كشف رفيق عبد السلام، وزير الخارجية التونسية السابق والقيادي في حركة النهضة الإسلامية، عن الدور الذي تلعبه تونس وحزبه السياسي في إقناع الأطراف الليبية بضرورة التوصل إلى حل سياسي للأزمة الليبية، وأقر بوجود رؤية مشتركة تونسية - جزائرية انطلقت من مبادرة الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي والرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة وانضمام مصر إليها، مؤكدا أن هذه الرؤية بصدد التبلور من أجل تحقيق المصالحة بين الفرقاء الليبيين.
وبخصوص دور الشيخ راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة، في التوصل إلى حل للنزاع الليبي من خلال محاورته للأطراف الليبية، وبخاصة الإسلامية منها، قال عبد السلام في حوار خص به «الشرق الأوسط» بالعاصمة التونسية، إن النهضة تضع كل إمكاناتها وعلاقاتها الطيبة مع معظم الأطراف السياسية من أجل إنجاح المبادرة السياسية الثلاثية، لكنها تبقى مبادرة رسمية تقودها الدولة التونسية، لتكون بذلك «النهضة» طرفا مساعدا وليس الطرف الأصلي الموكول إليه حل الملف الليبي. وأوضح عبد الله أن الثورة التونسية تميزت بخصوصيات محلية، وذلك عبر سعيها لحل أزمة السلطة وتقاسم النفوذ بين التونسيين، وأنها نجحت في ذلك إلى حد كبير، لكنها ليست قابلة للتصدير إلى أي دولة من دول العالم... وفيما يلي بقية الحوار...
* تعددت الزيارات السياسية في مختلف الاتجاهات بين تونس والجزائر ومصر بما ينبئ عن بلورة حل للأزمة الليبية. لماذا سرعت هذه الأطراف المختلفة وتيرة الاتصالات السياسية في هذا الظرف بالتحديد؟
- هناك اهتمام مشترك لمعالجة الأزمة الليبية بحكم أننا معنيون مباشرة بما يجري في ليبيا المجاورة، وبخاصة فيما يتعلق بالمخاطر الأمنية ومصالحنا الاقتصادية وروابطنا الاجتماعية. وهناك أيضا رؤية مشتركة تونسية - جزائرية انطلقت من مبادرة الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي والرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، وهي الآن بصدد التبلور من أجل تحقيق المصالحة بين الفرقاء الليبيين.
* كنتم ضمن الوفد الذي قاده راشد الغنوشي في زيارته إلى الجزائر. ما حقيقة الدور الذي تلعبه حركة النهضة في هذه المبادرة السياسية الموجهة لحلحلة الملف الليبي؟
- حركة النهضة تضع إمكاناتها وعلاقاتها الطيبة مع معظم الأطراف السياسية من أجل إنجاح هذه المبادرة، ولكنها تبقى مبادرة رسمية تقودها الدولة، وبذلك تكون حركة النهضة طرفا مساعدا وليست الطرف الأصلي الموكول إليه حل الملف الليبي.
* وماذا عن الدور المصري في هذه المبادرة، وخصوصا بعد الزيارة التي قام بها سامح شكري وزير الخارجية المصرية إلى تونس؟
- مصر طرف معني مباشرة بما يجري في ليبيا، وقد انضمت إلى الجهد الثلاثي على مستوى وزراء الخارجية في البلدان الثلاثة من أجل تحقيق إنجاح أو تقديم ما يحرز تقدما ملموسا لهذا الملف الشائك.
* تحركت الدبلوماسية في تونس والجزائر ومصر، ولكن لا يعرف على وجه الدقة موقف الأطراف الليبية من هذه المبادرة. فهل لمست حركة النهضة من خلال اتصالاتها بالأطراف الليبية اهتماما ليبيا بما تفعلون؟
- المنطلق الأساسي لحل الأزمة السياسية والأمنية في ليبيا يعود إلى الليبيين أنفسهم، ورغم أن الأزمة هناك معقدة ومركبة، لكنها تبقى قابلة للحل بسبب عدم وجود انقسامات عميقة في النسيج الاجتماعي الليبي، كما أن المعطى القبلي قد يكون من بين العناصر المشجعة على التوصل إلى حل سياسي في ليبيا باعتبار وحدة الفضاء القبلي هناك منذ حربه ضد الوجود الاستعماري الإيطالي.
* وما الخطوات التي يمكن أن تمر بها عملية المصالحة السياسية في ليبيا؟
- نحن ندرك جميعا أن الصراع في ليبيا حاليا هو صراع حول السلطة والنفوذ، وإذا كانت دول الجوار الليبي قد اقتنعت بضرورة المعالجة السياسية للملف الليبي فما على الإخوة في ليبيا إلا لعب الدور الأول والأساسي لحل الأزمة، ويأتي الدور التونسي وبقية دول الجوار في المرتبة الثانية. وقد لمسنا من خلال مختلف الاتصالات السياسية التي أجرتها تونس والجزائر ومصر أن جميع الأطراف معنية ببذل مزيد من الجهد لاستعادة الأمن والاستقرار هناك. ونحن هنا نذكر الإخوة في ليبيا بأننا لسنا في موقع من يقدم الدروس، لكن يمكن الاستفادة من التجربة التونسية في تخطي الخلافات السياسية.
* لاحظنا من خلال التصريحات المختلفة للقيادات الليبية عدم الاتفاق حول ما أفرزه اجتماع الصخيرات المغربية، كما أن كثيرا من القيادات الليبية غير متحمسة حاليا للجلوس حول طاولة النقاش نفسها؟
- هذا صحيح، ولكن دول الجوار التي تعرف استقرارا سياسيا وأمنيا نسبيا مطالبة بمساعدة الأطراف الليبية على الخروج إلى بر الأمان. ولتحقيق ذلك فمن الضروري إنجاح مشاركة مختلف الأطراف في العملية السياسية المستقبلية، وعدم إقصاء من يريد الصعود إلى مركب المصالحة الليبية، باستثناء من يحمل السلاح أو يهدد دول الجوار، ونعني بذلك المجموعات الإرهابية.
* على المستوى المحلي، كيف تقيمون أوضاع حركة النهضة في علاقتها ببقية الأحزاب السياسية؟ وهل تجاوزت أزمة الثقة الصادرة عن بعض القيادات السياسية؟
- السياسة لا تبنى على رغبات بل على توازنات، وهذا معطى رئيسي في بناء المؤسسات الجديدة، ومن الضروري اليوم اعتبار حركة النهضة جزءا من نسيج الحكم. ولا بد من الإشارة إلى أن الحكم لا يعني بالضرورة مقدار المشاركة في الحكومة. وفي تونس تم الاتفاق على توزيع الحكم، ولحركة النهضة ثقلها الاجتماعي ووزنها البرلماني، وعندما اتفق الساسة على نظام برلماني معدل فإن ذلك يعني أن السلطة موزعة بين جميع الأطراف. وعلى الرغم من وجود بعض الصعوبات فقد نجحنا في المرور من مركزية السلطة إلى توزيع السلطة، ولا بد أن نقر بأن الطبقة السياسية لا تزال تتدرب على التكيف مع هذا الواقع السياسي الجديد.
* وهل تمكنت حركة النهضة من تجاوز هاجس الثورة المضادة وإمكانية عودة رموز النظام السابق وتضييق الخناق من جديد على وجودها السياسي؟
- أعتقد أن موضوع الثورة المضادة مبالغ فيه في تونس، ذلك أن طبيعة الوضع السياسي لا تسمح لأي طرف سياسي بتشكيل المشهد بصفة منفردة، ومع أن الواقع الحالي اختلف عن العوامل التي أطاحت بالقوى القديمة فإن هذه القوى لا يمكنها استعادة مواقعها، كما أن القوى الجديدة لا يمكنها الحكم وحدها. وكانت تونس أمام خيارين: إما التمادي في خط الصراع والاستقطاب السياسي والدخول في حرب أهلية، أو الذهاب إلى تسويات وتوافقات سياسية تراعي موازين القوى على الأرض.
وهذا التوافق التونسي اختصر الجهد والوقت وحقن الدماء، بعد أن فهمت مختلف الأطراف السياسية أنه من الأفضل لتونس وللتحول الديمقراطي أن يؤدي إلى عقد سياسي جديد.
* ألهذا السبب غادرت حركة النهضة السلطة نهاية سنة 2013؟ وما نصيب التخوف من الإقصاء السياسي في ذاك القرار؟
- المؤكد أن السيناريو المصري الذي لوحت به بعض الأطراف السياسية لا يمكن أن يتحقق في تونس، لأنه ليس لبلدنا مؤسسة عسكرية قوية منغمسة في القرار السياسي. و«النهضة» غلبت مصلحة البلاد على مصلحتها حين غادرت السلطة، وربما خسرت بعض المقاعد في البرلمان وجزءا من الحكم، ولكنها ساهمت بذلك في نضج تجربة ديمقراطية تتماشى وطبيعة الثورة السلمية في تونس.
* ما موقف حركة النهضة من إشراك المؤسستين العسكرية والأمنية في الانتخابات البلدية المقبلة؟
- من الواضح أن إشراك الأمن والجيش في الانتخابات يعد مخاطرة في ظل تجربة سياسية وليدة، إذ مازلنا في حاجة لتقاليد تجذر المؤسسات السياسية، لكن يمكن أن تعدل الأمور في المستقبل.
* هل كنتم على علم بالقرار الذي اتخذه الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي بقطع العلاقات مع النظام السوري؟ وما تقييمكم لذاك القرار؟
- لا بد من تأكيد أن قرار قطع العلاقات الدبلوماسية مع النظام السوري اتخذه الرئيس المرزوقي، دون استشارة بقية مكونات المشهد السياسي، وما نلاحظه حتى الآن، رغم وجود وعود انتخابية بعودة العلاقات مع النظام السوري، تغييرا على مستوى اللغة فقط، أما في الواقع فقد بقي الأمر كما كان عليه في فترة حكم المرزوقي. ومن الضروري الإشارة إلى أن الملف السوري كان ولا يزال ملفا إشكاليا حتى على مستوى الدول العربية، وهناك دول التزمت بمقاطعة النظام السوري، وهناك من أبقى على حبل العلاقة معه.
