البشير: ثمة من سهَّل سيطرة «داعش» على المدن السنّية لتبرير قصفها وتهجير أهلها

قال لـ «الشرق الأوسط» إن العلاقات مع السعودية ممتازة... واعترف بأن الترابي كان «الرجل الأصعب»

الرئيس البشير يتحدث إلى الزميلين غسان شربل وناصر الحقباني (تصوير: علي العريفي)
الرئيس البشير يتحدث إلى الزميلين غسان شربل وناصر الحقباني (تصوير: علي العريفي)
TT

البشير: ثمة من سهَّل سيطرة «داعش» على المدن السنّية لتبرير قصفها وتهجير أهلها

الرئيس البشير يتحدث إلى الزميلين غسان شربل وناصر الحقباني (تصوير: علي العريفي)
الرئيس البشير يتحدث إلى الزميلين غسان شربل وناصر الحقباني (تصوير: علي العريفي)

مستفز كلام الرئيس عمر حسن البشير. لم يكتف بالقول إنه لن يترشح مجددًا بعد انتهاء ولايته الحالية، بل اعتبر لقب الرئيس السابق «ممتعًا»، فهو معجب بظاهرة «الرئيس السابق» في لبنان.
ولأن التجارب العربية تعلم غير ذلك، رويت له واحدة من القصص قبل اندلاع «الربيع» في اليمن؛ حين قال لي الرئيس علي عبد الله صالح إن حكم اليمن يشبه «الرقص على رؤوس الأفاعي»، وأكد أنه يتطلع إلى لقب الرئيس السابق ليتفرغ لملاعبة أحفاده. عندما اندلعت الأحداث في اليمن تبين أن أولويات صالح لا تبدأ بملاعبة أحفاده... امتنع البشير عن التعليق، مكتفيًا بالقول إن لكل حالة خصوصيتها، وإنه مصرّ على احترام إرادة الدستور.
لم تكن رحلة البشير سهلة منذ يونيو (حزيران) 1989 وحتى الآن. حروب في الداخل وعلى الأطراف. والقارة السودانية غنية أصلا بكوكتيل من الإثنيات والقوميات والميول الجهوية مما يجعل النزاعات احتمالا يوميًا.
لم تكن رحلة «سودان البشير» سهلة عربيًا ودوليًا، وحفلت بأزمات ووساطات ومصالحات، وكان لافتًا أن «الربيع العربي»، الذي أطاح عددًا من الحكام العرب لم يعبّر عن نفسه في السودان رغم صعوبة الأوضاع الاقتصادية وحصول الطلاق مع الجنوب وفرض العقوبات الأميركية على الخرطوم، فضلا عن قصة المحكمة الجنائية التي تبدو اليوم من الماضي، بعد انتهاء تأهيل النظام عربيًا وإسلاميًا ودوليًا. يتوقف الرئيس السوداني طويلا عند خطورة الوضع العربي الحالي؛ إذ يعتبر أن العرب هم الآن ضحية خطة غربية فارسية صهيونية. ويتهم البشير إيران بتنفيذ برنامج للسيطرة على دول عربية، ويستشهد بتصريحات لمسؤولين فيها. ويذهب أبعد؛ مؤكدًا أن البرنامج الإيراني يستهدف العرب السنّة، ويجدد القول إن بلاده تملك ملفًا كاملا حول نشاطات التشييع التي كانت إيران تمارسها في السودان، وتواصلها في أنحاء أخرى من أفريقيا. أكد البشير أن السودان سيشهد قيام حكومة وفاق استنادا إلى مخرجات الحوار الوطني، وأن ذلك سيترافق مع استحداث منصب رئيس الوزراء. سألته «الشرق الأوسط» عمن كان الرجل الأصعب في التعامل معه في السنوات الماضية، فأجاب أنه الدكتور حسن الترابي.
* فخامتكم، انتهى عهد الرئيس الأميركي باراك أوباما بانفراج فيما يتعلق بالعقوبات... هل تتوقعون في عهد الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترمب استمرار هذا الاتجاه الإيجابي؟
- رفع العقوبات الأميركية عن السودان كان وعدًا قديمًا، حيث بدأت المحادثات بشأنه قبل عام 2000، بدأ بشرط واحد ولكن تلته شروط أخرى، فبدأت الطلبات بتوقيع اتفاقية سلام في جنوب السودان، فوقّعنا الاتفاقية، غير أن واشنطن طالبت باتفاقية أخرى في دارفور، والكلام نفسه تكرر بأنه في حالة وقعنا الاتفاقية في دارفور سترفع كل العقوبات، وبالفعل عملنا اتفاقية في دارفور، وجاء وعدهم الثاني أننا لو نفذنا اتفاقية السلام في جنوب السودان، أيضًا، سترفع العقوبات، وهكذا دواليك، وبالتالي إن رفع العقوبات كان وعدًا قديمًا يؤجل كل مرة، عمومًا كانت هناك جهود مستمرة لدعم موقف السودان، من أجل رفع العقوبات عنه، وبدأنا حوارًا جادًّا مع الإدارة الأميركية السابقة في عهد الرئيس السابق باراك أوباما، وهنا لا بد من القول إنه كان هناك دعم للحوار السوداني من عدد من الدول الصديقة والشقيقة على رأسها السعودية، والإمارات، وسلطنة عمان، وغيرها من الدول الصديقة والشقيقة في أفريقيا وخارجها، وأخيرًا تم ذلك، حيث أصدر الرئيس الأميركي السابق أوباما قرارًا بإلغاء العقوبات جزئيًا عن السودان، علمًا أنها مُررت في عهد الرئيس الأسبق بيل كلينتون، وقناعتنا أنه أزيلت عقبة مهمة جدًا أمام العلاقات السودانية – الأميركية، وهي إزالة العقوبات من قبل رؤساء أميركا السابقين، ولكن ما زالت لدينا ملفات مفتوحة مع أميركا، مثل ملف الإرهاب، وهو ملف مهم جدًا تأكدت من خلاله أن السودان لا يؤوي الإرهاب ولا يغذيه ولا يموّله، بل إن السودان متعاون جدًا في مكافحة الإرهاب، وهناك توقعات بأن الأمور ستمضي نحو الأفضل، في عهد الإدارة الأميركية الجديدة.
* هناك 5 مطالب كشروط لرفع العقوبات، منها ما يتعلق بجنوب السودان ومنها ما يتعلق بجيش الرب..
- بالفعل كانت هناك 5 محاور لرفع العقوبات، والسودان أوفى بذلك، منها توقيع اتفاقية السلام في جنوب السودان وكنّا قد أوفينا بها، وكل العالم والدول المجاورة تعلم أن لدينا جهودًا كبيرة جدًا ومحاولة للعمل على استقرار جنوب السودان، العامل الثاني هو أننا أكدنا أنه ليست لدينا علاقة بجيش الرب بل حتى الأوغنديون أنفسهم أكدوا ذلك، فلا وجود لجيش الرب في السودان ولا ندعمه بأي شكل. على صعيد العامل الثالث المعني بقضية السلام في السودان، كنا قد نفذنا الاتفاقيات كاملة، فيما يتعلق بالمنطقتين في جنوب كردفان وفي منطقة النيل الأزرق، وكنا قد عملنا خطة وقبلنا بأن تصل الإغاثة إلى مناطق يسيطر عليها المتمردون شريطة أن تأتي عبر السودان، ولكن الطرف الآخر رفض دخول الإغاثة عبر السودان، لأنهم كانوا يريدون أن تدخل دون أن تعبر بالسودان، وبالتالي تبقى كل الملفات أمام الإدارة الأميركية مستوفية الشروط، بما فيها ملف الإرهاب مع تأكيدها على أن هذا الملف لم يكن به مشكلة أصلا.
* متى بدأت الاتصالات السودانية – الأميركية بهذا الشأن وأين؟
- بدأت هذه الاتصالات منذ أن توسطت أميركا لاتفاقية السلام في جنوب السودان، وكان مبعوث الرئيس الأميركي وقتها السيناتور جون دانفورث، وهو الذي تابع معنا كل الاتصالات والمقابلات في ذلك الوقت والتي توصلنا بموجبها إلى التعاون مع دول «إيقاد» (منظمة من 7 دول في القرن الأفريقي تعنى بالسلام) وآخرين إلى اتفاقية السلام الشامل، فكانت هذه الاتصالات الأولى والتي بموجبها أعطونا أول وعد، بـ«روشتة» محددة جدًا، وبعد أن وقعنا هذه الاتفاقية، وعدونا بإزالة جميع العقبات أمام العلاقات الثنائية. وبعد المبعوث الأميركي جون دانفورث جاء روبرت زوليك الذي كان رئيس البنك الدولي ونائبًا لوزير الخارجية، وجاء بعده آخرون وواصلوا معنا لفترة في الاتجاه نفسه، من بينهم الجنرال اسكوت غرايشون، وبرنستون ليمان، وأخيرًا دونالد بوث.
* ما الهدف من زيارتك للسعودية؟
- تأتي الزيارة كالعادة، في إطار التشاور والتنسيق المستمرين مع السعودية، لأن كل المنطقة تمر بظروف صعبة، فالمنطقة العربية تمرّ بأسوأ ظروفها، فما يدور في العراق وفي اليمن وفي سوريا وفي ليبيا وفي غيرها من البلاد المضطربة يتطلب منا في السودان والسعودية استمرارية التشاور والتنسيق، خاصة وأن هناك تعاونًا كبيرًا جدًا في المجال العسكري كما هو واضح في «عاصفة الحزم»، و«إعادة الأمل»، في اليمن والتي نأمل أن تصل إلى نتائجها من حيث السلام والأمن للشعب اليمني، أيضًا هناك تعاون ثنائي في التحالف الإسلامي ضد الإرهاب، حيث إنها كلها قضايا ملحة جدًا في منطقتنا العربية تحتّم علينا أن نتشاور بشكل مستمر.
* هل تعتقد أن العرب يتعرضون لأخطر تهديد في تاريخهم الحديث؟
- بكل أسف هذا هو الحاصل، وما نخشاه هو أن التاريخ يعيد نفسه، حيث إننا نتعرض حاليًا إلى ما تعرضت له المنطقة في الحرب التي قادها الغرب في العهد الفائت، في ظل الخلافات العربية التي مكّنت الغرب من السيطرة على المنطقة وتحقيق أهدافه، وهو ما يحدث الآن تمامًا، حيث نجد هناك تحالفات خارجية، ونحن ضد بعضنا البعض في وجود مشكلات داخلية تتحول إلى ثغرات للتدخلات الخارجية، وهناك دول مهمة جدًا في المنظومة العربية ضاعت حاليًا، مثل العراق وسوريا، ودول تتعرض للضياع مثل اليمن وليبيا والصومال التي سبقتهم، ويبرز إلى السطح السؤال الذي يطرح نفسه: هل هذه الحالة هي النهاية أم ما زال هناك سيناريو لسقوط المزيد من الدول؟ من الواضح أن التآمر مستمر حتى الآن.
* هل مشكلة هذه الدول مع قوى دولية أم إقليمية؟
- للأسف، الأمور تداخلت فيها العوامل الإقليمية والدولية، وإننا نرى حلفًا صهيونيًا فارسيًا غربيًا، فالظاهر للناس أن العداء قائم بين إيران والغرب، ونرى أن ذلك غير حقيقي، فهذا شيء مظهري، إذ إن الشعارات المرفوعة في إيران «الموت لأميركا» و«الموت لإسرائيل» هي مجرد شعارات، وشهدنا كيف ولمن سلّم الأميركان العراق؟ إذ كانت العملية، مجرد عملية تسليم وتسلم للجهات الموالية لإيران، ويقيننا أن ذلك لم يكن بمحض الصدفة، فالأميركان سلموا العراق بالكامل لأولئك الموالين، ومن ثم خرجوا منه، أما فيما يتعلق بسوريا فهناك تآمر واضح من الحلف الصهيوني الغربي الفارسي، والواضح أن إسرائيل هي المستفيد الأكبر مما يحدث لأن قوة إسرائيل ليست في قوتها الذاتية وإنما في ضعف الأمة العربية.
* ألا تعتقد أن لدى إيران برنامجًا ضد إسرائيل؟
- قناعتنا أن المنطقة مقسمة بين «دولة إسرائيل الكبرى» و«الدولة الصفوية»، وهذا الأمر يمضي على هذا النسق، فهناك علامة استفهام في تسليم أميركا العراق إلى جهات تدين بالولاء لإيران، وهذا يؤكد أن هناك برنامجًا لمخطط واضح.
* لتدهور الذي شهدته العلاقات السودانية - الإيرانية هل هو نتيجة مواقف إيران من هذه الدول؟
- هذه قناعتنا، ونذكر هنا أن مسؤولا إيرانيًا، قال ذات مرة، «نحن سيطرنا على أربع عواصم عربية»، والسؤال: هل هذه هي النهاية، أم أن هناك برنامجًا لاستكمال السيطرة على المنطقة العربية؟!
* هل تعتقد بوجود برنامج إيراني للسيطرة على المنطقة العربية؟
- نعم هناك برنامج إيراني للسيطرة على المنطقة العربية، وهو قيام «الدولة الصفوية الكبرى».
* اتهمتم إيران في مرحلة من المراحل أنها كانت تقوم بالتشييع لكنها أنكرت... هل لديكم دليل على ذلك؟
- من المؤكد، هناك دلائل على المحاولة الإيرانية للتشييع في السودان، لدينا دراسة كاملة عن كل نشاطات التشييع في السودان بل في أفريقيا بأسرها، هناك عملية تستهدف تشييع أفريقيا بالكامل، هناك حوزات وحسينيات ونشاطات للمركز الثقافي الإيراني في شكل ندوات ومحاضرات وكنا في البداية نعتبر أن نشاطها في إطار ثقافي، غير أننا وجدناه عملية تشييع، ومحاولات لجذب بعض الشباب وبعض الفئات الأخرى.
* هناك من يتهم إيران بإحداث تغييرات ديموغرافية في العراق وسوريا وتغيير هويّات بعض الدول وإحداث توازنات فيها... كيف تنظرون إلى ذلك؟
- بملاحظة ما حدث في العراق، نستطيع القول إن «داعش»، صُنعت صناعةً، حيث بدأ ذلك بقانون «اجتثاث البعث»، غير أن هذه كانت سياسة لتغطية إبعاد وتهجير أي مسلم سنّي من أي موقع حكومي، وبالتالي عزلوا السنّة تمامًا من الحكومة بمن فيهم الموظفون غير العسكريين، أضف إلى ذلك أن عددًا كبيرًا تعرض للاعتقالات والسجون والتعذيب، الأمر الذي خلق حالة من التشدد، ولذلك عندما بدأت «داعش»، بدأت مثلها مثل أي مجموعة من المجموعات، غير أنه كان واضحًا أن هناك محاولة أو برنامجًا لتقوية «داعش»، فمثلا إذا أخذنا الموصل كأنموذج، نلاحظ أن عدد أفراد «داعش» الذين دخلوا الموصل لا يتجاوزن 1500 عنصر، بينما عدد الجيش العراقي الذي انسحب من الموصل يبلغ 30 ألف فرد بكل مقوماته ومعداته، فالسؤال الذي يطرح نفسه: كيف ينسحب هذا العدد الكبير من المقاتلين العراقيين أمام فقط 1500 «داعشي» في الموصل؟
* هل تعتقد أن سقوط الموصل في يد «داعش» كان أمرًا مقصودًا؟
- قناعتنا أن هناك برنامجًا لتقوية «داعش» وتمكينها من احتلال المدن السنّية، لتبرير قصفها وتهجيرها، فكان من الطبيعي أن يخرج المدنيون لحماية أنفسهم من الضربات الصاروخية، ثم يتعرضون، حول المدينة، للتقتيل والتشريد والتصفية بشكل واضح، والشيء نفسه يحصل في سوريا، حيث إن مدينة مثل حلب تعرّض سكانها من أهل السنّة لتهجير قسري بشكل كبير إلى الخارج.
* هل تعتقد أنه برنامج ضد السنّة؟
- نعم إنه بالفعل برنامج ضد السنّة من خلفه الحلف الفارسي الإسرائيلي الغربي، لأنه لو نظرنا بعمق نجد أن كل الذين ينتظمون في مقاومة حقيقية ضد الاحتلال الإسرائيلي هم من أهل السنّة.
* هل جرت محاولة إصلاح العلاقات بين إيران والسودان؟
- محاولات لكنها محدودة من بعض السفراء في بعض الدول، يلتقون مع سفرائنا ويتحدثون عن إمكانية تقوية العلاقات بين البلدين، لكن ليس هناك أي اتصال رسمي مع القيادة الإيرانية.
* حتى ترجع العلاقات بين السودان وإيران، ما المطلوب؟
- مطلوب من إيران عدم التدخل في المنطقة العربية، والتوقّف عن استهداف السنّة العرب، وعدم محاولة ممارسة برامج التشييع، نحن في السودان تحديدًا لدينا ما يكفينا من مشاكل كثيرة، قبلية وجهوية وتمرد، لا نستطيع أن نضيف إليها مشاكل أخرى جديدة.
* هل هذه المرحلة في العلاقات السعودية - السودانية هي الأكثر قوة؟
- العلاقات بين البلدين تمرّ بأفضل حالاتها، سواء السياسية أو الاقتصادية أو الخارجية، وهناك تعاون وتنسيق كاملان على الصعد كافة، بما فيها العسكرية.
* كيف كانت محادثاتكم مع خادم الحرمين؟
- كالعادة، كانت محادثات ناجحة جدًا، ونحن خرجنا جميعًا متفقين على كل شي، وليس هناك أي خلاف.
* هل هناك اهتمام سعودي بتنمية الجيش السوداني؟
- هناك اهتمام بالتنمية في كل المناحي في السودان عمومًا، في ظل وجود العلاقات العسكرية والاقتصادية، والجميع يشاهد توقيع اتفاقيات في كل مرة، وفي هذه الزيارة وقعنا أيضًا اتفاقيات مع الجانب السعودي تعنى بمياه الشرب في الريف.
* ما حجم الاستثمارات السعودية والخليجية في السودان؟
- لا أستطيع أن أعطيك الرقم الحقيقي الآن، ولكن لا تقل عن 6 مليارات دولار.
* كيف نجا السودان من الربيع العربي؟
- قناعتنا أنه كان هناك إحساس لدى القاعدة الجماهيرية بالأمل في وجود أمن وتنمية وتحسن نحو التقدم والتقنية، وهو الذي جعل الناس تقبل الوضع على الرغم من الظروف الاقتصادية الصعبة التي مرّت بها البلاد سابقًا.
* اتخذتم في الآونة الأخيرة إجراءات اقتصادية قاسية... ألم تتخوفوا من أن تكون هناك ردة فعل من المجتمع، خصوصًا مع ظهور دعوات للعصيان المدني؟
- قطعا نمرّ بظروف اقتصادية صعبة، وليست هناك حلول أيضًا سهلة، فالوضوح مع الناس هو شرح الأوضاع لهم، وشرح أسباب اتخاذ هذه الإجراءات، وبالتالي يبقى هناك خياران، إما اتخاذ إجراءات إصلاحية اقتصادية صعبة للوفاء بالالتزامات نحو إدارة شؤون البلاد وتوفير الخدمات الضرورية، وإما التفرّج على مسار انهيار الاقتصاد أو عجز الدولة من توفير الخدمات والسلع الضرورية للمواطن، دون اتخاذ العلاج أو الإجراءات اللازمة. هذان خياران، ولكن الأفضل الأخذ بالخيار الأقل ضررًا وهو تحمّل الإجراءات الإصلاحية، بينما الخيار الثاني هو الأكثر ضررًا لأنه يؤدي إلى الانهيار الاقتصادي، وعجز الدولة عن الوفاء بالتزاماتها تجاه المواطن والبلد وأمنه، ولذلك العصيان المدني فشل وبالتالي الدعوة لتظاهر الناس في الشارع أيضا فشلت لأن الشعب تفهّم ذلك القرار وحيثياته.
* في ضوء الحوار الوطني الذي حدث، طرح موضوع حكومة وطنية ورئيس وزراء...
- نعم لأن أحد مخرجات الحوار الوطني وتوصياته بأن تكون هناك حكومة وحدة وفاق وطني، يعني أن تتوسع قواعدها، بمعنى عندنا حكومة وحدة وطنية حاليًا يشارك فيها عدد من الأحزاب وبالتالي ستتوسع الحكومة، وستضاف الأحزاب الأخرى التي شاركت في الحوار، بالإضافة إلى استحداث منصب رئيس وزراء.
* هل سنشاهد الصادق المهدي رئيسًا للوزراء؟
- طبعًا ليس واردًا في الأصل، لأن الصادق المهدي حتى الآن لم يوقع على الوثيقة، وبالتالي لن يكون طرفًا في الحكومة ولكن يمكن أن يحدث ذلك في حالة مشاركته في الانتخابات القادمة.
* ومتى ستكون الحكومة المقبلة؟
- لا يزال التشاور مستمرًا.
* يبدو أن العلاقات السودانية المصرية تشكو من سدّ النهضة ومن حلايب؟
- العلاقات تشكو من الإعلام المصري، فهو مرض العلاقات بين البلدين، لأنه يتعامل بصورة غير موفقة، ولكننا تعودنا عليه. بالنسبة لسد النهضة، قناعتنا أن سد النهضة له إيجابيات كبيرة على تنمية السودان، فإذا كانت المشكلة في حصة مصر في مياه النيل أقول إنها مؤمّنة تمامًا، لأن سد النهضة، هو سد لتوليد الكهرباء فقط، أي ليس هناك أي استغلال لمياه السد للري، حيث إن المنطقة التي يوجد فيها السد على بعد 20 كيلومترًا من الحدود السودانية، وهي منطقة جبلية لا توجد فيها أراض صالحة للزراعة أو الري، وبالتالي لن يؤثر السدّ على حصة السودان ومصر في مياه النيل، إذ لدينا اتفاقية مياه النيل بين السودان ومصر أنشئت عام 1959، وقسمت مياه النيل في السد العالي بين السودان ومصر، وأعطت مصر نحو 52 مليار متر مكعب، وأعطت السودان 18.5 مليار متر مكعب، وبالتالي هذا هو الوضع حتى الآن، ونحن على قناعة بأن السدّ لن يؤثر على حصة مصر، بقدر ما يمكننا ذلك من الاستفادة من حصتنا في اتفاقية مياه النيل مستقبلا، لأن قدرات التخزين بالسودان في المياه، لا تمكننا من فعل ذلك.
وبالعودة لموقف الإعلام المصري تجاه هذا السدّ، فهو موقف غير مبرر، ولذلك حصلت تعبئة للمواطن المصري، بأن إثيوبيا ستتحكم في مياه النيل، غير أننا لم نشاهد تحكمًا قد حصل ولم يتغير مجرى النيل، ولا حتى تستغل مياه النيل إلا في الطاقة الكهربائية.
* كيف استطعت البقاء في الحكم في بلد مجاور لثماني دول، وتركيبته معقدة. ما هو هذا السر هل هو التنظيم الحزبي المحكم أم عوامل أخرى؟
- هي إرادة الله، فهو يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، ولكن المعروف أن حكم السودان، ليس بالشيء المرغوب، لما فيه من مشاكل تتعلق بتركيبة السودان، وما يواجهه من مؤامرات.
* قرأت أنه بعد انتهاء ولايتك، لن تترشح في 2020. هل هذا الكلام دقيق؟
- الدستور الحاكم الآن، هو دستور 2005، وبالتالي فإنه بنصّ هذا الدستور أكون قد أنهيت المدة، ولن أستطيع أن أترشح مجددًا.
* هل سهل على من يحكم مدة طويلة أن يتعايش مستقبلا مع لقب الرئيس السابق؟
- ليس سهلا فقط، إنه متعة، لأن الكل سيحترمك كرئيس سابق وينادونك في الشارع يا فخامة الرئيس دون أدنى مسؤوليات.
* دون تشبيه، في 2010 كنت عند الرئيس علي عبد الله صالح، وقال لي إنه تعب من الحكم، ويعجبه أن يلقب بالرئيس السابق ويلاعب أحفاده...
- لكل حالة خصوصيتها، الوضع في السودان يختلف، وأقرب مثال هو جعفر النميري (رحمه الله)، حيث إنه بعد أن رجع للسودان عومل بوصفه الرئيس السابق، ظل يعيش بين الناس كشخصية محترمة جدًا، وأذكر بهذه المناسبة موقفًا حدث بينه وبيني إذ كنت عادةً أمارس تحركاتي بعد الساعات الرسمية دون مرافقة موكب، بينما هو له موكب مرافق على الرغم من أنه رئيس سابق حيث كانت له سريّة ولديه دراجات وسيارات سوداء، صادفته ذات مرة في أحد الطرقات، وطبعًا رجال الشرطة لا شعوريًا أوقفوا حركة السير حتى يمر موكب الرئيس السابق النميري، بينما أنا كنت ضمن الناس الواقفة التي تنتظر موكب الرئيس النميري يمرّ، وبالتالي ليس لدينا أي حساسية من ذلك. والمثال ينطبق كذلك على الرئيس السابق المشير عبد الرحمن سوار الذهب، وحتى الصادق المهدي هو رئيس وزراء سابق، وكذلك أحمد الميرغني كان رئيسًا سابقًا حتى رحيله رحمه الله.
* ما أصعب لحظة عشتها خلال فترة الحكم الطويلة؟
- اللحظات الصعبة كانت كثيرة جدًا، فنحن كنا نحارب لفترة طويلة ومرت بنا ظروف عصيبة ونحن في وضع عسكري يعجّ بالمشاكل، وحدث أن سقطت أكثر من مدينة رئيسية في يد التمرد، وتدري أن كل الجبهات على الحدود مع السودان كانت مشتعلة، وبالتالي كانت اللحظات صعبة جدًا، لأنه ترتب على ذلك مشكلات كثيرة معقدة. ومن ثم مررنا بمرحلة انفصال جنوب السودان، ونحن كنا قد عقدنا اتفاقية، تضمنت الاتفاق بأن يعمل طرفا الاتفاقية على أن تكون الوحدة هي الخيار الجاذب للمواطنين، ولكن للأسف عمل الطرف الآخر في اتجاه آخر، وحصل الانفصال، فكون الدولة تنقسم إلى قسمين كانت عملية مؤلمة وليست سهلة، إضافة إلى ذلك فقدنا جزءًا من أرضنا وجزءًا من شعبنا، وكذلك المورد الأساسي للسودان، وهو البترول، ذلك أن 80 في المائة كان بجنوب السودان.
* من هو أصعب رجل تعاملت معه في السودان؟
- هو حسن عبد الله الترابي (رحمه الله).
* هذه العلاقة غريبة؟
- هو شخصية تتمتع بكاريزما قوية جدًا، وظل مسيطرًا على الحركة الإسلامية لفترة طويلة. عاش صراعات كثيرة داخل الحركة قبل أن يتصادم معنّا، وكان دائمًا هو الكاسب في صراعاته في القيادة داخل الحركة، غير أنه خسر لأول مرة في صراعاته معنا.
* ما أهمية التحالف الإسلامي ضد الإرهاب؟ هل هو لإعادة التوازن مع إيران؟
- هو يعيد التوازن مع إيران، وأيضًا لمواجهة الحركات المتطرفة، هناك بعض من الشباب المتطرف، والدول تحتاج للتعاون بعضها مع بعض لأنه بسبب تفشي التطرف انتشر تنظيم القاعدة و«داعش» و«جبهة النصرة»، وفي أفريقيا «بوكو حرام». فالإرهاب أشكاله متعددة ونحتاج إلى التعاون في جميع المجالات، وليس في المجال العسكري فقط، ولدينا تجربة في السودان في التعامل مع هؤلاء الشباب الذين غسلت أدمغتهم، لأنه فكر، ووجدنا أنه من المهم أن نحارب الفكر بالفكر، فأعددنا مجموعة من الشباب المتفقهين المتنورين، ودمجناهم في المجتمع من خلال الحوار الطويل، وتعاملنا مع بعض من تم اعتقالهم واسترجعنا عددًا كبيرًا منهم إلى طريق الصواب بل استخدمنا بعضهم في إقناع الآخرين، واستطعنا أن نجد عملية توازن. نحن على قناعة أن خلف المجموعات الإرهابية، جهات تعمل لزعزعة الأوضاع في الدول العربية والإسلامية.
* هل أنت مرتاح لمسار الحرب في اليمن؟
- نتمنى أن تحسم الحرب في اليمن، بسرعة، واستمرار الحرب فيه مزيد من التدمير والقتل والتشريد، كنا نتمنى أن تحسم في وقت أقل من هذا، ولا زلنا نتمنى.
* المشاركة السودانية فاعلة في حرب اليمن؟
- مشاركتنا رمزية وليست بالقوة الكبيرة، لدينا قوات على الأرض، وكذلك قوات جوية.
* هل تشارك في القمة العربية المقبلة في الأردن؟
- قطعًا، إن شاء الله.



إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)

وسّع الجيش الإسرائيلي موجة إنذارات الإخلاء إلى السفح الغربي لجبل الشيخ، في تمدد غير مسبوق باتجاه منطقة حدودية مع سوريا لم تكن محتلة منذ العام 1985 في جنوب شرقي لبنان، وهو ما أثار موجة أسئلة عن خريطة الحركة الجديدة التي لا تقتصر على تقييد عودة السكان فحسب، بل تعيد توجيه ثقلها العملياتي نحو الشرق.

ويشير ضم الجيش الإسرائيلي لبلدة عين عطا ضمن تمددها إلى جبل كريستوباني، وهي تسمية إسرائيلية مستحدثة للمنطقة، إلى أن المعركة لم تعد محصورة في الجبهة الجنوبية التقليدية، بل تتجه تدريجياً إلى اختبار محاور بديلة باتجاه الحدود مع سوريا، قد تعيد رسم خطوط الاشتباك. وبدل أن تتحول الهدنة إلى مساحة استقرار، تبدو مرحلة لإعادة التموضع، وتقوم على ضبط الأرض جنوباً، وفتح احتمالات التصعيد شرقاً.

خريطة نشرها الجيش الإسرائيلي للمنطقة الحدودية مع لبنان (الجيش الإسرائيلي)

وعين عطا، تتبع إدارياً قضاء راشيا في محافظة البقاع، وتقع على مرتفع استراتيجي على الجانب اللبناني من سفح جبل حرمون، وهي منطقة اتصال بين الأراضي اللبنانية والأراضي السورية التي احتلتها إسرائيل في العام الماضي في شمال القنيطرة، وتشرف في لبنان على عمق استراتيجي يربط البقاع بالجنوب.

محررة منذ 1985

ويضع مصدر نيابي لبناني هذا التصعيد بالتحذيرات في إطار مختلف، معتبراً في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أنّها «تندرج ضمن الضغط الذي يستهدف كل اللبنانيين، عبر توسيع رقعة القلق، وزرع حالة دائمة من الترقّب، والخوف»، مضيفاً: «إنّ المشروع التوسعي الإسرائيلي لا يستثني أحداً من حيث الاستهداف».

ويوضح المصدر أنّ إدراج عين عطا ضمن هذه التحذيرات «يثير تساؤلات جدية، لا سيما أنّ البلدة ليست من القرى التي خضعت للاحتلال في مراحل التسعينات، بل تُعدّ محرّرة منذ عام 1985»، مشدداً على أنّ «الحديث عنها بهذا الشكل يفتقر إلى الدقة، سواء من الناحية التاريخية، أو الميدانية».

أطفال يلهون في سيارة مدمرة بجنوب لبنان العام 1983 (متداول)

تبدّل في التفكير العملياتي

في قراءة أوسع لهذه المؤشرات، يضع رئيس «مركز الشرق الأوسط للدراسات» العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر هذا التصعيد ضمن سياق تحوّل في المقاربة العسكرية الإسرائيلية. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنّ «الحديث عن منطقة جنوب عين عطا لا يمكن فصله عن القراءة العسكرية لطبيعة السيطرة النارية والاستكشافية التي يؤمّنها جبل الشيخ»، موضحاً أنّ «جبل الشيخ يوفّر إشرافاً بالنار والاستطلاع يمتد إلى البقاع الغربي، ومناطق واسعة من الجنوب».

ويشير إلى أنّ «إسرائيل بعدما لم تنجح في تحقيق تقدّم حاسم في الجنوب، بدأت تبحث عن محاور بديلة، من بينها البقاع الغربي، ومنطقة عين عطا تحديداً، لما لهذه المنطقة من أهمية عملياتية»، لافتاً إلى أنّ «هذا المحور كان مطروحاً سابقاً كخيار لهجوم بري محتمل، خصوصاً أنّ التقدّم من الجنوب أثبت تعقيداته الميدانية».

جرافات إسرائيلية معززة بدبابات عسكرية تنفذ أعمال هدم داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

ويضيف أنّ «السيناريو الأكثر ترجيحاً كان، ولا يزال، يعتمد على اختراق من جهة البقاع الغربي، نظراً لخصوصية هذه المنطقة من حيث الطبيعة الجغرافية والديموغرافية، فهي أقل تعقيداً من الجنوب، وأرضها أكثر انفتاحاً، ما يسهّل العمليات العسكرية».

توسعة بالتحذيرات

وتتزامن التحذيرات مع استمرار تمركز القوات الإسرائيلية خلال فترة وقف إطلاق النار، وتشمل طيفاً واسعاً من القرى، من الناقورة في جنوب غربي لبنان، إلى مرجعيون وكفرشوبا وعين عطا شرقاً، مروراً ببلدات محورية، مثل بنت جبيل، والخيام، وميس الجبل، إضافة إلى مناطق حيوية كنهر الليطاني ووادي السلوقي. وعلى الأرض، تتقاطع هذه الإنذارات مع معطيات ميدانية تشير إلى استمرار تمركز القوات الإسرائيلية داخل بعض النقاط، ما يحوّل الهدنة عملياً إلى مساحة ضبابية بين وقف النار واستمرار السيطرة.

وتتقدم منطقة عين عطا في هذه القراءة بوصفها نقطة مفصلية في أي سيناريو عسكري محتمل. ويشدّد جابر على أنّ «منطقة جنوب عين عطا تشكّل نقطة مفصلية في أي حسابات عسكرية، كونها مفرق طرق يربط بين البقاع الغربي وراشيا وحاصبيا والجنوب، وبالتالي فإن السيطرة عليها تفتح مسارات متعددة لأي تقدّم عسكري»، معتبراً أنّ «أهميتها تكمن في كونها عقدة مواصلات تتيح الانتقال نحو عدة اتجاهات في وقت واحد».

نازحون يعبرون جسراً مدمراً في طريق العودة إلى منازلهم في قرية طير فلسيه في جنوب لبنان (أ.ب)

ويشير إلى أنّ السيطرة عليها تتيح التحرك شرقاً نحو عمق البقاع، وجنوباً نحو حاصبيا والعرقوب، وغرباً باتجاه القرى الأساسية في البقاع الغربي، ما يمنح أي قوة مهاجمة مرونة عالية في المناورة، والتحكم بخطوط الإمداد». ويقول إنّ «التركيبة الديموغرافية المختلطة في هذه المنطقة تجعلها، عسكرياً، أكثر رخاوة من بيئة الجنوب».

ويرى أنّ «هذا السيناريو، في حال تحقّق، قد يؤدي إلى فصل البقاع الشمالي عن الجنوب، ما يغيّر موازين المعركة بشكل جذري، ويضع القوى المدافعة أمام تحديات لوجستية وميدانية أكثر تعقيداً».

الأهداف تتجاوز الميدان

لا يقتصر هذا التحوّل، وفق جابر، على البعد العسكري، بل يتعداه إلى أهداف سياسية واضحة. ويرى أنّ «إسرائيل، في حال دخلت واحتلت نقاطاً في هذه المنطقة، قد تتكبّد خسائر، لكنها تراهن على استخدام هذا التقدّم ليكون ورقة ضغط، ولفرض شروطها السياسية على لبنان، خصوصاً فيما يتعلق بسلاح (حزب الله) وترسيم الحدود». ويضيف أنّ «الهدف من أي تحرّك عسكري إسرائيلي لا يقتصر على المكاسب الميدانية، بل يتجاوزها إلى تحقيق أهداف سياسية، أبرزها الضغط على الدولة اللبنانية لفرض وقائع جديدة، سواء لجهة سلاح (حزب الله)، أو إعادة ترتيب الحدود الجنوبية».


ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
TT

ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)

لم تمر وفاة الطبيب المصري ضياء العوضي في دولة الإمارات قبل بضعة أيام مرور الكرام، فالجدل دائر منذ أشهر حول شخصيته و«نظريته» التي يروج لها برفض العلاج عبر الأدوية التقليدية والاعتماد على نظام غذائي أطلق عليه «الطيبات».

ورغم تأكيد محاميه أن الوفاة «طبيعية»، وصدور بيان من وزارة الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، الثلاثاء، ذكر أن الوفاة التي حدثت في أحد فنادق مدينة دبي «جاءت طبيعية، ولا توجد أي شبهات جنائية، وجاءت بسبب جلطة مفاجئة بالقلب»، فإن ملابسات الواقعة تحولت إلى مادة جدل واسع على منصات التواصل الاجتماعي.

فالعوضي عُرف بآرائه المثيرة للجدل، مثل التحذير من تناول الأطفال الذكور الدواجن بزعم تأثيرها على «الرجولة»، وتفضيل الإفطار بـ«النوتيلا» على الأطعمة التقليدية مثل الفول، والدعوة إلى استهلاك كميات كبيرة من السكر يومياً، إلى جانب التحذير من الخضراوات رغم قيمتها الغذائية المعروفة.

العوضي عُرف بالترويج لما سمّاه «نظام الطيبات» رافضاً العلاج بالأدوية التقليدية (لقطة من لقاء تلفزيوني أجراه معه الإعلامي محمود سعد)

ولا تزال صفحات مؤيدة له تضم آلاف المتابعين تعيد نشر مقاطع له وتدافع عن منهجه في التغذية، ومن بين هؤلاء مدوِّنة تُدعى رشا حجازي، قالت إن الطبيب الراحل طوّر ما يُعرف بـ«دايت الأرز» الذي وضعه الطبيب الألماني - الأميركي والتر كيمبنر.

غير أن الطبيب والإعلامي المصري الدكتور خالد منتصر روى تفاصيل موقف وحيد جمعه مع العوضي، عبر منشور على «فيسبوك»، حين علّق الراحل بشكل عدّه منتصر «غير طبيعي» وحذره من «أكل البطيخ» مظهراً «ثقة زائدة»، ولفت منتصر إلى أن «تحويل الطبيب العوضي إلى تريند» على مواقع التواصل أسهم في «زيادة حضوره الإعلامي».

وشدد منتصر على أن الوفاة لا تنفي حق نقد «الآراء الطبية غير العلمية»، مؤكداً أن «توصية الطبيب الراحل بوقف الإنسولين أو مثبطات المناعة أو الكورتيزون بشكل مفاجئ يُعد جريمة طبية»، محذراً من أن ذلك يكرّس الجهل ويغذي من وصفهم بـ«سماسرة الوهم».

اتهامات وشطب عضوية

في السياق ذاته، أشار الدكتور أسامة حمدي، أستاذ الباطنة والسكر بجامعة هارفارد الأميركية، إلى ما وصفها بـ«أخطاء طبية جسيمة» نُسبت إلى الطبيب الراحل، تمثلت في الترويج لعلاج مرض السكري بزيادة تناول السكر، والدعوة إلى وقف الإنسولين حتى لمرضى النوع الأول، إضافةً إلى وقف الكورتيزون عن مرضى يعتمدون عليه.

وأوضح أن هذه الممارسات، وفق روايات طبية، أدت إلى مضاعفات خطيرة بينها حالات تسمم كيتوني ووفاة سيدة، محذراً من خطورة تجاهل الأسس العلمية في علاج الأمراض المزمنة، حسب منشور عبر صفحته على «فيسبوك».

وفي مارس (آذار) الماضي، قررت نقابة الأطباء المصرية شطب عضوية العوضي، بعد اتهامه بنشر معلومات طبية مضللة وغير مدعومة علمياً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدةً أن هذه الممارسات قد تمثل تهديداً مباشراً لصحة المواطنين.

كما شملت الاتهامات الترويج لأساليب علاجية غير معتمدة علمياً في التعامل مع بعض الأمراض المزمنة، وهو ما عدّته لجنة التأديب بالنقابة إخلالاً جسيماً بأصول المهنة وقواعدها الأخلاقية والمهنية.

ويعتقد الدكتور وسام إبراهيم حمودة، استشاري ورئيس قسم جراحات التجميل والحروق بجامعة بنها، أن «الأدوية العشبية والمنتجات الطبيعية قد تلعب دوراً في الوقاية من بعض الأمراض، إلا أن فاعليتها في العلاج أو تسريع التعافي لا تزال بحاجة إلى أدلة علمية حاسمة».

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «حسم هذا الجدل يتطلب جهوداً بحثية جادة تقودها مؤسسات علمية وشركات دواء عربية، لإنتاج دراسات موثوقة قادرة على الفصل في هذا الملف، في ظل غياب يقين علمي نهائي حتى الآن».

«منظومة مصالح» أم «منظومة تغذية»؟

ووسط الجدل الدائر حول منهجه، قال مصطفى ماجد، محامي العوضي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن ملابسات وفاة موكله تواكبت مع انقطاع التواصل مع أسرته قبل أيام. لكنه أكد أن سبب الوفاة «لا تتوفر به أي شبهة جنائية»، مشيراً إلى أنه تلقى إخطاراً هاتفياً من السلطات المصرية يفيد بأن «التحقيقات الجارية في الإمارات عزت سبب الحقيقي للوفاة إلى أزمة قلبية». وهو ما أوضحته وزارة الخارجية في بيان الثلاثاء.

وسبق أن وجّه وزير الخارجية، بدر عبد العاطي، القنصلية المصرية في دبي بـ«التواصل المستمر مع السلطات الإماراتية المختصة للوقوف على ملابسات الواقعة، ومتابعة الإجراءات ذات الصلة»، إلى جانب سرعة إنهاء الإجراءات اللازمة لنقل الجثمان إلى مصر.

المحامي مصطفى ماجد (صفحته الرسمية)

ورغم الإعلان لم ينقطع الجدل، إذ كتب أحد متابعيه، ويدعى علي محمد، معبّراً عن قناعته بأن العوضي واجه ما وصفها بـ«منظومة مصالح» داخل القطاع الطبي تشمل أطباء ومعامل وشركات أدوية. وزعم أن هذه المنظومة تستفيد من المرضى عبر الإكثار من الوصفات الطبية والفحوص، وترتبط بعلاقات دعائية وتسويقية مع شركات الأدوية.

غير أن هذه الفرضية يرفضها الدكتور أسامة حمدي الذي رأى أن وقوع الوفاة نتيجة «جلطة قلبية مفاجئة» كان «أمراً متوقعاً»، وكتب في منشور عبر حسابه في «فيسبوك»: «مع الأسف، لقد توقعت تماماً ما حدث له حين رأيت نحافته الشديدة والمستمرة، وفقدانه الشديد لعضلات فخذيه، وشحوب وجهه وتوتره، نتيجة لنظام غذائي صارم ينتهجه، ويمنع عنه -عن عمد- كثيراً من الفيتامينات والأملاح المعدنية، وكثيراً من الأحماض الأمينية المهمة للعمليات الحيوية في الجسم، مع استمراره في التدخين بشراهة رغم التحذيرات المعروفة والمثبتة علمياً».

رأي خبراء الاجتماع

ويُبدي علماء اجتماع شكوكاً في أن هذا الجدل يحمل قدراً مما يُعرف بـ«الافتعال الإعلامي»، وهي أيضاً رؤية الدكتور سعيد صادق، أستاذ الاجتماع السياسي بالجامعة الأميركية، الذي لفت إلى أن العوضي «لم يكن لديه منتج علمي أو طبي ملموس يبرر فرضيات الاستهداف أو المؤامرة، مثل حالات شهيرة لعلماء في عالمنا العربي».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «الانشغال الواسع بالقضية يعكس خللاً في ترتيب أولويات النقاش العام، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية التي يواجهها المواطن المصري»، مضيفاً أن «تضخم مثل هذه القضايا يرتبط بطبيعة الإعلام الرقمي وسعي بعض الصفحات وراء (التريند) لما يحققه من عوائد سريعة».

وانتهى إلى أن «ثورة السوشيال ميديا أعادت تشكيل بيئة الإعلام، وأصبح البحث عن الانتشار هدفاً رئيسياً لدى كثير من المنصات»، مؤكداً أن ذلك يؤدي إلى تضخيم قضايا هامشية على حساب ملفات أكثر أهمية وتأثيراً في المجتمع.


قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
TT

قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

صعّدت الجماعة الحوثية من حملات القمع والاعتقالات في محافظة إب، في تطور يعكس تشديداً في القبضة الأمنية على واحدة من أعلى المحافظات اكتظاظاً بالسكان وأكبرها رفضاً لسلطة الجماعة الانقلابية، وذلك بالتزامن مع تحويل منشآت مدنية سجوناً سرية.

في هذا السياق، كشفت مصادر حقوقية عن استحداث الجماعة ما لا يقل عن 14 سجناً سرياً داخل منشآت مدنية وعسكرية في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، بينها مرافق رياضية وثقافية، في وقت ارتفع فيه عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، بينهم ناشطون وتربويون وشباب، في سياق حملة تستهدف كبح أي تحرك مجتمعي معارض.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن هذه الحملة تأتي ضمن استراتيجية أمنية أوسع تهدف إلى إحكام السيطرة على المحافظة التي ظلت، خلال السنوات الماضية، بؤرة احتجاجات صامتة ومفتوحة ضد ممارسات الجماعة، خصوصاً في ظل تدهور الأوضاع المعيشية وغياب الخدمات الأساسية.

وتفيد مصادر حقوقية بأن ما يسمى «جهاز استخبارات الشرطة»، الذي يقوده علي الحوثي، نجل مؤسس الجماعة، يقف وراء موجة اعتقالات جديدة طالت أكثر من 40 شاباً في مركز المحافظة وأريافها خلال الأسابيع الأخيرة. وبذلك يرتفع عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، في ظل اتهامات فضفاضة تتعلق بدعم الحكومة الشرعية أو معارضة سلطة الجماعة.

أكثر من مائة معتقل يمني في إب دون تهم واضحة خلال العام الماضي (إعلام محلي)

وأكدت منصة «ضمير»، المعنية بتوثيق قضايا المعتقلين والمُخفَين قسراً، أنها رصدت نحو 150 حالة اختطاف خلال العام الماضي والربع الأول من العام الحالي، «ضمن خطة أمنية منظمة تستهدف وأد أي نشاط مجتمعي مناهض».

ولفتت إلى أن هذه العمليات لا تجري عشوائياً، بل وفق آلية تبدأ بـ«الرصد والمتابعة، ثم تنفيذ مداهمات ليلية، تنتهي باقتياد المستهدفين إلى أماكن احتجاز سرية، دون أوامر قضائية».

وتركز الحملة، وفق تقرير المنصة، على فئات محددة في المجتمع، في مقدمتها المدرسون والناشطون المجتمعيون، «خصوصاً في فترات تشهد تصاعداً في الغضب الشعبي أو قبيل المناسبات الوطنية، حيث يُخشى من تحول هذا السخط احتجاجاتٍ ميدانية».

سجون سرية

من أبرز ما كشفت عنه المصادر الحقوقية استخدام الجماعة الحوثية منشآتٍ مدنيةً، بينها مرافق رياضية وثقافية، مراكزَ احتجاز سرية، في خطوة تعكس توسعاً في البنية الأمنية غير الرسمية.

وتشمل هذه المواقع أجزاء من معسكرات، مثل «معسكر الحمزة» في منطقة ميتم، و«معسكر القوات الخاصة» بمنطقة شبان، و«معسكر اللواء55» في مديرية يريم، إلى جانب مبانٍ أخرى توصف بأنها «بيوت آمنة».

كما جرى توسيع سجن المخابرات المعروف باسم «الأمن السياسي»، ليضم أعداداً متصاعدة من المعتقلين، وسط تقارير عن استخدام أساليب تعذيب لانتزاع اعترافات، في ظل غياب أي رقابة قضائية أو حقوقية.

تحويل منشآت رياضية في إب سجوناً حوثية سرية للنشطاء (إعلام محلي)

ويثير تحويلُ المنشآت المدنية أماكنَ احتجازٍ مخاوفَ واسعة من تآكل ما تبقى من البنية المدنية في المحافظة، فضلاً عن تداعيات ذلك على الحياة الاجتماعية والثقافية، إذ كانت إب تُعرف قبل سنوات بأنها «عاصمة السياحة» في اليمن.

على وقع هذه التطورات، أعلنت منصة «ضمير» ما سمتها «قائمة العار»، التي تضم قيادات حوثية قالت إنها مسؤولة بشكل مباشر عن إدارة السجون السرية وحملات القمع في إب. وتهدف هذه الخطوة، وفق المنصة، إلى وضع هؤلاء تحت طائلة المساءلة القانونية مستقبلاً.

وتضم القائمة هادي الكحلاني، المعين مديراً لأمن المحافظة، ونائبه حميد الرازحي، ورئيس فرع ما يسمى «جهاز الأمن والمخابرات»، زيد المؤيد، إضافة إلى عدد من القيادات المحلية المتهمة بتنفيذ الاعتقالات والتغطية على الانتهاكات، من بينهم بكيل غلاب ويحيى القاسمي وعبد الباري الطالبي وأشرف الصلاحي.

وتشير المصادر إلى أن بعض هؤلاء يلعبون أدواراً مزدوجة، تجمع بين العمل الأمني والاستفادة المالية من ملف المعتقلين، عبر شبكات وساطة تبتزّ أسر الضحايا مقابل وعود بالإفراج، غالباً ما يتبين لاحقاً أنها زائفة.

اقتصاد الابتزاز

وفق شهادات حقوقية، تحوّل ملف المعتقلين في إب مصدرَ دخلٍ غير مشروع لبعض المتنفذين، حيث تُفرض على الأسر مبالغ مالية كبيرة مقابل تسهيلات مزعومة أو وعود بالإفراج. وفي كثير من الحالات، يُشترط على الأسر عدم التواصل مع وسائل الإعلام أو المنظمات الحقوقية.

ويرى ناشطون أن هذه الممارسات تعكس ما يصفونه بـ«نظام رهائن»، حيث يُعتقل الأفراد ليس فقط لأسباب سياسية، بل أيضاً لأغراض مالية أو نتيجة وشايات كاذبة. ويشمل ذلك مدرسين يطالبون برواتبهم، وشباباً يشاركون في فعاليات وطنية، وحتى أطباء وناشطين مدنيين.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك رشاشاً على متن عربة عسكرية (إ.ب.أ)

وفي ظل هذه التطورات، تتصاعد الدعوات من قبل ناشطين ومنظمات حقوقية إلى ضرورة تحرك عاجل من المجتمع الدولي لمحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات. ويؤكد هؤلاء أن تحويل المنشآت المدنية سجوناً سرية، وممارسة التعذيب، والإخفاء القسري، كلها تشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.

كما يطالبون بفتح تحقيقات مستقلة، وضمان وصول المنظمات الدولية إلى أماكن الاحتجاز، والإفراج الفوري عن جميع المعتقلين دون تهم واضحة، ووضع حد لسياسات القمع التي تستهدف المجتمع المحلي في إب.

ويرى مراقبون أن ما يجري في محافظة إب يمثل نموذجاً مصغراً لسياسات أوسع تتبعها الجماعة في مناطق سيطرتها، حيث تُستخدم الأدوات الأمنية لإدارة المجتمع بالقوة، في ظل غياب مؤسساتِ الدولة وسيادةِ القانون.