القرصنة الهاتفية في بريطانيا تعود إلى الواجهة مع محاكمة صحافيين في القضية

القاضي يعدها «محاكمة للنظام القضائي البريطاني».. والمداولات قد تستمر ستة أشهر

ربيكا بروكس الرئيسة التنفيذية السابقة لـ«نيوز إنترناشيونال» تصل مع زوجها تشارلي  لجلسة جديدة من محاكمتها يوم الجمعة الماضي (أ.ف.ب)
ربيكا بروكس الرئيسة التنفيذية السابقة لـ«نيوز إنترناشيونال» تصل مع زوجها تشارلي لجلسة جديدة من محاكمتها يوم الجمعة الماضي (أ.ف.ب)
TT

القرصنة الهاتفية في بريطانيا تعود إلى الواجهة مع محاكمة صحافيين في القضية

ربيكا بروكس الرئيسة التنفيذية السابقة لـ«نيوز إنترناشيونال» تصل مع زوجها تشارلي  لجلسة جديدة من محاكمتها يوم الجمعة الماضي (أ.ف.ب)
ربيكا بروكس الرئيسة التنفيذية السابقة لـ«نيوز إنترناشيونال» تصل مع زوجها تشارلي لجلسة جديدة من محاكمتها يوم الجمعة الماضي (أ.ف.ب)

أن تقوم علاقة عاطفية بين محررين، متهمين بالوقوف وراء فضيحة القرصنة التليفونية في بريطانيا، ومن ثم فضحها وسرد تفاصيلها خلال محاكمتهما في لندن (مع ستة آخرين) في عدد من التهم، مثل التآمر لعرقلة سير العدالة وإفساد مسؤولين في مناصب عامة، ليس بالشيء الغريب ولا يعتبر إدانة لهما يحاسبهما عليها القانون.
العلاقة الجنسية التي انكشفت خيوطها في محكمة الجرائم المركزية، في ثاني يوم من جلسات قضية في الاتهامات التي يواجهانها، مهمة جدا للادعاء العام، الذي بدأ في مداخلته في اليوم الأول تسليط الضوء على العلاقة التي تجمع ريبيكا بروكس وأندي كولسون، اللذين عملا رئيسين لتحرير صحيفة «نيوز أوف ذي وورلد»، التي كانت ضمن صحف إمبراطور الإعلام الأسترالي الأصل روبرت ميردوخ حتى إغلاقها في يوليو (تموز) 2011 بعد اندلاع فضيحة القرصنة التليفونية، وتربعا على عرش أهم وأكثر الصحف الشعبية في العالم. وهذا ما حاول التركيز عليه محامي الادعاء أندرو إيديس في كلمته في أول أيام المحكمة قائلا إن هناك ثقة متبادلة بين الاثنين، ولهذا فإن «ما كانت تعرفه بروكس عرفه كولسون أيضا والعكس صحيح»، وأن اعترافات سابقة بالتنصت لأربعة أشخاص عملوا كمراسلين ومحررين وخبراء في التنصت، بعضهم حكم عليهم بالسجن سابقا، يبين أنه من المستحيل قيام الأربعة بهذه الأعمال التي كلفت الصحيفة مئات الآلاف من الجنيهات من دون علم رؤساء التحرير، أي ريبيكا بروكس وأندي كولسون.
فضيحة القرصنة التليفونية بلغت ذروتها في يوليو 2011، واضطر عندها روبرت ميردوخ لإغلاق الصحيفة، وهي الأكثر انتشارا في الصحافة الإنجليزية وعمرها 168 عاما، وذلك بعد أن تم الكشف عن أن الصحافيين العاملين فيها قاموا بعمليات قرصنة للبريد الصوتي الخاص بطالبة تدعى ميلي دولير قتلت عام 2002.
اختراق تليفون المراهقة فضحته صحيفة «الغارديان». وحسب سجلات الشرطة فإن خمسة آلاف شخص تم التنصت على تليفوناتهم، وتضمنت القائمة سياسيين ومشاهير وضحايا جرائم أخرى، وأبناء العائلة الملكية. هاتف الفتاة ميلي دوولر، التي عثر عليها ميتة بعد اختفائها، كان موضع تنصت من الصحيفة، التي كانت بروكس رئيسة تحريرها عندما وقعت أحداث قضية القرصنة المزعومة.
وتعد بروكس (45 عاما)، التي أصبحت في ما بعد الرئيسة التنفيذية لإمبراطورية «نيوز إنترناشيونال» الإعلامية، وكولسون، من بين ثمانية متهمين يواجهون مجموعة من التهم من بينها التنصت على هواتف والتآمر لعرقلة سير العدالة والتآمر لارتكاب سوء سلوك في مناصب عامة أي تقديم الرشوى مقبل الحصول على معلومات، إلا أنهم جميعا أنكروا التهم الموجهة إليهم، ومن بينهم أيضا تشارلي بروكس زوج ريبيكا بروكس. «نيوز إنترناشيونال» هي الذراع البريطانية لـ«نيوز كوربوريشن» المدرجة على بورصة نيويورك.
أندي كولسون عمل رئيس تحرير الصحيفة بعد بروكس، وأصبح لاحقا مدير قسم الاتصالات في مكتب رئيس الوزراء ديفيد كاميرون، مما سبب إحراجا سياسيا للحكومة المحافظة بعد اندلاع فضيحة التنصت. ووجهت اتهامات لكاميرون بإقامة علاقات قريبة و«غير صحية» مع الصحف الشعبية المتنفذة وإمبراطورية ميردوخ من أجل الدعم السياسي في الانتخابات. ومع اندلاع الفضيحة التي شغلت الرأي العام البريطاني ووصفت ممارسات الصحيفة بأنها مقززة، قرر رئيس الوزراء تشكيل لجنة تحقيق يرأسها القاضي برايان ليفيسون، تنظر في أخلاقيات المهنة. وقدمت اللجنة بعد سنة من المداولات والسماع للشهود والسياسيين توصياتها قبل عدة شهور. وما زالت الأحزاب السياسية تحاول إيجاد صيغة لتنظيم مهنة الصحافة المكتوبة دون المساس بحريتها. وقد اتفقت الأحزاب قبل أسبوع على ميثاق ملكي يضبط عملها، وهذا ما رفضته معظم المؤسسات الإعلامية، ولم يتم الاتفاق عليه بعد. وتعتبر الصحف الميثاق ضربة قاضية للصحافة في بريطانيا تضع حدا لحريتها التي دامت خلال 300 عام الماضية. وتحاول حاليا تقديم التماس للقضاء لإيقاف أي مشروع قرار يفرض عليها الالتزام بما يفرض عليها من خلال الميثاق الملكي.
الإجراءات القضائية الحالية بخصوص محاكمة هؤلاء قد تستغرق ستة أشهر. وقال القاضي في بداية القضية مخاطبا لجنة المحلفين «إنها، كما ستسمعون، قضية مهمة، وعلينا أن نجد هيئة محلفين قادرة على النظر فيها»، مضيفا خلال اختيار أعضاء طاقم المحلفين (التي تشكل من تسع نساء وثلاثة رجال) أن ما بين أيديهم هو «محاكمة للنظام القضائي البريطاني».
وقال المدعي العام أندرو إيديس للمحكمة إن الصحيفة دفعت للمحقق الخاص جلين مولكير من أجل التنصت على الهواتف، بالإضافة إلى مشاركة كل من كليف غودمان مراسل الشؤون الملكية وإيان إدموندسون رئيس قسم الأخبار في الصحيفة في التنصت. وأضاف إيديس أن «النيابة تقول إنه من المهم أن يكون في بلد حر صحافة حرة، لكنها تقول أيضا إنه لا يحق للصحافيين انتهاك القانون الجنائي مثل أي شخص آخر».
وقال الادعاء إن رسالة ترجع لعام 2004 أثبتت أن بروكس وكولسون كانت تربطهما علاقة جنسية دامت ست سنوات خلال عملهما. ويحاول الادعاء في المحاكمة إثبات أن كليهما كان على علم بتورط صحافيين ومحققين خاصين يعملون في الصحيفة في التنصت على الهواتف. وقال أندرو إيديس «النقطة التي سأثبتها في ما يتعلق بتلك الرسالة هي أن ما عرفه كولسون على مدى الفترة محل النقاش كانت تعرفه بروكس أيضا.. وما عرفته بروكس عرفه كولسون أيضا، وهذا هو لب الموضوع».
وفي التهمة الأولى الخاصة بعرقلة سير العدالة، وجهت إلى بروكس اتهامات بمحاولة إزالة صناديق تحتوي على مواد أرشيفية من مجموعة «نيوز إنترناشيونال» في يوليو عام 2011 جنبا إلى جنب مع مساعدتها الشخصية شيريل كارتر التي نفت أيضا التهمة نفسها. وفي التهمة الثانية، وجهت إليها هي وزوجها، تشارلي بروكس، وأربعة أعضاء آخرين من الموظفين في المجموعة، تهمة إخفاء وثائق وكمبيوترات عن الشرطة التي تتولى التحقيق. ونفت بروكس التآمر لقرصنة هواتف بين عامي 2000 و2006. كما نفت أيضا تهمتين بالتآمر لتقديم الرشاوى لمسؤولين حكوميين، وتهمتين بالتآمر لعرقلة وانحراف سير العدالة.
أما كولسون فوجهت إليه تهمة واحدة وهي التآمر لاعتراض رسائل بريد صوتي بين عامي 2000 و2006، وتهمتان بالتآمر وتقديم الرشاوى بين عامي 2002 و2005. غير أن كولسون ينفي هذه الاتهامات.
قضية التنصت كلفت مجموعة ميردوخ الإعلامية ملايين الجنيهات من التعويضات للضحايا، وتمت تسوية العديد من القضايا مع المشاهير قبل أن تصل إلى المحاكم. ومنذ تلك الفضيحة قسم ميردوخ إمبراطوريته الإعلامية إلى قسمين، واحد للصحف وآخر للإعلام السمعي البصري. ويملك ميردوخ في بريطانيا صحف مثل «الصن» الشعبية الواسعة الانتشار وصحيفة «التايمز» الرصينة وعددها الأسبوعي «صنداي تايمز». ويواجه عدد من العاملين في صحيفة «الصن» تم اعتقالهم على ذمة التحقيق تهما بالتنصت وقد تبدأ محاكمتهم في العام المقبل.

وسائل الإعلام البريطانية والميثاق الملكي

> أدت فضيحة التنصت على الهواتف في بريطانيا إلى تأسيس لجنة تحقيق عام حول أخلاقيات عمل الصحافة، وأجرى التحقيق القاضي برايان ليفيسون. اللجنة قدمت توصياتها قبل أشهر واقترحت إيجاد صيغة بديلة للجنة الشكوى التي تديرها وسائل الإعلام نفسها. غير أن النتيجة التي خلص إليها التحقيق بقيت حبرا على ورق بسبب الخلافات السياسية بين الأحزاب. ليفيسون أوصى بإقامة جهاز مستقل للمراقبة قادر على إجبار الصحف على التصرف بشكل أفضل، وفي حال الانحراف على نشر اعتذارات ودفع غرامات من دون اللجوء للمحاكم. واتفقت معظم الأحزاب السياسية على إقامة جهاز جديد. وأعلنت صناعة الصحف نيتها اللجوء إلى المحكمة العليا وبالتالي فإن تبني توصية التحقيق يبدو غير أكيد.
لكن خسر ناشرو الصحف يوم الأربعاء الماضي دعوى قضائية أمام المحكمة العليا كانت تستهدف منع الحكومة من السعي للحصول على موافقة نهائية بشأن لوائح صحافية جديدة. واتفقت الأحزاب على ما يطلق عليه ميثاق ملكي لتنظيم العمل الصحافي، بناء على موافقة من ثلاثة أحزاب سياسية رئيسة ومجموعة «هاكد أوف» التي تمثل ضحايا التنصت، ولكن تعارضه بشدة صناعة الصحف. وسعى الناشرون من أجل عقد جلسة استماع طارئة بالمحكمة في الوقت الذي طلب فيه مجلس ملكي، وهو كيان يضم عددا من الوزراء بالحكومة، الحصول على موافقة الملكة على الميثاق.



البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.


كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

أصدرت شركة «ميتا»، مالكة منصة «فيسبوك»، تحديثات جديدة «تهدف إلى مساعدة منشئي المحتوى لتعميق استفادتهم من أدوات تحقيق الربح المتطورة على المنصة»، وذلك بالتزامن مع سعي الشركة إلى «زيادة معدلات التفاعل داخل التطبيق في خضم المنافسة المحتدمة مع منصات أخرى».

هذا الأمر، أثار تساؤلات حول كيفية استغلال المؤسسات الإعلامية للنموذج الربحي الجديد من المنصة لتعزيز عوائد مستدامة. وللعلم، كانت «ميتا» قد أكدت نهاية مارس (آذار) الماضي أنها «تهدف إلى دعم صُناَّع المحتوى من خلال تحقيق مزيد من الأرباح، كما تسعى لمكافأة المحتوى الأصلي، عبر تخصيص عوائد متدفقة تشمل أنماطاً متعددة من المحتوى، مثل الفيديو القصير، والصور، وكذلك المنشورات النصية وحتى القصص التي لها إطار زمني».

