«سي آي إيه» تنشر 12 مليون صفحة من وثائقها السرية

«سي آي إيه» تنشر 12 مليون صفحة من وثائقها السرية

بناء على قرار اتخذه أوباما في اليوم الأول لرئاسته ونفذه في اليوم الأخير
الجمعة - 22 شهر ربيع الثاني 1438 هـ - 20 يناير 2017 مـ
واشنطن: منير الماوري
لم يكن الخبر الذي تناقلته شبكات أخبار كثيرة عن إفراج وكالة الاستخبارات المركزية (الأميركية) عن 13 مليون وثيقة سرية، دقيقا في صياغة معلوماته، إذ أن الوثائق المقصودة لم يتجاوز عددها حتى الآن عن 930 ألف وثيقة وإن كانت موزعة بالفعل على نحو 12 مليون صفحة. وفضلا عن ذلك فإن الوثائق المشار إليها كانت متوفرة فعليا في مقر الأرشيف الوطني للولايات المتحدة الكائن في مدينة كوليدج بارك بولاية ميرلاند على بعد عشرين دقيقة فقط من العاصمة واشنطن، ولم تكن إزاحة ستار السرية عنها أمرا جديدا.

لكن الجديد في الأمر هو ما ورد في البيان الرسمي الصادر عن وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) من أن الاطلاع على الوثائق المفرج عنها لم يعد يتطلب تحمل مشاق التوجه إلى الأرشيف الوطني والتنقيب المجهد عن المعلومات في ملايين الأوراق. فاعتبارا من يوم أمس أصبح بمقدور الباحثين التصفح في تلك الوثائق عن طريق الدخول إلى غرفة إلكترونية خاصة للتصفح كانت الوكالة قد أنشأتها في موقعها على الإنترنت، العام الماضي وبدأت في تحميل الوثائق المزاح ستار السرية عنها، إلى غرفة التصفح بصورة تدريجية، منذ ذلك الحين.

وكان من المقرر سلفا الإعلان نهاية العام الجاري عن اكتمال مشروع توسيع الأرشيف الإلكتروني لوثائق الاستخبارات عند الانتهاء من تحميل جميع الملفات المزاح عنها ستار السرية، غير أن الموعد قد جرى تعجيله على ما يبدو ليتزامن مع يوم العمل الأخير في البيت الأبيض للرئيس المنتهية ولايته باراك أوباما، حتى لا يذهب الفضل في جهود تعزيز الشفافية، إلى الرئيس المنتخب دونالد ترامب الذي لم يعد التوتر في علاقته بأجهزة الاستخبارات مخفيا على أحد قبل أن يباشر عمله الرئاسي.

أما الرئيس باراك أوباما الذي سيطلق عليه لقب السابق ابتداء من بعد ظهر اليوم الجمعة، فإن علاقته بالوكالات الاستخبارية لم يسدها أي توتر بل كان من أكثر الرؤساء الأميركيين إذعانا لتنفيذ ما توصي به تلك الوكالات. وكان أوباما منذ اليوم الأول لاعتلائه السلطة في فترة رئاسته الأولى قد أعلن تبنيه لسياسة تعزيز الشفافية في الجوانب التي لا تثير الصدام مع تلك الوكالات، وتخفيف القيود المفروضة على ملفات سرية قديمة من المؤكد أن يسهل الإفراج عنها عمل المؤرخين ويقدم شهادات موثقة لا تقدر بثمن.

ولم يكن من قبيل الصدفة أن السند القانوني لإنشاء غرفة التصفح والإفراج عن المزيد من الوثائق السرية هو القرار الرئاسي التنفيذي رقم 13526 الذي وقعه الرئيس أوباما في العام الأول من فترة رئاسته الأولى، وتضمن إدخال تعديلات جذرية على أنظمة إزاحة السرية عن الوثائق الرسمية ذات الصلة بالأمن القومي الأميركي. ولعل أهم تعديل أدخله أوباما في قراره التنفيذي هو تحديد عمر السرية بما لا يزيد عن 25 عاما، بعد أن كان النص في الأنظمة السابقة بصيغة ما لا يقل عن 25 عاما. كما جعل قرار الإفراج عن الوثائق الحكومية أمرا إجباريا لا اختياريا، مع إعطاء الصلاحية لرؤساء الاستخبارات باستثناء الوثائق ذات الخطورة القصوى إلى ما لا يزيد عن 25 سنة إضافية.

وعند اتخاذ قرار إزاحة السرية كليا أو جزئيا عن أي وثيقة فإن الوكالات الاستخبارية يتوجب عليها حسب القرار الرئاسي ألا تعطي الأولوية لمحتوى المعلومات أو أهمية البيانات بقدر ما يتوجب عليها بالدرجة الأولى توفير الحد الأقصى من الحماية لمصادر المعلومات في الوثيقة أو الوثائق المعنية. وعلى هذا الأساس فإن بعض الوثائق عديمة القيمة زمنيا تظل في سياج من السرية لفترة أطول من العادة لمجرد أن المصدر الأجنبي لا يزال حيا، وقد تتعرض حياته للخطر في حال دلت المعلومات إليه كمصدر محتمل لها.

ولهذا السبب فقد لوحظ في نسبة كبيرة من الوثائق المنشورة في موقع سي آي إيه على الإنترنت اختفاء فقرات بكاملها أو بعض سطورها، والسبب في ذلك على الأرجح أن تلك السطور المعتمة باللون الأسود تتضمن تصريحا أو تلميحا إلى المصدر المطلوب حمايته.

وتشمل الوثائق المنشورة تقارير «استخباراتية» عُرضت على رؤساء تعاقبوا على حكم الولايات المتحدة الأميركية، منذ نشأة الوكالة إلى يوم تنصيب الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر في العشرين من يناير (كانون الثاني) عام 1977. كما تتطرق أغلب الوثائق المنشورة لنشاط الوكالة ضد الاتحاد السوفياتي السابق وحلف وارسو في الحرب الباردة، بالإضافة إلى أحداث أخرى مثل حربي فيتنام وكوريا، وصولاً إلى مشاكل معاصرة مثل ظاهرة الإرهاب. كما تتضمن الوثائق معلومات حول الأطباق الطائرة التي يعتقد البعض أنها ظاهرة مفتعلة من تدبير وكالة الاستخبارات المركزية لكن الوثائق المزاح عنها ستار السرية لم تزح ستار الغرابة عن تلك الظاهرة التي لا تزال حتى الآن لغزًا محيرًا.

من بين قرابة المليون وثيقة سرية في الأرشيف الإلكتروني لوكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) يوجد نحو ألفين و500 وثيقة مدموغة بطابع «سري للغاية»، وتحظى بأهمية خاصة، لأنها عبارة عن تقرير استخباري يومي يقدم للرئيس الأميركي ويلخص خفايا ما يجري في العالم، وكواليس الصراعات السرية الدولية. ورغم أن الوكالة تقوم بشكل سنوي برفع صفة السرية عن عدد من الوثائق والعمليات والأنشطة التي انتهى تأثيرها بشكلٍ أو بآخر، بما في ذلك وثائق لا يتجاوز عمرها 10 أعوام، إلا أن نماذج تقارير في غاية الأهمية هي التقارير السرية اليومية للرئيس لأميركي اقتصرت في الأرشيف الإلكتروني على الفترة من يوم تنصيب الرئيس الجمهوري ريتشارد نيكسون في 20 يناير (كانون الثاني) 1969، يوم تنصيب الرئيس الديمقراطي جيمي كارتر في 20 يناير 1977، وبالتالي فإن الوثائق تغطي فترتي الرئيسين نيكسون وفورد، في حين أن الوثائق الأخرى المنشورة تغطي فترة طويلة تمتد من بداية إنشاء الوكالة في الأربعينات إلى عام 1990. كما أن القانون يفرض على الوكالة الإفراج عن جميع الوثائق السابقة لعام 1992.

وبالنظر إلى الجدول الذي يوضح عدد التقارير السرية للغاية التي قدمتها وكالة الاستخبارات المركزية في كل عام من الأعوام الثمانية في عهد الرئيسين نيكسون وفورد، فإن العدد مختلف من سنة إلى أخرى، كما أنه يقل عن عدد أيام السنة، وتفسير ذلك إما أن الرئيس لا يتلقى التقرير اليومي في أيام الآحاد والعطلات الرسمية، وإما أن الوكالة تعمدت إخفاء بعض التقارير تجنبا للكشف عن مصادر أو معلومات محددة رغم مرور سنوات تزيد على الحد المنصوص عليه في القانون وهو 25 عاما من عمر تلك التقارير. وعلى الأرجح فإن مرور خمسين عاما على أي وثيقة سيكون كفيلا بالكشف عنها بقوة القانون، حتى لو اضطر المؤرخون والباحثون عن المعلومات إلى رفع دعاوى قضائيا للحصول على صور من تلك الوثائق.

ومن المفترض أن يكون الرئيس جيمي كارتر قد تلقى قبل تنصيبه رسميا نسخا خاصة به من ستة عشر تقريرا سلمتها وكالات الاستخبارات المركزية لسلفه الرئيس جيرالد فورد في الأيام العشرين الأولى من عام 1977، لكن الوكالة تفادت نشر التقارير التي قدمتها لكارتر بعد ذلك التاريخ. وحرمت الوكالة العالم بالتالي من معرفة أسرار ما جرى في ذلك العام المحوري تاريخ العالم ومنطقة الشرق الأوسط، وعلى وجه الخصوص خفايا ما جرى في كامب ديفيد، من منظور الاستخبارات الأميركية، طبقا للتوصيات والنصائح التي لا بد أنها قدمتها لرئيس البلاد في ذلك الوقت.

«سي آي إيه» حذرت البيت الأبيض فبل أعوام من مقتل الرئيس المصري أنور السادات بتراجع زخم شعبيته ومواجهته صعوبات في حكم بلاده. ومع ذلك فإن وثائق أخرى مدموغة بطابع «سري» وليس «سري للغاية»، تم تقديمها للبيت الأبيض في سنوات لاحقة من فترة رئاسة كارتر توقعت فيها وكالة الاستخبارات المركزية أن يواجه الرئيس المصري صعوبات كبيرة في حكم بلاده، وجاء في أحد التقارير أن شعبيته بدأت تتراجع وأعصابه بدأت تنفلت. وكان ذلك قبل سنوات من اغتياله في السادس من أكتوبر (تشرين الأول) 1981.

ورغم أن مخزون غرفة التصفح الإلكترونية من الوثائق التي أزيح ستار السرية عنها يقتصر على أرشيف وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه)، ولا يشمل أي ملفات تابعة لبقية الوكالات الاستخبارية البالغ عددها 16 وكالة. ولكن باعتبار أن «سي آي إيه»، هي الوكالة المركزية الأولى المعنية بشؤون العالم الخارجي، فإن أرشيفها يحظى بأهمية كبيرة خارج الولايات المتحدة، لأنه لا يركز على الأحداث الأميركية المحلية بقدر ما يتعلق بالعالم ككل. ويؤكد محرك البحث في غرفة التصفح أن مئات التقارير السرية في ملفات الـ«سي آي إيه» لا تخلو من إيراد اسم دولة من الدول العربية أو اسم زعيم من زعماء العرب في الفترة مدار البحث.

وتفادت الوكالة نشر أي وثيقة تتضمن معلومات رسمية بشأن عدد عملائها ومقراتها حول العالم ولا بيانات واضحة حول طبيعة المهام والأنشطة الموكلة إليهم، إلا أن القضايا التي تتحدث عنها الوثائق تؤكد أن أعداد العملاء السريين يصل إلى الآلاف، أما العلنيون والإداريون فيصل العدد إلى عشرات الآلاف، موزعين على جميع أنحاء العالم لضمان الأمن القومي الأميركي والقضاء على تهديداته، فضلاً عن بسط النفوذ والهيمنة الأميركية على الدول.

وتشمل أنشطة «سي آي إيه» ثلاثة مجالات رئيسية، هي جمع المعلومات عن الحكومات الأجنبية والشركات والأفراد، وتحليل تلك المعلومات جنبا إلى جنب مع معلومات جمعتها وكالات استخبارات أميركية أخرى، وذلك لتقييم المعلومات المتعلقة بالأمن القومي وتقديمها لكبار صانعي السياسة الأميركية، وبناء على طلب من رئيس الولايات المتحدة، تنفذ الوكالة أو تشرف على النشاطات السرية وبعض العمليات التكتيكية من قبل موظفيها، أو الجيش الأميركي، أو شركاء آخرين. يمكنها على سبيل المثال ممارسة نفوذ سياسي أجنبي من خلال أقسامها التكتيكية، مثل شعبة الأنشطة الخاصة. وتتمتع الوكالة بموازنة ضخمة تزيد على الموازنات المرصودة لبعض الوكالات الأخرى. ورغم أن الوكالة يعتبر موظفوها مدنيين إلا أنها بدأت في السنوات الأخيرة تمارس أعمالا شبه عسكرية، إلى جانب إدارتها مركز معلومات مكافحة الإرهاب ومكتب آخر استحدث لمكافحة عمليات القرصنة الإلكترونية، إلى جانب القيام بعمليات اختراق مضادة.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة