الشركات تساعد نفسها بإعلانها عن توفير وظائف جديدة في أميركا

أولويات المؤسسات تتحول من الاستدامة إلى التصنيع المحلي لإرضاء ترامب

تصنع شركات مثل «جنرال موتورز»، وغيرها السيارات في المكسيك لبيعها في الولايات المتحدة (غيتي)
تصنع شركات مثل «جنرال موتورز»، وغيرها السيارات في المكسيك لبيعها في الولايات المتحدة (غيتي)
TT

الشركات تساعد نفسها بإعلانها عن توفير وظائف جديدة في أميركا

تصنع شركات مثل «جنرال موتورز»، وغيرها السيارات في المكسيك لبيعها في الولايات المتحدة (غيتي)
تصنع شركات مثل «جنرال موتورز»، وغيرها السيارات في المكسيك لبيعها في الولايات المتحدة (غيتي)

قبل أن يؤدي دونالد ترامب قسم الرئاسة أمس الجمعة، استبقت الشركات الكبرى ذلك بتحرك مثير للاهتمام في اتجاهه، حيث أعلنت مجموعة من الشركات الكبرى، من بينها «فورد»، و«لوكهيد مارتن»، و«أمازون»، و«سبرينت» خلال الأسابيع القليلة الماضية عن خطط للتوظيف، والاستثمار في الولايات المتحدة الأميركية. وقد زار عدد كبير من المسؤولين التنفيذيين في الداخل ومن الخارج برج «ترامب تاور» سعيًا للحصول على بركات الرئيس المنتخب.
ولا تسعى التصريحات، التي يتم الإعلان عنها يوميًا تقريبًا، وكان آخرها تصريح «جنرال موتورز» و«وول مارت» يوم الثلاثاء الماضي، فقط إلى تصدر عناوين الأخبار الرئيسية، أو الفوز بثناء يأتي عبر تغريدة على موقع «تويتر».
في الوقت الذي تعد فيه الوظائف والاستثمارات حقيقية وفعلية بما يكفي، سوف تبدأ كل هذه المؤسسات الكبرى الضخمة العمل قبل بدء نشاط الإدارة الجديدة التي من المتوقع أن تتخذ خطوات حاسمة بشأن عمليات الدمج، والسياسات الخاصة بالتجارة، والإصلاح الضريبي، وعقود الدفاع، واللوائح التنظيمية، ويدعم إرسال إشارات إلى الرئيس المنتخب، وفريقه تؤكد انضمامهم إلى جبهته، الرؤساء التنفيذيين بالمزيد من الامتيازات.
وقال توم كورولوغوس، المخطط الاستراتيجي الجمهوري، والمستشار المخضرم في شركة المحاماة «دي إل إيه بايبر» في واشنطن: «قد تكون محاولة لشراء النية الطيبة، لكنني لا ألومهم لمحاولة القيام بذلك. إنها إدارة جديدة، وتشعر الشركات بالتوتر، ولا تعلم ما ينتظرها».
في نهاية المطاف سوف تتخذ الإدارة الجديدة قراراتها بعيدًا عن أضواء غرف الاجتماعات في الهيئات الفيدرالية في واشنطن، أو وراء الأبواب المغلقة في مبنى الـ«كابيتول هيل». سوف يصل العائد المالي الذي يتم تحقيقه من ذلك إلى تريليونات.
أما فيما يتعلق بالأمور شديدة الأهمية، فسوف تحتاج الشركات إلى توضيح مواقفها جيدًا. على سبيل المثال، تشعر شركة «ديترويت» المصنعة للسيارات بالقلق من فرض واشنطن لتعريفة جمركية على السيارات المصنوعة في المكسيك، لكنها تبحث عن فرصة في المعايير الجديدة الخاصة بكفاءة استهلاك الوقود في البلاد. كذلك تشعر شركة «وول مارت» بالقلق من تصاعد التوترات في مجال التجارة مع الصين، التي يتم فيها تصنيع الكثير من المنتجات التي تبيعها الشركة.
على الجانب الآخر، تعتمد شركة «لوكهيد مارتن»، التي التقت رئيستها التنفيذية مارلين هيوسن، بترامب الجمعة قبل الماضي، ووعدت بتوفير 1700 وظيفة جديدة، على الحكومة في 20 في المائة من عائداتها التي تبلغ 46 مليار دولار.
وتحقق شركة «يونايتد تكنولوجيز»، التي وافقت على الإبقاء على 850 وظيفة في وحدة «كارير» في إنديانا بوليس بعد ضغوط من ترامب، نحو 10 في المائة من مبيعاتها من واشنطن.
وصرح شون سبايسر، المتحدث الإعلامي للرئيس ترامب، خلال مكالمة هاتفية مع المؤسسات الإخبارية يوم الثلاثاء، بأن شركة «باير» تعهدت باستثمار 8 مليارات دولار في الولايات المتحدة، وتوفير ثلاثة آلاف وظيفة. وقال: «السبب وراء هذا الالتزام، والتوسع هو تركيز الرئيس المنتخب على توفير مناخ أفضل للأعمال والمشروعات في الولايات المتحدة الأميركية».
ما لم يذكره سبايسر هو أن شركة «باير» الألمانية العملاقة للكيماويات، تتعرض لتدقيق مكثف من المنظمين في كل من واشنطن وأوروبا بشأن خطتها الخاصة بشراء شركة «مونسانتو» التي يوجد مقرّها في مدينة سانت لويس مقابل 57 مليار دولار.
إذا لم تستطع «باير» الفوز بموافقة وزارة العدل، ولجنة التجارة الفيدرالية، سوف يكون هذا مكلفًا، حيث ستضطر الشركة إلى دفع ملياري دولار إضافية إلى شركة «مونسانتو» طبقًا لشروط الاتفاق. وقد التقى الرئيسان التنفيذيان للشركتين خلال الأسبوع الماضي بالرئيس المنتخب ترامب، وعرضا عليه مسألة الدمج، التي انتقدها بعض مستشاري ترامب.
على الجانب الآخر قلل كورولوغوس من شأن الفكرة القائلة بأن شركات الأعمال الكبرى سوف تحصل على امتيازات محددة مقابل التوظيف أو الاستثمار، لكنه أقرّ بأنه تم ترتيب الكثير من تلك التصريحات لتحدث أكبر قدر ممكن من التأثير السياسي. وأوضح قائلا: «هناك الكثير من العقبات التي يجب تخطيها، والكثير من المؤسسات التي تجعل من عملية التبادل أمرًا صعبًا ومعقدًا». وأضاف قائلا: «مع ذلك ما يقوم به ترامب استثنائي للغاية، ولم يتم اتخاذ تلك القرارات منذ 48 ساعة أو بعد تغريدة على موقع تويتر، إنهم يعملون عليها منذ مدة طويلة».
كذلك أوضح سبايسر أن قرار «باير» بزيادة التوظيف، والاستثمار في الولايات المتحدة لم يتم الكشف عنه في السابق، على عكس بعض الإعلانات، التي تم الترويج لها جيدًا، والتي كانت بالأساس نُسخا معادا تدويرها من بيانات صحافية سابقة. في حالات أخرى تدعم شركات خطط التوظيف الآن بعد اتخاذ قرارات في وقت سابق بالتخلص من العمال بهدوء. وصرحت «وول مارت»، أكبر شركة خاصة في البلاد من حيث عدد الوظائف لديها، يوم الثلاثاء بأنها سوف توفر نحو 10 آلاف وظيفة جديدة عندما تفتتح نحو 60 متجرا جديدا، وهي خطط تم الإعلان عنها العام الماضي. وتتطابق زيادة القوى العاملة مع ممارسات شركة «وول مارت» الخاصة بتوظيف عاملين في المتاجر الجديدة بحسب لورينزو لوبيز، المتحدث باسم الشركة.
وقبل أشهر من إعلان الشركة عن افتتاح متاجر جديدة العام الماضي، قالت: إنها سوف تسرح 16 ألف عامل من العمل بسبب إغلاق 154 من مواقعها الأميركية، و115 متجرا في الخارج. وصرح لوبيز يوم الثلاثاء بأن «الكثير» من العمال، الذين تأثروا بإغلاق المتاجر، قد تمكنوا من الانتقال إلى متاجر «وول مارت» المحيطة.
أما فيما يتعلق بصناعة السيارات، فقد شجع انتقاد ترامب لاستيراد السيارات المصنوعة في المكسيك الشركات على الدفاع عن تواجدها في مجال التصنيع الأميركي بقوة، وعلى الإعلان عن ضخّ استثمارات جديدة، بعضها كان في مرحلة التخطيط.
وأقرّ سيرجيو مارشيوني، الرئيس التنفيذي لشركة «فيات كرايسلر» خلال الأسبوع الماضي بأنه يتم النظر في خطط توفير ألفي وظيفة في الولايات المتحدة قبل فوز ترامب بالرئاسة في نوفمبر (تشرين الثاني) بمدة طويلة.
وقال مارشيوني خلال ظهور له في معرض ديترويت للسيارات: «كان يتم مناقشة القرار منذ مدة طويلة تعود إلى عام 2015. ليس الأمر سوى استمرار لتطوير قاعدة التصنيع الأميركية».
مع ذلك أوضح رد فعل ترامب الفوري والإيجابي تجاه ذلك الإعلان مدى متابعة الرئيس المنتخب لوضع الوظائف في مجال تصنيع السيارات، ومدى تأثير اهتمامه بالتصنيع الأميركي على الشركات المصنعة للسيارات.
وأعلنت شركة «جنرال موتورز»، أكبر شركة أميركية مصنعة للسيارات، يوم الثلاثاء عن استثمار مليار دولار في مصانعها الأميركية ما من شأنه أن يوفر 1500 وظيفة، أو يبقي عليها. كذلك صرحت الشركة بأنها ستنقل إنتاج محاور الدوران من المكسيك إلى الولايات المتحدة مما سيوفر نحو 450 وظيفة في أميركا، وأنها سوف تستمر في توفير الآلاف من الوظائف الجديدة في مجال التكنولوجيا على مدى الأعوام القليلة المقبلة. وأوضحت الشركة في بيان لها أن تلك الخطط «يتم العمل عليها منذ مدة»، لكن من المؤكد أن توقيت الإعلان عنها لم يكن من قبيل المصادفة، بالنظر إلى اهتمام ترامب بالأمر. وقال باتريك مورسي، المتحدث باسم شركة «جنرال موتورز»: «ما من شك أن هناك تركيزا على توفير الوظائف في الولايات المتحدة الآن. لذا كان الوقت مناسبًا للإفصاح عما نقوم به».
وقد أعلن ترامب بالفعل عن شكره لكل من شركة «جنرال موتورز»، و«وول مارت» يوم الثلاثاء عبر موقع «تويتر» بعد ساعات قليلة من إعلانهما عن ذلك.
تدرك الشركات توجه سياسات الحكومة، وتريد أن تبدي مدى اتفاقها وتوافقها مع البرنامج على حد قول بروس ميلمان، مؤسس شركة «ميلمان كاستانيتي روزين أند توماس»، الشركة التي من عملائها «فيات كرايسلر»، و«بروكتر أند غامبل»، و«وول مارت». وأوضح ميلمان قائلا: «كان محور الاهتمام خلال عامي 2009 و2010 أثناء فترة رئاسة أوباما هو الاستدامة، وفي عام 2017 محور الاهتمام بالنسبة لترامب هو التصنيع المحلي».
يمثل هذا الأمر أهمية بالنسبة إلى الشركات المصنعة للسيارات، حيث تصنع شركات مثل «جنرال موتورز»، وغيرها السيارات في المكسيك لبيعها في الولايات المتحدة. وترفض الشركات المصنعة للسيارات حتى هذه اللحظة التوقف عن استيراد السيارات من المكسيك، لكن يستعد مجال صناعة السيارات ككل للتعديلات المحتملة في اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية التي قد تقوض هيكل إنتاجها المعقد في الولايات المتحدة، وكندا، والمكسيك.
ويرى المحللون في هذا المجال أن الإعلان عن توفير وظائف جديدة، والتي تم الترويج لها جيدًا، محاولات تقوم بها الشركات المصنعة للسيارات من أجل تقليل حدة الانتقاد الذي وجهه الرئيس المنتخب، وكذلك من أجل التودد لإدارة ترامب القادمة والتقرب منها. ويقول مايكل هارلي، محلل في شركة «كيلي بلو بوك» للأبحاث في مجال السيارات: «الإبقاء على الوظائف وزيادتها في الولايات المتحدة هو التوجه السياسي الصحيح حاليًا. ويشير توقيت التصريحات إلى رغبة (جنرال موتورز) في المشاركة في لعبة الدعاية التي تلعبها الإدارة الجديدة».
* خدمة «نيويورك تايمز»



موازنة تكميلية بـ17.3 مليار دولار في كوريا الجنوبية لمواجهة قفزة أسعار النفط

وزير الموازنة الكوري الجنوبي بارك هونغ - كيون خلال مؤتمر صحافي في سيجونغ - 31 مارس 2026 (إ.ب.أ)
وزير الموازنة الكوري الجنوبي بارك هونغ - كيون خلال مؤتمر صحافي في سيجونغ - 31 مارس 2026 (إ.ب.أ)
TT

موازنة تكميلية بـ17.3 مليار دولار في كوريا الجنوبية لمواجهة قفزة أسعار النفط

وزير الموازنة الكوري الجنوبي بارك هونغ - كيون خلال مؤتمر صحافي في سيجونغ - 31 مارس 2026 (إ.ب.أ)
وزير الموازنة الكوري الجنوبي بارك هونغ - كيون خلال مؤتمر صحافي في سيجونغ - 31 مارس 2026 (إ.ب.أ)

اقترحت كوريا الجنوبية، يوم الثلاثاء، موازنة حكومية تكميلية بقيمة 17.3 مليار دولار لدعم المستهلكين والشركات المتضررة من الحرب في الشرق الأوسط. ويأتي ذلك في ظل ارتفاع حاد في أسعار النفط نتيجة الصراع الأميركي - الإسرائيلي على إيران، ما زاد من مخاطر النمو والتضخم على رابع أكبر اقتصاد في آسيا، الذي يُعدّ أيضاً رابع أكبر مستورد للنفط عالمياً، مستورداً نحو 70 في المائة من احتياجاته من الشرق الأوسط.

وتُعدّ هذه الموازنة الإضافية الثانية خلال أقل من عام في عهد الرئيس لي جاي ميونغ، الذي تعهد باتباع سياسة مالية توسعية لتحفيز النمو منذ توليه منصبه في يونيو (حزيران) الماضي، وفق «رويترز».

وقال وزير الموازنة بارك هونغ كيون: «إلى جانب البيانات الاقتصادية، تتفاقم الصعوبات والقلق الذي يشعر به شعبنا وشركاتنا أكثر من أي وقت مضى. الاستجابة الاستباقية أهم من أي شيء آخر».

وتبلغ قيمة خطة الإنفاق الإجمالية 26.2 تريليون وون (17.3 مليار دولار)، تتضمن 10.1 تريليون وون لمواجهة ارتفاع أسعار النفط، و2.8 تريليون وون لدعم ذوي الدخل المحدود والشباب، و2.6 تريليون وون للشركات المتضررة من الصراع في الشرق الأوسط، وفقاً لوزارة الموازنة. ومن أبرز الإجراءات، تعتزم الحكومة تخصيص 5 تريليونات وون لتعويض خسائر مصافي النفط الناتجة عن تحديد سقف الأسعار على مستوى البلاد، وهو الإجراء الذي طُبّق هذا الشهر لأول مرة منذ نحو 30 عاماً.

كما ستخصص الحكومة 4.8 تريليون وون لتقديم دعم مالي عبر قسائم شرائية تتراوح قيمتها بين 100 ألف وون و600 ألف وون للفرد الواحد، وفقاً لمستوى الدخل والمنطقة، مع استثناء أصحاب أعلى 30 في المائة من الدخل على مستوى البلاد.

وأوضحت الوزارة أنها ستستفيد من فائض الإيرادات الضريبية الناتج عن ازدهار صادرات الرقائق الإلكترونية وارتفاع سوق الأسهم لتمويل الموازنة الإضافية، دون إصدار أي سندات خزانة، فيما تتضمن الخطة أيضاً سداد سندات خزانة بقيمة تريليون وون. ومن المتوقع أن ترفع هذه الموازنة إجمالي الإنفاق الحكومي لعام 2026 إلى 752.1 تريليون وون، بزيادة قدرها 11.8 في المائة على العام الماضي، بما يعزز النمو الاقتصادي بنسبة 0.2 نقطة مئوية، بعدما كان الإنفاق المخطط قبل اندلاع الحرب يبلغ 727.9 تريليون وون.

وعلى صعيد العجز المالي، أكدت الوزارة أنه سينخفض إلى 3.8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي مقارنةً بـ3.9 في المائة المقدرة سابقاً و4.2 في المائة في العام الماضي، بينما تُقدّر نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي بنحو 50.6 في المائة مقارنةً بـ51.6 في المائة سابقاً و49.1 في المائة المتوقعة في 2025.

وقبل أسابيع من الهجوم الأميركي والإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط)، أشار بنك كوريا إلى أنه لن يُعدّل سياسته النقدية حتى أغسطس (آب) على الأقل، كما رفع توقعاته للنمو في 2026 إلى 2 في المائة مقارنةً بـ1.8 في المائة سابقاً، بعد أن نما الاقتصاد بنسبة 1 في المائة في 2025. وفي العام الماضي، أعدّت إدارة لي موازنة إضافية بقيمة 31.8 تريليون وون بعد شهر واحد من توليه منصبه، تضمنت برنامجه الرئيسي لتوزيع قسائم الدعم بهدف تحفيز الطلب المحلي الذي تراجع عقب فشل محاولة سلفه يون سوك يول لفرض الأحكام العرفية في ديسمبر (كانون الأول) 2024.


اقتصاد بريطانيا ينهي 2025 بنمو هامشي... وآفاق 2026 رهينة «حرب إيران»

حافلة تمرّ عبر الحيّ المالي في لندن (رويترز)
حافلة تمرّ عبر الحيّ المالي في لندن (رويترز)
TT

اقتصاد بريطانيا ينهي 2025 بنمو هامشي... وآفاق 2026 رهينة «حرب إيران»

حافلة تمرّ عبر الحيّ المالي في لندن (رويترز)
حافلة تمرّ عبر الحيّ المالي في لندن (رويترز)

أظهرت بيانات رسمية، صادرة يوم الثلاثاء، أن الاقتصاد البريطاني أنهى عام 2025 بأداء ضعيف؛ إذ سجّل نمواً هامشياً، مما يزيد من تعقيد مهمة الحكومة في تحفيز النشاط الاقتصادي خلال عام 2026، خصوصاً في ظل تصاعد المخاوف من تداعيات الحرب الإيرانية على الطلب وارتفاع الضغوط التضخمية.

وأوضح مكتب الإحصاء الوطني أن الناتج المحلي الإجمالي ارتفع بنسبة 0.1 في المائة فقط خلال الربع الرابع (أكتوبر/تشرين الأول - ديسمبر/كانون الأول)، وهو ما جاء متوافقاً مع توقعات الاقتصاديين الذين استطلعت «رويترز» آراءهم، والذين رجّحوا عدم إجراء أي تعديل على التقديرات الأولية.

كما أكد المكتب أن النمو في الربع الثالث استقر أيضاً عند 0.1 في المائة، في إشارة إلى استمرار حالة الضعف في زخم الاقتصاد.

وفي سياق متصل، أظهرت البيانات ميلاً متزايداً لدى الأسر البريطانية نحو الادخار، حيث ارتفعت نسبة الادخار بمقدار 0.8 نقطة مئوية لتصل إلى 9.9 في المائة، ما يعكس حذراً استهلاكياً في ظل الضبابية الاقتصادية.

وكانت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية قد خفّضت، الأسبوع الماضي، توقعاتها لنمو الاقتصاد البريطاني خلال العام الحالي إلى 0.7 في المائة، مقارنةً بتقديرات سابقة بلغت 1.2 في المائة، في أكبر مراجعة هبوطية بين الاقتصادات الكبرى.

في المقابل، جرى تعديل تقديرات النمو لعام 2025 بالرفع إلى 1.4 في المائة مقارنةً بـ1.3 في المائة سابقاً، إلا أن هذا التحسّن النسبي لا يغيّر من الصورة العامة التي تشير إلى تباطؤ هيكلي في الأداء الاقتصادي.

ويأتي ذلك في وقت تعهّد فيه رئيس الوزراء كير ستارمر ووزيرة المالية راشيل ريفز بتسريع وتيرة النمو، وهو هدف يبدو أكثر صعوبة في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في الشرق الأوسط.

وأظهرت البيانات كذلك أن الاقتصاد البريطاني كان أكبر بنسبة 1 في المائة خلال الربع الأخير من العام الماضي مقارنةً بالفترة نفسها من العام السابق، وهو ما يتماشى مع التقديرات الأولية، في حين تراجع الناتج المحلي الإجمالي للفرد بنسبة 0.1 في المائة على أساس سنوي، مما يعكس تآكلاً في مستويات المعيشة.

أما على صعيد الحسابات الخارجية فقد بلغ عجز الحساب الجاري 18.4 مليار جنيه إسترليني خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في ديسمبر (كانون الأول)، وهو أقل من توقعات «رويترز» البالغة 23.4 مليار جنيه، لكنه يعادل 2.4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مرتفعاً من 1.4 في المائة في الربع الثالث.

استقرار معدل تضخم أسعار المواد الغذائية

على صعيد آخر، أظهرت بيانات شركة «وورلدبانل» للأبحاث، أن معدل تضخم أسعار المواد الغذائية في المملكة المتحدة استقر عند 4.3 في المائة خلال الأسابيع الأربعة المنتهية في 22 مارس (آذار)، مما يعكس استمرار الضغوط على المستهلكين، في وقت تتزايد فيه المخاوف من موجة ارتفاع جديدة مدفوعة بتداعيات الحرب الإيرانية.

يُعرض التفاح والفواكه الطازجة للبيع في متجر «تيسكو إكسترا» بتشيشنت (رويترز)

وتُعد بيانات «وورلدبانل» مؤشراً استباقياً لاتجاهات الأسعار قبل صدور البيانات الرسمية للتضخم في المملكة المتحدة والمقررة في 22 أبريل (نيسان).

وأشارت الشركة إلى تباين واضح في اتجاهات الأسعار، حيث تسارعت وتيرة الارتفاع في فئات مثل اللحوم غير المصنعة والقهوة، في حين شهدت منتجات أخرى، مثل الزبدة والحلويات، تراجعاً أسرع في الأسعار.

في موازاة ذلك، بدأت آثار ارتفاع تكاليف الطاقة بالظهور تدريجياً، إذ يلمس المستهلكون زيادات ملموسة في أسعار الوقود، نتيجة انعكاسات الحرب الإيرانية على أسواق الطاقة. كما حذّر مزارعون من موجة ارتفاع وشيكة في أسعار الخضراوات المزروعة في البيوت الزجاجية المدفأة، مثل الطماطم والخيار والفلفل، بدءاً من الشهر المقبل، في ظل ارتفاع تكاليف الطاقة والأسمدة.

ولفتت «وورلدبانل» إلى أن كل زيادة بنسبة 1 في المائة في تضخم أسعار الغذاء قد ترفع فاتورة الإنفاق السنوي للأسرة المتوسطة بأكثر من 50 جنيهاً إسترلينياً (نحو 66 دولاراً).

وقال رئيس قسم تجارة التجزئة ورؤى المستهلكين في الشركة، فريزر مكيفيت، إن «تزايد احتمالات ارتفاع تضخم أسعار الغذاء، إلى جانب القفزات الحادة في تكاليف الوقود، يزيد من هشاشة أوضاع المتسوقين».

ويأتي ذلك في وقت يواجه فيه البريطانيون زيادات متزامنة في عدد من فواتير الخدمات خلال أبريل، بما في ذلك ضرائب المجالس المحلية، وفواتير المياه، والاتصالات، وخدمات الإنترنت.

وفي سياق متصل، أظهرت بيانات منفصلة صادرة عن اتحاد تجار التجزئة البريطاني ارتفاعاً طفيفاً في معدل تضخم أسعار المتاجر إلى 1.2 في المائة خلال مارس (آذار).

أما على صعيد المبيعات فقد ارتفعت مبيعات البقالة في المملكة المتحدة بنسبة 4.4 في المائة على أساس سنوي خلال الأسابيع الأربعة المنتهية في 22 مارس، ما يعكس استمرار الإنفاق الاستهلاكي رغم الضغوط.

وخلال فترة الاثني عشر أسبوعاً، واصلت كل من «تيسكو» و«سينسبري» تعزيز حصتيهما السوقيتَيْن، في حين حافظت «ليدل» على موقعها بوصفها أسرع سلاسل البقالة التقليدية نمواً، في حين تصدرت «أوكادو» قائمة النمو الإجمالي بفضل توسعها في التجارة الإلكترونية.

في المقابل، واصلت «أسدا» خسارة حصتها السوقية، مما يعكس تصاعد المنافسة داخل قطاع التجزئة الغذائية.

تسارع في نمو أسعار المنازل

أظهرت بيانات صادرة يوم الثلاثاء تسارعاً في نمو أسعار المنازل في المملكة المتحدة خلال مارس، متجاوزةً التوقعات، رغم رفع المقرضين أسعار الفائدة على قروض الرهن العقاري، وسط مخاوف من أن تؤدي تداعيات الحرب الإيرانية إلى زيادة التضخم وارتفاع تكاليف الاقتراض.

صف من المنازل السكنية مع الحيّ المالي في الأفق بجنوب لندن (رويترز)

وأفاد بنك «نايشن وايد» للرهن العقاري بأن أسعار المنازل ارتفعت بنسبة 0.9 في المائة على أساس شهري في مارس، مسجلةً أقوى وتيرة نمو منذ ديسمبر 2024.

وجاءت هذه الزيادة مخالفةً بشكل واضح لتوقعات الاقتصاديين في استطلاع أجرته «رويترز»، الذين رجّحوا تراجعاً بنسبة 0.1 في المائة. كما تفوقّت على الارتفاع المسجل في فبراير (شباط) والبالغ 0.3 في المائة.

وعلى أساس سنوي، ارتفعت أسعار المنازل بنسبة 2.2 في المائة، وهي أعلى وتيرة منذ أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، مقارنةً بزيادة بلغت 1 في المائة خلال فبراير، ما يعكس تحسناً ملموساً في أداء السوق العقارية.

وقال كبير الاقتصاديين في «نايشن وايد»، روبرت غاردنر، إن «تسارع نمو أسعار المنازل يشير إلى أن السوق بدأت تستعيد زخمها بعد فترة من التباطؤ في بداية العام، مدفوعةً بتحسن نسبي في الطلب واستقرار نسبي في أوضاع التمويل».

وأضاف أن «هذا التعافي لا يزال هشاً؛ إذ إن الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة العالمية، نتيجة للتطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، يُمثل صدمة تضخمية قد تنعكس سريعاً على تكاليف المعيشة وأسعار الفائدة، وهو ما قد يحدّ من قدرة المشترين على الاقتراض ويضغط على نشاط السوق خلال الأشهر المقبلة».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الدردري لـ«الشرق الأوسط»: تصعيد الحرب يضع اقتصاد المنطقة أمام «متوالية هندسية» من الخسائر

الأمين العام المساعد للأمم المتحدة مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي للدول العربية د. عبد الله الدردري (تركي العقيلي)
الأمين العام المساعد للأمم المتحدة مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي للدول العربية د. عبد الله الدردري (تركي العقيلي)
TT

الدردري لـ«الشرق الأوسط»: تصعيد الحرب يضع اقتصاد المنطقة أمام «متوالية هندسية» من الخسائر

الأمين العام المساعد للأمم المتحدة مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي للدول العربية د. عبد الله الدردري (تركي العقيلي)
الأمين العام المساعد للأمم المتحدة مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي للدول العربية د. عبد الله الدردري (تركي العقيلي)

مع إطلاق تقرير خاص لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي حول التداعيات الاقتصادية للتصعيد في المنطقة، تحدث مساعد الأمين العام للأمم المتحدة، ومدير المكتب الإقليمي للدول العربية، عبد الله الدردري، لـ«الشرق الأوسط» عن ملامح «الصدمة الاقتصادية المتسارعة»، وانعكاساتها على أسواق الطاقة، والنمو، والفقر، في مؤشر غير مسبوق على الآثار الاقتصادية للحرب، محذراً من أن نحو 4 ملايين شخص مهددون بالانزلاق إلى الفقر. واستعرض الدردري أبرز السيناريوهات المحتملة، في ظل استمرار الاضطرابات، ومحذراً من تضاعف الخسائر بوتيرة هندسية، ومشيراً إلى تحولات مرتقبة في خريطة الطاقة، وسلاسل التوريد، والإمداد، إضافة إلى تحديات إعادة الإعمار، والنماذج التنموية في المنطقة.

نماذج محاكاة

قال الدردري: «أحدثت التطورات الأخيرة صدمة اقتصادية حادة، ومفاجئة، مع مؤشرات متسارعة على اتساع نطاق الخسائر خلال فترة زمنية قصيرة. وتشير التقديرات إلى أن الأرقام المتداولة حتى الآن تبقى مبنية على نماذج محاكاة، نظراً لعدم كفاية الفترة الزمنية لقياس التداعيات الفعلية بدقة».

وتعتمد المنهجية على نماذج تم استخدامها في أزمات سابقة، من بينها تقارير تناولت غزة، ولبنان، حيث أثبتت دقة عالية، واقتراباً كبيراً من النتائج الفعلية التي يتم قياسها لاحقاً. كذلك يركز التقرير على الاتجاهات العامة بدلاً من الأرقام التفصيلية الدقيقة، بهدف فهم المسار العام للتأثيرات الاقتصادية، لا سيما على الناتج المحلي الإجمالي.

خريطة تُظهر مضيق هرمز وخط أنابيب نفط مطبوع بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد (رويترز)

خسائر مرشحة للتصاعد

وبحسب الدردري، فإن السيناريوهات المعتمدة تشير إلى تأثيرات واسعة تشمل تراجع التجارة، واضطراب تجارة المشتقات النفطية، وتدهور البيئة الاستثمارية، إلى جانب ضغوط متزايدة على المالية العامة للدول. وقد جُمعت هذه العوامل ضمن نموذج تحليلي موحد أفضى إلى تلك النتائج الأولية التي ضمها التقرير.

وقال: «اليوم بعد 4 أسابيع (من الحرب) تبين أن الأثر كبير جداً. هناك إغلاق لمضيق هرمز، وصادرات النفط تأثرت بشكل كبير للغاية، وبالتالي نذهب إلى السيناريو الأقصى، وهو التأثر الشديد لتجارة الطاقة، كما يوجد تأثر شديد لعوامل الإنتاج، لأن كل مدخلات الإنتاج تعرضت لهزة كبيرة، بالإضافة إلى الضرر الكبير للبنى التحتية للإنتاج في منطقتنا... بالتالي النتيجة المتوقعة هي أقرب إلى 194 مليار دولار منها إلى 120 مليار دولار».

وفي شرح لكيفية وضع سيناريوهات التقرير، يقول الدردري إنه وُضع «على أساس شهر واحد من القتال»، محذراً من أنه إذا «استمر القتال لأسبوع إضافي فإن الخسائر لن تكون حسابية، وإنما على شكل متوالية هندسية. وبالتالي فإن هذه العناصر أشارت إلى أن الخسائر في إجمالي الناتج المحلي في الخليج هي الأعلى بسبب تأثر قطاع النفط والطاقة، إلا أن الأثر على الفقر هو الأعلى في منطقة المشرق العربي، لأنها دول حساسة جداً حيال ارتفاع أسعار الطاقة التي تؤثر بشكل مباشر على ارتفاع أسعار الغذاء».

كذلك حذر الدردري من أن «عدد الفقراء سيزداد بنحو 4 ملايين شخص في منطقتنا بشهر واحد!! وهو عدد يستغرق عادة سنوات عديدة من التدهور الاقتصادي، وليس شهراً واحداً».

مساعد الأمين العام للأمم المتحدة، ومدير المكتب الإقليمي للدول العربية، عبد الله الدردري (أ.ف.ب)

خريطة جديدة للطاقة

لدى سؤاله عما إذا كانت تُرسم خرائط جديدة للطاقة وتوريدها في المنطقة، قال الدردري: «تصورنا للموضوع أن الدول الآن تتعامل مع الصدمة لمعالجة الأضرار، وتأمين خطوط إمداد بديلة. مثلاً نرى أن السعودية تعتمد أكثر على أنبوب النفط الذي يصب في ينبع في البحر الأحمر، وهناك محادثات جدية بين العراق وسوريا لتمرير كميات عبر البر من النفط الخام، والمشتقات النفطية. وبالتالي بدأ العمل جدياً على إيجاد بدائل، وسلاسل توريد أقوى، وأكثر تنوعاً، وبدأنا بالبرنامج التفكير في مساعدة الدول على إيجاد تشابكات إقليمية، وترابطات إقليمية، والتفكير في طرق النقل البري، والتجارة، وغيرها لتسهيل توفير بدائل فعلية».

سوريا بديلاً عن هرمز!

وفي سياق البحث عن بدائل، وعطفاً على كلام للمبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك حول إمكانية الاستعاضة عن مضيق هرمز بالعبور عبر سوريا، قال الدردري: «هذا هو الدور التاريخي لسوريا. إنها نقطة وصل بين مسارات تجارية واقتصادية مختلفة، ومن هنا نهضت مدن كثيرة، مثل تدمر، وحلب، وغيرهما. وبالفعل بين العامين 2007 و2008 بدأت سوريا التفكير جدياً باستراتيجية (البحار الخمسة) لربط بحر قزوين بالبحرين الأسود، والأحمر، والخليج العربي، والبحر المتوسط بشبكة معقدة من أنابيب النفط والغاز، والسكك الحديدية، والطرقات السريعة، وشبكات الربط الكهربائي، إضافة إلى مدن صناعية، ولوجيستية عبر المنطقة. وفي ذلك الحين، تمت دراسة هذا الموضوع، ووضعت له مخططات أولية».

ولفت الدردري إلى أنه كانت هناك «خطة وطنية تنموية كاملة هي الخطة الخمسية العاشرة، وارتبطت بالربط الإقليمي، كما كانت هناك قدرات مؤسساتية، وأطر قانونية أنضج نسبياً مما هو عليه الحال الآن».

وإذ أثنى على «الجهود الكبيرة المبذولة حالياً لتطوير المؤسسات»، اعتبر أن هناك أطراً تنظيمية، وتشريعية، وقانونية للاستثمار العابر للحدود -ناهيك عن الاستثمار الوطني-، وهي لم تنضج بعد.

وقال: «نحن كبرنامج إنمائي نريد أن نساعد سوريا وبلدان المنطقة كي تتمكن من بناء القدرات الفنية، والقانونية، والتشريعية التي تمكنها من الإقدام على هذه الخطوة إذا قررت طبعاً، لأن هذا القرار وطني بالدرجة الأولى».

فرصة هائلة لاستعادة الدور

رغم الصورة القاتمة التي يرسمها التقرير، فإن الدردري اعتبر أن هناك الآن فرصة هائلة لسوريا، والأردن، ولبنان، لبناء تجمع شبه إقليمي، لتستعيد هذه الدول دورها التاريخي، فتوفر ربطاً لدول الخليج العربي مع تركيا، وأوروبا عبر توفير بدائل لسلاسل التوريد.

ولكنه أشار في المقابل إلى أن ذلك ليس بالأمر اليسير، أو العوائق ذات جوانب تقنية بحتة، وإنما ذلك يستدعي بناء مقدرات مؤسساتية في التخطيط، والمراقبة، والإشراف، والرصد، وإقرار النظام المالي، والمصرفي، وبناء القدرات الفنية، وقدرات الوزارات المتعددة المعنية بمشاريع من هذا الحجم، والعابرة للقطاعات، والسياسات العامة، والتشبيك بين دول الجوار، وأن الأساس في ذلك هو ما يسمى «التلاقي التنظيمي»، معرباً عن استعداد البرنامج الأممي لمساعدة الدول في هذه المسائل.

سفينة شحن في الخليج العربي، قرب مضيق هرمز (أرشيفية - رويترز)

تقييم الخيارات الاستراتيجية

تحدث التقرير عن ضرورة إعادة تقييم الخيارات الاستراتيجية للبلدان المعنية، وهو ما أوضحه الدردري أن المقصود هو «النموذج التنموي المعتمد». وقال: «مثلاً في البلدان النفطية السؤال هو إذا كنا نعتمد على مضيق هرمز لتصدير 90 في المائة من نفطنا وغازنا، فلماذا لم نفكر في بدائل؟ خصوصاً أن التوتر قائم في المنطقة منذ 45 سنة، وليس جديداً. أحداث من هذا النوع تدفع إلى إعادة التفكير». وأضاف: «نحن بحاجة لنموذج تنموي مختلف يعتمد على تنويع الاقتصاد، وتنويع اليد العاملة، والتشبيك، والتكامل الإقليمي، والدولي مع أطراف مختلفة في الاقتصاد العالمي». وكشف الدردري أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عمل على إعداد الاستراتيجية في دول الخليج، والآن يعيد إعدادها من منظور التنمية بالبحث عن بدائل.

وقال: «النموذج السابق أنجز مستويات فقر منخفضة جداً، وتنمية بشرية عالية، ونمواً اقتصادياً عالياً، ولكنه أظهر هشاشة في التعامل مع الصدمات. نحن اليوم أمام واقع أكثر تعقيداً، ومرشح لمزيد من الصدمات، وبالتالي مطلوب منا تطوير أدوات أكثر فاعلية، ومرونة».

وأوضح الدردري أن هذا لا يعني بطبيعة الحال «التخلي عن الخطط والرؤى التي وُضعت، وهي ممتازة، لأنها تضع البلدان على سكة مستقبلية واضحة، ولكن خلاصة القول: إن هذه الأهداف نفسها يمكن بلوغها بطرق مختلفة، وأكثر نجاعة بعد الأحداث الأخيرة».

تغيير نموذج «إعادة الإعمار»

وفي قراءته لتحديات التعافي في غزة وسوريا ولبنان، شدد الدردري على أن دول المنطقة باتت تدرك واقعاً جديداً يتمثل في غياب «تدفق المليارات» التقليدية لإعادة الإعمار، ما يضع المسؤولية الأولى على عاتق الحكومات المحلية التي تواجه معضلة اتساع رقعة الفقر. وتساءل الدردري: «هل سنبقى رهن الاعتماد على دول الخليج في تمويل إعادة الإعمار، أم أن الوقت حان لابتكار حلول تنموية إبداعية تضمن التعافي المستدام؟».

وأوضح الدردري أن رؤية البرنامج الإنمائي —الذي يعمل في 177 دولة— لا تهدف إلى التدخل في القرارات السيادية، بل تقديم استشارات مبنية على تجارب عالمية، مؤكداً أن المخرج يكمن في التركيز على القطاع الزراعي وتطوير سلاسل القيمة المحلية، إضافة إلى إطلاق برامج للسكن الشعبي منخفض التكلفة.

وشدد أخيراً على أن دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة يمثل «البديل الدائم» لقدرتها على الصمود في أصعب الظروف، معتبراً أن تعزيز الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة ليس مجرد إجراء اقتصادي، بل هو الركيزة الأساسية لبناء «عقد اجتماعي جديد» وترسيخ استقرار المؤسسات في المنطقة.