برغسون: على العقل الإنساني أن ينتقل من الغلو في الغرور إلى الغلو في التواضع

جمع في فلسفته خليط المتغيرات التي أفرزتها الثورة العلمية في زمانه

برغسون: على العقل الإنساني أن ينتقل من الغلو في الغرور إلى الغلو في التواضع
TT

برغسون: على العقل الإنساني أن ينتقل من الغلو في الغرور إلى الغلو في التواضع

برغسون: على العقل الإنساني أن ينتقل من الغلو في الغرور إلى الغلو في التواضع

حينما نسمع اسم الفيلسوف «هنري برغسون»، نتذكر رجلا جند حياته ليكون ضد «النزعة المادية»، واستحواذ العلوم الفيزيائية ذات التوجه الميكانيكي، منذ القرن السابع عشر، على تصورات الإنسان الحديث. ونتذكر في الوقت نفسه، اشتغاله على إعادة الاعتبار للجوانب الروحية المفقودة، وإعلانه خيار «الحدس» باعتباره المعبر الحقيقي عن دفق الحياة وسيلانها، حيث جعل منه البديل عن التحليل والتفكيك العلمي المشوه للظواهر. فلنلق إذن نظرة على فلسفة هنري برغسون التي جمعت في داخلها كل خليط المتغيرات التي أفرزتها الثورة العلمية في زمانه.
كان برغسون، في نهاية القرن التاسع عشر ومستهل القرن العشرين، فيلسوف فرنسا «الرسمي» والمعبر عن هويتها وأصالتها. ولد في باريس عام 1859، وسيقضي نحبه فيها أيضا سنة 1941، درس بالمدرسة العليا للأساتذة، وحصل على شهادة التبريز في الفلسفة، ثم على الدكتوراه عام 1889، فعمل أستاذا للثانوي، لينصب أستاذا بـ«الكوليج دو فرانس». ثم جرى تعيينه، بعد ذلك، عضوا في الأكاديمية الفرنسية. كما حصل على جائزة نوبل للآداب عام 1928، له الكثير من الكتب المترجمة إلى العربية، نذكر منها: «بحث في المعطيات المباشرة للوعي»، و«التطور الخلاق»، و«الطاقة الروحية»، و«منبعا الأخلاق والدين». تميز أسلوبه بالشاعرية والبلاغة الأخاذة، حيث كان يسعى، دائما، إلى نقل أفكاره إلى القارئ بأقل تكلفة، مبعدا إياه، ما أمكن، عن المفاهيم المجردة والجامدة. وهو ما يتماشى مع أطروحته العامة القائلة بـ«الديمومة» ودفق الحياة.
* عجز العقل عن إدراك الحياة ككل
في كتاب هنري برغسون: «l' évolution créatrice «الذي ترجمه جميل صليبا (انظر الطبعة المشتركة من طرف مجموعة الروائع الإنسانية ببيروت - واليونيسكو بباريس سنة 1981)، واختار له عنوان «التطور المبدع»، نجد فكرة أساسية هي مدار الكتاب، مفادها أن العقل قد أعد من أجل ضمان اندماجنا مع بيئتنا تماما. بعبارة أخرى، يؤكد برغسون عبر كتابه، ولمرات كثيرة، أن عقلنا هو نتاج الاحتكاك بالمادة الصلبة، وهو لا ينتصر إلا معها، ولا يقدر أبدا على إدراك الحياة ككل. فهو أمر لم يتدرب عليه منذ نشوئه الأول. فالعقل لن يكون في وطنه الحقيقي، إلا مع المواد الجامدة. فهي أول من تفاعل وتكيف معها، منذ ظهور الإنسان في العصور البدائية. فمعها تشكلت الأطر والمقولات العقلية الأساسية التي نشتغل بها كإرث إلى حد الساعة. فمنطقنا ومفاهيمنا، هي، في الأصل، منطق ومفاهيم الأشياء الصلبة. فتعاملنا منذ وجودنا الأول، مع أدوات العمل واحتكاكنا بها، هو من حدد لنا ملامح وشكل عقلنا. لهذا فالعقل يحقق نتائج مبهرة في مجال المادة، لكنه يعجز عن إعطاء تصور واضح عن طبيعة الحياة الحقيقية. وكيف يمكنه ذلك وهو، بحسب برغسون، مجرد جزء منها وفيض تابع لها؟ فهو ليس سوى مظهر من مظاهرها.
يشبه برغسون العقل بحصاة حملتها موجة البحر، فإذا كان لا يمكن للحصاة أن ترسم ملامح الموجة، فبالمثل لا يمكن للعقل أن يرسم ملامح الحياة. فهو ليس إلا راسبا من الرواسب التي خلفتها حركة التطور خلال سيرها في طريقها. لهذا فهو غير مؤهل لإدراك تيار الحياة الذي أنجب العقل. فهو قاصر عن ذلك. ومن يقول العكس، كمن يقول بأن الجزء يساوي الكل.
يؤكد برغسون على أننا لسنا عقولا محضة في هذه الحياة، بل نحن عقول يحيط بها سديم غامض. فالحياة وهي تتطور، أنتجت لنا شعلة مضيئة هي العقل. لكن هذا العقل ملفوف بقوى غامضة لا يستطيع أن يكشفها بأدواته، لأنه، ببساطة، قد تشكل بإطارات صالحة للتعامل مع المواد الصلبة، وليس للتعبير عن مجمل الحياة، وإعطاء صورة واضحة عنها في كل ما فيها من تدفق وسيلان وديمومة. الأمر الذي دفع برغسون إلى الدعوة إلى ضرورة عدم الفصل، بين نظرية المعرفة ونظرية الحياة. فهما معا وبتضافر، يمكنهما إعطاء الصورة الكاملة للحياة.
إن العقل لا يصل بحسب برغسون، سوى إلى مظاهر الأشياء وسطحه، ولن يصل إلى عمقها أبدا. فهو حينما يشتغل في عالم المادة، يصول ويجول، ويشعر بالثقة الهائلة، بل يحقق نتائج مذهلة. لكن حينما يجرؤ على الذهاب أبعد من ذلك، ساعيا إلى استيعاب الحياة الباطنية، يتكدر صفوه ويفقد ثقته في ذاته، ويدخل في جو من عدم الراحة. لكن إذا كان العقل لا يقدر إلا على اقتحام العالم السطحي من الحياة، أي عالم الفينومين بتعبير كانط، وغير قادر على الغوص في عالم الباطن (النومين بتعبير كانط أيضا)، فهل يعني أن علينا التوقف عن فهم طبيعة الحياة، والاكتفاء بالنظرة الميكانيكية فقط، ونقلع عن العالم الباطني؟ يجيب برغسون، بأن الحياة لم تخلق عقولا هندسية فقط، بل طورت أيضا، دروبا شعورية أخرى. فماذا لو قربنا الشعور ومزجناه بالعقل؟ ألن نحصل على نظرة شاملة ولو سريعة الزوال؟ هنا تبدو لنا بوضوح، النزعة «الصوفية» عند فيلسوفنا برغسون.
إن العقل لا يدرك إلا الأشياء التي تدر عليه منفعة. لهذا فهو يشتغل بتحليل وتفكيك الظواهر للتحكم فيها. وهذا نابع من أصله المادي. إنه يقطع الأشياء إلى أجزاء لاستيعابها. لكن يقع في الزيف، حين يحاول أن يطبق المنهج نفسه على الحياة، التي تتسم بالديمومة والحركية والتتابع والاتصال، إذ لا يحصل سوى على صورة مشوهة ومزيفة. لهذا وجب، بحسب برغسون، اللجوء إلى الحدس، باعتباره تعاطفا واتصالا مباشرا بالعالم من دون تفتيت.
كان برغسون مؤمنا بالعلم. لكنه لم يكن يريد السقوط في عيوبه، وهي قتل الحياة وجعلها صماء عن طريق تقسيمه، وجعل اتصاله منفصلا. فقدر العلم هو تزييف الحقيقة، وعدم البلوغ إلى عمقها، الذي ما هو إلا تيار متدفق. فالعالم متصل الحلقات وليس مجزأ. فالتجزئة عمل صناعي، يقوم به العقل قصد السيطرة على الطبيعة السطحية. لكن لا ولن يصل، بحسب برغسون، إلى كنه العالم ومعناه.
إن العقل وهو يقوم بعمله يوظف عنده اللغة بوصفها أداته الرئيسة. لهذا فهي مثله عاجزة عن التعبير عن باطن الأشياء بأمانة كاملة. فمثلا، إذا أخذنا العالم الداخلي للإنسان، فإننا نجده يتميز بالحركية الدائبة، والسيلان غير المنقطع، والهيجان المستمر، والدينامية المتصلة. وعندما تأتي اللغة قصد إدراك هذا العالم، فإنها تشوهه وتفقده كل حركيته، لتجعل منه شيئا ساكنا وجامدا. فعندما أحاول مثلا، التعبير عن مكنوناتي، فسأكون مضطرا إلى فصلها بمنهج تحليلي، لأقول: أحاسيسي، أفكاري، عواطفي، نوازعي، انفعالاتي، أنا أحب أو أكره، أو أنا فرح أو أحزن. لكن الأصل، هو أن عالمي الداخلي وحدة كلية. فاللغة الخادمة للعقل، تجعل حياتي الباطنية، طبعا، مجرد لقطات خاطفة، على الرغم من أنها ليست كذلك في الحقيقة.
والأمر نفسه يقال عن الزمان. فاللغة تقتل تدفقه وتجمده، وتعزل عناصره عن بعضها البعض. فالماضي والحاضر والمستقبل هي، في الحقيقة، مكونات غير معزولة، وتتحرك بترابط واندماج شامل. إنها تيار دافق وجارف. لكن اللغة تحللها إلى أجزاء، وهو ما لا يعبر، طبعا، عن الحقيقة. لهذا نجد برغسون يقول: «الديمومة هي تقدم مستمر لماض يقضم المستقبل، ويتضخم بتقدمه إلى الأمام». بعبارة أخرى، لا وجود للحظة الراهنة إلا وهي منغمسة في الماضي. فالحاضر تدوس عليه ذكريات الماضي كجبل جليدي يتضخم، فيجعل اللحظة الموالية مختلفة تماما. وهو ما يفسر لنا إلحاح برغسون على فكرة تعذر الشعور بالحالة نفسها مرتين. فالماضي ليس ذكريات في درج معين، أو شيئا ندونه في سجل. طبعا لا. إنه تراكم تلقائي يشتغل بطريقة آلية، ويلاحقنا في كل لحظة، وينضم إلى الوعي الحاضر، ويزدحم عند بابه بكل ثقله، منجذبا إلى المستقبل الذي يقرض منه ويحتل حيزا على الدوام.
إن الحياة ليست ساكنة ومتجمدة ومنفصلة. بل هي متدفقة ومتحركة ومتصلة. أما حينما نقوم بفصل الحالات عن بعضها البعض، باستخدام العقل وأداته اللغة، فإننا وإن ربحنا الحقيقة السطحية، فنحن نخسر الحقيقة الباطنية.
نخلص إلى أن طموح الفيلسوف هنري برغسون، كان إعادة الاعتبار إلى الجوانب الروحية المغيبة، جراء انتشار النزعة الميكانيكية في العلم، وإبراز قصور العلم بنظرته التحليلية للعالم، وعدم قدرته على الوصول إلى حقيقة ديمومة الحياة، معلنا أن العقل الإنساني وجب أن ينتقل من الغلو في الغرور إلى الغلو في التواضع. وذلك لن يتأتى إلا إذا عمل جنبا إلى جنب مع الطاقات الروحية الخبيئة التي طريقها هو الحدس.



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.