كانت المرة الأولى التي يقوم فيها الفرنسيون بإدراج مصطلح الربيع العربي في القاموس الفرنسي «لاروس»، أوائل العام 2012. بعدها بقليل بدأت الصحف والتلفزة الفرنسية تردّد المصطلح دون وعي كامل لمعناه الدقيق، أما الفرنسيون العاديون، فيعتقد معظمهم أنه «حركة شعبية لديها مطالب اقتصادية»، وآخرون يرون فيه مجرد «شعارات رفعت من أجل الحرية»، و«ربما حركة لديها مطالب تربوية أيضا».
فاروق جانتلي، مدير المركز الثقافي الفرنسي (الآوديسا) في إحدى المدن الكبرى، ستراسبورغ، وهو أيضا عضو نادي الصحافيين الفرنسيين، الذي ينظم دائما حوارات ولقاءات تجمع بين مثقفين فرنسيين وعرب لمحاولات فهم ما آلت إليه الأوضاع الراهنة في العالم العربي، وانعكاسات «الربيع العربي» على مجمل العلاقات والسياسات الأوروبية، يرى أن «العالم راقب بدهشة ثورة تونس، كحراك سلمي لم يرفع فيه السلاح أبدًا، وأعجب بالانتقال السلس الهادئ من سلطة إلى أخرى، وكان صداه كبيرًا وعميقًا في الأوساط الأوروبية».
أما كريستيان آنغوار، الباحث الفرنسي في قضايا الشرق، فيقول: «حالة الوعي التي أفرزتها ثورة تونس رغم بساطة أدواتها، ورغم غياب المثقف التونسي لفترة طويلة، أبقت تونس النموذج الذي بهر إلى حد ما الشارع الفرنسي ورسخ فكرة أن هناك في تلك البلاد مستقبلا جديدًا يولد لم يكن ممكنًا تصوره من قبل بهذا الوضوح».
لكن جانتلي ينتقد الأوضاع التي سادت في ليبيا وسوريا واليمن ومصر بالقول: «الحديث عن تغيير اجتماعي جذري، الذي سمعناه في البداية لم يعد كما كان، فالسياق الذي تعيشه هذه البلدان اليوم منذ أواخر العام 2011، حيث البدايات الجيدة والنهايات البائسة، ساهم في حرف مسار التفكير لدى المثقفين الفرنسيين، خاصة بعد التفجيرات الإرهابية التي وقعت في قلب باريس، والتي استهدفت الاستقرار والأمن وقيم الجمهورية، والتي فسرها البعض بأنها هي سبب أو نتيجة لهذا الحراك المنفلت الذي بدأ يطال سلامتهم».
وبرأي كثيرين فإنّ سرقة الثورات من قبل الإسلاميين، وسيادة خطاب ثقافي إسلاموي معاد، أسس لحالة سوداوية دفعت قسمًا من الفرنسيين إلى تفضيل بقاء الديكتاتوريات والقبول بسياساتها الراهنة باعتبارها أهون من المجموعات «الجهادية»، أو الوقوف على الحياد في الأقل.
«القضية تنحصر بالثقة الضائعة الآن في حالة الربيع العربي، فلم يعد هناك مدافعون عنه»، هذا ما يقوله الكاتب السياسي جان بيير شيفينمو في أمسية خاصة عقدت في ستراسبورغ. ويضيف: «إنّ الشباب العرب، الذين عانوا القهر كثيرا، والذين أعجبوا بالحلم الأوروبي والأميركي خاصة في مصر، تولوا زمام المبادرة مع أول فرصة سنحت لهم، لكنهم سرعان ما تلقوا الضربات تلو الأخرى، ثم سيطر الإسلاميون على الحراك، فنأت أوروبا بنفسها».
أما كريستيان آنغوار، صاحب كتاب «وعد الشرق»، فيرفض الحكم بشكل مبكر، حسب تعبيره، على هذه الحركة التي يسميها «الحركة العربية المتحمسة إلى العيش بسلام وبحرية». يقول: «ربما في لحظة أراد المصريون المشاركة في الحكم، هم أسقطوا حكمين متواليين في فترة قصيرة، ليس هو الحال في السيناريو الأسوأ عربيًا، وأعني سوريا. المتظاهرون هناك نادوا بهتاف واحد هو الحرية. ونحن نسأل الآن: لماذا كان كل هذا العنف؟ لماذا هذا الطلاق مع كل أشكال المدنية. للأسف لم يعد هناك أي تصالح سوري - سوري».
وبحسب كريستيان، صاحب التجربة الطويلة في دراسة الحالة النازية، وأهوال الحرب العالمية الثانية، وأصدر بهذا الشأن كتابين لقيا صدى واسعًا في ألمانيا وفرنسا فإن «هناك تجارب تستحق أن تُعطى وقتًا أكثر للحكم عليها. أنا مهتم جدًا بما يحدث في سوريا. لقد زرتها قبل عام واحد من الحرب، ووجدت أن نسبة المثقفين فيها معقولة جدًا، ومستوى الناس الثقافي أقرب من المشهد الفرنسي، كما لمست تعطشًا حقيقيًا للحب والحريات العامة. السوريون عالمون بشؤون حياتهم، حتى وهم يعيشون تحت حكم عسكري بوليسي قاس. أستطيع القول إن ثقافة مدهشة سادت هذه البلاد قبل الحرب. لكن للأسف كل شيء يوشك على الانتهاء، ويبقى الأمل بالخروج من حالة الدم القاتلة للهويات السورية!».
9:8 دقيقه
«الربيع العربي» بعيون فرنسية
https://aawsat.com/home/article/842711/%C2%AB%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%C2%BB-%D8%A8%D8%B9%D9%8A%D9%88%D9%86-%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D9%8A%D8%A9
«الربيع العربي» بعيون فرنسية
القاموس الفرنسي «لاروس» أدرج المصطلح عام 2012
جان بيير شيفينمو - كريستيان آنغوار
«الربيع العربي» بعيون فرنسية
جان بيير شيفينمو - كريستيان آنغوار
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة


