سفاح إسطنبول في قبضة الأمن التركي

ولد في أوزبكستان وتلقي تعليمه وتدربيه في أفغانستان وقاتل مع «داعش» ويجيد 4 لغات

عناصر من قوات الأمن الخاصة التركية أمام مبنى مديرية أمن إسطنبول قبل المؤتمر الصحافي لعمدة المدينة ورئيس دائرة الشرطة أمس (رويترز) - الشرطة التركية نشرت صورة المشتبه به وعلى وجهه كدمات (أ.ف.ب)
عناصر من قوات الأمن الخاصة التركية أمام مبنى مديرية أمن إسطنبول قبل المؤتمر الصحافي لعمدة المدينة ورئيس دائرة الشرطة أمس (رويترز) - الشرطة التركية نشرت صورة المشتبه به وعلى وجهه كدمات (أ.ف.ب)
TT

سفاح إسطنبول في قبضة الأمن التركي

عناصر من قوات الأمن الخاصة التركية أمام مبنى مديرية أمن إسطنبول قبل المؤتمر الصحافي لعمدة المدينة ورئيس دائرة الشرطة أمس (رويترز) - الشرطة التركية نشرت صورة المشتبه به وعلى وجهه كدمات (أ.ف.ب)
عناصر من قوات الأمن الخاصة التركية أمام مبنى مديرية أمن إسطنبول قبل المؤتمر الصحافي لعمدة المدينة ورئيس دائرة الشرطة أمس (رويترز) - الشرطة التركية نشرت صورة المشتبه به وعلى وجهه كدمات (أ.ف.ب)

بعد جهود مضنية على مدى 16 يومًا نجحت الشرطة التركية في الإيقاع بمنفذ هجوم نادي «رينا» في إسطنبول، الأوزبكي عبد القادر ماشاريبوف، الذي يحمل الاسم الحركي «أبو محمد الخراساني» لتبدأ التحقيقات بعد أن أكد أنه منفذ الهجوم للإحاطة بارتباطاته والجهات التي تقف وراءه.
وألقي القبض على منفذ الهجوم الذي كان مسرحه نادي رينا في منطقة أورتاكوي بعد انقضاء 75 دقيقة فقط من عام 2017، وأوقع 39 قتيلا و65 مصابًا غالبيتهم من العرب والأجانب، والذي تبناه تنظيم داعش الإرهابي، داخل شقة في حي أسنيورت في غرب إسطنبول ومعه 4 آخرون، عراقي وثلاث فتيات من جنسيات أفريقية بينهم مصرية كما صادرت الشرطة خلال عملية المداهمة 197 ألف دولار وأسلحة خلال المداهمة التي وقعت ليل الاثنين - الثلاثاء وتصدرت العناوين الرئيسة للصحف التركية، التي انشغلت على مدى 15 يومًا في محاولات الوصول إلى أي معلومات عن سير التحقيقات التي فرضت عليها سرية تامة وحظر نشر إلا من تصريحات بعض المسؤولين التي تعمدت أيضا المحافظة على سرية التحقيقات.
وقالت مصادر أمنية إنه عثر على مسدس وخزنتين للطلقات وجهازي رؤية يستخدمهما الطيارون في عمليات الاستطلاع لأهداف على الأرض.
وفيما تم اقتياد منفذ الهجوم ومرافقوه في الشقة التي تقع في أحد التجمعات السكنية الجديدة في أسنيورت، إلى مقر مديرية أمن إسطنبول لاستجوابهم، قامت الشرطة بعمليات أخرى في المدينة، بحسب ما ذكرت وكالة دوغان التركية الخاصة للأنباء دون الكشف عن مزيد من التفاصيل.
وذكرت وسائل الإعلام التركية أن المهاجم مدرب على إطلاق النار، حيث قاتل في صفوف تنظيم داعش في سوريا وأصبح خبيرًا في استخدام الأسلحة.
وقالت مصادر أمنية تركية، إن فرق مكافحة الإرهاب التابعة لمديرية أمن إسطنبول تحركت إلى المنزل الذي يقيم به منفذ الهجوم بناء على بلاغ تلقته وظلت قوات الأمن تتعقبه لمدة ثلاثة أيام قبل إلقاء القبض عليه من داخل المجمع السكني بمنطقة أسنيورت.
وذكرت وسائل الإعلام التركية أن الشرطة استجوبت بعض الجيران في البناية التي توجد بها شقة منفذ الهجوم، وأنهم أشاروا إلى أنهم لم يلاحظوا وجود منفذ الهجوم معهم، وأنهم فقط كانوا يعلمون أن هناك 3 سيدات يقمن في الشقة ويخرجن أحيانًا لشراء بعض الحاجات، ما يعني أنه كان يستخدمهن للتمويه.
وأعلن والي إسطنبول واصب شاهين، أمس، إلقاء القبض على 4 أشخاص من داخل الشقة علاوة على مرتكب الاعتداء، وهم مواطن عراقي وثلاث فتيات من دول أفريقية من بينهن فتاة مصرية.
ولفت شاهين إلى أن ألفي شرطي شاركوا في عملية البحث عن الإرهابي التي استمرت 16 يومًا، وتمت مراجعة تسجيلات لكاميرات المراقبة مدتها 7 آلاف و200 ساعة لتحديد كل الأماكن التي وجود فيها الإرهابي منذ لحظة تنفيذه الهجوم الذي أودى بحياة 39 شخصًا أثناء احتفالهم بقدوم العام الجديد.
ولفت الوالي إلى أن منفذ الهجوم واسمه الحركي «أبو محمد الخرساني» من مواليد أوزبكستان عام 1983 وأنه تلقى تعليمه في أفغانستان، حيث يعتقد أنه تلقى أيضًا تدريبًا عسكريًا هناك؛ وأنه يتقن 4 لغات، وأنه اعترف بجريمته وتطابقت بصماته مع البصمات المسجلة لدى الأجهزة الأمنية، معربًا عن اعتقاده بأنه دخل تركيا في يناير (كانون الثاني) 2016 بشكل غير شرعي من حدود تركيا الشرقية.
ولفت إلى أن منفذ الهجوم اعترف بجريمته وتطابقت بصماته مع البصمات المسجلة لدى الأجهزة الأمنية، وأكد أنه من الواضح أن الهجوم نفذ باسم داعش.
وأشار شاهين إلى المتهم تنقل بين منازل في مناطق باشاك شهير وزيتين بورنو واسنيورت في إسطنبول، وأنه كان يعيش برفقة ابنه الصغير 4 سنوات الذي لم يكن بالمنزل لحظة اعتقاله، لافتًا إلى أن الشرطة دهمت 152 عنوانا وأوقفت 50 شخصا.
وكانت الشرطة التركية نفذت عقب الهجوم سلسلة حملات أمنية في كل من كونيا وإزمير وإسطنبول ألقت خلالها على مشتبهين بعلاقتهم بمنفذ الهجوم بينهم 3 أسر من 27 فردا قبض عليهم في كونيا (وسط تركيا)، كما ألقي القبض على 40 شخصا في إزمير (غرب تركيا) بينهم 27 طفلا.
في الوقت نفسه قالت مصادر التحقيقات إن هاتف منفذ الهجوم الذي عثر عليه داخل النادي عقب هروبه وجدت عليه رسائل بعدة لغات منها التركية والصينية والعربية. ونشرت وسائل إعلام محلية مقطع فيديو للمشتبه به، يظهر فيها وجهه ويرتدي «تي شيرت»، فيما يمسك به شرطي من عنقه.
وكان نائب رئيس الوزراء التركي ويسي كايناك أكد الأسبوع الماضي أن منفذ الهجوم لم يهرب إلى خارج إسطنبول، حيث كانت السلطات التركية فرضت إجراءات تفتيش صارمة على الحدود وفي المطارات والموانئ كما نشرت صورته على مداخل البوابة الحدودية بين تركيا وبلغاريا في مدينة إدرنة بشمال غرب البلاد.
وسمحت سلطات الأمن التركية للصحافيين بدخول الشقة التي ألقي القبض فيها على منفذ الهجوم الإرهابي.
وتقع الشقة في الطابق الخامس من عمارة تقع في مجمع سكني في منطقة أسنيورت، وتتكون من غرفتين وصالة، وتجول الصحافيون في الشقة، التي تبعثرت محتوياتها، والتقطوا صورا ومقاطع فيديو لمحتوياتها، حيث أثثّ الصالون بأريكتين، في حين احتوت الغرفتان على سريرين مزدوجين وسريرين مفردين، واحتوى المطبخ على غسالة ملابس.
ولفت النظر وجود كميات كبيرة من مياه الشرب والفواكه في المطبخ، بالإضافة إلى عدة عبوات بيض، وعبوات زيت طعام، ولوازم فطور وكميات كبيرة من العملات الورقية والمعدنية من دول عدة، بالإضافة إلى أدوات النظافة الشخصية والماكياج.
وأكد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أن الدولة لن تترك لأي مجرمٍ فرصة الإفلات من العقاب، متوعدًا بأن الدولة ستحاسب جميع الجُناة في إطار سيادة القانون.
وأشار إلى أن القبض على الإرهابي منفذ هجوم النادي بإسطنبول «هو مظهر رئيسي لهذا المفهوم في الأمن».
وأضاف إردوغان، في كلمة له أمس الثلاثاء، أن قوات الأمن تمكنت بنجاح من إلقاء القبض على منفذ الهجوم الإرهابي الذي استهدف النادي الليلي في أورتاكوي بإسطنبول ليلة رأس السنة. مقدمًا شكره لكل من ساهم في إلقاء القبض على منفذ الاعتداء الإرهابي وتمنياته لقوات الأمن باستمرار التقدم والنجاح. وأكد رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم في مؤتمر صحافي من أمام المقر الرئيس لحزب العدالة والتنمية الحاكم في أنقرة أمس الثلاثاء، حيث كان يواصل مشاوراته مع مسؤولي ونواب الحزب حول الجولة الثانية الحاسمة للتصويت على تعديل الدستور التي تنطلق اليوم الأربعاء، -أن «الأهم من القبض على منفذ هذا الهجوم (الشنيع) هو كشف القوى التي تقف خلفه... هذا تطور مهم بالنسبة لنا».
وقال يلدريم، إن استجواب الإرهابي منفذ الهجوم على النادي الليلي في إسطنبول ليلة رأس السنة متواصل، لكنه لن يدلي بكثير من التفاصيل حفاظًا على مجريات التحقيقات. مضيفًا: «هناك الكثير من التفاصيل حول الموضوع، إلا أنه لن يدلي بكثير من التفاصيل حفاظًا على مجريات التحقيقات».
واعتبر خبراء ومحللون تحدثوا للقنوات التركية أمس الثلاثاء أن القبض على منفذ الهجوم يعد نجاحا كبيرا لقوات الأمن التركية، متوقعين أن يقودهم إلى كشف الكثير من الخلايا الأخرى المرتبطة بتنظيم داعش الإرهابي.



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.