أفلام موسيقية جديدة على أبواب العام الجديد

«لا لا لاند» فتح شهية هوليوود للسينما الراقصة

المخرج داميان شازيل خلال تصوير «لا لا لاند» - إيما واتسون في «الجميلة والوحش» الذي سيعرض قريبًا
المخرج داميان شازيل خلال تصوير «لا لا لاند» - إيما واتسون في «الجميلة والوحش» الذي سيعرض قريبًا
TT

أفلام موسيقية جديدة على أبواب العام الجديد

المخرج داميان شازيل خلال تصوير «لا لا لاند» - إيما واتسون في «الجميلة والوحش» الذي سيعرض قريبًا
المخرج داميان شازيل خلال تصوير «لا لا لاند» - إيما واتسون في «الجميلة والوحش» الذي سيعرض قريبًا

حين يتحدث المخرج داميان شازيل عن فيلمه «لا لا لاند»، وهو فعل ذلك بضع مرّات بدءًا من الساعات التي صاحبت عرض الفيلم لأول مرّة في إطار مهرجان فينيسيا الأخير، فهو يميل إلى التذكير بأن فيلمه هذا خُطط له قبل فيلمه الأول الذي خرج للعرض قبل سنة وهو «ضربة السوط» (Whiplash):
«في الحقيقة كتبت (لا لا لاند) قبل سبع سنوات وعندما واجهت عزوف المنتجين عن الاهتمام به قمت بتحقيق (ضربة السوط) قبله... هذا فتح لي الطريق جيدًا لتنفيذ فيلمي الموسيقي». وشركة «ليونزغايت» التي موّلت الفيلم سعيدة بأنها فعلت ذلك، لقد تكلّف الفيلم ثلاثين مليون دولار وأنجز حتى الآن 140 مليون دولار عالميًا.
يضيف: «كان هناك ضغط شديد لإنجاز التصوير في موعده... لم يكن مسموحًا لنا أن نخطئ، لذلك عمدت إلى تدريبات رقص وغناء وعزف طويلة قبل التصوير لكي يتم كل شيء بسهولة خلال عملية التصوير ذاتها».
حين سألته عن مثال، قال: «أوضح مثال في اعتقادي هو المشهد الراقص عند الغروب مع رايان غوزلينغ وإيما ستون. كنت أريد تصويره قبل الغروب، كان عندي نصف ساعة فقط لتصوير استعراض يستمر سبع دقائق وكان علينا أن ننجزه من المرة الأولى».
* حشد جديد
حين نظرت هوليوود إلى «لا لا لاند» على ضوء نجاحه الجماهيري وعلى ضوء التقاطه سبع جوائز، غولدن غلوبس وترشيحاته الحالية للبافتا، وتلك المتوقعة خلال أيام قليلة للأوسكار، أخذت بعض استوديوهاتها تنقب عن مشاريع كانت عرضت عليها ووضعتها في غارور البرّاد آنذاك على أساس أن أحدًا لا يكترث بالقدر الكافي لاسترجاع فيلم موسيقي - استعراضي لكلفته، ناهيك عن تحقيق أرباح منه.
المنتج ألبرت رودي، الذي أنتج، فيما أنتجه، سلسلة أفلام «العرّاب» وفيلم كلينت إيستوود «مليون دولار بايبي»، من بين المراقبين الذين لم يتوقعوا حدوث هذا النجاح الحالي. رغم ذلك يعتقد أن الغالب، في رأيه، أن «النجاح الذي حققه فيلم شيزيل ليس مؤشرًا أكيدًا لنجاحات أخرى» وهو يذكر بأن نجاح فيلم «البائسون» لتوم هوبر، قبل أربعة أعوام كان محدودًا ولم ينتج عنه فورة ما.
إلى ذلك، هناك حشد من الأفلام الجديدة التي تتعامل والموسيقى والغناء في بوتقة استعراضية واحدة... ليس منها ما يستند إلى المرحلة الذهبية من هذا النوع من الأفلام السابقة، لكنها تدور في فلك ذلك النوع بالتأكيد.
أقرب هذه المشاريع إلينا «الجميلة والوحش» الذي سيحط على الشاشات الكبيرة في منتصف الشهر الثالث هذا العام، وهو من إخراج بل كوندون (الذي سبق له أن كتب «شيكاغو» قبل 14 سنة) وبطولة إيما واتسون ودان ستيفنس والفرنسي جوش غاد. إنها الحكاية التي حققتها هوليوود بأكثر من «فورميلا» (غنائية ودرامية وسينمائية وتلفزيونية ورسوم) من بينها نسخة سابقة لاستوديو وولت ديزني، ذلك الذي ينتج النسخة الحالية، تم إنتاجها بنجاح تجاري جيد سنة 2012.
في التصوير فيلم لتوم غستافسون عنوانه «مرحبًا مرّة أخرى» (Hello Again) التي سينصرف لبطولتها شايين جاكسون وأودرا ماكدونالد وسام أندروود، المأخوذ عن مسرحية عرضت في نيويورك.
وتوم هوبر، مخرج «البائسون»، منكب على كتابة فيلم موسيقي جديد بعنوان «قطط» تحرص شركة يونيفرسال على التكتم عليه الآن، ولو أن المؤكد أن هذا الفيلم سيكون ترجمة سينمائية لمسرحية البريطاني أندرو لويد وَبـر المستوحاة من رواية لتي إس إليوت.
والمخرج الأسترالي فرد شيبيسي يعود إلى الأضواء بعد غياب ملحوظ ليقدّم مشروعا كان غرق في النسيان منذ سنتين، ويجد الآن في الفورة التي أحدثها «لا لا لاند» معينًا يساعده على دفع المشروع إلى الأمام، الفيلم هو «الوصيفة النعسانة» التي سيقوم ببطولتها كل من هيو جاكمان وآن هاذاواي وجفري رَش.
في هذه الأثناء، يقال إن باربرا سترايسند جددت البحث مع المخرج باري ليفنسون لتقديم فيلم موسيقي جديد لها هو «غجرية»، وهو في الواقع إعادة لكوميديا أخرجها الراحل مرفن ليروي سنة 1962 من بطولة روزيلاند راسل ونتالي وود. ما سيقدم عليه منتجو الفيلم الجديد هو تحويل أحداثه بحيث تستوعب قيام سترايسند بتمثيل وغناء الشخصية الرئيسية التي تقوم بها.
واستعادة الأفلام القديمة وارد أيضًا بالنسبة لفيلم آخر سيقوم هيو جاكمان بتمثيله والغناء فيه، وهو الذي اضطلع بذلك عندما شارك في بطولة «البائسون»، وهو «ساوث باسيفيك» الموضوع حاليًا على طاولة شركة باسم «شيكاغو فيلم».
ففي عام 1958 قام المخرج جوشوا لوغان، ذو الخلفية المسرحية، بتحقيق فيلم غنائي بالعنوان ذاته مع ممثلين لم يكتب لأحدهم الشهرة، ومنهم روزانو براتزي وميتزي غاينور.
ليس صحيحاً أن السينما الاستعراضية كانت توقفت تمامًا إلى أن جاء «لا لا لاند» فأعاد وضعها على سكة الحديد، لأن هذا النوع من الأفلام قد يتوارى، من حين لآخر على صعيد الإنتاجات المكلفة أو الإنتاجات المتخصصة فقط بشروط النوع، لكنه يبحث عادة عن فرص ظهور في أعمال أصغر شأنًا أو على صفحة فيلم من الرسوم المتحركة، كما هو حال الفيلمين الجديدين «موانا» و«غنّـي». ما فعله فيلم داميان شازيل، من دون تخطيط منه، هو أنه نجح في تقديم عمل شغوف بالموسيقى أعاد إلى هذه السينما بعض ما خسرته عبر سنواته الطويلة.
وفي الواقع لم يكن «لا لا لاند» ولا «موانا» أو «غنّــي» وحدها الموسيقية في الأشهر الأخيرة، بل سبقها جميعًا فيلم للمخرج المعروف سبايك لي عنوانه «شي - إراك» (جمعًا ما بين كلمتي شيكاغو والعراق ونسبة لمستوى الجرائم المرتفع في الأولى).
وجد سبايك لي في مسرحية «ليسيستراتا» لكاتبها أريسطوفانيس إلهامًا فنقل ما فيها إلى ما يناسب المكان والزمان المختارين لفيلمه. طلة «ليسيستراتا» دعت نساء اليونان للامتناع عن الاستجابة لمطالب أزواجهن العاطفية والجنسية احتجاجًا على حروب بيلوبونسيان (الحرب الإغريقية - الإسبارطية التي امتدت 31 سنة من عام 404 قبل الميلاد)، استعار لي وكاتبه كَـفن ولموت الفكرة ليبنيا عليها عملاً يتطرّق إلى البيئة الأفرو - أميركية التي تعاني من عصاباتها وقيام النساء بالامتناع عن الحب إلى أن يتوقف العنف تمامًا، وعمد المخرج إلى الشعر حوارا، وإلى الاستعراضات الغنائية - الموسيقية بديلا للدراما منجزًا عملاً فريدًا في نوعه وطريف التكوين رغم صعوبته ضمن ميزانية محدودة.‬
لا أحد يقول إن سبايك لي سبق الموجة، لكن فيلمه الموسيقي، الذي شهد عرضه العالمي الأول في مهرجان برلين في العام الماضي، يبدو الآن مبشرًا بها.‬



فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز