مدينة الربذة... شاهدة على تطور الحضارة الإسلامية وثرائها

مدينة الربذة... شاهدة على تطور الحضارة الإسلامية وثرائها

إحدى أهم المحطات على درب الحج قديمًا ومقصد الخلفاء من بني العباس
الجمعة - 29 شهر ربيع الثاني 1438 هـ - 27 يناير 2017 مـ
جرة كبيرة من القرن السابع الميلادي معروضة في متحف كلية الآثار بجامعة الملك سعود ومن القطع المختارة - بعض المباني المكتشفة في الربذة - قطعة من زخرفة جدارية تعود إلى القرن التاسع الميلادي عثر عليها في موقع الربذة بالمدينة المنورة وهي من القطع المعروضة في المتحف الوطني بالرياض - قارورة من الزجاج من القرن التاسع في متحف كلية الآثار بجامعة الملك سعود

يعد موقع الربذة في منطقة المدينة المنورة أحد أهم المواقع الأثرية التي تبرز تطور الحضارة الإسلامية في عصر الخلفاء الراشدين والدولتين الأموية والعباسية. وكانت الربذة من الحواضر الإسلامية الكبيرة في قلب جزيرة العرب، وشكلت مركزًا اقتصاديًا وثقافيًا مهمًا ومحطة رئيسية على طريق الحج من العراق إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة.
وإذا كانت الربذة انتهت كمدينة، فإن آثارها أمدت الباحثين بمعلومات وفيرة عن الحضارة الإسلامية المبكرة في قلب الجزيرة العربية، كما أن التراث المعماري للربذة يوضح صورة جلية نستدل منها على طبيعة الحضارة الإسلامية بمفهومها الشامل في العصر الإسلامي المبكر في الجزيرة العربية عامة والحجاز ووسط الجزيرة.
بدوره، أشار الدكتور سعد الراشد مستشار رئيس الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني للتراث الذي يعد من أوائل الباحثين في الموقع، إلى أن الربذة ارتبطت تاريخيًا بعصر الرسول عليه الصلاة والسلام، وعصر الخلفاء الراشدين، ثم الفترة الأموية وحتى منتصف الخلافة العباسية.
وأضاف الراشد في بحث له عن الربذة، أنها من الأماكن المحببة لنفوس الأمراء والخلفاء من بني العباس للاستراحة والإقامة فيها، ومن هؤلاء أبو جعفر المنصور والمهدي وهارون الرشيد، وأجرى أولئك الكثير من الإصلاحات والمشاريع الخيرية على طرق الحج بين العراق والحرمين الشريفين، وحذا حذوهم في تقديم الأعمال الخيرية، الأمراء والوزراء والقادة والتجار، وكان لسيدات البلاط العباسي أعمال مماثلة وفي مقدمتهن السيدة زبيدة بنت جعفر، زوجة الخليفة هارون الرشيد، التي بذلت العطاء وأنفقت الأموال في سبيل بناء المنازل والدور، وحفر الآبار وتشييد البرك على امتداد طريق الحج، وبذلك عرف الطريق باسم «درب زبيدة»، وختمت السيدة زبيدة أعمالها الجليلة بعمارة «عين زبيدة» خدمة لحجاج بيت الله الحرام والمعتمرين والسكان على حد سواء، ولا تزال آثار عيون زبيدة، بخرزاتها وقنواتها المحفورة في باطن الأرض أو المبنية على حواف الجبال، باقية حتى اليوم.
وفي ضوء المعلومات المتناثرة عند الجغرافيين والرحالة المسلمين عن الربذة، فإن الربذة أنها كانت من أحسن المنازل على طريق الحج.
* مرحلة المجد
وبلغت الربذة مجدها في العصر العباسي المبكر، عندما حج الخليفة هارون الرشيد تسع مرات خلال فترة خلافته (193 - 170هـ الموافق 786 - 809م)، وكان يصل إليها عبر طريق يربط الربذة بالمدينة المنورة مباشرة، وفي ذلك الوقت كانت القافلة الواحدة للحجاج القادمين من العراق والمشرق الإسلامي تصل إلى أكثر من عشرين ألفًا من الجمال، وكان الحجاج يقصدون مكة أفرادًا أو جماعات، وكان هارون الرشيد عندما يحج يشايعه في طريقه الوزراء والقواد وأمراء الأجناد والعلماء والفقهاء والجنود والعساكر، وكانت أخبار الأمصار والبلدان تأتيه، في كل منزل ينزله، على النجائب من مسيرة ثمانية أيام ويأتيه الجواب من يومه من مسيرة شهر ونحوه على أجنحة الحمام.
وفي تلك الحقبة الزمنية من تاريخ الإسلام كان طريق الحج (درب زبيدة) ومحطاته ومنازله واستراحاته يشهد حركة بشرية نشطة لا تنقطع، وتزداد في مواسم الحج، وشكّل الطريق شريانًا حيويًا وموردًا اقتصاديًا للبادية والحاضرة والمستقرين في البلدات والقرى البعيدة والقريبة، إذ كانوا يجلبون مصنوعاتهم اليدوية ومنتجاتهم الزراعية والأعلاف والخيول والدواب لمقايضتها أو بيعها على الحجاج والتجار على حد سواء، وكانت الربذة واحدة من أهم البلدات على طريق الحج خصوصًا أن حمى الربذة بعد عهد الخليفة المهدي العباسي 158 - 169 هـ (775 - 785م)، لم يعد مقتصرا على إبل وخيل الدولة الإسلامية، بل أصبح مشاعًا بين الناس لرعي دوابهم.
* تحديد مكانها
وأكد الدكتور الراشد في بحثه أن الربذة ظلت على مدى قرون وحتى عهد قريب، معروفة اسمًا ومجهولة موضعًا، إلى أن توصلت أعمال البحث والدراسة إلى قناعة بأن الربذة تقع إلى الشرق من المدينة المنورة بميلٍ نحو الجنوب بمسافة تقدر بنحو 200 كيلومتر، على حافة جبال الحجاز الغربية ويبعد عنها خط القصيم - مدينة المنورة شمالا بنحو 70 كيلومترا، وإلى الجنوب منها بمسافة 150 كيلومترًا.
وتطرق إلى أن الدراسات الأولية عن موقع الربذة مهدت للبدء في أعمال البحث والتنقيب والكشف عن حضارة هذه المدينة، وبدأ الموسم الأول للحفريات الأثرية خلال الفترة من 7 جمادى الثانية إلى 6 رجب 1399 ه الموافق - 3 مايو (أيار) 1979 ومن خلال النصوص التاريخية والجغرافية قدم الموقع الأثري دلائل مهمة عن الحضارة الإسلامية من ناحية التخطيط المعماري، والمنشآت الهندسية، والمرافق المنزلية، والصناعات المتعددة الفخارية والخزفية، والمصنوعات الحجرية والزجاجية، والأدوات المعدنية والحلي وأدوات الزينة، والكتابات والنقوش والمسكوكات وغيرها مما صنع في الربذة أو جلب من حواضر الدولة الإسلامية القريبة والبعيدة.
وأكد أن نتائج الكشوفات الأثرية في الربذة جاءت مهمة للغاية، إذ تم العثور فيها على كمية من اللقى الأثرية للأواني الفخارية والخزفية والحجرية والمعدنية والمسكوكات والكتابات والحلي وأدوات الزينة وغير ذلك من الآثار.
وأشار إلى أن أعمال الموسم الأول للحفائر الأثرية بدأت باختيار ثلاثة مواقع، إضافة إلى بقايا المنشآت البنائية والظواهر المعمارية المتنوعة والتي تشكلت من آثار المساجد والمنازل والقصور المحاطة بأسوار وجدران سميكة مدعمة بأبراج دائرية ونصف دائرية من الخارج وعلى المداخل، ومرافق الخدمات من خزانات مياه محفورة ومبنية تحت أرضيات الغرف والأفران المخصصة للطبخ والتصنيع وخزائن الحبوب وقنوات المجاري وغير ذلك من المرافق.
* أسلوب معماري مميز
وتميزت قصور ومنازل الربذة بأسلوب معماري ونسيج هندسي مميز، فهي رباعية التخطيط، ومتعامدة مع القبلة، وبنيت الغرف الداخلية على شكل وحدات يجمعها فناء داخلي أو ساحة، وفيها مرافق الخدمات من أفران للطبخ ومستودعات حفظ المياه ومخازن الحبوب وغير ذلك من المرافق الخدمية.
ومن الاكتشافات المهمة لوحة جصية ملونة عليها شريط كتابي يشتمل على جزء من البسملة وبداية آية الكرسي في سورة البقرة، وتدل هذه العناصر الزخرفية على أن مباني الربذة على درجة من الثراء الفني والزخرفي.
وكشفت الحفائر الأثرية عن مسجدين رئيسيين وهما - المسجد الجامع الذي كشف عنه في الجهة الغربية من الربذة، ولعل هذا المسجد هو مسجد أبي ذر الغفاري الذي اختطه بنفسه عندما قدم للربذة، وذكرت المصادر أن بالربذة مسجدين أحدهما مسجد أبي ذر، ومسجد المنطقة السكنية.
