«وعود» ترمب «الجدلية» أصبحت قرارات واقعية

بناء الجدار ومنع مواطني 7 دول من الدخول ضمنها إيران

«وعود» ترمب «الجدلية» أصبحت قرارات واقعية
TT

«وعود» ترمب «الجدلية» أصبحت قرارات واقعية

«وعود» ترمب «الجدلية» أصبحت قرارات واقعية

دشن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عهده الجديد في البيت الأبيض باتخاذه 4 قرارات متلاحقة، كانت بمثابة وعود انتخابية قطعها خلال حملته للرئاسة، إلا أنها باتت تمثل الآن قرارات تنفيذية متسارعة يسعى ترمب من خلالها إلى إثبات جديته في «تنفيذ وعوده».
ووقع ترمب فور دخوله إلى البيت الأبيض، الجمعة، على أول مرسوم تنفيذي وكان ضد قانون التأمين الصحي المعروف باسم «أوباماكير»، الذي كان وعد خلال حملته الانتخابية بإلغائه.
وأوضح الأمين العام للبيت الأبيض، راينس بريبوس، أن الأمر يتعلق بمرسوم يهدف إلى «التقليل من الثقل» المالي لهذا القانون، قبل إلغائه.
وفي ثاني قراراته، وقع ترمب أمرًا تنفيذيًا تنسحب الولايات المتحدة بموجبه رسميًا من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي «TPP»، التي تجمع 12 دولة.
وتعتبر اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي «TPP» أكبر اتفاق تجاري عالمي في الـ20 عامًا الماضية وتضم كل من أستراليا وبروناي وكندا وتشيلي واليابان وماليزيا والمكسيك ونيوزيلندا وبيرو وسنغافورة والولايات المتحدة وفيتنام.
وفي سلسلة قرارات ترمب «السريعة»، ينتظر أن يوقع الرئيس الأميركي، الأربعاء، على أوامر تنفيذية عدة بينها وضع قيود على دخول اللاجئين إلى الولايات المتحدة وبعض حاملي التأشيرات من العراق وإيران وليبيا والصومال والسودان وسوريا واليمن.
وفي مسعاه لبناء الجدار مع المكسيك، قال ترمب في تغريدة كتبها في وقت متأخر أمس الثلاثاء: «من المقرر أن يكون (الأربعاء) يومًا عظيمًا للأمن القومي. سنبني الجدار ضمن أشياء كثيرة أخرى».
والواضح أن قرارات ترمب لا تزال تلاحق المهاجرين، إذ شملت تغييراته السريعة محو اللغة الإسبانية من الموقع الإلكتروني الجديد للبيت الأبيض، وهو ما أحدث صدمة كبيرة كثيرين في بلد تعد فيه الإسبانية اللغة الثانية بعد الإنجليزية، ويتحدث بها نحو 50 مليون شخص، غالبيتهم من المهاجرين.
وكان ترمب قد تعهد خلال حملته الانتخابية بأن «تكون الولايات المتحدة للأميركيين»، وشدد على اعتزازه باللغة الإنجليزية وحتمية أن يتعلمها الجميع.
وفيما يتعلق بمنع مواطني بعض الدول من دخول الولايات المتحدة، قال أعضاء في الكونغرس وخبراء إن من المتوقع أن تشمل أوامر ترمب وضع قيود على دخول اللاجئين إلى الولايات المتحدة وبعض حاملي التأشيرات من العراق وإيران وليبيا والصومال والسودان وسوريا واليمن، متوقعين أن تتخذ إجراءات أخرى مثل توجيه جميع الوكالات بإنهاء العمل على نظام لتعريف غير المواطنين الذين يدخلون إلى الولايات المتحدة ويخرجون منها، وشن حملة على المهاجرين الذين يحصلون على مساعدات حكومية بلا وجه حق.
ونقلت وكالة «رويترز» للأنباء، عن ستيفن ليجومسكي كبير المستشارين القانونيين لخدمات الجنسية والهجرة في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما أن الرئيس له سلطة الحد من قبول طلبات اللاجئين وإصدار التأشيرات لدول بعينها، إذا تقرر أن هذا في المصلحة العامة.
ومن المنتظر أن يوقع الرئيس ترمب الأوامر في مقر وزارة الأمن الداخلي التي تشمل مسؤوليتها الهجرة وأمن الحدود.
وندد كثير من أنصار ترمب بقرار أوباما زيادة أعداد اللاجئين السوريين الذين تستقبلهم الولايات المتحدة خشية أن ينفذ الفارون من الحرب بالبلاد هجمات.
وقال ترمب ومرشحه لمنصب وزير العدل السناتور جيف سيشنز منذ ذلك الحين إنهم سيركزون القيود على الدول التي يمكن أن يمثل المهاجرون منها تهديدًا بدلاً من فرض حظر على من يعتنقون ديانة معينة.
من جانبه، قال هيروشي موتومورا خبير الهجرة بكلية الحقوق في جامعة كاليفورنيا إن منتقدين لهذه الخطوات قد يتقدمون بطعون قانونية عليها، إذا كانت جميع الدول الخاضعة للحظر ذات أغلبية مسلمة.
وأضاف أن الدفوع القانونية يمكن أن تشير إلى أن الأوامر تميز ضد ديانة معينة وهو ما سيكون مخالفا للدستور.
وفي وقت سابق، الثلاثاء، أعلن البيت الأبيض أن موضوع منع دخول المسلمين إلى البلاد ستتم دراسته بالتعاون بين وزارتي الأمن القومي والخارجية، عقب تثبيت الكونغرس لمرشح ترمب لمنصب وزارة الخارجية ريكس تيلرسون. وفقًا لتقارير محلية.
وأضاف أن تيلرسون الذي ينتظر أن يتم التصويت عليه خلال أيام، سيقوم بالنظر في تفعيل هذا التدقيق المشدد إلى الخلفيات.
وتهدد الأوامر التنفيذية التي سيوقعها ترمب اتفاقًا وقع مع أستراليا أواخر العام الماضي لإعادة توطين اللاجئين... الأمر الذي قد يجعل مصير أكثر من ألف طالب لجوء مجهولاً.
وكانت الولايات المتحدة قد وافقت على استقبال عدد لم يتم تحديده من اللاجئين الذين كانوا يعيشون في بابوا غينيا الجديدة وجزيرة ناورو الصغيرة في جنوب المحيط الهادي بعد أن رحلتهم أستراليا إلى هناك.
وجاء الاتفاق بعد أن وافقت أستراليا في سبتمبر (أيلول) على الانضمام إلى برنامج ترعاه الولايات المتحدة لإعادة توطين لاجئين من غواتيمالا وهندوراس والسلفادور. ورفضت متحدثة باسم رئيس وزراء أستراليا التعقيب.
وفي ردود فعل متباينة حول قرارات ترمب السريعة، قالت صحيفة «لافانغوارديا» الإسبانية الأربعاء، إن الرئيس الأميركي الذي ينوي توقيع مجموعة من القرارات ذات الطابع الأمني، مثل حظر دخول اللاجئين من دول مثل سوريا، والعراق، والصومال، وإيران، وليبيا، والسودان، واليمن، وتوقيع أول الأوامر التنفيذية المتعلقة بإقامة جدار عازل على الحدود مع المكسيك، وحمل تكلفة البناء على الحكومة المكسيكية، سيواجه فورًا بخطر قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين وفق مصادر رسمية مكسيكية.
وقالت الصحيفة إن ترمب سيتعمد إمضاء هذه القرارات بحضور مجموعة كبيرة من أهالي ضحايا جرائم قتل وعنف شديد تعرض لها مواطنون أميركيون في السنوات الأخيرة، على يد لاجئين، أو مهاجرين غير شرعيين، خاصة من المكسيك وأميركا الجنوبية.
وفي الوقت الذي يستعد فيه ترمب لتوقيع هذه القرارات والأوامر التنفيذية، ردت الحكومة المكسيكية على لسان كبار مسؤوليها، بأنها لا تُعارض أي قرار يتخذه ترمب ويتعلق بالشأن الداخلي الأميركي، ولكنها لن تسمح تحت أي ظرف كان أن يتجاوز ذلك إلى المساس بالسيادة المكسيكية وإذا اقتضى الأمر قطع العلاقات الدبلوماسية مع واشنطن فإن مكسيكو لن تتردد لحظة واحدةً في ذلك لضمان حقوقها وحقوق مواطنيها.
ونقلت الصحيفة أن كبير مستشاري الحكومة لويس فيديغراي، وزير الاقتصاد المكسيكي اليديفونسو غواخاردو، سيسافران إلى واشنطن قبل زيارة الرئيس المكسيكي إنريكي بينيا نييتو المقررة ليوم 31 يناير (كانون الثاني) إلى الولايات المتحدة، وسيبلغان واشنطن أن المكسيك لا تعارض إقامة الجدار، ولكنها لن تقبل بأي حال أن تتحمل نفقات إقامته، وأنها ستقبل باتفاقية جديدة للتبادل الحر في أميركا الشمالية بعد خروج ترمب من اتفاقية نافتا، شرط أن تضمن امتيازات ومكاسب للطرفين، وليس للولايات المتحدة وحدها، أما مسألة ترحيل المهاجرين غير الشرعيين، فإنها تحترم قرارات واشنطن الداخلية، ولكنها لن تسمح بأي حال من الأحوال بالتعدي على حقوق مواطنيها، أو المساس بكرامتهم، وإذا رفض ترمب قبول هذه الشروط، فما عليه إلا سحب سفيره من مكسيكو، قبل أن نطرده من البلاد.
وفي خطوة تشير إلى أن ترمب لا يشك في تحقيق وعده بأن «يعيد لأميركا عظمتها»، قدم الرئيس الأميركي الجديد، طلب تسجيل شعاره لحملة الانتخابات الرئاسية في 2020 «لنحافظ على عظمة أميركا».
وقبل يومين من أدائه اليمين، الجمعة، قدم ترمب إلى المكتب الأميركي للملكية الفكرية طلب تسجيل هذا الشعار، الذي ينوي استخدامه خلال حملته لإعادة انتخابه في 2020.
والطلب، الذي قدم باسم الشركة المتمركزة في نيويورك «دونالد جي ترمب فور بريزيدنت، إنك»، يتعلق باستخدام أي منتجات مشتقة وجمع تبرعات لشعار «كيب أميركا غريت!» (لنحافظ على عظمة أميركا) مع إشارة تعجب أو من دونها.
وكان ترمب كشف الأسبوع الماضي لصحيفة «واشنطن بوست» شعاره لـ2020 وقطع المقابلة ليطلب محاميًا ويطلب منه تسجيل هذا الشعار على الفور.
وأوضح في هذه المناسبة أن فكرة شعار «لنعيد إلى أميركا عظمتها» جاءت منذ 2012 غداة إعادة انتخاب باراك أوباما في مواجهة مت رومني.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended