الشركات تساعد نفسها بإعلانها عن توفير وظائف جديدة في أميركا

أولويات المؤسسات تتحول من الاستدامة إلى التصنيع المحلي لإرضاء ترامب

تصنع شركات مثل «جنرال موتورز»، وغيرها السيارات في المكسيك لبيعها في الولايات المتحدة (غيتي)
تصنع شركات مثل «جنرال موتورز»، وغيرها السيارات في المكسيك لبيعها في الولايات المتحدة (غيتي)
TT

الشركات تساعد نفسها بإعلانها عن توفير وظائف جديدة في أميركا

تصنع شركات مثل «جنرال موتورز»، وغيرها السيارات في المكسيك لبيعها في الولايات المتحدة (غيتي)
تصنع شركات مثل «جنرال موتورز»، وغيرها السيارات في المكسيك لبيعها في الولايات المتحدة (غيتي)

قبل أن يؤدي دونالد ترامب قسم الرئاسة أمس الجمعة، استبقت الشركات الكبرى ذلك بتحرك مثير للاهتمام في اتجاهه، حيث أعلنت مجموعة من الشركات الكبرى، من بينها «فورد»، و«لوكهيد مارتن»، و«أمازون»، و«سبرينت» خلال الأسابيع القليلة الماضية عن خطط للتوظيف، والاستثمار في الولايات المتحدة الأميركية. وقد زار عدد كبير من المسؤولين التنفيذيين في الداخل ومن الخارج برج «ترامب تاور» سعيًا للحصول على بركات الرئيس المنتخب.
ولا تسعى التصريحات، التي يتم الإعلان عنها يوميًا تقريبًا، وكان آخرها تصريح «جنرال موتورز» و«وول مارت» يوم الثلاثاء الماضي، فقط إلى تصدر عناوين الأخبار الرئيسية، أو الفوز بثناء يأتي عبر تغريدة على موقع «تويتر».
في الوقت الذي تعد فيه الوظائف والاستثمارات حقيقية وفعلية بما يكفي، سوف تبدأ كل هذه المؤسسات الكبرى الضخمة العمل قبل بدء نشاط الإدارة الجديدة التي من المتوقع أن تتخذ خطوات حاسمة بشأن عمليات الدمج، والسياسات الخاصة بالتجارة، والإصلاح الضريبي، وعقود الدفاع، واللوائح التنظيمية، ويدعم إرسال إشارات إلى الرئيس المنتخب، وفريقه تؤكد انضمامهم إلى جبهته، الرؤساء التنفيذيين بالمزيد من الامتيازات.
وقال توم كورولوغوس، المخطط الاستراتيجي الجمهوري، والمستشار المخضرم في شركة المحاماة «دي إل إيه بايبر» في واشنطن: «قد تكون محاولة لشراء النية الطيبة، لكنني لا ألومهم لمحاولة القيام بذلك. إنها إدارة جديدة، وتشعر الشركات بالتوتر، ولا تعلم ما ينتظرها».
في نهاية المطاف سوف تتخذ الإدارة الجديدة قراراتها بعيدًا عن أضواء غرف الاجتماعات في الهيئات الفيدرالية في واشنطن، أو وراء الأبواب المغلقة في مبنى الـ«كابيتول هيل». سوف يصل العائد المالي الذي يتم تحقيقه من ذلك إلى تريليونات.
أما فيما يتعلق بالأمور شديدة الأهمية، فسوف تحتاج الشركات إلى توضيح مواقفها جيدًا. على سبيل المثال، تشعر شركة «ديترويت» المصنعة للسيارات بالقلق من فرض واشنطن لتعريفة جمركية على السيارات المصنوعة في المكسيك، لكنها تبحث عن فرصة في المعايير الجديدة الخاصة بكفاءة استهلاك الوقود في البلاد. كذلك تشعر شركة «وول مارت» بالقلق من تصاعد التوترات في مجال التجارة مع الصين، التي يتم فيها تصنيع الكثير من المنتجات التي تبيعها الشركة.
على الجانب الآخر، تعتمد شركة «لوكهيد مارتن»، التي التقت رئيستها التنفيذية مارلين هيوسن، بترامب الجمعة قبل الماضي، ووعدت بتوفير 1700 وظيفة جديدة، على الحكومة في 20 في المائة من عائداتها التي تبلغ 46 مليار دولار.
وتحقق شركة «يونايتد تكنولوجيز»، التي وافقت على الإبقاء على 850 وظيفة في وحدة «كارير» في إنديانا بوليس بعد ضغوط من ترامب، نحو 10 في المائة من مبيعاتها من واشنطن.
وصرح شون سبايسر، المتحدث الإعلامي للرئيس ترامب، خلال مكالمة هاتفية مع المؤسسات الإخبارية يوم الثلاثاء، بأن شركة «باير» تعهدت باستثمار 8 مليارات دولار في الولايات المتحدة، وتوفير ثلاثة آلاف وظيفة. وقال: «السبب وراء هذا الالتزام، والتوسع هو تركيز الرئيس المنتخب على توفير مناخ أفضل للأعمال والمشروعات في الولايات المتحدة الأميركية».
ما لم يذكره سبايسر هو أن شركة «باير» الألمانية العملاقة للكيماويات، تتعرض لتدقيق مكثف من المنظمين في كل من واشنطن وأوروبا بشأن خطتها الخاصة بشراء شركة «مونسانتو» التي يوجد مقرّها في مدينة سانت لويس مقابل 57 مليار دولار.
إذا لم تستطع «باير» الفوز بموافقة وزارة العدل، ولجنة التجارة الفيدرالية، سوف يكون هذا مكلفًا، حيث ستضطر الشركة إلى دفع ملياري دولار إضافية إلى شركة «مونسانتو» طبقًا لشروط الاتفاق. وقد التقى الرئيسان التنفيذيان للشركتين خلال الأسبوع الماضي بالرئيس المنتخب ترامب، وعرضا عليه مسألة الدمج، التي انتقدها بعض مستشاري ترامب.
على الجانب الآخر قلل كورولوغوس من شأن الفكرة القائلة بأن شركات الأعمال الكبرى سوف تحصل على امتيازات محددة مقابل التوظيف أو الاستثمار، لكنه أقرّ بأنه تم ترتيب الكثير من تلك التصريحات لتحدث أكبر قدر ممكن من التأثير السياسي. وأوضح قائلا: «هناك الكثير من العقبات التي يجب تخطيها، والكثير من المؤسسات التي تجعل من عملية التبادل أمرًا صعبًا ومعقدًا». وأضاف قائلا: «مع ذلك ما يقوم به ترامب استثنائي للغاية، ولم يتم اتخاذ تلك القرارات منذ 48 ساعة أو بعد تغريدة على موقع تويتر، إنهم يعملون عليها منذ مدة طويلة».
كذلك أوضح سبايسر أن قرار «باير» بزيادة التوظيف، والاستثمار في الولايات المتحدة لم يتم الكشف عنه في السابق، على عكس بعض الإعلانات، التي تم الترويج لها جيدًا، والتي كانت بالأساس نُسخا معادا تدويرها من بيانات صحافية سابقة. في حالات أخرى تدعم شركات خطط التوظيف الآن بعد اتخاذ قرارات في وقت سابق بالتخلص من العمال بهدوء. وصرحت «وول مارت»، أكبر شركة خاصة في البلاد من حيث عدد الوظائف لديها، يوم الثلاثاء بأنها سوف توفر نحو 10 آلاف وظيفة جديدة عندما تفتتح نحو 60 متجرا جديدا، وهي خطط تم الإعلان عنها العام الماضي. وتتطابق زيادة القوى العاملة مع ممارسات شركة «وول مارت» الخاصة بتوظيف عاملين في المتاجر الجديدة بحسب لورينزو لوبيز، المتحدث باسم الشركة.
وقبل أشهر من إعلان الشركة عن افتتاح متاجر جديدة العام الماضي، قالت: إنها سوف تسرح 16 ألف عامل من العمل بسبب إغلاق 154 من مواقعها الأميركية، و115 متجرا في الخارج. وصرح لوبيز يوم الثلاثاء بأن «الكثير» من العمال، الذين تأثروا بإغلاق المتاجر، قد تمكنوا من الانتقال إلى متاجر «وول مارت» المحيطة.
أما فيما يتعلق بصناعة السيارات، فقد شجع انتقاد ترامب لاستيراد السيارات المصنوعة في المكسيك الشركات على الدفاع عن تواجدها في مجال التصنيع الأميركي بقوة، وعلى الإعلان عن ضخّ استثمارات جديدة، بعضها كان في مرحلة التخطيط.
وأقرّ سيرجيو مارشيوني، الرئيس التنفيذي لشركة «فيات كرايسلر» خلال الأسبوع الماضي بأنه يتم النظر في خطط توفير ألفي وظيفة في الولايات المتحدة قبل فوز ترامب بالرئاسة في نوفمبر (تشرين الثاني) بمدة طويلة.
وقال مارشيوني خلال ظهور له في معرض ديترويت للسيارات: «كان يتم مناقشة القرار منذ مدة طويلة تعود إلى عام 2015. ليس الأمر سوى استمرار لتطوير قاعدة التصنيع الأميركية».
مع ذلك أوضح رد فعل ترامب الفوري والإيجابي تجاه ذلك الإعلان مدى متابعة الرئيس المنتخب لوضع الوظائف في مجال تصنيع السيارات، ومدى تأثير اهتمامه بالتصنيع الأميركي على الشركات المصنعة للسيارات.
وأعلنت شركة «جنرال موتورز»، أكبر شركة أميركية مصنعة للسيارات، يوم الثلاثاء عن استثمار مليار دولار في مصانعها الأميركية ما من شأنه أن يوفر 1500 وظيفة، أو يبقي عليها. كذلك صرحت الشركة بأنها ستنقل إنتاج محاور الدوران من المكسيك إلى الولايات المتحدة مما سيوفر نحو 450 وظيفة في أميركا، وأنها سوف تستمر في توفير الآلاف من الوظائف الجديدة في مجال التكنولوجيا على مدى الأعوام القليلة المقبلة. وأوضحت الشركة في بيان لها أن تلك الخطط «يتم العمل عليها منذ مدة»، لكن من المؤكد أن توقيت الإعلان عنها لم يكن من قبيل المصادفة، بالنظر إلى اهتمام ترامب بالأمر. وقال باتريك مورسي، المتحدث باسم شركة «جنرال موتورز»: «ما من شك أن هناك تركيزا على توفير الوظائف في الولايات المتحدة الآن. لذا كان الوقت مناسبًا للإفصاح عما نقوم به».
وقد أعلن ترامب بالفعل عن شكره لكل من شركة «جنرال موتورز»، و«وول مارت» يوم الثلاثاء عبر موقع «تويتر» بعد ساعات قليلة من إعلانهما عن ذلك.
تدرك الشركات توجه سياسات الحكومة، وتريد أن تبدي مدى اتفاقها وتوافقها مع البرنامج على حد قول بروس ميلمان، مؤسس شركة «ميلمان كاستانيتي روزين أند توماس»، الشركة التي من عملائها «فيات كرايسلر»، و«بروكتر أند غامبل»، و«وول مارت». وأوضح ميلمان قائلا: «كان محور الاهتمام خلال عامي 2009 و2010 أثناء فترة رئاسة أوباما هو الاستدامة، وفي عام 2017 محور الاهتمام بالنسبة لترامب هو التصنيع المحلي».
يمثل هذا الأمر أهمية بالنسبة إلى الشركات المصنعة للسيارات، حيث تصنع شركات مثل «جنرال موتورز»، وغيرها السيارات في المكسيك لبيعها في الولايات المتحدة. وترفض الشركات المصنعة للسيارات حتى هذه اللحظة التوقف عن استيراد السيارات من المكسيك، لكن يستعد مجال صناعة السيارات ككل للتعديلات المحتملة في اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية التي قد تقوض هيكل إنتاجها المعقد في الولايات المتحدة، وكندا، والمكسيك.
ويرى المحللون في هذا المجال أن الإعلان عن توفير وظائف جديدة، والتي تم الترويج لها جيدًا، محاولات تقوم بها الشركات المصنعة للسيارات من أجل تقليل حدة الانتقاد الذي وجهه الرئيس المنتخب، وكذلك من أجل التودد لإدارة ترامب القادمة والتقرب منها. ويقول مايكل هارلي، محلل في شركة «كيلي بلو بوك» للأبحاث في مجال السيارات: «الإبقاء على الوظائف وزيادتها في الولايات المتحدة هو التوجه السياسي الصحيح حاليًا. ويشير توقيت التصريحات إلى رغبة (جنرال موتورز) في المشاركة في لعبة الدعاية التي تلعبها الإدارة الجديدة».
* خدمة «نيويورك تايمز»



رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
TT

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)

«أصبح ذهابنا للعمل خسارة علينا»... كلمات صدرت من المصري أحمد فاروق، وهو يتأمل تذكرة القطار التي قطعها صبيحة الاثنين، مُعلقاً على قيمتها الجديدة، مع تطبيق الزيادات على أسعار التذاكر.

وبدأت الحكومة المصرية، الجمعة الماضي، تطبيق زيادات على أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، على خلفية ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، وذلك بعد أقل من أسبوعين على تطبيق زيادات على أسعار المحروقات تتجاوز 30 في المائة.

وأضاف فاروق، وهو موظف بإحدى شركات الإنشاءات بالقاهرة، يقطع يومياً مسافة 60 كيلومتراً من مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية (دلتا النيل) وصولاً إلى عمله بالقاهرة، ومثلها في رحلة العودة، لـ«الشرق الأوسط»: «رحلتي تبدأ بالقطار ثم مترو الأنفاق... (الآن) أصبحت مطالباً بدفع 24 جنيهاً إضافية يومياً، بعد زيادة تذاكر الوسيلتين، أي ما يزيد على 700 جنيه شهرياً (الدولار تجاوز 54 جنيهاً)». وتابع متسائلاً: «ما يشغلني في ظل ثبات الراتب... هل أقتطع هذه الزيادة من ميزانية احتياجات المنزل أم الدروس الخصوصية للأبناء؟».

يعكس التساؤل حال آلاف المصريين من قاطني الأقاليم الذين تستقبلهم القاهرة صباح كل يوم، ويعتمدون على شبكة النقل العام من قطارات ومترو الأنفاق للوصول إلى عملهم. وفي ظل زيادة قيمة تذاكر القطارات و«المترو» وكذلك وسائل المواصلات المختلفة، تحولت رحلة العمل اليومية إلى عبء مالي جديد يرهق هذه الأسر.

وزادت أسعار تذاكر القطارات في المسافات القصيرة بنسبة 25 في المائة، و12.5 في المائة للمسافات الطويلة، بينما زادت أسعار تذاكر «المترو» بنسبة 20 في المائة مع تثبيت أسعار المسافات الطويلة.

ووفقاً لهذه الزيادة، يبيّن الأربعيني فاروق أن «قيمة تذكرة القطار الروسي المكيف زادت من 30 جنيهاً إلى 40 جنيهاً»، وزادت قيمة تذكرة «المترو» من 10 جنيهات لـ12 جنيهاً، مما جعل «رحلة العمل» تمثل له حيرة في تدبير نفقاتها.

مصري يطالع القيمة الجديدة لتذاكر «مترو الأنفاق» عقب قرار زيادتها (الشرق الأوسط)

الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور ياسر حسين، أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات تمثل عبئاً إضافياً ثقيلاً على الأسر المصرية، فهذه الزيادات تضع الأسر أمام خيارات صعبة، إذ تضطر لتقليص إنفاقها على بنود أخرى؛ مثل التعليم والصحة، كما تلاشت البنود الترفيهية تقريباً من حسابات كثيرين لأجل تغطية تكاليف المواصلات، لأن الوصول إلى العمل بند إجباري لا يمكن الاستغناء عنه.

وأضاف: «تنفق الأسر ما بين 10 و20 في المائة من دخلها الشهري على التنقل، وهو رقم كبير إذا وضعناه بجانب بنود الإنفاق الأساسية الأخرى مثل الغذاء والسكن والتعليم». وأشار إلى أن «رحلة العمل اليومية لا تقتصر على التنقل بـ(مترو الأنفاق) أو القطار فقط؛ بل تتضمن وسائل مواصلات إضافية فرعية، ما يضاعف التكلفة النهائية للتنقل، ويضغط على ميزانية الأسر».

وداخل القطار، تجاذب فاروق وجيرانه من الركاب الحديث عن إرهاق «ثمن المشوار اليومي»، وطرق مواكبة «سرعة» تكاليف المعيشة، وكيفية التعامل مع «فاتورة الوصول» الجديدة بحساب الخسائر والبدائل.

وقال رمزي نبيل، الذي يقطن بمدينة طنطا في محافظة الغربية (دلتا مصر)، ويعمل في أحد محال المستلزمات الطبية بالقاهرة: «لم نفق بعد من صدمة تحريك أسعار المحروقات التي رفعت أجرة المواصلات العامة، حتى فوجئنا بزيادة تذاكر القطارات والمترو... بالفعل أفكر في ترك العمل بالقاهرة، فقيمة التذاكر الجديدة سوف تستنزف جزءاً لا يُستهان به من الدخل».

تذاكر القطارات في مصر زادت بنسب تتراوح بين 12.5 و25 في المائة (الشرق الأوسط)

وتعدّ القاهرة أكثر المحافظات جذباً للسكان، نظراً لفرص العمل ومراكز التعليم والخدمات، ويتجاوز عدد سكانها 11 مليون نسمة، ويتردد عليها يومياً عدد يقارب ذلك الرقم، وفق تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر.

ويبيّن حسين أن زيادة أسعار تذاكر القطارات تضع سكان الضواحي والأقاليم في موقف بالغ الصعوبة، إذ يعتمد هؤلاء بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار العمل في القاهرة. ويتابع: «حتى بعد الزيادة، لن يتوقف هؤلاء عن ركوب القطار، والنتيجة أن الأسر ستتحمل عبئاً مالياً إضافياً، وسيسعى العمال إلى التفاوض مع أصحاب الأعمال لزيادة الأجور بدعوى ارتفاع تكاليف المواصلات، وهذه المطالب ستنعكس بدورها على أصحاب الأعمال الذين سيضطرون لرفع أسعار بعض السلع لتعويض زيادة بند الأجور، وبالتالي رفع تذكرة القطار لا يتوقف عند جيوب الركاب فقط؛ بل يؤدي إلى حلقة جديدة من التضخم».

وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

سكان الأقاليم يعتمدون بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار عملهم بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وفي قطارات المترو، التي تنقل الملايين يومياً، انشغل الركاب بحساب قيمة فاتورة الركوب اليومية. وبالنسبة للعشرينية سارة أيمن، التي تُدرّس اللغة الألمانية بأحد مراكز اللغات الخاصة، فإن ميزانيتها المحدودة باتت أمام اختبار صعب مع زيادة قيمة التذكرة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتبر (المترو) الوسيلة الأرخص والأسرع؛ لكن مع الزيادات الأخيرة، بدأت أفكر في المطالبة بتقليل أيام ذهابي لـ(المركز) أو الاتجاه للتدريس (أون لاين)، فكل جنيه إضافي في المواصلات يعني استقطاعاً من الراتب البسيط».

الخبيرة الاجتماعية والأسرية، داليا الحزاوي، تؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما محدودي ومتوسطي الدخل على وسائل المواصلات المختلفة بشكل يومي، سواء في الانتقال إلى أماكن العمل أو في تنقل الأبناء إلى المدارس والجامعات، أصبحت هذه الأسر تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، خصوصاً في الحالات التي يضطر فيها رب الأسرة لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مقر عمله، أو عندما يلتحق الأبناء بمؤسسات تعليمية بعيدة عن محل السكن». وتشير إلى أن «هذه الزيادات الأخيرة قد تدفع إلى لجوء بعض الطلاب للغياب توفيراً للنفقات، أو يضطر رب الأسرة لترك عمله لبعده عن مكان إقامته والبحث عن فرصة عمل جديدة، مما يزيد القلق والتوتر، ويؤثر بالسلب على الاستقرار الأسري».


مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
TT

مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)

ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه خلال تعاملات، الاثنين، بشكل قياسي في مصر. وأظهرت شاشات التداول تحركاً صعودياً جديداً للعملة الأميركية في عدد من البنوك الكبرى، لتتخطى حاجز 54 جنيهاً للمرة الأولى، وسط تباين بين خبراء الاقتصاد حول عودة «السوق السوداء» مجدداً.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط متهمين بإخفاء عملات أجنبية. وقالت في بيان، الاثنين، إنه «استمراراً للضربات الأمنية ضد جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات عن طريق إخفائها عن التداول والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية، تم ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية بقيمة 9 ملايين جنيه خلال 24 ساعة».

وواصل الدولار ارتفاعه مقابل العملة المصرية خلال الأسبوع الحالي، وكان الجنيه قد اختتم عام 2025 بأداء قوي، فيما يتزايد اهتمام المواطنين بمتابعة سعر الدولار بشكل يومي، نظراً إلى ارتباطه المباشر بأسعار السلع والخدمات خاصة المستوردة منها، وسط مخاوف من «عودة السوق السوداء».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

ويرى أستاذ الاقتصاد، الدكتور محمد علي إبراهيم، أن «أزمة الحرب الحالية قد تفتح الباب مجدداً لعودة (السوق السوداء)». وعزز رأيه بالقول إن «الطلب سوف يزداد على الدولار بغرض الاكتناز واعتباره (ملاذاً آمناً)، وهذا الطلب المتزايد على العملة الأميركية سوف يدفع إلى وجود (سوق سوداء)، خصوصاً في ظل تراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وتأثر تحويلات المصريين العاملين في الخارج».

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

لكن إبراهيم يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة أكبر من عودة (السوق السوداء) للعملة، وتتمثل في الخطوات المقبلة خصوصاً مع استمرار أمد الحرب الإيرانية وتداعياتها، فالدولار عالمياً يرتفع على حساب كل العملات الآسيوية، والاقتصاد المصري مرهون بالدولار، لذا حدث ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد». ويوضح أن «هذا المشهد يعيدنا إلى (المربع صفر)، وسيدفع إلى ضغوط تضخمية كبيرة على الاقتصاد القومي»، وفق قوله. ويضيف أن «جميع الجهود التي تمت خلال الفترة الماضية من أجل الحد من التضخم قد تأثرت الآن، والأخطر هو الذهاب إلى ركود تضخمي».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس (آذار) الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

لكن الخبير الاقتصادي، الدكتور وليد جاب الله، يرى أن «الارتفاع القياسي للدولار ليس مؤشراً على عودة (السوق السوداء)». ودلل على ذلك بقوله إن «البنوك توفر الدولار وتقدم سعر صرف مرناً، وتوفر الاحتياجات المطلوبة من الدولار، لذا لا توجد (سوق سوداء)».

ويوضح أن «عودة (السوق السوداء) تكون مرتبطة بعدم وجود إتاحة للدولار في البنوك، وعدم الإتاحة يحدث عند استنفاد الاحتياطي بإتاحات من الاحتياطي وليست بإتاحات من البنوك نفسها». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجنيه يشهد انخفاضات يومية، فماذا سيحدث له أقل من ذلك في (السوق السوداء)؟». ويلفت إلى أن «سعر الدولار مقابل الجنيه صعد من 46 إلى 54 جنيهاً للدولار الواحد، وهذا الرقم لو كان في (السوق السوداء) فلن يصل إليه»، على حد قوله.

رئيس الوزراء المصري خلال لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

ووفق الإعلامي المصري، عمرو أديب، فإن «بعض التجار في السوق المحلية يتعاملون بحساسية شديدة مع تطورات سعر الدولار». وأشار خلال برنامجه التلفزيوني، مساء السبت الماضي، إلى أن «بعض التجار يحسبون سعر الدولار عند مستويات تصل إلى 60 و70 جنيهاً، وهو ما ينعكس في النهاية على المواطن المصري».

وتنفّذ الحكومة المصرية برنامجاً اقتصادياً مع صندوق النقد الدولي، منذ مارس 2024، بقيمة 8 مليارات دولار، وتلتزم فيه القاهرة بتحرير سعر صرف الجنيه وفق آليات السوق (العرض والطلب)، بخفض دعم الوقود والكهرباء وسلع أولية أخرى، مما دفع إلى موجة غلاء يشكو منها مصريون.

وحدّد الصندوق موعد المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد لمصر في 15 يونيو (حزيران) المقبل، تمهيداً لصرف 1.65 مليار دولار، فيما ستُعقد المراجعة الثامنة الأخيرة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تمهيداً لصرف شريحة مماثلة قيمتها 1.65 مليار دولار.

ويرى جاب الله أن «استمرار أمد الحرب الإيرانية سوف يدفع إلى ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد»، مشيراً إلى أن «مصر من جانبها رشّدت إنفاقها، وقللت دوام العمل في الأسبوع، وجميع هذه الإجراءات تقلل الخطر، لكن الخطر لا يزال قائماً».

وأعلنت الحكومة المصرية أخيراً إجراءات لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، و«الإغلاق المبكر» للمحال التجارية، وتخفيض استهلاك الكهرباء في الشوارع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، من أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب خطير لاقتصادات دول المواجهة، وتُلقي بظلالها على آفاق العديد من الاقتصادات التي بدأت للتو في التعافي من أزمات سابقة.

وفي مدونة نشرها كبار خبراء الاقتصاد في الصندوق، قال صندوق النقد الدولي إن الحرب التي شنتها الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) تسببت في صدمة عالمية، لكنها غير متكافئة، وأدت إلى تشديد الأوضاع المالية.

حسب الصندوق، تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز وتضرر البنية التحتية الإقليمية في أكبر اضطراب تشهده سوق النفط العالمية في التاريخ. وسيتوقف الكثير على مدة الحرب، ومدى اتساع رقعة انتشارها، وحجم الأضرار التي ستلحقها بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الدول منخفضة الدخل معرضة بشكل خاص لخطر انعدام الأمن الغذائي، نظراً لارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، وقد تحتاج إلى مزيد من الدعم الخارجي في وقت تُقلّص فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة مساعداتها الدولية.

وكتب الاقتصاديون: «على الرغم من أن الحرب قد تُؤثر على الاقتصاد العالمي بطرق مختلفة، فإن جميع الطرق تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو».

وأعلن صندوق النقد الدولي أنه سيصدر تقييماً أكثر شمولاً في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي»، المقرر نشره في 14 أبريل (نيسان)، خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن.

وأشار الباحثون إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء سيؤدي إلى تفاقم التضخم عالمياً، مُلاحظين أن الارتفاعات المُستمرة في أسعار النفط تاريخياً تميل إلى رفع التضخم وخفض النمو. وأضافوا أن الحرب قد تُؤجج أيضاً التوقعات باستمرار ارتفاع التضخم لفترة أطول، ما قد يُترجم إلى ارتفاع الأجور والأسعار، ويُصعّب احتواء الصدمة دون تباطؤ حاد في النمو.