محللون يرصدون ملامح السياسة الخارجية لترمب

ديفيد روش: الرئيس الجديد سيتخلى عن النهج التصالحي مع إيران ويصعد الحرب ضد «داعش»

محللون يرصدون ملامح السياسة الخارجية لترمب
TT

محللون يرصدون ملامح السياسة الخارجية لترمب

محللون يرصدون ملامح السياسة الخارجية لترمب

مع بدء ممارسة دونالد ترمب ممارسة مهامه الرئاسية، تكثفت تحليلات الخبراء حول ما سيقدم عليه الرئيس الأميركي الجديد من قرارات سواء كانت داخلية أو خارجية خاصة مع إصراره على انتهاج سياسات مغايرة لإدارة سلفه، باراك أوباما، في بعض الملفات الخارجية.
ولاحظ خبراء أن إدارة أوباما كانت قد اعتمدت على مدار السنوات الثماني الماضية على التخلي عن فكرة التدخل العسكري المباشر والتركيز على منطقة آسيا بدلاً من منطقة الشرق الأوسط، مشيرين إلى أن هذه السياسة قد أخفقت على ما يبدو في ظل تصاعد الدور الروسي في المنطقة، وهو ما تجلى كثيرًا في الأزمة السورية وفي مساعيه للتقارب مع إيران وإبرام صفقة الاتفاق النووي مع عجز إدارته عن تحجيم النفوذ الإيراني، مما انعكس سلبا على العلاقات الأميركية مع دول الخليج.
ويرى هؤلاء الخبراء أن إدارة ترمب قد تراجع الكثير من الإرث السياسي للإدارة السابقة، وعليه سيكون عليها تحديد رؤيتها تجاه الأزمة السورية والاتفاق النووي الإيراني وأيضا التوجهات مع الحلفاء في منطقة الشرق الأوسط والصراعات في المنطقة ومكافحة الإرهاب.
يقول البروفسور ديفيد دي روش الأستاذ بجامعة الدفاع الوطني بواشنطن إن «متطلبات الرئاسة كبيرة لكن هناك بعض المؤشرات التي يمكن التنبؤ بها حول الكيفية التي سيكون عليها حكم الرئيس ترمب وكيف سيتعامل مع منطقة الشرق الأوسط». ويرى روش في تحليل له صدر بدورية «مركز المستقبل للأبحاث» ومقرها أبوظبي، أن ترمب رجل أعمال وليس دبلوماسيا، مضيفًا أنه «ينبغي الأخذ بالحسبان خلفية ترمب كرجل أعمال». ويضيف «الدبلوماسيون والسياسيون يعملون في عالم يعتبر فيه كلامهم بمثابة مقترحات سياسية لها تداعيات ويتعين اختيار كلماتهم بعناية. لكن فيما يخص ترمب القادم من مجال الأعمال التجارية، فإن مناقشة (الملفات) قبل التوقيع على العقود تهدف إلى إحداث تأثير تكتيكي وليس لها أي وزن سياسي ولذا عدم الاتساق والتحريف والخداع وتقديم مقترحات غير نهائية تدخل جميعها ضمن الممارسات التجارية المعروفة ولا تشكل أي منها أهمية ما لم ينص عليها العقد النهائي. التهديد والوعيد والانفعال تعد أدوات تكتيكية (في عالم رجال الأعمال)».
ويؤكد البروفسور روش أن ترمب لن يكون رئيسا تقليديا وهو يهاجم المؤسسة السياسية الأميركية، معتبرًا أن هذا الأمر ستكون له تداعيات على السياسات أكثر من مجرد دعايات انتخابية أهمها أن ترمب لا يدين بالولاء أو الإذعان للتقاليد السياسية التي تتبعها واشنطن، ومنها الالتزام بالتجارة الحرة العالمية والاعتماد على الحلفاء والتحالفات في الشؤون الأمنية. وتابع أنه كون ترمب لا يمثل جزءا من التقليد السياسي الأميركي، فإن هذا يجعله غير ملزم بالتقيد بهذه العقيدة. واعتبر روش أن ما أثاره ترمب من شكوك حول التزام الولايات المتحدة بحلف شمال الأطلسي ربما يمكن النظر إليه كتكتيك تفاوضي لتحفيز الدول الأوروبية لدفع نصيبها من تكاليف الدفاع.
كيف ستكون سياسات ترمب الخارجية؟
يحذر البروفسور روش من الإفراط في التدقيق في خطابات ترمب خلال حملته الانتخابية ويشدد على ضرورة أخذ المصالح الأميركية المحلية في الاعتبار عند النظر لأي قضية تتعلق بالسياسة الخارجية. فرفع ترمب خلال حفل التنصيب شعار «أميركا أولاً»، يعني أن على الدول الحليفة زيادة مساهمتها في الدفاع عن نفسها، وأن الولايات المتحدة تقوم بمهام أكثر مما ينبغي في الخارج. لكن ترمب يبدو في الوقت نفسه مصرا على مواجهة تنظيم داعش الإرهابي ومخاطر إيران في المنطقة، مما يدفعه إلى الابتعاد عن النهج التصالحي الذي تبناه أوباما تجاه إيران.
وفيما يتعلق بعزم ترمب التقارب مع روسيا ورئيسها فلاديمير بوتين، يقول أليكسي دونسكي الخبير بمؤسسة «كابستون كولكشنز» لتحليل السياسات، إن العلاقات الثنائية بين البلدين متراجعة بشكل ملحوظ إلى حد دفع كثيرين بتوقع نشوب حرب عالمية ثالثة، ولذلك فإن هناك إدراكا لدى البلدين بضرورة تجنب الاندفاع في هذا الاتجاه وضبط التوتر. ويذكر دونسكي في تحليله لمجلة «اتجاهات المستقبل» أن روسيا هي الدولة الوحيدة التي لا تزال محافظة على التكافؤ الاستراتيجي مع الولايات المتحدة بسبب ترسانتها النووية الضخمة ونظرا لطبيعة النظام الدولي الفوضوي واتسامه بعدم اليقين، وهذا يحول دون إقامة علاقات قائمة على الثقة بين البلدين لكن في الوقت نفسه يحد من إمكانية دخولهما في صراع شامل.
ويؤكد دونسكي أن فرص التقارب بين إدارة الرئيس ترمب وحكومة بوتين، قد تكون كبيرة لأن المطالب الروسية تقتصر على رفع العقوبات الغربية التي جرى تبينها بعد ضم موسكو للقرم، وهو ما يراه الرئيس ترمب مطلبا غير مبالغ فيه. كذلك فإن موسكو تسعى إلى تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة عبر بناء علاقة شخصية جديدة مع الرئيس ترمب، وفق دونسكي الذي يضيف أنه «على الرغم من تلك النوايا الطيبة فإن انعدام الثقة بين موسكو وواشنطن والتاريخ الطويل من الخلاف والاستفزازات المتبادلة، كلها أمور تشير إلى أن فرص تحسين حقيقي للعلاقات على المدى الطويل تكاد تكون معدومة».
بدورها، تشير كارن أبو الخير الباحثة السياسية في تحليلها لمستقبل النظام الدولي الليبرالي في عهد ترمب، إلى أن العوامل الداخلية سيكون لها تأثير مهم في سياسات ترمب الخارجية، خاصة أن فوزه بالرئاسة جاء نتيجة تأثير شرائح مجتمعية تتبنى قيم القومية وتؤمن بأهمية الحدود وترى أن التجارة الحرة أضرت بالطبقة الوسطي وقوضت البنية الصناعية الأميركية. وتضيف الباحثة أبو الخير: «هذه الشرائح المجتمعية ترى أن تجربة الولايات المتحدة في تغيير النظم في الخارج كانت محاولة فاشلة وأنه لا ينبغي للولايات المتحدة محاولة الهيمنة بل تدشين عهد جديد من العلاقات الدولية تهيمن فيه القيم والتوجهات القومية على نشر القيم الليبرالية». وتابعت أن إدارة ترمب في حال تراجعت بالفعل عن تعهدات الولايات المتحدة التقليدية مع حلفائها، فإن ذلك سيدفع إلى تراجع مصداقية الولايات المتحدة في مجال الردع، وهو ما ينقل النظام الدولي من حالة يسودها التنافس السلمي إلى حالة من الصراع المسلح.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended