.
* وماذا عن الدور المصري في هذه المبادرة، وخصوصا بعد الزيارة التي قام بها سامح شكري وزير الخارجية المصرية إلى تونس؟
- مصر طرف معني مباشرة بما يجري في ليبيا، وقد انضمت إلى الجهد الثلاثي على مستوى وزراء الخارجية في البلدان الثلاثة من أجل تحقيق إنجاح أو تقديم ما يحرز تقدما ملموسا لهذا الملف الشائك.
* تحركت الدبلوماسية في تونس والجزائر ومصر، ولكن لا يعرف على وجه الدقة موقف الأطراف الليبية من هذه المبادرة. فهل لمست حركة النهضة من خلال اتصالاتها بالأطراف الليبية اهتماما ليبيا بما تفعلون؟
- المنطلق الأساسي لحل الأزمة السياسية والأمنية في ليبيا يعود إلى الليبيين أنفسهم، ورغم أن الأزمة هناك معقدة ومركبة، لكنها تبقى قابلة للحل بسبب عدم وجود انقسامات عميقة في النسيج الاجتماعي الليبي، كما أن المعطى القبلي قد يكون من بين العناصر المشجعة على التوصل إلى حل سياسي في ليبيا باعتبار وحدة الفضاء القبلي هناك منذ حربه ضد الوجود الاستعماري الإيطالي.
* وما الخطوات التي يمكن أن تمر بها عملية المصالحة السياسية في ليبيا؟
- نحن ندرك جميعا أن الصراع في ليبيا حاليا هو صراع حول السلطة والنفوذ، وإذا كانت دول الجوار الليبي قد اقتنعت بضرورة المعالجة السياسية للملف الليبي فما على الإخوة في ليبيا إلا لعب الدور الأول والأساسي لحل الأزمة، ويأتي الدور التونسي وبقية دول الجوار في المرتبة الثانية. وقد لمسنا من خلال مختلف الاتصالات السياسية التي أجرتها تونس والجزائر ومصر أن جميع الأطراف معنية ببذل مزيد من الجهد لاستعادة الأمن والاستقرار هناك. ونحن هنا نذكر الإخوة في ليبيا بأننا لسنا في موقع من يقدم الدروس، لكن يمكن الاستفادة من التجربة التونسية في تخطي الخلافات السياسية.
* لاحظنا من خلال التصريحات المختلفة للقيادات الليبية عدم الاتفاق حول ما أفرزه اجتماع الصخيرات المغربية، كما أن كثيرا من القيادات الليبية غير متحمسة حاليا للجلوس حول طاولة النقاش نفسها؟
- هذا صحيح، ولكن دول الجوار التي تعرف استقرارا سياسيا وأمنيا نسبيا مطالبة بمساعدة الأطراف الليبية على الخروج إلى بر الأمان. ولتحقيق ذلك فمن الضروري إنجاح مشاركة مختلف الأطراف في العملية السياسية المستقبلية، وعدم إقصاء من يريد الصعود إلى مركب المصالحة الليبية، باستثناء من يحمل السلاح أو يهدد دول الجوار، ونعني بذلك المجموعات الإرهابية.
* على المستوى المحلي، كيف تقيمون أوضاع حركة النهضة في علاقتها ببقية الأحزاب السياسية؟ وهل تجاوزت أزمة الثقة الصادرة عن بعض القيادات السياسية؟
- السياسة لا تبنى على رغبات بل على توازنات، وهذا معطى رئيسي في بناء المؤسسات الجديدة، ومن الضروري اليوم اعتبار حركة النهضة جزءا من نسيج الحكم. ولا بد من الإشارة إلى أن الحكم لا يعني بالضرورة مقدار المشاركة في الحكومة. وفي تونس تم الاتفاق على توزيع الحكم، ولحركة النهضة ثقلها الاجتماعي ووزنها البرلماني، وعندما اتفق الساسة على نظام برلماني معدل فإن ذلك يعني أن السلطة موزعة بين جميع الأطراف. وعلى الرغم من وجود بعض الصعوبات فقد نجحنا في المرور من مركزية السلطة إلى توزيع السلطة، ولا بد أن نقر بأن الطبقة السياسية لا تزال تتدرب على التكيف مع هذا الواقع السياسي الجديد.
* وهل تمكنت حركة النهضة من تجاوز هاجس الثورة المضادة وإمكانية عودة رموز النظام السابق وتضييق الخناق من جديد على وجودها السياسي؟
- أعتقد أن موضوع الثورة المضادة مبالغ فيه في تونس، ذلك أن طبيعة الوضع السياسي لا تسمح لأي طرف سياسي بتشكيل المشهد بصفة منفردة، ومع أن الواقع الحالي اختلف عن العوامل التي أطاحت بالقوى القديمة فإن هذه القوى لا يمكنها استعادة مواقعها، كما أن القوى الجديدة لا يمكنها الحكم وحدها. وكانت تونس أمام خيارين: إما التمادي في خط الصراع والاستقطاب السياسي والدخول في حرب أهلية، أو الذهاب إلى تسويات وتوافقات سياسية تراعي موازين القوى على الأرض.
وهذا التوافق التونسي اختصر الجهد والوقت وحقن الدماء، بعد أن فهمت مختلف الأطراف السياسية أنه من الأفضل لتونس وللتحول الديمقراطي أن يؤدي إلى عقد سياسي جديد.
* ألهذا السبب غادرت حركة النهضة السلطة نهاية سنة 2013؟ وما نصيب التخوف من الإقصاء السياسي في ذاك القرار؟
- المؤكد أن السيناريو المصري الذي لوحت به بعض الأطراف السياسية لا يمكن أن يتحقق في تونس، لأنه ليس لبلدنا مؤسسة عسكرية قوية منغمسة في القرار السياسي. و«النهضة» غلبت مصلحة البلاد على مصلحتها حين غادرت السلطة، وربما خسرت بعض المقاعد في البرلمان وجزءا من الحكم، ولكنها ساهمت بذلك في نضج تجربة ديمقراطية تتماشى وطبيعة الثورة السلمية في تونس.
* ما موقف حركة النهضة من إشراك المؤسستين العسكرية والأمنية في الانتخابات البلدية المقبلة؟
- من الواضح أن إشراك الأمن والجيش في الانتخابات يعد مخاطرة في ظل تجربة سياسية وليدة، إذ مازلنا في حاجة لتقاليد تجذر المؤسسات السياسية، لكن يمكن أن تعدل الأمور في المستقبل.
* هل كنتم على علم بالقرار الذي اتخذه الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي بقطع العلاقات مع النظام السوري؟ وما تقييمكم لذاك القرار؟
- لا بد من تأكيد أن قرار قطع العلاقات الدبلوماسية مع النظام السوري اتخذه الرئيس المرزوقي، دون استشارة بقية مكونات المشهد السياسي، وما نلاحظه حتى الآن، رغم وجود وعود انتخابية بعودة العلاقات مع النظام السوري، تغييرا على مستوى اللغة فقط، أما في الواقع فقد بقي الأمر كما كان عليه في فترة حكم المرزوقي. ومن الضروري الإشارة إلى أن الملف السوري كان ولا يزال ملفا إشكاليا حتى على مستوى الدول العربية، وهناك دول التزمت بمقاطعة النظام السوري، وهناك من أبقى على حبل العلاقة معه.
* وهل أثر قرار المرزوقي على ملف تدفق الإرهابيين التونسيين على سوريا؟ وكيف ترون الحل لهذا الملف في حال تسوية الأزمة السورية؟
- أعتقد أن مشكل عودة المقاتلين قد يكون أكثر صعوبة بالنسبة للعائدين من ليبيا، مما عليه في سوريا. فعودة الإرهابيين تمثل مشكلا وصداعا لعدد من دول المنطقة والدول الأوروبية، والحل في نظري يكمن في الحذر الأمني والعمل الاستخباراتي، وبذل جهد وطني لحماية أمن تونس خوفا من احتمال انتقال الأزمة من جديد إليها. ولا بد من إخراج ملف الإرهابيين العائدين من سوريا من دائرة التوظيف السياسي والالتزام بالقوانين الدولية في هذا المجال.
* وهل توافقون على مقترح نزع الجنسية من الإرهابيين التونسيين العائدين من بؤر التوتر؟
- هذا مشكل عويص، وما على المؤسسة الأمنية والعسكرية والسلطة القضائية إلا لعب دورها الأساسي والمساعدة في حل هذا الملف، ولا يمكن تنفيذ مقترح بعض الأطراف السياسية الداعي إلى محاكمة الإرهابيين التونسيين فوق الأراضي السورية، إذ من المعروف أن النظام السوري لا يسيطر على كامل الأرض السورية.
* هل تتحمل النهضة جزءا من المسؤولية في تسفير الشباب التونسي إلى بؤر التوتر من خلال دعوات سابقة إلى الإطاحة بالنظام السوري، ودعم الثورة السورية بكل الوسائل؟
- يجب الإشارة إلى أن عددا كبيرا من الشباب التونسي سافر إلى بؤر التوتر قبل فترة حكم الترويكا في تونس بزعامة حركة النهضة. والثورة السورية وجدت دعما كاملا من قبل عدة دول عربية، ومن الضروري اليوم قطع الصراعات المسلحة وعقد تسويات داخلية، بعد أن تأكد عجز أي طرف سياسي أو مسلح عن حسم الأمور لصالحه.
* وهل استعادت تونس علاقاتها الوطيدة ببقية الدول العربية، وخصوصا دول الخليج العربي بعد فترة طغى عليها الشك والتخوف من الثورة التونسية؟
- أؤكد اليوم أن النفوس قد هدأت، وتأكد للجميع أن الثورة التونسية جاءت لمعالجة مشكلات تونس المحلية، وبخاصة مشكل السلطة. وقد أعدنا علاقاتنا السياسية الأخوية مع الدول العربية، ونحن نؤكد أهمية التضامن العربي والتكامل الاقتصادي العربي لمواجهة مجموعة من المخاطر المشتركة. وقد تبين بعد سلسلة الثورات التي حصلت في بعض الدول العربية أن أمننا - نحن العرب - شديد التداخل والترابط، ولهذا فإنه من مصلحة الجميع إنجاح التجربة التونسية والحفاظ على أمن تونس واستقرارها، الذي هو جزء من أمن دول المغرب العربي وبقية الدول العربية.
* ما تقييمكم بعد نحو ست سنوات لما تحقق في تونس؟
- أعتقد أن الثورة مسار متكامل، وقد اخترنا في تونس النهج السلمي والمدني والتدريجي، ومن الضروري تأكيد أن الثورة التونسية بضاعة تونسية بالأساس، لها خصوصيات محلية وليست قابلة للتصدير إلى أي دولة من دول العالم.
* ألا ترى أن الثورة التونسية كانت في حاجة لسند ثقافي وفكري حتى لا تتحول إلى فوضى وتنتهي التجربة بالفشل؟
- هذا صحيح، وقد انتبهنا إلى العامل الثقافي والفكري، ولا شك أن رصيد تونس واعتبارها حاضنة أساسية للفكر والعلم على المستويين العربي والإسلامي، يمكن أن يلعب دورا أساسيا في إحياء الحركة الإصلاحية والدور الريادي في تجديد الفكر السياسي، وتجذير الإصلاح الاجتماعي.



لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.


اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

تتصاعد المخاوف الإنسانية في محافظة الحديدة الساحلية غرب اليمن، مع استمرار قطع التيار الكهربائي عن مراكز الغسيل الكلوي، في خطوة تُنذر بعواقب كارثية على حياة مئات المرضى الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه الخدمات للبقاء على قيد الحياة.

وأثار هذا الإجراء، الذي تنفذه الجهة الحوثية المسيطرة على قطاع الكهرباء في المحافظة، موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الطبية والإنسانية، وسط تحذيرات من ارتفاع وشيك في معدلات الوفيات.

تأتي هذه التطورات في ظل أوضاع صحية ومعيشية بالغة التعقيد، تعيشها الحديدة وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث يواجه القطاع الصحي انهياراً كبيراً نتيجة نقص التمويل وشح الموارد، مما يجعل أي خلل إضافي، مثل انقطاع الكهرباء، عاملاً مباشراً في تهديد حياة المرضى، خصوصاً أولئك المصابين بالفشل الكلوي.

طفلة يمنية مريضة بفشل كلوي بمركز خاضع للحوثيين في الحديدة (إكس)

وأفادت مصادر طبية بأن استمرار انقطاع الكهرباء أدى إلى تعطيل عدد كبير من جلسات الغسيل الكلوي، وتأجيل أخرى، في وقت يعجز فيه الطاقم الطبي عن توفير بدائل مناسبة لتشغيل الأجهزة الحيوية.

وتزداد خطورة الوضع مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مما يضاعف من معاناة المرضى ويزيد من احتمالات تدهور حالتهم الصحية.

نقص حاد

أكدت المصادر الصحية أن مراكز الغسيل في الحديدة تعاني أصلاً من نقص حاد في الإمكانات، سواء من حيث عدد الأجهزة أو توفر المحاليل الطبية، فضلاً عن غياب مولدات كهربائية كافية أو توفر الوقود اللازم لتشغيلها بشكل مستمر.

ويُعد التيار الكهربائي عنصراً أساسياً لا غنى عنه لتشغيل أجهزة الغسيل، حيث تستغرق الجلسة الواحدة ما بين ثلاث إلى خمس ساعات، ويحتاج كل مريض إلى ثلاث جلسات أسبوعياً على الأقل.

صالة مركز الغسيل الكلوي في مدينة الحديدة خلال توقفه عن العمل (إكس)

في المقابل، تبرر الجهة الحوثية المسؤولة عن الكهرباء قرارها بتراكم فواتير الاستهلاك وعدم سدادها من إدارات المراكز الطبية، وهو ما يرفضه العاملون في القطاع الصحي، مؤكدين أن هذه المرافق تقدم خدمات إنسانية منقذة للحياة، ولا ينبغي إخضاعها لمثل هذه الإجراءات التي تتجاهل طبيعة عملها الحساسة.

كما كشف عاملون في أحد مراكز الغسيل عن توافد أعداد كبيرة من المرضى يومياً من مختلف مديريات الحديدة، إضافةً إلى مناطق مجاورة، مثل حجة والمحويت وريمة وذمار، مما يؤدي إلى ازدحام شديد أمام المراكز، في ظل محدودية القدرة الاستيعابية وتراجع مستوى الخدمات.

معاناة إنسانية

في ظل هذه الظروف، عبّر مرضى وأهاليهم عن استيائهم الشديد من استمرار انقطاع الكهرباء، مؤكدين أن هذا الإجراء يفاقم معاناتهم اليومية ويضع حياة ذويهم في دائرة الخطر المباشر.

وأوضحت المصادر أن المرضى يواجهون آلاماً متزايدة نتيجة تأخر جلسات الغسيل أو توقفها، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأشار الأهالي إلى أن فرض تحصيل الفواتير بهذه الطريقة لا يراعي الأوضاع الإنسانية الصعبة، ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة الخدمات التي تقدمها هذه المراكز، مطالبين بتدخل عاجل لإعادة التيار الكهربائي وضمان استمرارية العمل دون انقطاع.

من جهتهم، حذر ناشطون في المجال الإنساني من خطورة استخدام الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، وسيلةَ ضغط، معتبرين أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الإنسانية، ويزيد من تعقيد الأزمة التي تعيشها المحافظة.

وأكد الناشطون أن استهداف مراكز الغسيل الكلوي، التي تقدم خدمات حيوية، يعكس غياب الاعتبارات الإنسانية، وينذر بتداعيات خطيرة على حياة مئات المرضى.