واعتمدت مدينة الربذة على مياه الأمطار والسيول، والآبار التي وصل عددها إلى ما يزيد على اثنتي عشرة بئرا حفرت في النطاق العمراني للمدينة، واستفاد سكان الربذة من البركتين المجاورتين لها وهما من برك طريق الحج (درب زبيدة) إضافة إلى البرك الأخرى على امتداد الطريق، وكذلك الآبار الأخرى المحفورة في محيط الربذة وتجمعات المياه في الينابيع والتجاويف الصخرية والأحواض الطبيعية.
وفي مكان متطرف من المدينة السكنية وقربه واحدة من الآبار الرئيسية في الربذة التي لا تزال باقية حتى اليوم.
لكن أبرز ما تتميز به الربذة هو تصميم مستودعات لحفظ المياه (خزانات) بنيت تحت مستوى أرضيات الغرف والساحات الداخلية والممرات وفي كل الوحدات السكنية، وبنيت هذه الخزانات بطريقة هندسية بديعة، ويصل متوسط عمق الخزان الواحد نحو المترين تحت مستوى الأرضيات وبنفس الطول، واستخدمت الحجارة في بناء الجدران وغطيت بطبقة جصية قوية، وسقفت الخزانات بجنادل حجرية مستطيلة ومحكمة الإغلاق.
وذكر الدكتور الراشد أن الكتابات والنقوش الصخرية على المرتفعات والنتوءات الصخرية تعد من الدلائل الأثرية المهمة على الاستقرار السكاني بالربذة أو القادمين إليها، فمنها ما عثر عليه في جبل سنام أحد المعالم الجغرافية المهمة شمال الربذة.
وهناك نقوش اكتشفت في جبل الربذة إلى الغرب من المدينة السكنية اشتملت على أدعية مأثورة بطلب المغفرة والرحمة.
كما تم العثور على نصوص كتابية على ألواح العظام وهي عبارة عن إيصالات تجارية وعلى بعضها أسماء للمكاييل والموازين كالمد والكيلة والرطل والمكوك، إضافة إلى العثور على كسر فخارية وخزفية عليها بقايا كتابات متطورة من الفترة العباسية ويبدو أن الجرار التي عليها نصوص كتابية كانت معدة من قبل الخلفاء وأمراء بني العباس لسقاية الحجاج والمسافرين طلبًا لثواب الله.
* خزف وزجاج وحلي
أما الآثار التي اكتشفت خلال أعمال التنقيب فهي كثيرة ومتنوعة، ومنها المسكوكات والأواني الفخارية والخزفية والصناعات المعدنية والأدوات الخشبية والعاج والزجاج والحلي وأدوات الزينة والأدوات والأواني الحجرية. وأكدت الدراسات أن الربذة كانت على درجة عالية من الحيوية من حيث تنوع الصناعات خصوصًا الأدوات الفخارية والخزفية والحجرية والزجاجية، إذ عثرت الفرق الأثرية على أوان كاملة من الجرار والأطباق والأكواب والقوارير، أما الكسر من مختلف الأواني فهي كثيرة ومتنوعة، وعليها عناصر زخرفية بديعة تدل على دقة الصناعات وخبرة الصناع ومقدرتهم وملكتهم في الحرف والصناعات، وأعطت هذه المكتشفات دلالة واضحة عن الفترة الزمنية التي شهدتها الربذة خلال ثلاثة قرون، ومن هذه المعثورات ما هو مصنوع محليا في الربذة ذاتها.
* دنانير ذهبية عليها أسماء الخلفاء
وتعطي القطع النقدية المكتشفة دلالة واضحة على الثراء الاقتصادي للربذة، إذ عثر على دنانير ذهبية ودراهم نحاسية عليها أسماء الخلفاء والوزراء، تحمل عددًا من مدن الضرب الإسلامية مثل مكة والكوفة وبلخ وكرمان ومدينة السلام.
وتتراوح السنوات التي تعود لها المسكوكات المكتشفة إلى عصر صدر الإسلام وإلى الفترة الأموية والخلافة العباسية في عصورها الزاهية، ومن الخلفاء التي وردت أسماؤهم على النقود المكتشفة أو تتوافق تواريخ سك العملة مع فترات حكمهم الخلفاء: الوليد بن عبد الملك، وأبو جعفر المنصور، وهارون الرشيد والمعتضد بالله وغيرهم.
وتطرق الدكتور الراشد إلى أن موقع الربذة بقي في ذاكرة الوطن، إذ أعاد الملك عبد العزيز - خلال مرحلة توحيد البلاد - استخدام الحمى (حمى الربذة) وتوسعة مساحته الحمى لحدود أبعد عما كانت عليه في العصر العباسي، خصوصًا من الجهة الشمالية والغربية. وتم استقاء هذه المعلومات من مخطوطة بعنوان: «الرحلة الثمينة إلى حمى المدينة، 1354هـ». أعدها علي حافظ إلى حمى الرّبذة (26 - 1 ذي الحجة 1354هـ / 23 فبراير (شباط) - 19مارس 1936م). وكان الحمى يشرف على إدارته وكيل إمارة المدينة المنورة، وترعى فيه الإبل والخيول والمواشي الخاصة بالملك عبد العزيز ونائبه في الحجاز (الأمير فيصل)، ووكيل إمارة المدينة المنورة (عبد العزيز بن إبراهيم)، ووزير المالية (عبد الله بن سليمان)، وعلى هذا الأساس كان الحمى موزعًا إلى أربعة أقسام ولكل قسم مدير ورعاة، يحافظون على الإبل والخيول والمواشي التي ترعى فيه، ويتابعون تكاثرها ويهتمون بها، ويعالجون ما يصيبها من أمراض وأوبئة، ولهؤلاء أيضًا بعض الدواب التي يملكونها.
وأشار علي حافظ إلى الآبار والبرك والأحواض الباقية في الربذة التي بنتها زبيدة بنت جعفر زوجة الخليفة هارون الرشيد، ومنها بركتان عامرتان إذا امتلأت أحدهما فاضت على الأخرى، كما أشار إلى آبار قديمة مطوية في منطقة الحمى، بعضها عامر وبعضها خرب وطمر، إضافة إلى مناقع السيول والأمطار، والرسوس - وهي مجمعات طبيعية منخفضة - التي تحتفظ بالمياه وتبقى حتى فترة الصيف. ولا شك أن مصادر المياه هذه حققت استفادة كبيرة للتزود بالمياه، للحمى والقائمين فيه وللمسافرين وأبناء البادية. وقد أحصى على حافظ ما يقارب من اثنين وعشرين صنفًا من أنواع الأعشاب والأشجار والشجيرات والنباتات المختلفة في حمى الربذة، ومنها الرمث والحمض والسمر والسلم والثمام والعوسج.
وتعطي المعلومات التي أشار إليها علي حافظ عن «حمى أمير المدينة» صورة تقريبية لما كان عليه حمى الربذة في العصور الإسلامية الثلاثة الأولى من الهجرة، من حيث انتشار الإبل والماشية في الحمى، إذ يقول: «لم أر أجمل من مناظر الجبال والأودية والشعاب والأعشاب ونوارها، والأودية والشعاب تموج بالخضرة والأزهار موج البحار، وإذا رمقتها من فوق جبل تظن أنها تسيل سيل الأنهار بالربيع ونواره البديع، أو كأنما هي بساط وشي بأبْدع الألوان، فسبحان من أنزل الماء من السماء فأحيا به الأرض بعد موتها وجعلها نزهة للناظرين».
ومن أهل الخبرة الذين خدموا في حمى الربذة في تلك الفترة، علي بن ثابت العمري، الذي ألف كتابًا بعنوان: النبذة في ترجمة أبي ذر والربذة، ذكر فيه أن إدارة الحمى اقتضت تعيين مسؤولين ورعاة للإبل يقومون بحفظها وما ينبغي لها من رعاية وسقاية وإطعام. ويعين على الرعاة أمير ومن ثم مشرف عام على أمراء الرعاة، وكل أمير في الحمى مسؤول على ما يزيد على أربعين قطيعًا، وكل قطيع يعين عليه رجل يشرف عليه، وراع يسرح فيه، ويشرف أمير المدينة على هؤلاء المسؤولين والرعاة في الأمور التي تتعلق بالحمى، كإرسال الحمّاية الذين يدورون حول الحمى حتى لا يدخله سوى هذه الإبل الحكومية.
واستمر الحمى مستخدمًا في عهد الملك عبد العزيز نحو عشرين عامًا، ومع تحسن المواصلات ودخول وسائل النقل العصرية ودخول السيارات والشاحنات الكبيرة لنقل المسافرين والتجارات وغير ذلك، انتفت حاجة الدولة للإبل، فأعلنت الدولة إباحة الحمى في عام 1365هـ (1945م) لعامة الناس، وأمر الملك عبد العزيز بأن يترك كل مكان لأهله لينتفعوا به.
وأكد الدكتور الراشد أن المعلومات التي دونها كل من علي حافظ، وعلي بن ثابت العمري عن حمى الرّبذة في عهد الملك عبد العزيز، تعطي صورة قريبة لما كان عليه حمى الربذة في العهود الإسلامية المبكرة.


اختيارات المحرر

فيديو