مدينة الربذة... شاهدة على تطور الحضارة الإسلامية وثرائها

إحدى أهم المحطات على درب الحج قديمًا ومقصد الخلفاء من بني العباس

جرة كبيرة من القرن السابع الميلادي معروضة في متحف كلية الآثار بجامعة الملك سعود ومن القطع المختارة - بعض المباني المكتشفة في الربذة - قطعة من زخرفة جدارية تعود إلى القرن التاسع الميلادي عثر عليها في موقع الربذة بالمدينة المنورة وهي من القطع المعروضة في المتحف الوطني بالرياض - قارورة من الزجاج من القرن التاسع في متحف كلية الآثار بجامعة الملك سعود
جرة كبيرة من القرن السابع الميلادي معروضة في متحف كلية الآثار بجامعة الملك سعود ومن القطع المختارة - بعض المباني المكتشفة في الربذة - قطعة من زخرفة جدارية تعود إلى القرن التاسع الميلادي عثر عليها في موقع الربذة بالمدينة المنورة وهي من القطع المعروضة في المتحف الوطني بالرياض - قارورة من الزجاج من القرن التاسع في متحف كلية الآثار بجامعة الملك سعود
TT

مدينة الربذة... شاهدة على تطور الحضارة الإسلامية وثرائها

جرة كبيرة من القرن السابع الميلادي معروضة في متحف كلية الآثار بجامعة الملك سعود ومن القطع المختارة - بعض المباني المكتشفة في الربذة - قطعة من زخرفة جدارية تعود إلى القرن التاسع الميلادي عثر عليها في موقع الربذة بالمدينة المنورة وهي من القطع المعروضة في المتحف الوطني بالرياض - قارورة من الزجاج من القرن التاسع في متحف كلية الآثار بجامعة الملك سعود
جرة كبيرة من القرن السابع الميلادي معروضة في متحف كلية الآثار بجامعة الملك سعود ومن القطع المختارة - بعض المباني المكتشفة في الربذة - قطعة من زخرفة جدارية تعود إلى القرن التاسع الميلادي عثر عليها في موقع الربذة بالمدينة المنورة وهي من القطع المعروضة في المتحف الوطني بالرياض - قارورة من الزجاج من القرن التاسع في متحف كلية الآثار بجامعة الملك سعود

يعد موقع الربذة في منطقة المدينة المنورة أحد أهم المواقع الأثرية التي تبرز تطور الحضارة الإسلامية في عصر الخلفاء الراشدين والدولتين الأموية والعباسية. وكانت الربذة من الحواضر الإسلامية الكبيرة في قلب جزيرة العرب، وشكلت مركزًا اقتصاديًا وثقافيًا مهمًا ومحطة رئيسية على طريق الحج من العراق إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة.
وإذا كانت الربذة انتهت كمدينة، فإن آثارها أمدت الباحثين بمعلومات وفيرة عن الحضارة الإسلامية المبكرة في قلب الجزيرة العربية، كما أن التراث المعماري للربذة يوضح صورة جلية نستدل منها على طبيعة الحضارة الإسلامية بمفهومها الشامل في العصر الإسلامي المبكر في الجزيرة العربية عامة والحجاز ووسط الجزيرة.
بدوره، أشار الدكتور سعد الراشد مستشار رئيس الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني للتراث الذي يعد من أوائل الباحثين في الموقع، إلى أن الربذة ارتبطت تاريخيًا بعصر الرسول عليه الصلاة والسلام، وعصر الخلفاء الراشدين، ثم الفترة الأموية وحتى منتصف الخلافة العباسية.
وأضاف الراشد في بحث له عن الربذة، أنها من الأماكن المحببة لنفوس الأمراء والخلفاء من بني العباس للاستراحة والإقامة فيها، ومن هؤلاء أبو جعفر المنصور والمهدي وهارون الرشيد، وأجرى أولئك الكثير من الإصلاحات والمشاريع الخيرية على طرق الحج بين العراق والحرمين الشريفين، وحذا حذوهم في تقديم الأعمال الخيرية، الأمراء والوزراء والقادة والتجار، وكان لسيدات البلاط العباسي أعمال مماثلة وفي مقدمتهن السيدة زبيدة بنت جعفر، زوجة الخليفة هارون الرشيد، التي بذلت العطاء وأنفقت الأموال في سبيل بناء المنازل والدور، وحفر الآبار وتشييد البرك على امتداد طريق الحج، وبذلك عرف الطريق باسم «درب زبيدة»، وختمت السيدة زبيدة أعمالها الجليلة بعمارة «عين زبيدة» خدمة لحجاج بيت الله الحرام والمعتمرين والسكان على حد سواء، ولا تزال آثار عيون زبيدة، بخرزاتها وقنواتها المحفورة في باطن الأرض أو المبنية على حواف الجبال، باقية حتى اليوم.
وفي ضوء المعلومات المتناثرة عند الجغرافيين والرحالة المسلمين عن الربذة، فإن الربذة أنها كانت من أحسن المنازل على طريق الحج.
* مرحلة المجد
وبلغت الربذة مجدها في العصر العباسي المبكر، عندما حج الخليفة هارون الرشيد تسع مرات خلال فترة خلافته (193 - 170هـ الموافق 786 - 809م)، وكان يصل إليها عبر طريق يربط الربذة بالمدينة المنورة مباشرة، وفي ذلك الوقت كانت القافلة الواحدة للحجاج القادمين من العراق والمشرق الإسلامي تصل إلى أكثر من عشرين ألفًا من الجمال، وكان الحجاج يقصدون مكة أفرادًا أو جماعات، وكان هارون الرشيد عندما يحج يشايعه في طريقه الوزراء والقواد وأمراء الأجناد والعلماء والفقهاء والجنود والعساكر، وكانت أخبار الأمصار والبلدان تأتيه، في كل منزل ينزله، على النجائب من مسيرة ثمانية أيام ويأتيه الجواب من يومه من مسيرة شهر ونحوه على أجنحة الحمام.
وفي تلك الحقبة الزمنية من تاريخ الإسلام كان طريق الحج (درب زبيدة) ومحطاته ومنازله واستراحاته يشهد حركة بشرية نشطة لا تنقطع، وتزداد في مواسم الحج، وشكّل الطريق شريانًا حيويًا وموردًا اقتصاديًا للبادية والحاضرة والمستقرين في البلدات والقرى البعيدة والقريبة، إذ كانوا يجلبون مصنوعاتهم اليدوية ومنتجاتهم الزراعية والأعلاف والخيول والدواب لمقايضتها أو بيعها على الحجاج والتجار على حد سواء، وكانت الربذة واحدة من أهم البلدات على طريق الحج خصوصًا أن حمى الربذة بعد عهد الخليفة المهدي العباسي 158 - 169 هـ (775 - 785م)، لم يعد مقتصرا على إبل وخيل الدولة الإسلامية، بل أصبح مشاعًا بين الناس لرعي دوابهم.
* تحديد مكانها
وأكد الدكتور الراشد في بحثه أن الربذة ظلت على مدى قرون وحتى عهد قريب، معروفة اسمًا ومجهولة موضعًا، إلى أن توصلت أعمال البحث والدراسة إلى قناعة بأن الربذة تقع إلى الشرق من المدينة المنورة بميلٍ نحو الجنوب بمسافة تقدر بنحو 200 كيلومتر، على حافة جبال الحجاز الغربية ويبعد عنها خط القصيم - مدينة المنورة شمالا بنحو 70 كيلومترا، وإلى الجنوب منها بمسافة 150 كيلومترًا.
