كتاب ونقاد مصريون: 6 أعوام ليست كافية لاختمار «أدب الثورة»

المشهد الأدبي ما بعد الربيع العربي

مظاهرة في ميدان التحرير 2011
مظاهرة في ميدان التحرير 2011
TT

كتاب ونقاد مصريون: 6 أعوام ليست كافية لاختمار «أدب الثورة»

مظاهرة في ميدان التحرير 2011
مظاهرة في ميدان التحرير 2011

في الحلقة السابقة نشرنا آراء لعدد من الكتاب والنقاد العرب حول الإنتاج الأدبي والربيع العربي، وهل ارتفع هذا النتاج، فنيًا وجماليًا، إلى مستوى الحدث، بوعوده وإلهاماته ومآسيه ومآله أيضًا، أم جاء سريعًا، منفعلاً، أو تسجيليًا قد ينتهي مع انتهاء الحدث ذاته؟
هنا آراء عدد من الكتاب من مصر والمغرب:

حمودة: نحتاج لوقت طويل
يرى الناقد د. حسين حمودة، أستاذ الأدب العربي بجامعة القاهرة، أن «الوقائع التي أحاطت بثورات الربيع العربي كان لها تأثير متعدد في الأدب، على مستوى تناولها كموضوعات للكتابة، وعلى مستوى ما ارتبط بها من وعي جديد، ومن أحلام وتوقعات، ومن إحباطات أيضًا. وهذه الوقائع حاضرة في عدد كبير من القصائد والقصص والروايات، وبغض النظر عن التعبير عنها في بعض هذه الأعمال بشكل متعجل أحيانًا، أو إقحامها على بناء أعمال أخرى. وهناك عدد كبير من الأعمال التي قمت بتحكيمها أقحمت تجربة ميدان التحرير في بنائها الروائي. على أية حال، فالوقائع الكبرى، مثل الثورات، قد تحتاج إلى وقت طويل للوصول إلى نظرة موضوعية مكتملة لها، ولتقييمها، ولاستكشاف آثارها القريبة والبعيدة. وعلى ذلك يمكن تصور أن هذه الوقائع التي ارتبطت بثورات الربيع العربي سوف تظل، لزمن طويل قادم، مادة غنية للكتابات الأدبية المتنوعة».
ويعتبر د.حمودة أن «ستة أعوام ليست فترة طويلة، ولا كافية لنظر لتجارب ثورات الربيع العربي. فهناك أعمال أدبية عالمية كبيرة، تناولت تجارب ثورات، بعد عشرات الأعوام من مرورها ومنها مثلا «الحرب والسلام» لتولستوي، ولهذا فلا يجب التعجل في كتابة أعمال عن تجارب مثل ثورات العربي لا يزال بعضها في طور الإكمال ولا تزال امتداداتها قائمة في كثير من البلدان العربية، ولا يزال المشهد الأخير لها لم يكتمل بعد».
وحول ما إذا كانت خشية بعض الأدباء من تصنيفهم «ضد أو مع» الثورة أثرت على المنتج الإبداعي في البلدان التي شهدت الثورات، يجد د. حمودة أن: «حرية التعبير بالنسبة لكثيرين من الكتاب العرب، حرية ليست كاملة، ولم تكن كاملة في أي زمن من الأزمنة، وبالتالي فالمساحة المحدودة التي يتحرك فيها بعض الكتاب الآن في تعبيرهم عن قضايا سياسية ليست قاصرة على الوقت الحاضر فقط، وإنما لها امتدادات قريبة وبعيدة في تاريخينا الأدبي والثقافي».

طلب: احذروا الأدباء الموسميين
«الأحداث السياسية ليست مقدمة للأدب الجيد»، هكذا لخص الشاعر والناقد د. حسن طلب، عضو لجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة، وجهة نظره بالقول: «إن الأدب رفيع المستوى لا يكون أبدًا انعكاسًا للأحداث السياسية. فالأحداث تظهر، والثورات تقوم، والتغيرات تحدث، وتأتي بعض الكتابات لتعبر عن هذه الأشياء، وهذا النوع من الأدب الذي يكتب في ذيل الأحداث السياسية، عادة لا يعتبر الوجه المشرق للأدب، لذا فمن وجهة نظري أن الأدب يستطيع أن يثور في ذاته حتى لو لم تقم ثورة».
ويتحفظ د. طلب على معظم النتاج الأدبي الذي ظهر انعكاسًا لثورات الربيع العربي لأنه «ليس أدبًا رفيعًا بالمعنى الجمالي»، قائلا: «الأدب الرفيع هو الذي يثور ويهيئ للثورة ويمهد لها». ويقول: «علينا أن نبحث في الشعر الذي كان يقاوم الاستبداد قبل الثورات... فالأدب يقود ويشعل الثورة في النفوس يقود لكي يكون أدبًا حقيقيًا».
ويعتبر صاحب ديوان «إنجيل الثورة وقرآنها» وقصيدة «مبروك مبارك» التي توقعت برحيل مبارك وسخرت من ترشيحه لنفسه في الانتخابات أن هناك من انتهزوا قيام الثورة وظهروا كفقاعات الهواء وركبوا موجة الثورة من أجل ألقاب «شعراء الثورة» أو «أدباء الثورة»، وهؤلاء سرعان ما تلاشت فقاعاتهم، «علينا أن نحذر من هؤلاء (الأدباء الموسميين)». ويضيف: «إذا نظرنا للأحداث الكبرى وما كتب قبلها وما بعدها، مثل النكسة وحرب أكتوبر (تشرين الأول)، فلا يمكن تقييم الكتابة عنها في الفترة اللاحقة لها دون النظر لأهمية الأدب الذي كتب قبلها، في تلك الفترة كانت هناك أصوات في الشعر والرواية تتحدث عن الحريات والانتصار، مثل قصائد أمل دنقل».
عبد المجيد: اخترت الكتابة المباشرة عن الثورة

وحول استعانته بقالب الفانتازيا في روايته الصادرة بداية هذا العام «قطط العام الفائت» عن الدار المصرية اللبنانية، وإذا ما كان ذلك تفاديًا للوقوع في تصنيف نقدي للأعمال التي تناولت الثورة، يقول الروائي إبراهيم عبد المجيد: «الفانتازيا موجودة في رواياتي السابقة كلها ولكن بدرجات، وأكثرها وضوحًا في رواية (مسافات) و(بيت الياسمين) حتى (لا أحد ينام في الإسكندرية) فقد كان المشهد الأخير في نهايتها في قالب فانتازي». ويشير: «اخترت الكتابة عن الثورة بشكل مباشر جدًا في كتابي (لكل أرض ميلاد: أيام التحرير) وهي عبارة عن سيرة ذاتية لمعايشتي لأحداث الثورة. أما فيما يخص (قطط العام الفائت)، فقد عبرت عن الآراء السياسية في صورة مواقف لشخصيات الرواية وعبر الاستعانة بأساطير من الميثيولوجيا اليونانية (بيغاسوس) أو (الحصان المجنح) أو (الكنتاروس) أو (جسد حصان وجذع ورأس إنسان) وتدور الأحداث عام 2011 في بلد اسمه (لاوند) قامت فيه الثورة في اليوم نفسه الذي حدثت فيه الثورة في (مصرايم) المجاورة لها، لكن الحاكم بدلاً من أن يهرب أو يتخلى عن السلطة يلقي بجميع المتظاهرين إلى العام السابق ويقنع الشعب بأن العام هو 2010».
وحول «قرار» الكتابة عن الثورة، قال: «المسألة لا تخضع لقرار ولكن الفكرة ألحت علي وتركتها حتى تختمر وتخرج بتلقائية. بعد الثورة لم أفكر في كتابة الرواية وتركت الفكرة وأثناء إقامتي في مدينة (لاروشيل) الفرنسية على المحيط وجدت الفكرة تلح علي من جديد وبدأت الكتابة وأنجزتها في شهرين، وحينما عدت إلى مصر خلال 6 أشهر وساعدني وجود وقت فراغ كاف للانتهاء منها».
خاض عبد المجيد تجربة إبداعية في روايته «في كل أسبوع يوم جمعة» تلك التي صدرت قبل وقوع الثورة بثلاث سنوات وقدمت رصدًا لحالة التشتت والضياع التي كان يعاني منها المجتمع المصري وهروبه إلى الواقع الافتراضي والتي تسببت في اندلاع الثورة. وهو يعتقد أن «الكتاب الموهوبين عادة ما يسبقون الأحداث السياسية ولا يكونون تابعين لها».

سيد محمود:
أدب انكسار الثورة
أما الناقد والشاعر سيد محمود، رئيس تحرير جريدة القاهرة الثقافية، فقد رصد من خلال قراءاته عددًا من الظواهر التي تجسدت في المشهد الأدبي في الوطن العربي في أعقاب الثورات، ويقول متحدثًا عن المشهد الأدبي السوري: «ما جرى له أصداء في أعمال إبداعية كثيرة وهو أمر نلمسه بوضوح في سوريا حيث كان الأدب كاشفًا لحالة الاحتقان داخل المجتمع وتقدمت أصوات مثل: سمر يزبك، ومها حسن وفواز حداد، خالد خليفة، وخليل صويلح، وياسين حسن، ومنهل السراج ومصطفى خليفة على صعيد الكتابة الروائية، هذه الأصوات كانت تشي بحدوث شيء ما إيجابيًا أو سلبيًا. وحينما حدثت الثورة السورية أصبح هناك نصوص تعبر عن الحالة السورية في الخارج والداخل، تكاد تكون متطابقة لأنه ما أنتج كان خارج الشعار السياسي. وكان لديهم نضج في تجاربهم الأدبية والفنية وقدموا تصورًا عما جرى من منظور فني وإنساني بالغ الأهمية، ومن بين هذه النصوص ظهرت نصوص مباشرة تتبنى فكرة الشعار السياسي سواء مع أو ضد».
وعن المشهد الأدبي المصري قال: «الأمر نفسه موجود في مصر، حيث ظهرت نصوص تمهد لحالة التغيير وتمثلت في ظهور كثير من الكتاب المنخرطين في الحركات السياسية وبعضهم بدأ يقدم رواياته لما جرى، حتى إبراهيم أصلان الذي توفي بعد عام من الثورة كتب عدة نصوص صدرت في كتاب (انطباعات صغيرة حول حادث كبير). وظهرت نصوص تلبي الاحتياج السريع لفكرة الثورة».
ويعتبر محمود أن «الشعر بحكم طبيعته وتكوينه كان أسرع في أن ينخرط مباشرة في دعم الثورة ويلبي خطابها، وكان خطابًا إنشائيًا أكثر من أنه فني. إذا قمنا باستثناء نصوص مهمة في العامية مثل: نصوص مصطفى إبراهيم، أو بالفصحى نص عماد أبو صالح (كنت نائمًا حين قامت الثورة)، لكن ظهرت نصوص كثيرة لشعراء في أجيال مختلفة كانت ذات نبرة خطابية».
أما عن المشهد الروائي فيقول: «مع تقدم الحدث ظهرت نصوص مختلفة عن الثورة، مثل: الإطار الفانتازي في رواية (قطط العام الفائت) لإبراهيم عبد المجيد، و(جبل الزمرد) لمنصورة عز الدين، و(بياض ساخن) سهير المصادفة، و(أن تحبك جيهان) لمكاوي سعيد، و(التماسيح) ليوسف رخا، و(تجربة سيد الأهل) لأحمد صبري أبو الفتوح وكانت كلها عن السياق الثوري».
وتعتبر ظاهرة أدب «الديستوبيا»، وهو الأدب المضاد لـ«اليوتوبيا» - المدينة الفاضلة - هي الملمح الأهم من وجهة نظر الناقد سيد محمود، الذي أفرزته الثورات كرد فعل لانكسار الثورة، أو الواقع المرير، وهو نوع أدبي يمكن أن نسميه الأدب الكابوسي، ومن أبرز الأعمال في هذا النوع: رواية «يوتوبيا» لأحمد خالد توفيق، و«عطارد» محمد ربيع، و«نساء الكارنتينا» نائل الطوخي، و«استخدام الحياة» لأحمد ناجي. هذه الروايات خلقت أحداثها من «المكان الخبيث» وكأنه ملاحق بلعنة ويدفع بالنصوص لتصور مستقبل له طابع كابوسي، وتكون الرواية عنيفة ومتجردة من الإنسانية وكاشفة عن كوارث وجو قابض وتذهب مباشرة للعصب العاري في المجتمع؛ لأن هدفها تعرية الواقع بدلا من تجميله وتختفي وراء المستقبلية والتنبؤ بالمستقبل لتتحرر من سطوة الماضي وقهره».
وحول ما إذا كانت «الديستوبيا» خيارًا مرضيًا للهروب من سطوة التصنيف النقدي والسياسي للأدباء، قال: «أعتقد أنه كان اختيارًا فنيًا أكثر منه خيار سياسي، فمن الأمور الإيجابية أن معظم الكتاب كانوا منخرطين في دعم خطاب الثورة، وقد ظهرت نصوص ممتازة ورصدنا من خلالها تنوعًا جيليًا كبيرًا ما بين الشاب وجيل السبعينات مثلا».
يجد محمود أن «الديستوبيا» هي الملمح الطاغي على المشهد الأدبي في مصر والعراق واليمن كرد فعل للثورات العربية ومآلاتها. ويقول: «نجد هذا الملمح الكابوسي طاغيًا على الأدب المصري الجيد في الفترة الأخيرة، وخصوصًا الشباب الذين كانت لديهم خسارة مباشرة من تراجع الأمل. وهذا النوع من الكتابة موجود في اليمن أو العراق التي تعاني من الصراع السياسي، وأبرزها: «فرانكشتين في بغداد» لأحمد سعداوي، و«يا مريم» لسنان أنطون، وأعمال الروائي العراقي علي بدر».



«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»

 


مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
TT

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس»، وبات لكل حركة من الحركات التي تتميّز بها تعبير خاص به، ومنها الظُّهَارِيَّة والشَّغْزَبِيَّة، أي رمي الخصم أرضاً على الظهر، وشدّه إلى الخلف، كما جاء في «لسان العرب». تجد هذه الرياضة ترجمتها التشكيلية في لوحة كبيرة تشكّل جزءاً من جداريات قصير عمرة الأموي في بادية الأردن، وتبدو هذه اللوحة فريدة من نوعها من حيث التأليف؛ إذ لا نجد ما يماثلها فيما وصلنا من شواهد الفنون الأموية التصويرية بفروعها المتعدّدة.

ينفتح قصير عمرة على قاعة كبيرة مكونة من ثلاثة إيوانات متوازية، ونقع على اللوحة الخاصة بالمبارزة الرياضية في الإيوان الغربي، حيث تحلّ على الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة، تعلوها لوحة عريضة تمتدّ أفقياّ. تمثّل هذه اللوحة كما يبدو مبارزة جماعية يشارك فيها ثمانية رجال يظهرون في وضعيّة نصف جانبية، وكلّهم شبه عُراة، وتقتصر ثيابهم الرياضية على سروال أبيض قصير يكشف عن الفخذين. تجري هذه المبارزة في الهواء الطلق، داخل حلبة على شكل سهل مسطّح مجرّد، تعلوه تلال متعرّجة، تحدّها شتول نباتية خضراء، ترتفع وسط سماء زرقاء صافية. يتميّز هذا المشهد الجماعي بحركة حية لا تستكين؛ إذ يتفرّد كل بطل من أبطاله بوضعية خاصة به، ويتحرّك وسط حلبة تتشابك فيها القامات وتتصارع في حلقة من مباراة حيّة لم تشهد بعد خاتمتها.

تنطلق الحركة في هذه الحلقة من جهة اليسار، حيث يظهر رجل رياضي مفتول العضلات، فوق درجات عتبة صغيرة خطّت باللون الأزرق، في زاوية تحتل طرف الحلبة الأسفل. يقف هذا الشاب على ساقه اليمنى، ويمدّ ساقه اليسرى نحو الفراغ، منحنياً نحو الأمام، باسطاً ذراعيه الممدودتين في الفراغ. في مواجهة هذا الرياضي ذي البشرة البيضاء، يظهر رياضي ذو بشرة داكنة يتقدّم منه في حركة معاكسة، باسطاً ذراعيه في حركة موازية، وكأنّه يهمّ بالدخول في صراع معه.

بين هذين الرجلين المتصارعَين، يظهر شاب يبدو أصغر حجماً من حيث مقاييس التصوير، منحنياً كذلك في اتجاه اليمين، ممسكاً بقضيب عالٍ أبيض اللون يرتفع عموديّاً في وسط ساحة المعركة. حافظ وجه هذا الشاب ذي البشرة البيضاء على ملامحه، وهي محدّدة بدقة، وتمثّل فتى أمرد، يحدّق بعينيه الشاخصتين في اتجاه شاب يتهاوى أرضاً من أمامه. فقد هذا الجزء من اللوحة الكثير من مكوّناته، وما بقي منه يُظهر قامة ذات بشرة داكنة، ينوء صاحبها ويسقط تحت ضربات عصا غريمه.

في الجانب الآخر من هذه اللوحة، يظهر شابان في مشهد يمثّل حلقة ثالثة من هذا الصراع الجماعي. مرة أخرى يدخل رجل ذو بشرة بيضاء في نزاع مع رجل ذي بشرة داكنة، ويظهر وهو يمسك رأس خصمه بيده اليسرى، رافعاً قبضته نحو الأعلى، وكأنه يهم بالانقضاض بها على غريمه. في طرف هذا المشهد، يقف رجل ثالث يشارك في هذه الحلقة، ويلعب فيها كما يبدو دور الحكم؛ إذ نراه يمسك بيده اليمنى كتف المصارع، رافعاً يده اليسرى في اتجاه معاكس.

ينتمي هذا الرجل كذلك إلى العرق الأبيض، ويماثل في قامته كما في بنيته وفي لباسه اللاعبين الحاضرين في هذه اللوحة الجماعية، غير أنه يتميّز بشارب بسيط يعلو فمه وبلحية قصيرة تحدّ ذقنه.

يكتمل هذا المشهد بظهور شاب أمرد ينتصب وحده بين الفريقين المتحاربين، شاخصاً في اتجاه المصارع الذي يقف على درجات عتبة هذه الحلبة الرياضية. يتابع هذا الشاب الفتي الصراع الذي يدور من أمامه، ممسكاً بقبضتيه قضيباً قصيراً، ولا نعرف إن كان يلعب هنا دور الحكم، أو أنه ينتظر دوره للدخول في هذه الحلبة المفتوحة. نراه هنا وسط جمع من المتصارعين، في حلقة تمثل رياضة شكّلت قطباً من أقطاب ألعاب القوى واللياقة البدنية التي أولاها خلفاء بني أمية اهتماماً كبيراً. كما هو معروف، زاول حكام هذه السلالة هذه الألعاب، كما زاولوا الصيد بمختلف أنواعه، ونجد في حلل قصير عمرة التصويرية تعبيراً عن هذه المزاولة المتعدّدة الوجوه.

تتبنّى اللوحة المخصّصة لفن المصارعة الجمالية الكلاسيكية الرومانية في أرفع تجلياتها. يشكل الجسد البشري قوام هذه الجمالية، ويحضر في قامات حية تتعاقب وتتعدد في وضعيات جديدة، بعيداً من الجمالية «الشرقية» التي غالباً ما تلتزم الثبات والجمود والسكون والتأمّل.

تبدو هذه الجدارية فريدة من نوعها في ميدان الفنون الأموية؛ إذ لا نقع على ما يشابهها فيما ظهر إلى يومنا هذا من شواهد في هذا الميدان. من جهة أخرى، يحاكي هذا العمل المتقن بالتأكيد أعمالاً متوسطية تناولت هذا الموضوع في أشكال شتّى، شكّلت معاً صنفاً من صنوف الأعمال التصويرية الرياضية.

في الخلاصة، تنتمي هذه الجدارية الأموية الاستثنائية من حيث الموضوع إلى تقليد معروف، غير أنها تتميّز بتأليفها وبقالبها التشكيلي الخاص، وتعكس بلغة فنية بديعة صنفاً من أصناف الرياضة التي راجت في زمن الأمويين.


محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended