رولا غلاييني: من دون قصة تلهمني وتمس وجداني يتعذر علي الابتكار

{بوبيه كوتير} تستلهم من امرأة شرقية تعيش صراعا بين التقاليد والرغبة في الانعتاق

تعاونها مع شواروفسكي كان طبيعيا بحكم أنها تستعمل أحجار الكريستال من الشركة منذ سنوات في تصاميمها
تعاونها مع شواروفسكي كان طبيعيا بحكم أنها تستعمل أحجار الكريستال من الشركة منذ سنوات في تصاميمها
TT

رولا غلاييني: من دون قصة تلهمني وتمس وجداني يتعذر علي الابتكار

تعاونها مع شواروفسكي كان طبيعيا بحكم أنها تستعمل أحجار الكريستال من الشركة منذ سنوات في تصاميمها
تعاونها مع شواروفسكي كان طبيعيا بحكم أنها تستعمل أحجار الكريستال من الشركة منذ سنوات في تصاميمها

كانت رولا غلاييني واحدة من نجوم الموسم الثالث لـ«فاشن فوروود» بدبي، وبالتالي لم يكن من الممكن حضور الفعالية من دون القيام بجولة في «ذي غاردن»، حيث يعرض مصممو الإكسسوارات إبداعاتهم خلال هذه الفعالية، وعدم التوقف عند ركنها الخاص، حيث تراصت حقائب يد تحمل بصمة أصبحت الكثير من الأنيقات يتعرفن عليها من النظرة الأولى، إلى جانب مجموعة جديدة من الجواهر كانت ثمرة تعاونها مع شركة «شواروفسكي» ضمن برنامج تتعاون فيه هذه الأخيرة مع مصممين واعدين.
لم يكن من الصعب الانفراد برولا، فقد كنا نتشوق للتعرف على بعض عن قرب، بعد أن أصبحنا صديقتين على «فيسبوك» منذ بضعة أشهر. أتابع نشاطاتها وصور تصاميمها المبتكرة، وفي كل مرة يزيد شوقي للتعرف على الفنانة وراء هذه التحف، وما يجعلها مميزة رغم أن سوق الجواهر والإكسسوارات أصبحت متخمة بالأسماء والتصاميم. لم تخيب ظني، فقد كشفت ليس سريعا أن تصاميمها ليست مجرد أشكال هندسية أنيقة أو مبتكرة فحسب، بل تحكي قصصا أشبه بقصص ألف ليلة وليلة بمشربياتها وغموضها وألوانها. كل حقيبة تتمتع بوجهين، واحد هندسي واضح للعين، والثاني شاعري يختفي بين الخطوط كما تختفي العيون وراء برقع أو خمار. وفي كل الحالات تعكس أسلوبا أنيقا وراقيا يخاطب الجميع بلغة سلسلة ورقيقة، مما يجعلها نادرة في وسط يعتمد على الصورة والإبهار أكثر من المضمون، ويتودد للزبون بأي شكل في سبيل التسويق. رولا، في المقابل، لا تحتاج إلى ذلك، فهي تريد أن تبقى صادقة مع نفسها، تبدع ما يروق لها ويعبر عن شخصيتها. «بالنسبة لي، إذا لم أقتنع بأي مشروع، أجد صعوبة في تنفيذه.. مهم دائما أن أنطلق من فكرة محددة، أو قصة تلهمني وتمس وجداني، وإلا تعذر علي الابتكار والإنتاج». ولحسن الحظ، فإن المشاعر الصادقة تأتي بنتائج كبيرة أحيانا، لا سيما إذا كنت مصحوبة بقصة تثير العالم وتستحضر له غموض القصور والبلاطات الشرقية القديمة. في عام 2012، كانت أول مصممة إكسسوارات عربية يجري اختيار حقائبها من بين أحسن 100 حقيبة ضمن لائحة نشرتها مجلة «فوغ». وجاءت ماركتها «بوبيه كوتير» في المرتبة الـ14، بين سان لوران وستيلا ماكارتني. كانت هذه بداية جديدة لها، حيث خرجت من نطاق المحلية وأصبح الكل يتعامل معها على أنها ماركة عالمية، لا سيما بعد أن ظهرت في جريدة الـ«هيرالد تريبيون» سابقا، و«نيويورك تايمز» حاليا، كما ظهرت في مجلات مثل «كوسموبوليتان» و«غراتزيا» و«وولبايبر» وغيرها. أما هي فتقول بصدق أقرب إلى البراءة: «بدأت هوايتي بتصميم حقائب خاصة بي، كانت صديقاتي يطلبن مني أن أصمم لهن مثلها، ثم يأتين بقريباتهن وهكذا، ومع ذلك لم آخذ الإقبال بشكل جدي، لأننا بصفتنا شرقيين، لطيفين بطبعنا، حتى إذا لم نقتنع تماما بالمنتج. لهذا كنت أفكر أنهن يطلبنها مني من باب المجاملة. فقط بعد أن ذهبت إلى نيويورك ولندن وكان البعض يستوقفنني في الشارع ليسألنني من أين اشتريت حقيبتي، بدأت أشعر بأن ما أقدمه مميز وبدأت ثقتي تزيد».
وتشرح رولا أن القصة التي تحاول دائما أن تصوغها من الجلود والمعادن، من وحي المجتمع الشرقي، وبطلتها دائما امرأة عصرية تعيش صراعا بين التقاليد والرغبة في الانعتاق والتحرر منها. «ستلاحظين دائما أن هناك تلاعبا على مفهوم الخارج والداخل، من خلال استعمال الجلود في أشكال هندسية تخترقها ألوان متوهجة من الداخل لتعطيها بعدا أجمل، وهو ما أراه انعكاسا لشخصية المرأة العربية. تبدو من الخارج هندسية وجادة إلى حد الصرامة، حسبما هو مطلوب من المجتمع، بينما تضج من الداخل، بالرومانسية والألوان الشاعرية».
تخرجت رولا في الجامعة الأميركية ببيروت، كما تقول، وأطلقت ماركتها في العاصمة اللبنانية، إلا أنها قضت كل طفولتها بين قبرص وكندا، ولم تتكلم اللغة العربية إلا بعد أن عادت إلى لبنان وهي في الـ13 من العمر. «كنت أعرف أنني لبنانية، لكني لم أكن أعرف معنى ذلك تماما، إلى أن عدت لأعيش في بيروت. حينها تعرضت لما يمكن وصفه بالصدمة الثقافية، فقد كان كل شيء جديدا علي، بما في ذلك (التابوهات) المتعلقة بالمرأة الشرقية، من كيف عليها أن تتعامل مع الغير إلى طريقة لباسها وتصرفاتها وما إلى ذلك. مع الوقت، اكتشفت أنها تعيش نوعا من الازدواجية، إذ هناك وجه خارجي، بماكياج يفرضه عليها المجتمع، ووجه خاص تحاول أن تعبر فيه عن شخصيتها بعيدا عن الأنظار. هذه الازدواجية ظلت معي وتجد طريقها دائما في تصاميمي بشكل أو بآخر».
بعد أن تخرجت رولا بشرف في تصميم الغرافيك، عملت في مجال الإعلانات في شركة «ليو بيرنيت» المعروفة. وتدرجت سريعا في وظيفتها لتصبح مسؤولة تتبوأ مركزا مهما فيها، خصوصا بعد أن حصدت الكثير من الحملات الدعائية التي قامت بها، جوائز في مهرجانات مثل كان السينمائي وغولدندرام وإبيكيا. رغم تفوقها في مجالها، كانت تعشق تصميم حقائب اليد ومارست الأمر كهواية إلى جانب انخراطها في معهد «إيسمود» للموضة مساء، من دون علم أحد حتى لا تعطي لأي كان الفرصة بانتقادها أو اتهامها بأنها لا تخصص كل جهدها لعملها. بعد خمس سنوات، شعرت بأن الوقت حان لكي تترك وظيفتها وتحقق الحلم الذي راودها طويلا. أثمرت هذه الخطوة على ماركتها «بوبيه كوتير» Poupée Couture، التي بدأت بحقائب اليد وتوسعت للجواهر في العام الماضي. تعترف أن الخوف كان يراودها في البداية وعدة تساؤلات تدور برأسها ما إذا كانت الخطوة التي قامت بها عملية أم لا، خصوصا وأن والدها لم يكن مرحبا بالفكرة في البداية. «فهو من جيل تعود أن النجاح يعني وظيفة كبيرة تمنح فرصا للمزيد من التطور، وهو ما كان متوفرا في وظيفتي السابقة». بيد أن هذه لم تكن الصعوبة الوحيدة التي واجهتها كشابة سلاحها الوحيد هو الحماس والموهبة، وتفتقد لأي خبرة تذكر في الجانب التجاري والعملي. «كنت أدق أبواب الحرفيين في باب حمود ببيروت، لأعرض عليهم التعاون معي، ولم يكن كلهم مرحبين بأن يتعاملوا مع شابة صغيرة، أو متفهمين لما أطلبه. فأغلبهم من الجيل القديم الذين تعودوا على أسلوب معين في العمل، كما في تقطيع الجلود وتصميم الحقائب، ولا أنكر أني وجدت صعوبة أن أشرح لهم ما أريد وكيف أريد تقطيع كل جزء بطريقتي وليس بطريقتهم التقليدية».
الآن وبعد أن كانت تتعاون مع ورشة يشرف عليها حرفيون يعدون على أصابع اليد الواحدة، توسع عملها وأصبحت تتعامل مع أربع ورشات مختلفة. الممارسة والتجربة كانا خير مدرسة، كما تقول، وهي التي علمتها أهمية الجانبين التجاري والتسويقي. «أنا كأي مصمم، أريد أن تصل تصاميمي إلى أكبر شريحة من الزبائن لا أن تبقى حكرا على محيطي أو على شريحة نخبوية من الزبائن. لو كان هذا هو المطلوب لكنت فنانة لا مصممة».



جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.


درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
TT

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

«لوروبيانا»، «زينيا»، «برونيلو كوتشينيلي» و«هوكرتي» وغيرها من بيوت الأزياء، اتجهت هذا الموسم نحو لوحة فنية مستوحاة من التراب والرمل والذهب، في رسالة واضحة: أناقة هادئة تحلّ محل خزانة كانت، حتى عهد قريب، أسيرة ألوان كلاسيكية داكنة.

في مجموعة «لورو بيانا» لربيع - صيف 2026، مثلاً يبرز اللون كخيطٍ يربطها بقصر تشيتيريو في ميلانو، المكان الذي اختير لتصويرها وتقديمها. لم يكن اختيار الدار الإيطالية عشوائياً؛ فإلى جانب ما يزخر به من أعمال فنية، شكَّل خلفية مناسبة للتدرجات اللونية التي سادت مجموعة مستلهَمة من بساطة فنون «المينيماليزم» و«آرت بوفيري»، وكل ما يحتفي بما هو طبيعي كقيمة جمالية. وهكذا جاءت التوليفات اللونية غنية بالدرجات الترابية والرملية الذهبية المشرقة، إلى جانب درجات باستيلية أخرى.

فدرجات التراب والرمل والذهب، كما تؤكد عروض الأزياء، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال على الجسد، مما يُدخلها خانة السهل الممتنع. فتنسيقها مع ألوان أخرى، حتى وإن كانت صارخة، لا ينتقص من جمالها، كما يمكن اعتماد تدرّجاتها ضمن إطلالة موحدة من الرأس إلى أخمص القدم.

من اقتراحات دار «لورو بيانا» لربيع وصيف 2026 (لورو بيانا)

«برونيلو كوتشينيلي» و«زينيا» و«سان لوران» و«هوكرتي» هي الأخرى تفننت هذا الموسم في توظيف هذه الدرجات، مستهدفةً رجلاً أنيقاً يسعى للانطلاق والتحرُّر من أي قيود قد تحدّ من خياراته؛ فهدوء الألوان لم يقتصر على اللوحة البصرية فحسب، بل امتدّ إلى التصاميم أيضاً، حيث تم تنعيم الأكتاف والتخفيف من سماكة ووزن السترات، بالاستغناء أحياناً عن التبطين. وهكذا تكتسب في الصيف خفة تتنفس عبر خيوط الكتان والقطن، وفي الشتاء عمقاً ودفئاً، حين تُنسج بالصوف والكشمير.

بداية التسلل

من الصعب تحديد الموسم الذي اقتحمت فيه الألوان الترابية والحيادية خزانة الرجل، لأن الأمر لم يكن انقلاباً مفاجئاً، بقدر ما كان تسللاً تدريجياً. لكن يمكن تعقُبه إلى السبعينات، وتحديداً بعد فيلم «ذي أميركان جيغولو» الذي تألق فيه النجم ريتشارد غير بتصاميم الراحل من جيورجيو أرماني. كان هذا بداية التغيُّر الواضح. ولا يزال أرماني يُعدّ أكثر مصمم منح هذه الدرجات شعبيتها، وأدخلها خزانة الرجل لتُصبح مع الوقت منافساً قوياً للألوان التقليدية، مثل الكُحلي والرمادي والأسود والأزرق. هذا لا يعني أن هذه الدرجات اختفت تماماً؛ فقد كانت ولا تزال بالنسبة لدار «جيورجيو أرماني»، كما لشريحة كبيرة من الرجال، عنواناً للأناقة الجدية وترمز للانضباط في أماكن العمل والمناسبات المهمة.

من اقتراحات دار «سان لوران» لربيع وصيف 2026 (سان لوران)

كل ما في الأمر أن العالم الذي روَّج لتلك الألوان لم يعد قائماً بالكامل؛ فمنذ جائحة «كورونا»، تلاشت الحدود بين العمل والحياة، وبين الرسمي واليومي، وبدأت علاقة جديدة بين الرجل ومظهره تراجعت فيها الألوان القاتمة لصالح درجات الرملي والزيتوني والوردي المطفي والأصفر المستردي وما شابه من ألوان باستيلية وجدت صدى طيباً في أوساط الشباب من متابعي الموضة، لا سيما أن بيوت أزياء مهمة، مثل «سان لوران» و«جيورجيو أرماني» قدمتها بأشكال أنيقة وجذابة.

الألوان ترابية والقصات إيطالية

بيد أنها لدى بعض بيوت الأزياء تبدو أقوى من ناحية الاستمرارية والكثافة. مجموعات «لورو بيانا» أكبر دليل على هذا؛ إذ تبدو فيها هذه الدرجات أكثر حضوراً ومصداقية، كونها جزءاً من هوية الدار الإيطالية، تعود إليها في كل موسم على أساس أنها امتداد للطبيعة، كونها غالباً ما تكون مستمَدّة من الصوف غير المدبوغ، ومن الحجر والجدران والصنوبر والضوء.

أسلوب الطبقات والأقمشة المبتكرة كان لها حضور قوي في هذه التشكيلة إلى جانب الألوان الترابية والرملية(زينيا)

بيد أن سحر هذه الألوان مسّ معظم بيوت الأزياء التي تُعتبر وجهة الرجل الذي يتوخى أناقة تشي بالوجاهة والتفرد، مثل «زينيا». مجموعتها الأخيرة لربيع وصيف 2026 تتمتع ببُعد حيوي استُخدِمت فيه هذه الألوان كخيار جمالي وسردي لتحكي قصتها التاريخية مع الفخامة الهادئة من جهة، ومع تقنيات تطوير الأقمشة التي لا تتوقف عن البحث من جهة أخرى. في سعيها لمنح الرجل حرية وخفة، اعتمدت على تفكيك كل قطعة من تفاصيلها الكلاسيكية وإعادة صياغتها بأسلوب يجمع الكاجوال بالكلاسيكي؛ إذ خفّف مديرها الإبداعي، أليساندرو سارتوري، من سُمك ووزن الأقمشة، وجعل الخطوط أكثر انسيابية، كما جعل الأكتاف أقل صرامة تنسدل قليلاً عن الخط المرسوم لها تقليدياً، والجيوب واضحة وكبيرة. الجلود أيضاً اكتسبت خفة غير مسبوقة توازي خفة الحرير. أما الحرير فتجسَّد في بدلة متكاملة بوزن لا يتجاوز 300 غرام.

في دبي حيث عُرِضت هذه المجموعة، أكّد المصمم سارتوري أن هذه الألوان ليست جديدة على الدار أو وليدة موسم بعينه «بل شكَلت دائماً جزءاً أصيلاً من هويتها»، مستشهداً بتشكيلات سابقة. وأضاف أن الجديد في هذه المجموعة يكمن في التصاميم والتفاصيل التي أضفت عليها بُعداً أكثر تحرراً وانطلاقاً.

من مجموعة «برونيلو كوتشنيللي» ربيع وصيف 2026 (برونيلو كوتشينلي)

منتعشة صيفاً... دافئة شتاء

هذه الخفة، إلى جانب الخطوط الانسيابية والابتعاد عن التكلُّف، كانت أيضاً سمة من سمات مجموعة «برونيلو كوتشينلي»، كما يشير عنوانها: «ملامح الضوء». ركَّزت في تصاميمها على التباين والانسجام بين القطع، حيث جاءت سترات «بلايزر» بقصات أطول بقليل من المعتاد، والسراويل منسدلة بنعومة بفضل طيات خفيفة تحت منطقة الحزام. للمساء، اقترحت سترات بياقات تأخذ شكل شال، نسقتها مع كنزات دُمج فيها الحرير بالقطن. غني عن القول إن الألوان جاءت بدرجات ترابية تنبض بصمت. حتى درجات البرتقالي والمشمشي والأزرق الملكي والمرجاني اكتسبت هدوءاً مهيباً، في حضرة الأبيض والدرجات الحيادية الأخرى.

من تصاميم «هوكرتي»..يختار الرجل كل التفاصيل بنفسه من ألوان القماش إلى نوعية الأزرار وشكل الجيوب والياقات (هوكرتي)

لم تخرج علامة «هوكرتي» عن السرب، واعتمدت بدورها على الألوان الهادئة، مؤكدة أن ألوان الطبيعة لا تتعارض مع حياة الرجل في المدن الصاخبة. في مجموعتها الأخيرة، اختارت لها «إيرث أند باستيل» أي الأرض والباستيل، عنواناً، للدلالة على تلك العلاقة الحميمة بين الرجل عموماً والأرض.

ما تجدر الإشارة إليه أن «هوكرتي» ليست كباقي بيوت الأزياء التي تقترح في كل موسم ملابس جاهزة؛ فهي أقرب إلى خياطي «سافيل رو» اللندني، لكن بروح وأدوات عصرية وأسعار مقدور عليها؛ فكل قطعة تقترحها يمكن تفصيلها على المقاس، ولا يحتاج صاحبها سوى إلى إدخال معلومات بسيطة على موقعها الإلكتروني، واتباع تعليمات سهلة وبسيطة، تبدأ باختيار القماش ونوعية الأزرار وألوان الخيوط وعدد الجيوب وشكل الياقة وما شابه من تفاصيل، قبل إدخال مقاساته. وهكذا يتحكم صاحبها في كل غرزة وتفصيلة من دون أن يخرج من بيته. بعد أسبوعين أو ثلاثة، تصل إليه القطعة وقد فُصِّلت خصيصاً له على يد خياط بمهارة خياط من خياطي شارع النخبة، «سافيل رو».


سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
TT

سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)

اختُتمت فعاليات معرض كوزموبروف وورلدوايد بولونيا 2026، مؤكدة أن صناعة الجمال ستظل صامدة ومُشرقة حتى في أكلح أيام الركود. فالحاجة إلى طمأنة النفس والرفع من معنوياتها، تُصبح أكثر إلحاحاً في أوقات الانكماش الاقتصادي وعدم اليقين السياسي، بحيث قد لا تحتاج سوى لأحمر شفاه أو قصة شعر مختلفة. المصمم الراحل إيف سان لوران كان له أيضاً رأي في هذا الصدد حين قال: «أجمل ماكياج للمرأة هو الحب، لكن الحصول على مستحضرات تجميل أسهل بكثير».

حضور مكثف هذا العام في المعرض (كوزموبروف)

نسخة هذا العام من المعرض اجتهدت في ترسيخ هذا الأمر بوصفه حقيقة، بالأرقام والدلائل، التي أثبتت أن قطاع الجمال والتجميل، واحد من أكثر القطاعات ديناميكية في صناعة الترف. كل التوقعات تشير إلى أنه يشهد نمواً يُثلج الصدر على المستوى العالمي، من 635.2 مليار دولار في 2025 إلى 678.3 مليار دولار في 2026، على أن يصل إلى 826.1 مليار دولار بحلول 2029.

دور الشرق الأوسط

قطاع الجمال والتجميل أثبت صموده في وجه الأزمات (أستيري)

ولم تنس الفعالية أن تُبرز مكانة الشرق الأوسط باعتباره قوة دخلت هذه الصناعة بكل قوتها، وكيف أنه تجاوز دوره كونه سوقاً استهلاكية إلى منتج فعال. فهو يبرز حالياً بوصفه مركزاً يسهم في توجيه استراتيجيات التوزيع وتطوير المنتجات وصياغة توجهات المستهلكين على المستوى العالمي. هذا عدا عن ظهور علامات ناجحة لمؤسسات سعوديات مثل سارة الراشد، مؤسسة علامة «أستيري» ويارا النملة مؤسسة علامة «مون غلايز»، إضافة إلى مبدعات وسيدات أعمال أخريات مثل هدى قطان وشقيقتها منى قطان وغيرها من العلامات التي تخطت الحدود العربية للعالمية.

علامات سعودية مثل «أستيري» لمؤسستها سارة الراشد تُطوِر نفسها ومنتجاتها دون توقف (أستيري)

من هذا المنظور، ليس غريباً أن يُسجل المعرض هذا العام ارتفاعاً بنسبة 23 في المائة في مستويات الاهتمام من المنطقة، تجسّدت في مشاركة 33 جناحاً وطنياً، من بينها مشاركات جديدة تقودها المملكة العربية السعودية، في مؤشر يعكس مكانتها المتصاعدة ضمن مشهد الجمال العالمي.

هذا التنامي، جعل النقاشات في هذه الدورة، تُخصص حيِزاً كبيراً للأسواق الإقليمية عموماً، والشرق الأوسط خصوصاً، لتسليط الضوء على دورها في التأثير، وكيف ساهمت في تطوير علامات تجارية وتموضعها وتوسعها عالمياً.

هناك تزايد وإقبال كبير على مستحضرات العناية بالبشرة (أستيري)

منتجات العناية بالبشرة تتصدر المشهد العالمي باعتبارها أكبر فئة، مع توقعات بتجاوز 198 مليار دولار بحلول 2028، فيما تُعد العطور من أسرع الفئات نمواً بنسبة 9.2 في المائة بين 2025 و2026، تليها مستحضرات الماكياج بنسبة 6.8 في المائة، ومنتجات الوقاية من الشمس بنسبة 7.8 في المائة. كذلك يتوقع أن تتجاوز سوق العناية بالشعر 116 مليار دولار بحلول 2028 بمعدل نمو 6.6 في المائة، فيما ينمو قطاع العناية الرجالية بنسبة 7.1 في المائة.