الشركة قدَّمت توصيات عدة، عدّتها شروطاً لتعزيز عوائد مستدامة لصناع المحتوى، إذ أوصت بتجربة أنواع مختلفة من المنشورات، بما في ذلك الصور والنصوص والقصص، لفهم ما يفضِّله الجمهور. إلا أنَّها وضعت الفيديو القصير «الريلز» في صدارة الاهتمامات. وأشارت أيضاً، إلى أنَّ «أصالة المحتوى» عامل مهم لتحقيق أرباح. وفي المقابل، حذَّرت في إرشاداتها من محاولات الوصول التي تعتمد على التلاعب بالخوارزميات، مثل الجمل التحفيزية على شاكلة «شاهد حتى النهاية»، ما لم يكن المحتوى يُقدِّم قيمةً حقيقيةً وملموسةً للمشاهد.

«ميتا» تفيد بأنَّ مقاطع «الريلز» هي المُحرِّك الأساسي للأرباح في الوقت الراهن، فمن بين نحو 3 مليارات دولار دفعها موقع «فيسبوك» لمنشئي المحتوى في عام 2025، استحوذت مقاطع «الريلز» وحدها على 60 في المائة من إجمالي هذه المدفوعات.

محمد الفياض، الباحث في الإعلام الرقمي، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ التحوُّل الأساسي هو الانتقال من «اقتصاد الإحالة» إلى «اقتصاد المنصة». وأردف: «غرف الأخبار لم تعد تُصمِّم محتواها ليدفع المستخدم للنقر ومغادرة فيسبوك نحو موقعها؛ بل صارت تعيد هيكلة فرقها لإنتاج محتوى أصيل يُستهلك بالكامل داخل المنصة، وتحديداً عبر الفيديو القصير».

وشدَّد الفياض على أنَّ «المعايير الآن أصبحت تقنية وإحصائية أكثر منها صحافية تقليدية لتحقيق الربح. إذ يجب أن يتجاوز المحتوى عتبة القيمة المضافة، أي أنَّ مجرد نقل الخبر لم يعد كافياً، بل يجب أن يتضمَّن رؤية أو تحليلاً خاصاً بالمؤسسة». وتابع إن «الخوارزمية الآن تقيس الجودة من خلال معدل الإكمال، أي عدد مشاهدة الفيديو، والتفاعل النوعي - أو النقاشات في التعليقات -، ببساطة، الجودة التي تدرّ مالاً هي التي تبقي المستخدم أطول فترة ممكنة داخل التطبيق».

وعن جدّية المنصة في دعم المحتوى الأصلي، قال الفياض: «تاريخياً تحرّكت فيسبوك وفق البراغماتية الاقتصادية»، واهتمامها الحالي بالمحتوى الأصلي «يندرج تحت بند التنافسية الاستراتيجية للبقاء في سوق المنصات أمام المنافسين، وهو قرار يرتبط بجدوى الأعمال ومسار السوق».

من جهة ثانية، قال عبد الله جمعة، الباحث في التسويق الرقمي، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ «فيسبوك» تنتهج مساراً جديداً فيما يتعلق بتعزيز الأرباح منذ أواخر العام الماضي. وأوضح أن هذا المسار ظهر من خلال دعم أشكال الفيديو، حيث منحت المنصة الأولوية للفيديوهات القصيرة (الريلز) من خلال تمديد الإطار الزمني. وهكذا لم تعد مقيدة بعدد دقائق، كما اتجهت لتحويل أنماط الفيديو الأخرى لنمط الريلز، مستفيدة من النجاح الكبير الذي حققه هذا النوع خلال السنوات الماضية، في ظلِّ المنافسة مع باقي المنصات.

وأضاف جمعة: «هذا التغيير أتاح لصالات الأخبار ميزةً مهمةً، وهي عدم التقيُّد بمدة محددة، ما منح الفيديوهات الأطول فرصةً أكبر لظهور الإعلانات، وبالتالي تحقيق أرباح أعلى». واستطرد شارحاً أن دعم «فيسبوك» لهذا البرنامج غيَّر خريطة الأرباح إلى حد ما، و«زادت عوائد الصور بشكل ملحوظ، بينما تراجعت أرباح الفيديو مقارنة بالسابق، في إطار تنويع مصادر الدخل داخل المنصة».