وتطرق إلى أن الدراسات الأولية عن موقع الربذة مهدت للبدء في أعمال البحث والتنقيب والكشف عن حضارة هذه المدينة، وبدأ الموسم الأول للحفريات الأثرية خلال الفترة من 7 جمادى الثانية إلى 6 رجب 1399 ه الموافق - 3 مايو (أيار) 1979 ومن خلال النصوص التاريخية والجغرافية قدم الموقع الأثري دلائل مهمة عن الحضارة الإسلامية من ناحية التخطيط المعماري، والمنشآت الهندسية، والمرافق المنزلية، والصناعات المتعددة الفخارية والخزفية، والمصنوعات الحجرية والزجاجية، والأدوات المعدنية والحلي وأدوات الزينة، والكتابات والنقوش والمسكوكات وغيرها مما صنع في الربذة أو جلب من حواضر الدولة الإسلامية القريبة والبعيدة.
وأكد أن نتائج الكشوفات الأثرية في الربذة جاءت مهمة للغاية، إذ تم العثور فيها على كمية من اللقى الأثرية للأواني الفخارية والخزفية والحجرية والمعدنية والمسكوكات والكتابات والحلي وأدوات الزينة وغير ذلك من الآثار.
وأشار إلى أن أعمال الموسم الأول للحفائر الأثرية بدأت باختيار ثلاثة مواقع، إضافة إلى بقايا المنشآت البنائية والظواهر المعمارية المتنوعة والتي تشكلت من آثار المساجد والمنازل والقصور المحاطة بأسوار وجدران سميكة مدعمة بأبراج دائرية ونصف دائرية من الخارج وعلى المداخل، ومرافق الخدمات من خزانات مياه محفورة ومبنية تحت أرضيات الغرف والأفران المخصصة للطبخ والتصنيع وخزائن الحبوب وقنوات المجاري وغير ذلك من المرافق.
* أسلوب معماري مميز
وتميزت قصور ومنازل الربذة بأسلوب معماري ونسيج هندسي مميز، فهي رباعية التخطيط، ومتعامدة مع القبلة، وبنيت الغرف الداخلية على شكل وحدات يجمعها فناء داخلي أو ساحة، وفيها مرافق الخدمات من أفران للطبخ ومستودعات حفظ المياه ومخازن الحبوب وغير ذلك من المرافق الخدمية.
ومن الاكتشافات المهمة لوحة جصية ملونة عليها شريط كتابي يشتمل على جزء من البسملة وبداية آية الكرسي في سورة البقرة، وتدل هذه العناصر الزخرفية على أن مباني الربذة على درجة من الثراء الفني والزخرفي.
وكشفت الحفائر الأثرية عن مسجدين رئيسيين وهما - المسجد الجامع الذي كشف عنه في الجهة الغربية من الربذة، ولعل هذا المسجد هو مسجد أبي ذر الغفاري الذي اختطه بنفسه عندما قدم للربذة، وذكرت المصادر أن بالربذة مسجدين أحدهما مسجد أبي ذر، ومسجد المنطقة السكنية.
واعتمدت مدينة الربذة على مياه الأمطار والسيول، والآبار التي وصل عددها إلى ما يزيد على اثنتي عشرة بئرا حفرت في النطاق العمراني للمدينة، واستفاد سكان الربذة من البركتين المجاورتين لها وهما من برك طريق الحج (درب زبيدة) إضافة إلى البرك الأخرى على امتداد الطريق، وكذلك الآبار الأخرى المحفورة في محيط الربذة وتجمعات المياه في الينابيع والتجاويف الصخرية والأحواض الطبيعية.
وفي مكان متطرف من المدينة السكنية وقربه واحدة من الآبار الرئيسية في الربذة التي لا تزال باقية حتى اليوم.
لكن أبرز ما تتميز به الربذة هو تصميم مستودعات لحفظ المياه (خزانات) بنيت تحت مستوى أرضيات الغرف والساحات الداخلية والممرات وفي كل الوحدات السكنية، وبنيت هذه الخزانات بطريقة هندسية بديعة، ويصل متوسط عمق الخزان الواحد نحو المترين تحت مستوى الأرضيات وبنفس الطول، واستخدمت الحجارة في بناء الجدران وغطيت بطبقة جصية قوية، وسقفت الخزانات بجنادل حجرية مستطيلة ومحكمة الإغلاق.
وذكر الدكتور الراشد أن الكتابات والنقوش الصخرية على المرتفعات والنتوءات الصخرية تعد من الدلائل الأثرية المهمة على الاستقرار السكاني بالربذة أو القادمين إليها، فمنها ما عثر عليه في جبل سنام أحد المعالم الجغرافية المهمة شمال الربذة.
وهناك نقوش اكتشفت في جبل الربذة إلى الغرب من المدينة السكنية اشتملت على أدعية مأثورة بطلب المغفرة والرحمة.
كما تم العثور على نصوص كتابية على ألواح العظام وهي عبارة عن إيصالات تجارية وعلى بعضها أسماء للمكاييل والموازين كالمد والكيلة والرطل والمكوك، إضافة إلى العثور على كسر فخارية وخزفية عليها بقايا كتابات متطورة من الفترة العباسية ويبدو أن الجرار التي عليها نصوص كتابية كانت معدة من قبل الخلفاء وأمراء بني العباس لسقاية الحجاج والمسافرين طلبًا لثواب الله.
* خزف وزجاج وحلي
أما الآثار التي اكتشفت خلال أعمال التنقيب فهي كثيرة ومتنوعة، ومنها المسكوكات والأواني الفخارية والخزفية والصناعات المعدنية والأدوات الخشبية والعاج والزجاج والحلي وأدوات الزينة والأدوات والأواني الحجرية. وأكدت الدراسات أن الربذة كانت على درجة عالية من الحيوية من حيث تنوع الصناعات خصوصًا الأدوات الفخارية والخزفية والحجرية والزجاجية، إذ عثرت الفرق الأثرية على أوان كاملة من الجرار والأطباق والأكواب والقوارير، أما الكسر من مختلف الأواني فهي كثيرة ومتنوعة، وعليها عناصر زخرفية بديعة تدل على دقة الصناعات وخبرة الصناع ومقدرتهم وملكتهم في الحرف والصناعات، وأعطت هذه المكتشفات دلالة واضحة عن الفترة الزمنية التي شهدتها الربذة خلال ثلاثة قرون، ومن هذه المعثورات ما هو مصنوع محليا في الربذة ذاتها.
* دنانير ذهبية عليها أسماء الخلفاء
وتعطي القطع النقدية المكتشفة دلالة واضحة على الثراء الاقتصادي للربذة، إذ عثر على دنانير ذهبية ودراهم نحاسية عليها أسماء الخلفاء والوزراء، تحمل عددًا من مدن الضرب الإسلامية مثل مكة والكوفة وبلخ وكرمان ومدينة السلام.
وتتراوح السنوات التي تعود لها المسكوكات المكتشفة إلى عصر صدر الإسلام وإلى الفترة الأموية والخلافة العباسية في عصورها الزاهية، ومن الخلفاء التي وردت أسماؤهم على النقود المكتشفة أو تتوافق تواريخ سك العملة مع فترات حكمهم الخلفاء: الوليد بن عبد الملك، وأبو جعفر المنصور، وهارون الرشيد والمعتضد بالله وغيرهم.
وتطرق الدكتور الراشد إلى أن موقع الربذة بقي في ذاكرة الوطن، إذ أعاد الملك عبد العزيز - خلال مرحلة توحيد البلاد - استخدام الحمى (حمى الربذة) وتوسعة مساحته الحمى لحدود أبعد عما كانت عليه في العصر العباسي، خصوصًا من الجهة الشمالية والغربية. وتم استقاء هذه المعلومات من مخطوطة بعنوان: «الرحلة الثمينة إلى حمى المدينة، 1354هـ». أعدها علي حافظ إلى حمى الرّبذة (26 - 1 ذي الحجة 1354هـ / 23 فبراير (شباط) - 19مارس 1936م). وكان الحمى يشرف على إدارته وكيل إمارة المدينة المنورة، وترعى فيه الإبل والخيول والمواشي الخاصة بالملك عبد العزيز ونائبه في الحجاز (الأمير فيصل)، ووكيل إمارة المدينة المنورة (عبد العزيز بن إبراهيم)، ووزير المالية (عبد الله بن سليمان)، وعلى هذا الأساس كان الحمى موزعًا إلى أربعة أقسام ولكل قسم مدير ورعاة، يحافظون على الإبل والخيول والمواشي التي ترعى فيه، ويتابعون تكاثرها ويهتمون بها، ويعالجون ما يصيبها من أمراض وأوبئة، ولهؤلاء أيضًا بعض الدواب التي يملكونها.
وأشار علي حافظ إلى الآبار والبرك والأحواض الباقية في الربذة التي بنتها زبيدة بنت جعفر زوجة الخليفة هارون الرشيد، ومنها بركتان عامرتان إذا امتلأت أحدهما فاضت على الأخرى، كما أشار إلى آبار قديمة مطوية في منطقة الحمى، بعضها عامر وبعضها خرب وطمر، إضافة إلى مناقع السيول والأمطار، والرسوس - وهي مجمعات طبيعية منخفضة - التي تحتفظ بالمياه وتبقى حتى فترة الصيف. ولا شك أن مصادر المياه هذه حققت استفادة كبيرة للتزود بالمياه، للحمى والقائمين فيه وللمسافرين وأبناء البادية. وقد أحصى على حافظ ما يقارب من اثنين وعشرين صنفًا من أنواع الأعشاب والأشجار والشجيرات والنباتات المختلفة في حمى الربذة، ومنها الرمث والحمض والسمر والسلم والثمام والعوسج.
وتعطي المعلومات التي أشار إليها علي حافظ عن «حمى أمير المدينة» صورة تقريبية لما كان عليه حمى الربذة في العصور الإسلامية الثلاثة الأولى من الهجرة، من حيث انتشار الإبل والماشية في الحمى، إذ يقول: «لم أر أجمل من مناظر الجبال والأودية والشعاب والأعشاب ونوارها، والأودية والشعاب تموج بالخضرة والأزهار موج البحار، وإذا رمقتها من فوق جبل تظن أنها تسيل سيل الأنهار بالربيع ونواره البديع، أو كأنما هي بساط وشي بأبْدع الألوان، فسبحان من أنزل الماء من السماء فأحيا به الأرض بعد موتها وجعلها نزهة للناظرين».
ومن أهل الخبرة الذين خدموا في حمى الربذة في تلك الفترة، علي بن ثابت العمري، الذي ألف كتابًا بعنوان: النبذة في ترجمة أبي ذر والربذة، ذكر فيه أن إدارة الحمى اقتضت تعيين مسؤولين ورعاة للإبل يقومون بحفظها وما ينبغي لها من رعاية وسقاية وإطعام. ويعين على الرعاة أمير ومن ثم مشرف عام على أمراء الرعاة، وكل أمير في الحمى مسؤول على ما يزيد على أربعين قطيعًا، وكل قطيع يعين عليه رجل يشرف عليه، وراع يسرح فيه، ويشرف أمير المدينة على هؤلاء المسؤولين والرعاة في الأمور التي تتعلق بالحمى، كإرسال الحمّاية الذين يدورون حول الحمى حتى لا يدخله سوى هذه الإبل الحكومية.
واستمر الحمى مستخدمًا في عهد الملك عبد العزيز نحو عشرين عامًا، ومع تحسن المواصلات ودخول وسائل النقل العصرية ودخول السيارات والشاحنات الكبيرة لنقل المسافرين والتجارات وغير ذلك، انتفت حاجة الدولة للإبل، فأعلنت الدولة إباحة الحمى في عام 1365هـ (1945م) لعامة الناس، وأمر الملك عبد العزيز بأن يترك كل مكان لأهله لينتفعوا به.
وأكد الدكتور الراشد أن المعلومات التي دونها كل من علي حافظ، وعلي بن ثابت العمري عن حمى الرّبذة في عهد الملك عبد العزيز، تعطي صورة قريبة لما كان عليه حمى الربذة في العهود الإسلامية المبكرة.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».