* وهل أثر قرار المرزوقي على ملف تدفق الإرهابيين التونسيين على سوريا؟ وكيف ترون الحل لهذا الملف في حال تسوية الأزمة السورية؟
- أعتقد أن مشكل عودة المقاتلين قد يكون أكثر صعوبة بالنسبة للعائدين من ليبيا، مما عليه في سوريا. فعودة الإرهابيين تمثل مشكلا وصداعا لعدد من دول المنطقة والدول الأوروبية، والحل في نظري يكمن في الحذر الأمني والعمل الاستخباراتي، وبذل جهد وطني لحماية أمن تونس خوفا من احتمال انتقال الأزمة من جديد إليها. ولا بد من إخراج ملف الإرهابيين العائدين من سوريا من دائرة التوظيف السياسي والالتزام بالقوانين الدولية في هذا المجال.
* وهل توافقون على مقترح نزع الجنسية من الإرهابيين التونسيين العائدين من بؤر التوتر؟
- هذا مشكل عويص، وما على المؤسسة الأمنية والعسكرية والسلطة القضائية إلا لعب دورها الأساسي والمساعدة في حل هذا الملف، ولا يمكن تنفيذ مقترح بعض الأطراف السياسية الداعي إلى محاكمة الإرهابيين التونسيين فوق الأراضي السورية، إذ من المعروف أن النظام السوري لا يسيطر على كامل الأرض السورية.
* هل تتحمل النهضة جزءا من المسؤولية في تسفير الشباب التونسي إلى بؤر التوتر من خلال دعوات سابقة إلى الإطاحة بالنظام السوري، ودعم الثورة السورية بكل الوسائل؟
- يجب الإشارة إلى أن عددا كبيرا من الشباب التونسي سافر إلى بؤر التوتر قبل فترة حكم الترويكا في تونس بزعامة حركة النهضة. والثورة السورية وجدت دعما كاملا من قبل عدة دول عربية، ومن الضروري اليوم قطع الصراعات المسلحة وعقد تسويات داخلية، بعد أن تأكد عجز أي طرف سياسي أو مسلح عن حسم الأمور لصالحه.
* وهل استعادت تونس علاقاتها الوطيدة ببقية الدول العربية، وخصوصا دول الخليج العربي بعد فترة طغى عليها الشك والتخوف من الثورة التونسية؟
- أؤكد اليوم أن النفوس قد هدأت، وتأكد للجميع أن الثورة التونسية جاءت لمعالجة مشكلات تونس المحلية، وبخاصة مشكل السلطة. وقد أعدنا علاقاتنا السياسية الأخوية مع الدول العربية، ونحن نؤكد أهمية التضامن العربي والتكامل الاقتصادي العربي لمواجهة مجموعة من المخاطر المشتركة. وقد تبين بعد سلسلة الثورات التي حصلت في بعض الدول العربية أن أمننا - نحن العرب - شديد التداخل والترابط، ولهذا فإنه من مصلحة الجميع إنجاح التجربة التونسية والحفاظ على أمن تونس واستقرارها، الذي هو جزء من أمن دول المغرب العربي وبقية الدول العربية.
* ما تقييمكم بعد نحو ست سنوات لما تحقق في تونس؟
- أعتقد أن الثورة مسار متكامل، وقد اخترنا في تونس النهج السلمي والمدني والتدريجي، ومن الضروري تأكيد أن الثورة التونسية بضاعة تونسية بالأساس، لها خصوصيات محلية وليست قابلة للتصدير إلى أي دولة من دول العالم.
* ألا ترى أن الثورة التونسية كانت في حاجة لسند ثقافي وفكري حتى لا تتحول إلى فوضى وتنتهي التجربة بالفشل؟
- هذا صحيح، وقد انتبهنا إلى العامل الثقافي والفكري، ولا شك أن رصيد تونس واعتبارها حاضنة أساسية للفكر والعلم على المستويين العربي والإسلامي، يمكن أن يلعب دورا أساسيا في إحياء الحركة الإصلاحية والدور الريادي في تجديد الفكر السياسي، وتجذير الإصلاح الاجتماعي.
وزير خارجية تونس السابق: حل الأزمة السياسية في ليبيا يعود إلى الليبيين أنفسهم
رفيق عبد السلام قال إن حركة النهضة ساهمت في نضج تجربة ديمقراطية تتماشى وطبيعة الثورة التونسية
وزير خارجية تونس السابق رفيق عبد السلام («الشرق الأوسط»)
وزير خارجية تونس السابق: حل الأزمة السياسية في ليبيا يعود إلى الليبيين أنفسهم
وزير خارجية تونس السابق رفيق عبد السلام («الشرق الأوسط»)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة









