البشير: ثمة من سهَّل سيطرة «داعش» على المدن السنّية لتبرير قصفها وتهجير أهلها

قال لـ «الشرق الأوسط» إن العلاقات مع السعودية ممتازة... واعترف بأن الترابي كان «الرجل الأصعب»

الرئيس البشير يتحدث إلى الزميلين غسان شربل وناصر الحقباني (تصوير: علي العريفي)
الرئيس البشير يتحدث إلى الزميلين غسان شربل وناصر الحقباني (تصوير: علي العريفي)
TT

البشير: ثمة من سهَّل سيطرة «داعش» على المدن السنّية لتبرير قصفها وتهجير أهلها

الرئيس البشير يتحدث إلى الزميلين غسان شربل وناصر الحقباني (تصوير: علي العريفي)
الرئيس البشير يتحدث إلى الزميلين غسان شربل وناصر الحقباني (تصوير: علي العريفي)

مستفز كلام الرئيس عمر حسن البشير. لم يكتف بالقول إنه لن يترشح مجددًا بعد انتهاء ولايته الحالية، بل اعتبر لقب الرئيس السابق «ممتعًا»، فهو معجب بظاهرة «الرئيس السابق» في لبنان.
ولأن التجارب العربية تعلم غير ذلك، رويت له واحدة من القصص قبل اندلاع «الربيع» في اليمن؛ حين قال لي الرئيس علي عبد الله صالح إن حكم اليمن يشبه «الرقص على رؤوس الأفاعي»، وأكد أنه يتطلع إلى لقب الرئيس السابق ليتفرغ لملاعبة أحفاده. عندما اندلعت الأحداث في اليمن تبين أن أولويات صالح لا تبدأ بملاعبة أحفاده... امتنع البشير عن التعليق، مكتفيًا بالقول إن لكل حالة خصوصيتها، وإنه مصرّ على احترام إرادة الدستور.
لم تكن رحلة البشير سهلة منذ يونيو (حزيران) 1989 وحتى الآن. حروب في الداخل وعلى الأطراف. والقارة السودانية غنية أصلا بكوكتيل من الإثنيات والقوميات والميول الجهوية مما يجعل النزاعات احتمالا يوميًا.
لم تكن رحلة «سودان البشير» سهلة عربيًا ودوليًا، وحفلت بأزمات ووساطات ومصالحات، وكان لافتًا أن «الربيع العربي»، الذي أطاح عددًا من الحكام العرب لم يعبّر عن نفسه في السودان رغم صعوبة الأوضاع الاقتصادية وحصول الطلاق مع الجنوب وفرض العقوبات الأميركية على الخرطوم، فضلا عن قصة المحكمة الجنائية التي تبدو اليوم من الماضي، بعد انتهاء تأهيل النظام عربيًا وإسلاميًا ودوليًا. يتوقف الرئيس السوداني طويلا عند خطورة الوضع العربي الحالي؛ إذ يعتبر أن العرب هم الآن ضحية خطة غربية فارسية صهيونية. ويتهم البشير إيران بتنفيذ برنامج للسيطرة على دول عربية، ويستشهد بتصريحات لمسؤولين فيها. ويذهب أبعد؛ مؤكدًا أن البرنامج الإيراني يستهدف العرب السنّة، ويجدد القول إن بلاده تملك ملفًا كاملا حول نشاطات التشييع التي كانت إيران تمارسها في السودان، وتواصلها في أنحاء أخرى من أفريقيا. أكد البشير أن السودان سيشهد قيام حكومة وفاق استنادا إلى مخرجات الحوار الوطني، وأن ذلك سيترافق مع استحداث منصب رئيس الوزراء. سألته «الشرق الأوسط» عمن كان الرجل الأصعب في التعامل معه في السنوات الماضية، فأجاب أنه الدكتور حسن الترابي.
* فخامتكم، انتهى عهد الرئيس الأميركي باراك أوباما بانفراج فيما يتعلق بالعقوبات... هل تتوقعون في عهد الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترمب استمرار هذا الاتجاه الإيجابي؟
- رفع العقوبات الأميركية عن السودان كان وعدًا قديمًا، حيث بدأت المحادثات بشأنه قبل عام 2000، بدأ بشرط واحد ولكن تلته شروط أخرى، فبدأت الطلبات بتوقيع اتفاقية سلام في جنوب السودان، فوقّعنا الاتفاقية، غير أن واشنطن طالبت باتفاقية أخرى في دارفور، والكلام نفسه تكرر بأنه في حالة وقعنا الاتفاقية في دارفور سترفع كل العقوبات، وبالفعل عملنا اتفاقية في دارفور، وجاء وعدهم الثاني أننا لو نفذنا اتفاقية السلام في جنوب السودان، أيضًا، سترفع العقوبات، وهكذا دواليك، وبالتالي إن رفع العقوبات كان وعدًا قديمًا يؤجل كل مرة، عمومًا كانت هناك جهود مستمرة لدعم موقف السودان، من أجل رفع العقوبات عنه، وبدأنا حوارًا جادًّا مع الإدارة الأميركية السابقة في عهد الرئيس السابق باراك أوباما، وهنا لا بد من القول إنه كان هناك دعم للحوار السوداني من عدد من الدول الصديقة والشقيقة على رأسها السعودية، والإمارات، وسلطنة عمان، وغيرها من الدول الصديقة والشقيقة في أفريقيا وخارجها، وأخيرًا تم ذلك، حيث أصدر الرئيس الأميركي السابق أوباما قرارًا بإلغاء العقوبات جزئيًا عن السودان، علمًا أنها مُررت في عهد الرئيس الأسبق بيل كلينتون، وقناعتنا أنه أزيلت عقبة مهمة جدًا أمام العلاقات السودانية – الأميركية، وهي إزالة العقوبات من قبل رؤساء أميركا السابقين، ولكن ما زالت لدينا ملفات مفتوحة مع أميركا، مثل ملف الإرهاب، وهو ملف مهم جدًا تأكدت من خلاله أن السودان لا يؤوي الإرهاب ولا يغذيه ولا يموّله، بل إن السودان متعاون جدًا في مكافحة الإرهاب، وهناك توقعات بأن الأمور ستمضي نحو الأفضل، في عهد الإدارة الأميركية الجديدة.
* هناك 5 مطالب كشروط لرفع العقوبات، منها ما يتعلق بجنوب السودان ومنها ما يتعلق بجيش الرب..
- بالفعل كانت هناك 5 محاور لرفع العقوبات، والسودان أوفى بذلك، منها توقيع اتفاقية السلام في جنوب السودان وكنّا قد أوفينا بها، وكل العالم والدول المجاورة تعلم أن لدينا جهودًا كبيرة جدًا ومحاولة للعمل على استقرار جنوب السودان، العامل الثاني هو أننا أكدنا أنه ليست لدينا علاقة بجيش الرب بل حتى الأوغنديون أنفسهم أكدوا ذلك، فلا وجود لجيش الرب في السودان ولا ندعمه بأي شكل. على صعيد العامل الثالث المعني بقضية السلام في السودان، كنا قد نفذنا الاتفاقيات كاملة، فيما يتعلق بالمنطقتين في جنوب كردفان وفي منطقة النيل الأزرق، وكنا قد عملنا خطة وقبلنا بأن تصل الإغاثة إلى مناطق يسيطر عليها المتمردون شريطة أن تأتي عبر السودان، ولكن الطرف الآخر رفض دخول الإغاثة عبر السودان، لأنهم كانوا يريدون أن تدخل دون أن تعبر بالسودان، وبالتالي تبقى كل الملفات أمام الإدارة الأميركية مستوفية الشروط، بما فيها ملف الإرهاب مع تأكيدها على أن هذا الملف لم يكن به مشكلة أصلا.
* متى بدأت الاتصالات السودانية – الأميركية بهذا الشأن وأين؟
- بدأت هذه الاتصالات منذ أن توسطت أميركا لاتفاقية السلام في جنوب السودان، وكان مبعوث الرئيس الأميركي وقتها السيناتور جون دانفورث، وهو الذي تابع معنا كل الاتصالات والمقابلات في ذلك الوقت والتي توصلنا بموجبها إلى التعاون مع دول «إيقاد» (منظمة من 7 دول في القرن الأفريقي تعنى بالسلام) وآخرين إلى اتفاقية السلام الشامل، فكانت هذه الاتصالات الأولى والتي بموجبها أعطونا أول وعد، بـ«روشتة» محددة جدًا، وبعد أن وقعنا هذه الاتفاقية، وعدونا بإزالة جميع العقبات أمام العلاقات الثنائية. وبعد المبعوث الأميركي جون دانفورث جاء روبرت زوليك الذي كان رئيس البنك الدولي ونائبًا لوزير الخارجية، وجاء بعده آخرون وواصلوا معنا لفترة في الاتجاه نفسه، من بينهم الجنرال اسكوت غرايشون، وبرنستون ليمان، وأخيرًا دونالد بوث.
* ما الهدف من زيارتك للسعودية؟
- تأتي الزيارة كالعادة، في إطار التشاور والتنسيق المستمرين مع السعودية، لأن كل المنطقة تمر بظروف صعبة، فالمنطقة العربية تمرّ بأسوأ ظروفها، فما يدور في العراق وفي اليمن وفي سوريا وفي ليبيا وفي غيرها من البلاد المضطربة يتطلب منا في السودان والسعودية استمرارية التشاور والتنسيق، خاصة وأن هناك تعاونًا كبيرًا جدًا في المجال العسكري كما هو واضح في «عاصفة الحزم»، و«إعادة الأمل»، في اليمن والتي نأمل أن تصل إلى نتائجها من حيث السلام والأمن للشعب اليمني، أيضًا هناك تعاون ثنائي في التحالف الإسلامي ضد الإرهاب، حيث إنها كلها قضايا ملحة جدًا في منطقتنا العربية تحتّم علينا أن نتشاور بشكل مستمر.
* هل تعتقد أن العرب يتعرضون لأخطر تهديد في تاريخهم الحديث؟
- بكل أسف هذا هو الحاصل، وما نخشاه هو أن التاريخ يعيد نفسه، حيث إننا نتعرض حاليًا إلى ما تعرضت له المنطقة في الحرب التي قادها الغرب في العهد الفائت، في ظل الخلافات العربية التي مكّنت الغرب من السيطرة على المنطقة وتحقيق أهدافه، وهو ما يحدث الآن تمامًا، حيث نجد هناك تحالفات خارجية، ونحن ضد بعضنا البعض في وجود مشكلات داخلية تتحول إلى ثغرات للتدخلات الخارجية، وهناك دول مهمة جدًا في المنظومة العربية ضاعت حاليًا، مثل العراق وسوريا، ودول تتعرض للضياع مثل اليمن وليبيا والصومال التي سبقتهم، ويبرز إلى السطح السؤال الذي يطرح نفسه: هل هذه الحالة هي النهاية أم ما زال هناك سيناريو لسقوط المزيد من الدول؟ من الواضح أن التآمر مستمر حتى الآن.
* هل مشكلة هذه الدول مع قوى دولية أم إقليمية؟
- للأسف، الأمور تداخلت فيها العوامل الإقليمية والدولية، وإننا نرى حلفًا صهيونيًا فارسيًا غربيًا، فالظاهر للناس أن العداء قائم بين إيران والغرب، ونرى أن ذلك غير حقيقي، فهذا شيء مظهري، إذ إن الشعارات المرفوعة في إيران «الموت لأميركا» و«الموت لإسرائيل» هي مجرد شعارات، وشهدنا كيف ولمن سلّم الأميركان العراق؟ إذ كانت العملية، مجرد عملية تسليم وتسلم للجهات الموالية لإيران، ويقيننا أن ذلك لم يكن بمحض الصدفة، فالأميركان سلموا العراق بالكامل لأولئك الموالين، ومن ثم خرجوا منه، أما فيما يتعلق بسوريا فهناك تآمر واضح من الحلف الصهيوني الغربي الفارسي، والواضح أن إسرائيل هي المستفيد الأكبر مما يحدث لأن قوة إسرائيل ليست في قوتها الذاتية وإنما في ضعف الأمة العربية.
* ألا تعتقد أن لدى إيران برنامجًا ضد إسرائيل؟
- قناعتنا أن المنطقة مقسمة بين «دولة إسرائيل الكبرى» و«الدولة الصفوية»، وهذا الأمر يمضي على هذا النسق، فهناك علامة استفهام في تسليم أميركا العراق إلى جهات تدين بالولاء لإيران، وهذا يؤكد أن هناك برنامجًا لمخطط واضح.
* لتدهور الذي شهدته العلاقات السودانية - الإيرانية هل هو نتيجة مواقف إيران من هذه الدول؟
- هذه قناعتنا، ونذكر هنا أن مسؤولا إيرانيًا، قال ذات مرة، «نحن سيطرنا على أربع عواصم عربية»، والسؤال: هل هذه هي النهاية، أم أن هناك برنامجًا لاستكمال السيطرة على المنطقة العربية؟!
* هل تعتقد بوجود برنامج إيراني للسيطرة على المنطقة العربية؟
- نعم هناك برنامج إيراني للسيطرة على المنطقة العربية، وهو قيام «الدولة الصفوية الكبرى».
* اتهمتم إيران في مرحلة من المراحل أنها كانت تقوم بالتشييع لكنها أنكرت... هل لديكم دليل على ذلك؟
- من المؤكد، هناك دلائل على المحاولة الإيرانية للتشييع في السودان، لدينا دراسة كاملة عن كل نشاطات التشييع في السودان بل في أفريقيا بأسرها، هناك عملية تستهدف تشييع أفريقيا بالكامل، هناك حوزات وحسينيات ونشاطات للمركز الثقافي الإيراني في شكل ندوات ومحاضرات وكنا في البداية نعتبر أن نشاطها في إطار ثقافي، غير أننا وجدناه عملية تشييع، ومحاولات لجذب بعض الشباب وبعض الفئات الأخرى.
* هناك من يتهم إيران بإحداث تغييرات ديموغرافية في العراق وسوريا وتغيير هويّات بعض الدول وإحداث توازنات فيها... كيف تنظرون إلى ذلك؟
- بملاحظة ما حدث في العراق، نستطيع القول إن «داعش»، صُنعت صناعةً، حيث بدأ ذلك بقانون «اجتثاث البعث»، غير أن هذه كانت سياسة لتغطية إبعاد وتهجير أي مسلم سنّي من أي موقع حكومي، وبالتالي عزلوا السنّة تمامًا من الحكومة بمن فيهم الموظفون غير العسكريين، أضف إلى ذلك أن عددًا كبيرًا تعرض للاعتقالات والسجون والتعذيب، الأمر الذي خلق حالة من التشدد، ولذلك عندما بدأت «داعش»، بدأت مثلها مثل أي مجموعة من المجموعات، غير أنه كان واضحًا أن هناك محاولة أو برنامجًا لتقوية «داعش»، فمثلا إذا أخذنا الموصل كأنموذج، نلاحظ أن عدد أفراد «داعش» الذين دخلوا الموصل لا يتجاوزن 1500 عنصر، بينما عدد الجيش العراقي الذي انسحب من الموصل يبلغ 30 ألف فرد بكل مقوماته ومعداته، فالسؤال الذي يطرح نفسه: كيف ينسحب هذا العدد الكبير من المقاتلين العراقيين أمام فقط 1500 «داعشي» في الموصل؟
* هل تعتقد أن سقوط الموصل في يد «داعش» كان أمرًا مقصودًا؟
- قناعتنا أن هناك برنامجًا لتقوية «داعش» وتمكينها من احتلال المدن السنّية، لتبرير قصفها وتهجيرها، فكان من الطبيعي أن يخرج المدنيون لحماية أنفسهم من الضربات الصاروخية، ثم يتعرضون، حول المدينة، للتقتيل والتشريد والتصفية بشكل واضح، والشيء نفسه يحصل في سوريا، حيث إن مدينة مثل حلب تعرّض سكانها من أهل السنّة لتهجير قسري بشكل كبير إلى الخارج.
* هل تعتقد أنه برنامج ضد السنّة؟
- نعم إنه بالفعل برنامج ضد السنّة من خلفه الحلف الفارسي الإسرائيلي الغربي، لأنه لو نظرنا بعمق نجد أن كل الذين ينتظمون في مقاومة حقيقية ضد الاحتلال الإسرائيلي هم من أهل السنّة.
* هل جرت محاولة إصلاح العلاقات بين إيران والسودان؟
- محاولات لكنها محدودة من بعض السفراء في بعض الدول، يلتقون مع سفرائنا ويتحدثون عن إمكانية تقوية العلاقات بين البلدين، لكن ليس هناك أي اتصال رسمي مع القيادة الإيرانية.
* حتى ترجع العلاقات بين السودان وإيران، ما المطلوب؟
- مطلوب من إيران عدم التدخل في المنطقة العربية، والتوقّف عن استهداف السنّة العرب، وعدم محاولة ممارسة برامج التشييع، نحن في السودان تحديدًا لدينا ما يكفينا من مشاكل كثيرة، قبلية وجهوية وتمرد، لا نستطيع أن نضيف إليها مشاكل أخرى جديدة.
* هل هذه المرحلة في العلاقات السعودية - السودانية هي الأكثر قوة؟
- العلاقات بين البلدين تمرّ بأفضل حالاتها، سواء السياسية أو الاقتصادية أو الخارجية، وهناك تعاون وتنسيق كاملان على الصعد كافة، بما فيها العسكرية.
* كيف كانت محادثاتكم مع خادم الحرمين؟
- كالعادة، كانت محادثات ناجحة جدًا، ونحن خرجنا جميعًا متفقين على كل شي، وليس هناك أي خلاف.
* هل هناك اهتمام سعودي بتنمية الجيش السوداني؟
- هناك اهتمام بالتنمية في كل المناحي في السودان عمومًا، في ظل وجود العلاقات العسكرية والاقتصادية، والجميع يشاهد توقيع اتفاقيات في كل مرة، وفي هذه الزيارة وقعنا أيضًا اتفاقيات مع الجانب السعودي تعنى بمياه الشرب في الريف.
* ما حجم الاستثمارات السعودية والخليجية في السودان؟
- لا أستطيع أن أعطيك الرقم الحقيقي الآن، ولكن لا تقل عن 6 مليارات دولار.
* كيف نجا السودان من الربيع العربي؟
- قناعتنا أنه كان هناك إحساس لدى القاعدة الجماهيرية بالأمل في وجود أمن وتنمية وتحسن نحو التقدم والتقنية، وهو الذي جعل الناس تقبل الوضع على الرغم من الظروف الاقتصادية الصعبة التي مرّت بها البلاد سابقًا.
* اتخذتم في الآونة الأخيرة إجراءات اقتصادية قاسية... ألم تتخوفوا من أن تكون هناك ردة فعل من المجتمع، خصوصًا مع ظهور دعوات للعصيان المدني؟
- قطعا نمرّ بظروف اقتصادية صعبة، وليست هناك حلول أيضًا سهلة، فالوضوح مع الناس هو شرح الأوضاع لهم، وشرح أسباب اتخاذ هذه الإجراءات، وبالتالي يبقى هناك خياران، إما اتخاذ إجراءات إصلاحية اقتصادية صعبة للوفاء بالالتزامات نحو إدارة شؤون البلاد وتوفير الخدمات الضرورية، وإما التفرّج على مسار انهيار الاقتصاد أو عجز الدولة من توفير الخدمات والسلع الضرورية للمواطن، دون اتخاذ العلاج أو الإجراءات اللازمة. هذان خياران، ولكن الأفضل الأخذ بالخيار الأقل ضررًا وهو تحمّل الإجراءات الإصلاحية، بينما الخيار الثاني هو الأكثر ضررًا لأنه يؤدي إلى الانهيار الاقتصادي، وعجز الدولة عن الوفاء بالتزاماتها تجاه المواطن والبلد وأمنه، ولذلك العصيان المدني فشل وبالتالي الدعوة لتظاهر الناس في الشارع أيضا فشلت لأن الشعب تفهّم ذلك القرار وحيثياته.
* في ضوء الحوار الوطني الذي حدث، طرح موضوع حكومة وطنية ورئيس وزراء...
- نعم لأن أحد مخرجات الحوار الوطني وتوصياته بأن تكون هناك حكومة وحدة وفاق وطني، يعني أن تتوسع قواعدها، بمعنى عندنا حكومة وحدة وطنية حاليًا يشارك فيها عدد من الأحزاب وبالتالي ستتوسع الحكومة، وستضاف الأحزاب الأخرى التي شاركت في الحوار، بالإضافة إلى استحداث منصب رئيس وزراء.
* هل سنشاهد الصادق المهدي رئيسًا للوزراء؟
- طبعًا ليس واردًا في الأصل، لأن الصادق المهدي حتى الآن لم يوقع على الوثيقة، وبالتالي لن يكون طرفًا في الحكومة ولكن يمكن أن يحدث ذلك في حالة مشاركته في الانتخابات القادمة.
* ومتى ستكون الحكومة المقبلة؟
- لا يزال التشاور مستمرًا.
* يبدو أن العلاقات السودانية المصرية تشكو من سدّ النهضة ومن حلايب؟
- العلاقات تشكو من الإعلام المصري، فهو مرض العلاقات بين البلدين، لأنه يتعامل بصورة غير موفقة، ولكننا تعودنا عليه. بالنسبة لسد النهضة، قناعتنا أن سد النهضة له إيجابيات كبيرة على تنمية السودان، فإذا كانت المشكلة في حصة مصر في مياه النيل أقول إنها مؤمّنة تمامًا، لأن سد النهضة، هو سد لتوليد الكهرباء فقط، أي ليس هناك أي استغلال لمياه السد للري، حيث إن المنطقة التي يوجد فيها السد على بعد 20 كيلومترًا من الحدود السودانية، وهي منطقة جبلية لا توجد فيها أراض صالحة للزراعة أو الري، وبالتالي لن يؤثر السدّ على حصة السودان ومصر في مياه النيل، إذ لدينا اتفاقية مياه النيل بين السودان ومصر أنشئت عام 1959، وقسمت مياه النيل في السد العالي بين السودان ومصر، وأعطت مصر نحو 52 مليار متر مكعب، وأعطت السودان 18.5 مليار متر مكعب، وبالتالي هذا هو الوضع حتى الآن، ونحن على قناعة بأن السدّ لن يؤثر على حصة مصر، بقدر ما يمكننا ذلك من الاستفادة من حصتنا في اتفاقية مياه النيل مستقبلا، لأن قدرات التخزين بالسودان في المياه، لا تمكننا من فعل ذلك.
وبالعودة لموقف الإعلام المصري تجاه هذا السدّ، فهو موقف غير مبرر، ولذلك حصلت تعبئة للمواطن المصري، بأن إثيوبيا ستتحكم في مياه النيل، غير أننا لم نشاهد تحكمًا قد حصل ولم يتغير مجرى النيل، ولا حتى تستغل مياه النيل إلا في الطاقة الكهربائية.
* كيف استطعت البقاء في الحكم في بلد مجاور لثماني دول، وتركيبته معقدة. ما هو هذا السر هل هو التنظيم الحزبي المحكم أم عوامل أخرى؟
- هي إرادة الله، فهو يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، ولكن المعروف أن حكم السودان، ليس بالشيء المرغوب، لما فيه من مشاكل تتعلق بتركيبة السودان، وما يواجهه من مؤامرات.
* قرأت أنه بعد انتهاء ولايتك، لن تترشح في 2020. هل هذا الكلام دقيق؟
- الدستور الحاكم الآن، هو دستور 2005، وبالتالي فإنه بنصّ هذا الدستور أكون قد أنهيت المدة، ولن أستطيع أن أترشح مجددًا.
* هل سهل على من يحكم مدة طويلة أن يتعايش مستقبلا مع لقب الرئيس السابق؟
- ليس سهلا فقط، إنه متعة، لأن الكل سيحترمك كرئيس سابق وينادونك في الشارع يا فخامة الرئيس دون أدنى مسؤوليات.
* دون تشبيه، في 2010 كنت عند الرئيس علي عبد الله صالح، وقال لي إنه تعب من الحكم، ويعجبه أن يلقب بالرئيس السابق ويلاعب أحفاده...
- لكل حالة خصوصيتها، الوضع في السودان يختلف، وأقرب مثال هو جعفر النميري (رحمه الله)، حيث إنه بعد أن رجع للسودان عومل بوصفه الرئيس السابق، ظل يعيش بين الناس كشخصية محترمة جدًا، وأذكر بهذه المناسبة موقفًا حدث بينه وبيني إذ كنت عادةً أمارس تحركاتي بعد الساعات الرسمية دون مرافقة موكب، بينما هو له موكب مرافق على الرغم من أنه رئيس سابق حيث كانت له سريّة ولديه دراجات وسيارات سوداء، صادفته ذات مرة في أحد الطرقات، وطبعًا رجال الشرطة لا شعوريًا أوقفوا حركة السير حتى يمر موكب الرئيس السابق النميري، بينما أنا كنت ضمن الناس الواقفة التي تنتظر موكب الرئيس النميري يمرّ، وبالتالي ليس لدينا أي حساسية من ذلك. والمثال ينطبق كذلك على الرئيس السابق المشير عبد الرحمن سوار الذهب، وحتى الصادق المهدي هو رئيس وزراء سابق، وكذلك أحمد الميرغني كان رئيسًا سابقًا حتى رحيله رحمه الله.
* ما أصعب لحظة عشتها خلال فترة الحكم الطويلة؟
- اللحظات الصعبة كانت كثيرة جدًا، فنحن كنا نحارب لفترة طويلة ومرت بنا ظروف عصيبة ونحن في وضع عسكري يعجّ بالمشاكل، وحدث أن سقطت أكثر من مدينة رئيسية في يد التمرد، وتدري أن كل الجبهات على الحدود مع السودان كانت مشتعلة، وبالتالي كانت اللحظات صعبة جدًا، لأنه ترتب على ذلك مشكلات كثيرة معقدة. ومن ثم مررنا بمرحلة انفصال جنوب السودان، ونحن كنا قد عقدنا اتفاقية، تضمنت الاتفاق بأن يعمل طرفا الاتفاقية على أن تكون الوحدة هي الخيار الجاذب للمواطنين، ولكن للأسف عمل الطرف الآخر في اتجاه آخر، وحصل الانفصال، فكون الدولة تنقسم إلى قسمين كانت عملية مؤلمة وليست سهلة، إضافة إلى ذلك فقدنا جزءًا من أرضنا وجزءًا من شعبنا، وكذلك المورد الأساسي للسودان، وهو البترول، ذلك أن 80 في المائة كان بجنوب السودان.
* من هو أصعب رجل تعاملت معه في السودان؟
- هو حسن عبد الله الترابي (رحمه الله).
* هذه العلاقة غريبة؟
- هو شخصية تتمتع بكاريزما قوية جدًا، وظل مسيطرًا على الحركة الإسلامية لفترة طويلة. عاش صراعات كثيرة داخل الحركة قبل أن يتصادم معنّا، وكان دائمًا هو الكاسب في صراعاته في القيادة داخل الحركة، غير أنه خسر لأول مرة في صراعاته معنا.
* ما أهمية التحالف الإسلامي ضد الإرهاب؟ هل هو لإعادة التوازن مع إيران؟
- هو يعيد التوازن مع إيران، وأيضًا لمواجهة الحركات المتطرفة، هناك بعض من الشباب المتطرف، والدول تحتاج للتعاون بعضها مع بعض لأنه بسبب تفشي التطرف انتشر تنظيم القاعدة و«داعش» و«جبهة النصرة»، وفي أفريقيا «بوكو حرام». فالإرهاب أشكاله متعددة ونحتاج إلى التعاون في جميع المجالات، وليس في المجال العسكري فقط، ولدينا تجربة في السودان في التعامل مع هؤلاء الشباب الذين غسلت أدمغتهم، لأنه فكر، ووجدنا أنه من المهم أن نحارب الفكر بالفكر، فأعددنا مجموعة من الشباب المتفقهين المتنورين، ودمجناهم في المجتمع من خلال الحوار الطويل، وتعاملنا مع بعض من تم اعتقالهم واسترجعنا عددًا كبيرًا منهم إلى طريق الصواب بل استخدمنا بعضهم في إقناع الآخرين، واستطعنا أن نجد عملية توازن. نحن على قناعة أن خلف المجموعات الإرهابية، جهات تعمل لزعزعة الأوضاع في الدول العربية والإسلامية.
* هل أنت مرتاح لمسار الحرب في اليمن؟
- نتمنى أن تحسم الحرب في اليمن، بسرعة، واستمرار الحرب فيه مزيد من التدمير والقتل والتشريد، كنا نتمنى أن تحسم في وقت أقل من هذا، ولا زلنا نتمنى.
* المشاركة السودانية فاعلة في حرب اليمن؟
- مشاركتنا رمزية وليست بالقوة الكبيرة، لدينا قوات على الأرض، وكذلك قوات جوية.
* هل تشارك في القمة العربية المقبلة في الأردن؟
- قطعًا، إن شاء الله.



«وزاري عربي» يدين إغلاق «هرمز» ويطالب إيران بالتعويض وجبر الضرر

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
TT

«وزاري عربي» يدين إغلاق «هرمز» ويطالب إيران بالتعويض وجبر الضرر

مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)
مقر جامعة الدول العربية في القاهرة (الشرق الأوسط)

أدان وزراء الخارجية العرب التهديدات الإيرانية الرامية إلى إغلاق مضيق هرمز وتعطيل الملاحة الدولية، مطالبين في اجتماع، الثلاثاء، عبر تقنية الاتصال المرئي، بإلزام طهران بالتعويض وجبر الضرر عن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن هذه التهديدات.

وأكد الأمين العام للجامعة، أحمد أبو الغيط، أن «الدول العربية لم تكن ولن تكون رهينة في يد إيران لتصفية الحسابات».

وبناء على طلب البحرين، عقد مجلس جامعة الدول العربية على المستوى وزراء الخارجية، الثلاثاء، اجتماعاً غير عادي، لـ«بحث الهجمات الإيرانية ضد الدول العربية والتزامات إيران المترتبة بموجب القانون الدولي والجهود المبذولة لإنهاء الأزمة التي تشهدها المنطق».

وجدد وزراء الخارجية إدانتهم «بأشد العبارات للهجمات الإيرانية السافرة بالصواريخ والطائرات المسيّرة ضد الأردن والإمارات، والبحرين، والسعودية، وسلطنة عُمان، وقطر، والكويت، والعراق»، وعدُّوها، بحسب القرار الصادر عن الاجتماع، «انتهاكاً جسيماً لسيادة تلك الدول، يقوض السلم والأمن في المنطقة، ويمثل خرقاً صارخاً للقانون الدولي... ويشكل تهديداً خطيراً للسلم والأمن الدوليين».

وأكدوا أن «إيران تتحمل المسؤولية الدولية الكاملة عن هجماتها غير المشروعة وغير المبررة ضد الدول العربية، وأنها ملزمة، بموجب قواعد القانون الدولي، بجبر الضرر الكامل عن جميع الأضرار والخسائر الناجمة عن تلك الهجمات، بما في ذلك، الرد، والتعويض، والترضية»، وطالبوها بالوقف الفوري «لجميع هجماتها السافرة ضد الدول العربية والامتثال لالتزاماتها الدولية».

آلية لتوثيق الانتهاكات

أعاد الوزراء التأكيد على «دعم الدول العربية الكامل لحق الدول العربية المتضررة في اللجوء إلى المؤسسات الدولية والإقليمية لاستصدار قرارات تدين هذه الهجمات وتحمّل إيران المسؤولية عن تبعاتها»، داعين الهيئات العربية والإقليمية المختصة بالتنسيق مع الدول المتضررة إلى النظر في إنشاء آليات مناسبة «لتوثيق الانتهاكات وتقييم الأضرار والخسائر ومتابعة السبل الكفيلة بجبر الضرر عبر الوسائل الدبلوماسية والقانونية وغيرها من الوسائل السلمية».

وجدد الوزراء «إدانتهم للإجراءات والتهديدات الإيرانية الهادفة إلى إغلاق مضيق هرمز وباب المندب بعدّها انتهاكاً لأحكام القانون الدولي ولمبدأ حرية الملاحة في المضايق الدولية». وأكدوا في هذا الصدد على حق الدول العربية في الدفاع عن سفنها ووسائل نقلها وفقاً للقانون الدولي.

وكيل وزارة الخارجية السعودية عبد الرحمن الرسي خلال رئاسة وفد المملكة في الاجتماع (حساب الخارجية السعودية على منصة «إكس»)

وشدد وزراء الخارجية العرب على «رفض واستنكار استمرار إيران في تمويل وتسليح وتحريك الميلشيات التابعة لها في عدة دول عربية خدمةً لمصالحها، وبما يُشكل تهديداً خطيراً لأمن واستقرار تلك الدول والمنطقة». وجددوا التأكيد على الحق الأصيل للدول العربية المتضررة في الدفاع عن النفس، فردياً أو جماعياً، وفقاً للمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة.

وقال أبو الغيط في كلمته إن الاجتماع «لا يهدف فقط إلى إدانة الهجمات الإيرانية الآثمة على عدد من الدول العربية»، وإنما يستهدف «مطالبة المجتمع الدولي بتحميل المعتدي كامل المسؤولية عن اعتداءاته غير القانونية وغير المبررة وغير المقبولة على عدد من الدول العربية».

«خرق جسيم»

وأضاف الأمين العام للجامعة العربية أن إيران لم تمتثل لقرار مجلس الأمن 2817 الصادر في 11 مارس (آذار) الماضي بالوقف الفوري للعدوان، ولم تعترف بأن اعتداءاتها على الدول العربية في الخليج والأردن والعراق مثَّلت خرقاً جسيماً للقانون الدولي، وانتهاكاً مرفوضاً لسيادة الدول، وتجاوزاً صارخاً لكل معاني حُسن الجوار.

وطالب أبو الغيط إيران بـ«الامتثال فوراً لقرار مجلس الأمن، وبتحمل المسؤولية كاملةً عما تسببت فيه هذه الهجمات غير المشروعة من أضرار وخسائر، بما يقتضي التعويض وجبر الضرر بحسب ما ينص عليه القانون الدولي في هذه الحالات».

وقال إن «تصورات إيران عن التحكم في الخليج العربي وفي مضيق هرمز باطلة قانوناً، ولا تستند لحجة أو مسوغ، ومرفوضة جملة وتفصيلاً».

وأكد أن «حرية الملاحة في المضايق والممرات الدولية، ومنها مضيق هرمز، أمرٌ كفله القانون الدولي... ولا يمكن لإيران أن تنتزع لنفسها حق التحكم في مضيق هرمز، لأنها ببساطة لا تملكه».

واستطرد قائلاً إن الجامعة العربية «تعتبر الاعتداء على أي دولة عربية، أو ممارسة التهديد والترويع ضد سكانها المدنيين، اعتداءً على الدول العربية جميعاً»، مؤكداً أن «الجميع يقف صفاً واحداً في التضامن مع الدول التي تعرضت للهجمات الآثمة». وشدد على أن «هذه الاعتداءات الغاشمة سوف تنتهي، وستخرج الدول العربية من هذه الأزمة أكثر قوة وأشد ترابطاً وتعاضداً».

تنسيق وتشاور

وهذه هي المرة الثالثة، منذ اندلاع حرب إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، التي يجتمع فيها مجلس الجامعة على المستوى الوزاري لبحث تطورات التصعيد الإقليمي.

وكان وزراء الخارجية العرب قد أدانوا في اجتماع طارئ عبر تقنية الاتصال المرئي يوم 8 مارس (آذار) اعتداءات طهران على دول عربية، وأكدوا تأييد جميع الإجراءات التي تتخذها تلك الدول، بما في ذلك خيار الرد على الاعتداءات. ثم جددوا إدانتهم للاعتداءات في اجتماع الدورة العادية الـ165 نهاية الشهر الماضي التي اقتصرت أعمالها على مناقشة الاعتداءات الإيرانية على دول عربية.

وتأتي الاجتماعات العربية المتكررة في سياق التنسيق والتشاور العربي وتأكيد التضامن والدعم لدول الخليج، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، رخا أحمد حسن، الذي قال لـ«لشرق الأوسط» إن الاجتماعات المتتالية «تستهدف تأكيد دعم دول المنطقة التي تعرضت لخسائر مادية واقتصادية بسبب الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران»، مشيراً إلى تأثر سلاسل الإمداد بسبب تهديد إيران للملاحة في مضيق هرمز الذي قال إنه مضيق دولي لا يحق لطهران التحكم فيه بموجب القانون الدولي.

Your Premium trial has ended


لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.