الدين والسياسة في الانتخابات الهندية

المحكمة العليا تمنع الخلط بينهما وتحكم لصالح الخطاب العلماني

الهندوس يتوافدون على الله آباد خلال احتفال «ماغا ميلا» السنوي (أ.ف.ب)
الهندوس يتوافدون على الله آباد خلال احتفال «ماغا ميلا» السنوي (أ.ف.ب)
TT

الدين والسياسة في الانتخابات الهندية

الهندوس يتوافدون على الله آباد خلال احتفال «ماغا ميلا» السنوي (أ.ف.ب)
الهندوس يتوافدون على الله آباد خلال احتفال «ماغا ميلا» السنوي (أ.ف.ب)

من الناحية التاريخية، كان الناخبون الهنود، ولا سيما خارج المدن الهندية الكبرى، يجري تصنيفهم إلى «شرائح تصويتية»، تقوم على أسس الدين والعرق والطائفة واللغة، وهي الانقسامات أو «التقسيمات» التي يعتبرها الآباء المؤسسون للبلاد من المكونات الرئيسية في إدارة السلطة في دولة تحمل هذا القدر الهائل من التنوع الداخلي المعقد.
لكن أعلنت الحكومة الهندية حظر استخدام الدين أو العرق أو الطائفة في التصويت الانتخابي أو في الأنشطة السياسية واعتبرتها من الأمور غير القانونية في العملية الديمقراطية الهندية. وفي هذا الصدد أصدرت المحكمة العليا الهندية حكمًا تاريخيًا يقضي بأن أي التماس لأصوات الناخبين يقوم على أساس الدين فإنه يرقى إلى مستوى الممارسات الفاسدة قانونًا بموجب القوانين الانتخابية المعمول بها في البلاد. ولاحظت المحكمة العليا الهندية أن جوهر وروح النظام الدستوري الهندي هو العلمانية، وأفادت بأنه لا ينبغي الخلط بين الدين والسياسة.
يشكل الهندوس نحو 80 في المائة من تعداد سكان الهند البالغ 1.25 مليار نسمة، بينما يشكل المسلمون نسبة لا تتجاوز 14.2 في المائة من تعداد السكان، ونسبة الـ6 في المائة الباقية تشكل الأقليات الدينية الأخرى مثل المسيحية، والسيخية، والبوذية، واليانية.
ويفرض حكم المحكمة العليا العديد من المعضلات للأحزاب السياسية في خمس ولايات هندية كبرى بالنسبة للانتخابات المنتظرة خلال الشهر المقبل وما بعده، حيث اعتاد السياسيون استخدام الخطاب الانتخابي المكثف على أساس ديني أو طبقي في حملاتهم الانتخابية الأساسية. وهذا أيضًا من المعايير الغالبة في عملية اختيار المرشحين للتأثير على عمليات التصويت.
وفي بعض الولايات التي تعد الانتخابات فيها أكثر إثارة للجدل، مثل ولاية أوتار براديش، كان تشييد معبد هندوسي في مكان مسجد مشيد من القرن السادس عشر الميلادي بعد هدمه على أيدي المتطرفين الهندوس من أبناء الطبقة الأولى هنديًا هو أكثر ما يميز نتائج استطلاعات الرأي والانتخابات. أيضًا في ولاية البنجاب، كان الدين وتدنيس المقدسات لدى الطرفين من الأنشطة التي تجري بشكل ملحوظ خلال الحملات الانتخابية الرئيسية.
امتزج الدين والطائفة بقوة في خضم السياسة الهندية الداخلية لدرجة أن تصور فصل هذين العنصرين عن بعضهما البعض يبدو غير معقول أو غير متصور. وسواء كان الأمر يتعلق بالحزب الحاكم «بهاراتيا جاناتا» (تتعهد بيانات الحزب الانتخابية في غالب الأمر بتحقيق التطلعات الهندوسية التي طال انتظارها)، أو حزب «المؤتمر الهندي» المعارض (يلعب دور التهدئة السياسية المزعوم بين الهندوس والمسلمين في البلاد)، أو الأحزاب الإقليمية الأخرى مثل حزب «ساماجوادي» (تعهد الحزب بتوفير الرعاية الخاصة للمجتمع المسلم في البلاد)، أو حزب «باهوجان ساماج» (يسعى بشكل كبير إلى اجتذاب أصوات طوائف الأقلية ووصف الحزب نفسه بأنه مخلص المجتمع من الظلم والاضطهاد)، أو حزب «مجلس اتحاد مسلمي الهند»، أو حزب «راشتريا لوك دال»، أو أي حزب آخر ينشط في البلاد، فإن أغلبهم متهمون باستخدام الدين للحصول على المكاسب السياسية. وهذا مزيج شديد التعقيد والذي تتزايد حدته يومًا بعد يوم. وبالتالي، فإن حكم المحكمة العليا هو من الأهمية بمكان في مواجهة هذه السياسة، كما قال الصحافي المعروف أنيل أناند.
وأوضح الصحافي أناند: «لذا، ما موقف لجنة الانتخابات في الهند من هذه الملاحظات؟ من المؤكد أنها لن تكون مهمة سهلة. فأي انتهاك لحكم المحكمة العليا سوف يعتبر على الفور من الممارسات الانتخابية الفاسدة. وسوف يسفر هذا الانتهاك عن استبعاد المرشح المتنافس من السباق الانتخابي. وسوف تحتاج لجنة الانتخابات وبكل تأكيد إلى المزيد من الصلاحيات لاتخاذ الإجراءات الصارمة بحق المخالفين».
لجنة الانتخابات أعلنت أنها لن تقف موقف المشاهد وسوف «تتخذ الإجراءات الصارمة حيال أي انتهاك يحدث في ظل كافة الصلاحيات المخولة إليها».
وفي غضون أقل من أسبوع من إعلان الحكم القضائي الجديد جاء الانتقاد اللاذع عليه من جانب عضو البرلمان الهندي ساكشي ماهاراج، من حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم. ومن المعلوم أن ناريندرا مودي رئيس الوزراء الهندي ينتمي إلى حزب هندوسي الشخصية والنزعة بشكل واضح وصريح.
وقال ماهاراج: «هناك مشاكل في البلاد بسبب النمو السكاني الكبير. ولا يمكن اعتبار الهندوس مسؤولين عن ذلك. بل إن المسؤولين هم الذين يتحدثون عن الزواج بأربع من النساء وينجبون 40 طفلا». كما أنه زعم أيضًا أن الأموال المكتسبة من ذبح الأبقار في الهند صارت تستخدم في تمويل الإرهاب.
وأحيطت لجنة الانتخابات في الهند علمًا بتعليقات ماهاراج الموجهة ضد المسلمين وأرسلت إليه إخطارا بإبداء الأسباب حول تعليقاته الأخيرة.
لاحظ أشوك مالك، من مؤسسة مرصد الأبحاث ومقرها في دلهي: «إذا ما تم تطبيق هذا الحكم حرفيًا، فسوف يتم استبعاد كل حزب من الأحزاب العاملة في الهند على نحو كبير». وأردف قائلا: «سيكون من السذاجة الاعتقاد أن الأحزاب السياسية لن تحاول الوصول إلى طرق ووسائل للالتفاف على توجيهات المحكمة العليا. وعلى الرغم من ذلك، سيكون على الأحزاب توخي المزيد من الحذر عند إعداد وإصدار بياناتهم السياسية وتقديم وتلاوة الخطابات الانتخابية».
وأعرب بي في دينيش، وهو من مؤيدي حكم المحكمة العليا الأخير عن رأيه قائلا: «إذا ما جرت الانتخابات اليوم، وتساءلت عما إذا كانت تتضمن ممارسات فاسدة، فإن الإجراءات القضائية بأكملها سوف تستغرق أكثر من ستة إلى سبعة أعوام كاملة. ولكن المدد الانتخابية، على المستويين الاتحادي والمحلي، لا تتجاوز خمسة أعوام».
لكن أعربت أغلب الأحزاب السياسية والجماعات الدينية عن سعادتها بالحكم القضائي الأخير.
ورحب حزب المؤتمر الهندي المعارض بقرار المحكمة العليا ولمح إلى إدانة الأحزاب التي اتخذت من الدين جزءًا من عقيدتها السياسية وسبيلا للارتقاء في المجال السياسي الهندي، مشيرًا إلى حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم.
وقالت بريانكا تشادورفيدي، المتحدثة الرسمية باسم حزب المؤتمر: «إنني أرحب بهذه الرسالة البرغماتية من المحكمة العليا في البلاد فيما يتعلق بالأوضاع السياسية الراهنة وما وصلت إليه في الهند من حيث هيمنة الخطاب الديني والطائفي، ولا سيما من جانب بعض الأحزاب التي جعلت من هذه المعتقدات جزءًا من آيديولوجيتها السياسية في مسعاها داخل السياسة العامة الهندية». أما المتحدث باسم حزب بهاراتيا جاناتا على الجانب الآخر فقد بدا وكأنه يحاول تفادي مثل هذه الاتهامات. وفي خطاب علني، طلب رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي من الناخبين الترفع عن السياسات الدينية أو الطائفية والتصويت لصالح التنمية. وعلاوة على ذلك، فإن هناك مسؤولين مثل وزير الداخلية راجناث سينغ صرح قائلا إن الحزب الهندي الحاكم كان منخرطا بالفعل في سياسات الاستقطاب وحذر الأحزاب العلمانية من الحكم القضائي الصادر، في إشارة خفية إلى حزب المؤتمر الهندي المعارض في المقابل.
وألقى الحزب الشيوعي الهندي (الماركسي) باللائمة في ذلك على كلا الحزبين الكبيرين – حزب المؤتمر والحزب الحاكم – في النزوع إلى مثل هذه الاستراتيجيات ووصف الحكم القضائي الصادر بأنه انتصار للعلمانية في البلاد. وأصدر الحزب بيانًا جاء فيه أنه يلتزم التزامًا كاملا بالحكم الصادر من المحكمة العليا، كما كان يفعل بصورة تقليدية على أية حال. وقال امتياز جليل، عضو «مجلس اتحاد مسلمي الهند»: «إنها خطوة مرحب بها من جانبنا، ولكنني أتساءل: إن طالبت بالتنمية في المناطق ذات الكثافة السكانية من المسلمين، والفتيات اللاتي في حاجة إلى التعليم، فهل سوف يرقى ذلك إلى مستوى انتهاك أو مخالفة الحكم الصادر؟ وهل المسلمون المطالبون بأحقيتهم في التصويت سوف تعتبر مطالبتهم تلك انتهاكًا أيضًا للقانون الجديد؟»
ولقد أيدت جماعة «فيسوا هندو باريشاد» الهندوسية قرار المحكمة، وطالب سوريندرا جاين، الأمين العام الدولي للجماعة بالتنفيذ الصارم والقوي للحكم القضائي الجديد.
وقال مولانا سيد جلال الدين عمري، رئيس «مجلس اتحاد مسلمي الهند»: «هناك احتمال قوي أن الأحزاب المتنافسة على قائمة هندوتافا (القومية الهندية) سوف تستخدم الحكم الجديد درعًا لدعواتها الطائفية حيال الناخبين وتزعم بأنها لا تسعى لاستمالة الأصوات على أساس الدين ولكن على أساس أسلوب الحياة».
وأضاف عمري يقول: «إن الحكم الأخير لا يجيب على تساؤلات حول كيفية معالجة المظالم المتعلقة بأوضاع بعض المجتمعات الدينية المعينة في أوقات الانتخابات. وليس هناك وضوح فيما يتعلق بالطريقة التي يجري الإعراب بها عن الظلم والاضطهاد التي تتعرض لها بعض الطوائف في أوقات الانتخابات».



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended