دير الزور «عاصمة» داعش البديلة

التنظيم مستميت للسيطرة عليها... وسقوطها خسارة معنوية كبيرة للنظام

دير الزور «عاصمة» داعش البديلة
TT

دير الزور «عاصمة» داعش البديلة

دير الزور «عاصمة» داعش البديلة

على وقع تراجعه في مدينة الموصل العراقية بدأ تنظيم داعش معركته «المصيرية» في دير الزور، كبرى مدن شرق سوريا، قبل نحو أسبوع في هجوم وصف بـ«الأعنف» منذ نحو سنة. وفي حين استطاع التنظيم الإرهابي التضييق على معاقل النظام السوري في دير الزور، ولا سيما على المطار العسكري، فإن خسارة هذه المنطقة التي يصفها «داعش» بـ«ولاية الخير» قد تترك آثارها السياسية على النظام قبل أيام قليلة من «مؤتمر آستانة»، وبعد أسابيع على ما اعتبره «انتصارًا» له في مدينة حلب.

رأت صحيفة «وول ستريت جورنال» اﻷميركية أن نجاح «داعش» خلال أيام في قطع خطوط إمداد النظام السوري في المنطقة الشرقية الغنية بالنفط في سوريا، وعزل المطار العسكري في مدينة دير الزور عن باقي أحياء المدينة، يمثل ضغطا جديدا على النظام و«إعادة الحياة» للتنظيم الذي يحتضر في أماكن أخرى في الوطن العربي. وهذه المعركة «المؤجلة» وضعت النظام الذي يوزّع «جهوده العسكرية» على أكثر من جبهة، أمام مأزق جديد ما جعله يطلب المساعدة من أهالي المنطقة، في وقت يعتمد التنظيم بشكل أساسي على إرسال انغماسيين في الهجمات التي يشنها من محاور عدة، وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان.
* دخول «حزب الله»
في المقابل، استنفر حلفاء النظام في الساعات الأخيرة لمؤازرته في دير الزور، وسجّل دخول لافت لما يسمى «حزب الله» اللبناني على الخط في موازاة تكثيف القصف الروسي، لا سيّما بعدما بات التنظيم قاب قوسين من الدخول إلى المطار العسكري. وأفادت وكالة «آكي» الإيطالية بإرسال ما يسمى «حزب الله» «تعزيزات من محيط حلب ومن مناطق أخرى، إلى محيط المطار لتمنع سقوطه»، متحدثة عن «تقدم داعش في عدة أحياء، ومحاصرة بعضها، وقطع الطريق باتجاه المطار العسكري»، وبحسب الخبير العسكري اللبناني، العميد المتقاعد خليل الحلو، هناك احتمالات، عدّة تقف خلف هجوم «داعش» على دير الزور في هذه المرحلة. ويشرح الحلو لـ«الشرق الأوسط» خلال لقاء معه «هذه المنطقة استراتيجية بالنسبة إلى التنظيم، لكون الصحراء السورية الشرقية نقطة وسطية بين الموصل والرقة. وبالتالي قد يهدف إلى تحويلها لعاصمته البديلة بعد خسارة الموصل، وحيوية بالنسبة إلى النظام الذي يدير فيها القاعدة الجوية في المطار العسكري حيث يتواجد أيضا مراكز للحرس الجمهوري والدفاع الشعبي وميليشيات أخرى تقاتل إلى جانبه في دير الزور، من هنا يأتي استهداف التنظيم للمطار بالدرجة الأولى لقطع الإمدادات التي تتم عبره، وقد أدى القصف المكثف عليه إلى توقفه عن العمل».
من جهته، يصف الخبير الاستراتيجي الدكتور سامي نادر منطقة دير الزور بـ«الأساسية» في موقعها على الحدود العراقية، لا سيما أنّها لم تحسم لغاية الآن كمنطقة نفوذ. ويوضح نادر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «بالنسبة إلى إيران يبقى همّها الاستراتيجي الأول هو تأمين الحدود بين العراق وسوريا لتكون منطقة خاضعة لنفوذها، لكن في المقابل هذا الأمر يتضارب بالتأكيد مع مصالح روسيا الاستراتيجية ويصطدم أيضا برفض تركيا، وتحديدا لجهة إقامة (الهلال الشيعي) وهو ما قد يحول دون تحقيق أهداف طهران». ومن هنا يؤكد أن الأهم في هذا الأمر وأمام ما يعتبره انحسارا للتنظيم في المرحلة الأخيرة، يبقى ما هي الجهة التي ستتولى إخراج التنظيم من المناطق التي يسيطر عليها ومن ثم ملء الفراغ مكانه.
* الهجوم الأعنف
لقد تمكن التنظيم الذي بدأ السبت الماضي هجوما هو «الأعنف» على دير الزور منذ سنة، من فصل مناطق سيطرة قوات النظام في المدينة إلى جزأين وعزل المطار العسكري عن المدينة. ويعد المطار العسكري أيضا المتنفس الوحيد الذي كان متبقيا لقوات النظام وتحصل عبره على الإمدادات العسكرية والمستلزمات والمساعدات الغذائية. وأشار «المرصد السوري لحقوق الإنسان» إلى أنه بعد تمكّن «داعش» من عزل المطار العسكري عن المدينة، استقدم النظام تعزيزات عسكرية جوا إلى دير الزور ودعا سكان المدينة إلى المشاركة في القتال على الجبهات الرئيسية رغم أن بعضهم لم يخضع لأي تدريبات عسكرية.
ونتيجة المعارك العنيفة أعلن برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة عن إيقافه مؤقتًا إنزال مساعدات الإمدادات الحيوية جوًا إلى دير الزور، بعدما كان منذ أبريل (نيسان) 2016 يقوم بإلقاء مساعدات جوًا إلى السكان المحاصرين في المناطق تحت سيطرة النظام والذين يقدر عددهم بمائة ألف، وفق الأمم المتحدة.
من ناحية ثانية، وصف قائد عسكري رفيع المستوى من النظام لـ«وكالة الأنباء الألمانية» الوضع الميداني في مدينة دير الزور «بأنه صعب للغاية»، مشيرًا إلى أن «قوات الجيش السوري وقوات العشائر ما زالوا يقاتلون على محاور الاشتباك تحت تغطية نارية من الطائرات الحربية السورية والطيران الروسي». وأشار المصدر إلى صعوبة استخدام مطار دير الزور، وانطلاق الطائرات الحربية والمروحية لمساندة «القوات العاملة على الأرض بعد سيطرة التنظيم على جبل الثردة».
* تداعيات تحرير الموصل
ورغم استمرار المعارك في الموصل، يرى الحلو أن الوقائع العسكرية تشير إلى أن المدينة تتجه نحو السقوط لكن ليس خلال وقت قصير، إذ أنه لا يزال هناك مساحة كبيرة لإكمال السيطرة عليها، مضيفا: «وهذا الأمر لا يغيب طبعا عن داعش الذي لا يجد أمامه إلا دير الزور للجوء إليها عند انسحابه من العراق. وهي تفي بغرضه لجهة بعدها عن خطر الهجوم عليها من قبل قوات النظام السوري، وعن الموصل ونينوى من جهة العراق، في حين لا يسمح الواقع الجغرافي للأكراد بالهجوم عليه وإن كانوا لا يبعدون عنه أكثر من 60 كيلومترا».
وبينما يرى الخبير العسكري اللبناني أن فشل التنظيم في السيطرة على دير الزور سيعني تسريعا في العدّ العكسي لنهايته كـ«دولة» (مزعومة)، فإنه يؤكد أن سقوطها يعني نجاح «داعش» في حماية نفسه لفترة طويلة قد تمتد لسنتين، وهو ما سيكون خسارة معنوية كبيرة بالنسبة إلى النظام الذي لا يزال يتباهى بما اعتبره انتصارا في حلب، مضيفا: «وهذا أيضا سيؤدي إلى استفادة داعش من القوى العسكرية التابعة له في المنطقة على جبهات أخرى، ليعزّز بها مواقعه في الرقة والباب التي يواجه فيها أيضا معركة كبيرة».
وفي ظل غموض خطط الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب في سوريا، يرى الحلو أن التدخّل الأميركي، إذا اتخذ قرار بذلك، من شأنه أن يقلب الموازين، مضيفا: «لكن لغاية الآن الأمور لا تزال غامضة وتدخّل أميركا يحتاج في المقابل إلى ثمن سياسي». ومن جهته، يرى نادر، أنّ دير الزور ستكون المعركة المقبلة بعد الموصل، وإن كان التنظيم يحاول في هذه المرحلة الاستماتة للسيطرة عليها. ويضيف «لا بدّ من الانتظار أن توضّح الخطة الأميركية الجديدة في سوريا، وإن كان لافتا مشاركة طائرات التحالف في المعركة الأخيرة إلى جانب روسيا»، ويرى أن دير الزور هي آخر حلقة في الحرب على التنظيم، وتضاهي أهميتها أهمية الرقة وتشبه مدينة تلعفر العراقية المعبر الأساسي الذي كان يستخدمه «داعش» للتنقل بين سوريا والعراق.
* الوضع الحالي
يسيطر «داعش» منذ العام 2014 على أكثر من ستين في المائة من مدينة دير الزور ويحاصرها بشكل مطبق منذ مطلع العام 2015، لتصبح بذلك المدينة الوحيدة التي يحاصر فيها التنظيم قوات النظام. ولقد أفادت دراسة نشرتها يوم أول من أمس الخميس، مؤسسة «إي إتش إس ماركيت» البريطانية للأبحاث أن تنظيم داعش خسر في 2016 نحو ربع (23 في المائة) مساحة الأراضي التي كانت خاضعة لسيطرته في سوريا والعراق، في تراجع قالت: إنه قد يهدد «ترابطه». وقالت المؤسسة إنه في العام 2016 تراجعت مساحة «دولة الخلافة» المزعومة التي أعلنها التنظيم الإرهابي في هذين البلدين من 78 ألف كلم مربع إلى 60 ألفا و400 كلم مربع، أي ما يعادل تقريبا مساحة كوريا الشمالية. وكانت مساحة الأراضي الخاضعة لسيطرته تراجعت في 2015 بنسبة 14 في المائة (من 90 ألفا و800 كلم مربع إلى 78 ألف كلم مربع).
وقال المحلل في المؤسسة كولومب ستراك في الدراسة إن التنظيم «عانى في 2016 من خسائر لا سابق لها في الأراضي ولا سيما في مناطق جوهرية لمشروعه للحكم». ومني التنظيم بهذا التراجع «على الرغم من سيطرته في ديسمبر (كانون الأول) مجددا على تدمر» المدينة الأثرية السورية المدرجة على قائمة اليونيسكو للتراث العالمي إثر هجوم مضاد خاطف. ويذكر أن من أبرز المدن التي خسرها التنظيم في 2016 دابق ومنبج في سوريا والرمادي والفلوجة في العراق.
ورأت الدراسة أن خسارة هذه الأراضي أدت إلى انشقاقات في صفوف عناصره بشأن كيفية الرد على هذه الهزائم الأمر الذي يهدد ترابط التنظيم. وفيما يتعلق بمدينة الموصل، آخر معقل رئيسي للتنظيم في العراق، اعتبرت الدراسة أن القوات العراقية يمكن أن تستعيد المدينة بالكامل «قبل النصف الثاني من العام». أما بالنسبة إلى دحر التنظيم من مدينة الرقّة، معقله الأساسي في سوريا، فمهمة تبدو أصعب بكثير من مهمة دحره من الموصل، لأن هذه المدينة تمثل «قلب تنظيم داعش».
وكانت المعارضة منذ بدء الأزمة السورية، قد خاضت معارك شرسة في دير الزور كادت تؤدي إلى طرده منها، إلى أن بدأت الاشتباكات بين عناصر «داعش» من جهة، و«جبهة أحرار الشام» و«جبهة النصرة» والجيش السوري الحر من جهة أخرى، وتمكّن التنظيم في 20 يوليو (تموز) 2014، من السيطرة على دير الزور، وطرد الفصائل العسكرية منها. وبعد سيطرة التنظيم على دير الزور قام بهدم المعالم والمزارات ومنع عمل المجالس المحلية والجمعيات الإغاثية والإعلامية باستثناء تلك التي تعمل تحت إشرافه مهددًا من لم يلتزم بتعليماته بالقتل والسجن.
* الثروة النفطية
وبحسب تقرير أصدرته «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» يحظى تنظيم داعش بجزء وفير من ثروة سوريا النفطية والغازية بشكل عام وفي دير الزور بشكل خاص، بينما يمتلك النظام أقل قدر من الموارد النفطية مقارنة بباقي الفرقاء، بعد عقود من نهبه المتواصل لهذه الثروة الباطنية الهامة، وهو ما يدّل على أهمية معركة دير الزور الاستراتيجية بالنسبة إلى الطرفين.
ويوضح تقرير «الشبكة» أن «داعش» يعتمد بشكل رئيسي على تجارة النفط لتمويل نشاطاته العسكرية والمدنية. ويدفع التنظيم أعلى دخل شهري للمقاتل بالمقارنة مع جميع الفصائل الأخرى. كما أنه ترك بعض الآبار النفطية الصغيرة للعشائر التي تتموضع في محيطها الجغرافي بغية شراء ولاء هذه العشائر. ولقد أكد مسؤولون منشقون لـ«الشبكة» أن القسم الأكبر من عائدات النفط لم يكن يدخل في الموازنة العامة للدولة، بل ينهب من قبل العائلة الحاكمة، وقد بلغت هذه العائدات بحسب التقرير الإحصائي للطاقة العالمية الذي تصدره شركة بي. بي. قرابة 385 ألف برميل يوميًا في عام 2010. كانت تصرف تلك العائدات ما بين مصاريف شخصية ترفيهية، ويخصص جزء مهم لتمويل الشبيحة والميليشيات التابعة للعائلة الحاكمة من أجل تثبيت الدولة الأمنية الديكتاتورية، والانخراط في أعمال إرهابية تخريبية لزعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة، وفي المحافظات السورية، وربما كان يتم تخصيص جزء بسيط من العائدات من أجل الحالات الاقتصادية أو السياسية الطارئة.
ويلفت التقرير إلى أنه وبعد اندلاع الثورة في سوريا، خرجت مساحات شاسعة عن سيطرة النظام السوري، كان من أبرزها المنطقة الشرقية التي تحتوي أغلب حقول النفط في سوريا، وسيطر «داعش» على كل الحقول الموجودة في دير الزور ومعامل النفط، وهي، حقل العمر والتنك والورد والتيم والجفرة.
ويشير التقرير أيضًا إلى أن «داعش» يعتمد على تجارة النفط بشكل رئيسي من أجل تمويل نشاطاته العسكرية والمدنية، إذ يبلغ الراتب الشهري للمقاتل السوري داخل التنظيم قرابة 400 دولار، ويعتبر هذا الراتب أضعاف ما سوف يحصل عليه إذا عمل في كتائب أخرى، لافتا إلى أن التنظيم يدفع أعلى دخل شهري للمقاتل بالمقارنة مع جميع الفصائل الأخرى، أما المهاجر فيدفع التنظيم له أموالاً إضافية قد تصل إلى 700 دولار في الشهر، وبخاصة في حال إحضار أسرته معه.
ويقوم التنظيم ببيع النفط لتجار النفط الموجودين في المنطقة الشرقية من سوريا، ويميز من بينهم من قد أعلن ولاءه له، للشراء، ومن أجل كسب ولاء بعض العشائر، فقد ترك لهم التنظيم موارد بعض آبار النفط الصغيرة، كما أنه يقوم ببيع النفط لنظام الأسد، وبمحاولة تهريبها نحو الأراضي التركية. وتلفت «الشبكة» إلى أن التنظيم يبيع النفط بسعر أقل كثيرًا من السعر العالمي، عدا عن أن إنتاج النفط هو أقل بنسبة ملحوظة من الإنتاجية المفترضة بسبب أدوات الاستخراج البدائية، خاصة في سوريا.
* حالة من الخوف
وبانتظار ما ستؤول إليه معركة دير الزور، يعيش أبناء المناطق الخاضعة لسيطرة النظام حالة من الخوف والذعر مما سيؤول بهم الوضع إذا سيطر التنظيم على المنطقة، في حين يعاني من يعيش في المناطق الخاضعة لسيطرته من قوانينه المتشددة ويمنع مغادرتها إلا بموجب إذن سفر من «ديوان الحسبة» إضافة إلى منع التلفاز والإنترنت وفرض الضرائب المرتفعة وغيرها من القوانين التي أصبحت تكبّل حياة المدنيين. ونقل «عمر أبو ليلى» من مجموعة «دير الزور 24»، وهي مجموعة إخبارية ناشطة في المدينة المحاصرة، أن التنظيم المتطرف أعدم بطريقة وحشية «عشرة» من عناصر قوات النظام الذين تم أسرهم خلال الهجوم على المطار العسكري. وقال الناشط في المدينة لوكالة الصحافة الفرنسية «أعدم التنظيم الأسرى ليلة الأربعاء دهسا بالدبابات»، مضيفا: «إذا سيطر التنظيم على أحياء النظام، ستُرتكب مجازر كبيرة وهذا مصدر تخوف كبير بالنسبة لنا».



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.