وبحسب جمعة «تعمل فيسبوك حالياً على وضع قيود كبيرة على المحتوى السطحي أو المعاد، في مقابل دعم المحتوى الأصلي غير المكرَّر الذي يقدِّم قيمةً حقيقيةً مثل التحليل أو المعلومات، مع الحفاظ على تفاعل الجمهور ومدة مشاهدة جيدة».

ثم أشار إلى سبيل آخر يمكن للمؤسسات أن تحقِّق من خلاله أرباحاً مستدامة اعتماداً على المسار المستحدث لمنصة «فيسبوك»، قائلاً: «المنصة تتجه حالياً لخلق مسارات جديدة لتحقيق الأرباح، من بينها دعم المعجبين والاشتراكات، التي بوشر بتطبيقها في بعض الدول الأوروبية بوصفها تجربةً قبل التعميم». وأضاف: «بالنسبة للعالم العربي، فإنه يمكن للمؤسسات تحقيق أرباح ثابتة من هذا المسار، لكن بشروط واضحة، أهمها، تقديم محتوى بنّاء، والاعتماد على شخصيات موثوقة ومحببة للجمهور، وتقديم مزايا حقيقية للمشتركين. وفي هذه الحالة يتحوَّل الجمهور من مجرد متابع إلى داعم حقيقي».


استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
TT

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية، دون تسجيل إصابات.

وأوضح مراسل القناة، أنه نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي بعد سقوط القذيفة المدفعية بجانبه وما ألحقته من تناثر الشظايا في المكان، إضافة لنجاة بقية الإعلاميين الذين كانوا موجودين في المنطقة المستهدفة.

وأضاف المراسل أن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف هاون بين قرية الصمدانية الغربية وسدّ المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط، دون ورود معلومات عن إصابات إضافية.

وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي عند أطراف مدخل قرية الصمدانية الشرقية، ضمن سلسلة انتهاكات مستمرة جنوب البلاد. وأقامت القوات وفق ما أفاد مراسل «الإخبارية» حاجزاً عند مفرق الصمدانية - العجرف مؤلفاً من ثلاث آليات عسكرية.

وتستمر قوات الاحتلال في اعتداءاتها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، ولا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا، وتنفذ اعتداءات بحق المدنيين واعتقالات وتخريب.

الباحث السوري نوار شعبان، وصف ما جرى في القنيطرة بأنه لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة، بل يمثل تطوراً خطيراً، لأنه لا يتعلق فقط باعتداء عسكري، بل باستهداف مباشر لعمل إعلامي وصحافي.

وأضاف في تغريدة على منصة «إكس»، أن الإعلاميين كانوا يقومون بعملهم الطبيعي في نقل ما يجري على الأرض، وهو عمل يفترض أن يكون محمياً وفق القوانين الدولية التي تحمي الصحافيين أثناء النزاعات. مشدداً على أن استهدافهم بهذا الشكل يفتح سؤالاً كبيراً حول سلامة العمل الإعلامي في الجنوب السوري، خاصة في ظل تكرار القصف والتوغلات الإسرائيلية في ريف القنيطرة خلال الفترة الأخيرة.

صورة للقصف الإسرائيلي على موقع تجمع الصحافيين السوريين في القنيطرة (متداولة)

وطالب شعيب وزارة الخارجية السورية بإصدار بيان رسمي واضح يدين هذا الاعتداء ويستنكره، ويضعه في إطاره الصحيح كونه استهدافاً لحرية العمل الإعلامي وسيادة الأراضي السورية، معتبراً أن ترك مثل هذه الحوادث دون موقف رسمي يعني تحويلها إلى أمر اعتيادي.

عناصر من قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا الصاروخ في قرية الحيران بريف القنيطرة (سانا)

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، على الطريق الواصل بين قرية نبع الفوار في ريف القنيطرة الشمالي، وقرية حرفا في ريف دمشق الغربي.

وذكر مراسل «سانا» في القنيطرة، أن قوة للاحتلال مؤلفة من عدة آليات عسكرية توغلت على الطريق الواصل بين القريتين، ونصبت حاجزاً مؤقتاً في المنطقة، وعمدت إلى تفتيش المارة، دون ورود أنباء عن أي حالات اعتقال.

ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وخرقه اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عبر التوغلات المتكررة في جنوب سوريا، والاعتداء على المواطنين بالمداهمات والاعتقالات التعسفية والتهجير القسري وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي الزراعية.