اللغة العربية.. الضحية المزدوجة للدارجة والفرنسة

نقاش كان دائمًا مؤجلاً في المغرب

من أعمال الفنانة التشكيلية المغربية لالة السعيدي
من أعمال الفنانة التشكيلية المغربية لالة السعيدي
TT

اللغة العربية.. الضحية المزدوجة للدارجة والفرنسة

من أعمال الفنانة التشكيلية المغربية لالة السعيدي
من أعمال الفنانة التشكيلية المغربية لالة السعيدي

يتزايد النقاش في المغرب بشأن أوضاع اللغة العربية، ليتخذ أبعادًا غير مسبوقة على مستوى المسألة اللغوية، بشكل عام، خاصة بعد إصرار البعض، أخيرًا، على الدعوة لاعتماد الدارجة المغربية في التدريس، بشكل أضاف، برأي المدافعين عن العربية، إلى «تغول» الفرنسية «تشويش» التلهيج.
وتحولت المناظرة الشهيرة، التي جمعت، قبل ثلاث سنوات، بين عبد الله العروي، المفكر والمؤرخ والأستاذ المبرز في اللغة والحضارة العربية، ونور الدين عيوش، رجل الإشهار (الإعلان) ورئيس «مؤسسة زاكورة للتربية»، وأبرز الداعين لاعتماد الدارجة في التدريس، إلى لحظة أساسية في النقاش اللغوي بالمغرب، يتم استحضارها وتوظيفها، بشكل خاص، من طرف المنتقدين لدعوات «التلهيج»، والتي كان آخر فصولها إصدار «مؤسسة زاكورة للتربية»، قبل أيام، «قاموس الدارجة المغربية»، وذلك «من أجل جعل اللغة العربية المغربية حية ومستمرة»، على رأي الواقفين خلف الإصدار، الذي اعتبر محاولة، من بين أخرى، يرى عدد من المدافعين عن اللغة العربية، في المغرب، أنه تتحكم فيها «خلفيات سياسية وآيديولوجية» تسعى إلى «تغيير منظومة القيم المؤسسة للثقافة العربية الإسلامية»؛ لذلك ذهب البعض إلى وصف قاموس الدارجة بـ«المسخ اللساني»، الذي «يستحق التتويج بأسوأ إصدار في السنة»، نظرًا لـ«محتواه الصادم والتافه أحيانًا».
ويتحدث عدد من المهتمين بالمسألة اللغوية في المغرب، عن «فوضى عارمة تعيشها السياسة اللغوية»، مشددين على أن «النقاش حول اللغات في المغرب كان دائمًا مؤجلاً»، في وقت يرى فيه المدافعون عن العربية أن لغة الضاد «لا تطرح مشكلاً»، من جهة أن «المغرب لديه هوية عربية إسلامية أمازيغية»، علاوة على أنه «جزء من فضاء مغاربي وعربي، لا يمكن عزله عنه»، وأن التدريس بالدارجة يروم، كما قال العروي، في المناظرة الشهيرة، «تقويض الوحدة الوطنية»، وأن من شأنه أن يؤدي إلى «تقوقع البلاد» و«يفصل المغاربة عن ثقافتهم العليا ومحيطهم الثقافي العام»، مع إشارته إلى أن «الدارجة لا تستطيع أن تكون لغة ثقافة رفيعة متقدمة في مستوى اللغات الأجنبية»، ودعوته، في المقابل، إلى «عدم التفريط في اللغة العربية»؛ فيما شدد الدكتور فؤاد بوعلي، رئيس الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية بالمغرب، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، على أن لغة الضاد، التي اعتبرت، على الدوام، جزءًا من تكوين الإنسان المغربي، «تعيش وضعًا غير طبيعي في المجال التداولي المغربي»، مرجعًا ذلك إلى «عدد من الالتباسات التي كانت نتيجة تراكمات امتدت من زمن سابق على الاستقلال إلى يومنا هذا».
وتحدث بوعلي، في هذا السياق، عن عوامل ثقافية وسياسية واجتماعية تداخلت في تشكيل هذا الوضع، مما يستدعي، من وجهة نظره، «تدخل الدولة لضبط العلاقة القائمة بين اللسان والهوية بطريقة تعيد الاعتبار لأهمية هذين الركنين في تشكيل الوجود الفردي والجماعي للمواطن»، خاصة وأن «اللغة العربية، التي اعتبرت على الدوام جزءًا من تكوين الإنسان المغربي، والعربي عمومًا، ونصت جل الدساتير على رسميتها، ما زالت تعيش على هامش الأجرأة الفعلية لرسميتها في كل القطاعات من تعليم وإدارة وشأن عام، وخصوصًا في الإعلام»، مشددًا على أنه «يكفي أن نذكر بالإجراءات الجديدة من أجل التراجع على مكتسب التعريب في المدرسة المغربية، مما سيجعل العربية لغة متاحف ومنابر وليست لغة علم ومعارف».
وعن دور الإعلام في تقوية أو إضعاف اللغة العربية، وخصوصًا الإعلام المرئي، قال بوعلي: «لا يستطيع أحد أن ينكر الأثر البالغ لوسائل الإعلام على الفرد والمجتمع، فهناك ما يشبه الإجماع على أن في وسع وسائل الإعلام أن تنهض بالشعوب في مجال التعليم من أدنى الدرجات إلى أرفعها وأرقاها، وأن ترقى بلغاتها وتطورها بحيث تتمكن من التعبير عن الحاجات المعاصرة. لكن بدل أن تؤثر اللغة في الإعلام صارت خاضعة لسلطانه وتستسلم بطواعية لدفقه اللغوي وتدفقه المعلوماتي. بل غدا الأمر أكثر خطورة عندما يغدو الإعلام وسيلة لهدم العربية من خلال اعتماد اللغة الأجنبية أو التلهيج في التواصل والدبلجة وتهميش لغة الضاد بشكل ينبئ بوجود سياسة ممنهجة تروم القضاء على الهوية اللغوية للمتلقي. لكن في الجانب الآخر يمكننا الإشادة ببعض القنوات العربية التي مكنت المتلقي المغربي من اكتشاف مخزون لغة الضاد عبر استعمالها الدقيق في التواصل».
وبخصوص وسائل التواصل الاجتماعي، وإن كانت أسهمت في «إعادة» الشباب المغربي إلى لغته العربية، كما يرى البعض، أم أضعفها، شدد الخبير المغربي المتخصص في المسألة اللغوية في الوطن العربي، على أن «وسائل التواصل الجديدة طرحت إشكالاً مضاعفًا على لغة الضاد. حيث نقلت التواصل العامي من الشارع إلى الفضاء الرقمي بشكل لا يحترم قواعد اللغة ولا أبجدياتها، بعد أن فرضت مراسلات البريد الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي والمدونات والمواقع الإلكترونية، لغة مكتوبة جديدة غصت بالتعابير المستحدثة، وطالت استخداماتها الرسوم والصور والرموز والإشارات، مما أدى إلى ضعف اللغة العربية، وهيمنة اللهجات العامية، وأصبحت اللغة العربية عند كثير من الناس هي لغة الإعلام، والصحافة اليومية الهجينة».
وبخصوص دور المجامع العربية في الحفاظ على سلامة اللغة العربية، لاحظ بوعلي أن هذه المجامع، على الرغم من ريادتها العلمية والمعجمية، قد «همشت وغدت ندواتها منتديات للمطارحة الفكرية من دون تأثير على الواقع العملي»، مشددًا، في هذا السياق، على أن «الإشكال ليس في المؤسسات العلمية ولكن في القرار السياسي الذي تتحكم فيه نخب لا تستطيع الانتصار للغتها».
وجوابًا عن سؤال إن استوعبت اللغة العربية العلوم الحديثة، قال بوعلي إن «اللغة مرتبطة بتطور أبنائها»، وأن «اللغة كائن حي يعكس تطور أبناء المجتمع وتخلفهم»، ولذا فـ«العربية تعاني مما يعانيه المجتمع من مد وجزر. والمنجز في العلم والمعرفة كثير واستطاعت مجامع ومعاهد التعريب مواكبته من خلال قواميس ومعاجم متعددة اللغات. ففي أي مؤسسة بحثية من هذا القبيل ستجد معاجم للسياحة والتقنيات والإعلاميات وغيرها. لكن غياب التنزيل على الواقع العملي والاستفادة من هذه الكنوز يضيع فرصًا كبيرة للاستفادة من المخزون العلمي العربي».
ولاحظ بوعلي أن التجربة التراثية أثبتت أن «العربية قادرة على استيعاب العلوم والمعارف الكونية واللدنية، واخترقت بذلك الآفاق البعيدة». غير أنه استدرك قائلاً: «لكن نعود ونكرر: غياب الإرادة الحقيقية لدى الممسكين بالشأن العام للنهوض بلغة الضاد هو الذي يعرقل أي إثبات لقدراتها في الواقع العملي والعلمي».
وعن مستقبل بعض وجهات النظر التي تدعو إلى اعتماد الدارجة في التعليم، قال كاتب: «مقاربات في المسألة اللغوية بالمغرب»، المؤلَّف الذي يشدد فيه على أن «وجود المجتمع من خلال تمثلاته المؤسساتية لا يتم إلا من خلال أمنه اللغوي»، إن «اعتماد الدارجة في التعليم محاولة قديمة قدم الهجوم على اللغة العربية. وربما الذي لا ينتبه إليه أن الاهتمام بالعامية قد بدأ مبكرًا في الغرب الإسلامي بحكم التماس والاتصال بين المسلمين والمسيحيين على أرض الأندلس، وبحكم تنامي الرغبة لدى المنصرين في تنفيذ مشروع الاسترداد وتنصير المسلمين وإلحاقهم بالعالم المسيحي، لكن كل المحاولات باءت بالفشل، لأن أبسط أبجديات البحث اللساني تقتضي التمييز بين نسقين لسانيين: اللغة العالمة التي تقدم المعارف والعلوم، ولغة التواصل العامي، وبالتالي فإن أي إخلال بهندستهما الوظيفية يؤدي إلى خلل في بناء المعارف. لذا سنجد أن دهاقنة هذا الزعم بعيدون كل البعد عن البحث العلمي اللساني الرصين والمؤسس كما تحيل عليه لائحة المشاركين في الندوات المنظمة لهذا الغرض».
وختم بوعلي حديثه، بالتشديد على أنه لا يجد أساسًا علميًا، لطرح موضوع اعتماد الدارجة في التعليم والدفاع المستميت عنه، مشددًا على أن طرح هذا الموضوع «تتحكم فيه خلفيات سياسية وآيديولوجية في قلبها تغيير منظومة القيم المؤسسة للثقافة العربية الإسلامية».



الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري
TT

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

تنهض مقامات الحريري على نسقٍ سرديٍّ ثلاثيٍّ يتوزّع بين المؤلف الخارجي، والراوي الشاهد، والبطل المركزي؛ إذ يتولى القاسم بن علي الحريري (446هـ/1054م - 516هـ/1122م) بناء النص، ويؤدّي الحارث بن همّام وظيفة الراوي الشاهد، في حين يشغل أبو زيد السروجي موقع الشخصية المحورية التي تنتظم حولها المقامات.

صاغ الحريري 50 مقامة، أي 50 حكاية عن أبي زيد السروجي، ورسم لنا شخصية ساحرة ببلاغتها وتصرّفها في فنون الكلام، وساخرة من النخب والعوام، ومتهكّمة على المهن والمؤسسات، وهامزة هازئة بالتسلسل الهرمي الاجتماعي من مختلف الفئات.

شخصية متعدِّدة الأدوار والأطوار؛ متسلّقة اجتماعياً، ومخادعة مراوغة دهيّة ظريفة. تتفوّق على القاضي، وتقلّد الواعظ، وتتوسل المرأة العجوز لاستدرار شفقة الناس وعطفهم ورِفْدِهم.

لقد ركّزت الدراسات النقدية التي تناولت مقامات الحريري على المؤلف، بل ورأى بعض الدارسين أن شخصية المقامة هي شخصية المؤلف لا شخصية بطلها، في حين ركّزت دراسات أخرى على أبي زيد، فألّفت حوله الكتب والمقالات، بينما لم تحظ شخصية الحارث بن همام بعناية مماثلة، ولم يُلتفت إليها بدراسة مستقلة على الرغم من كونها تدخل في صلب الوقائع الحكائية المبثوثة في المقامات بحيث تمثّل نقطة التوازن بين السرد والتأمل، وبين الإعجاب والنقد، وبين الأخلاق والجمال.

وأول مظاهر الفروق في الاهتمام المنصبّ على أبي زيد دون الحارث بن همام، البحث في حقيقة أبي زيد هل هو شخصية حقيقية أم شخصية خيالية، حيث مالت نصوص النقد الأدبي القديم إلى الحديث عن الأصل الحقيقي لهذه الشخصية في حين أن النقد الأدبي المعاصر أنكر ذلك. أما الحارث بن همام فلم يبحث أحد عن حقيقته، بل تسالم الجميع على كونه ناطقاً باسم الحريري، مع العلم أنّ أبا زيد لا يعدو هذه المرتبة أيضاً.

لقد انصبّ الاهتمام فقط على سبب اختيار اسم الحارث، وفسّره ياقوت الحموي بأنّ الحريري عنى نفسه بهذا الاسم أخذاً من قوله صلى الله عليه وسلم: «كلكم حارث وكلكم همّام»، فالحارث الكاسب، والهمّام كثير الاهتمام بأموره، وكان بإمكان النقد الأدبي أن يستغل هذه الإشارة ليوضّح لنا كيف غدا الراوي حارثاً وهمّاماً في هذه المقامات؟ غير أنّه غفل عن طبيعة تكوين الحارث الذي لا يقلّ ثراءً وتعقيداً وبلاغةً عن أبي زيد، إذ لم يلحظ النّقاد أنّه ليس مجرد ناقل للأحداث، بل عين القارئ وضميره ووسيطه الجمالي والأخلاقي في آن واحد.

إنّه جوّاب آفاق، وهي صفة يشترك فيها مع أبي زيد، غير أنه يختلف معه في أسبابها، فأبو زيد له سبب واحد هو الكدية والحصول على المال، أما الحارث فهو يرحل سعياً للرزق مرة، وابتغاءً للمتعة واللهو مرة أخرى، وطلباً للعلم والمعرفة مرة ثالثة، وهو في كلّ رحلة من هذه الرحلات التي يطوّف فيها من بلد لآخر يلتقي بأبي زيد في مظهر مختلف، ويكتشف حيلة جديدة، فيسردها علينا ويقدمها لنا، وتتجاوز مهمته مجرد السرد، فيمهّد للمشهد، ويخلق الإطار الحكائي، لبطل يبدّل صوره وشخصياته، كما يبدّل المحموم وسائده.

تبدأ علاقة الحارث بأبي زيد في أول مقامة من لقاءٍ عابرٍ في صنعاء حين يرى واعظاً «يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه»، فيتتبّعه بعد انفضاض المجلس، ويراه يأوي إلى مغارة يأكل مع تلميذٍ فيها الحنيذ، ويشرب النبيذ، فيكتشف زيف هذا الواعظ، ويسأل التلميذ عن اسم شيخه فيجيبه: «هذا أبو زيد السروجي: سراج الغرباء وتاج الأدباء». من هنا تبدأ هذه العلاقة، ثم تتطور وتمرّ في عدة مراحل متداخلة: مرحلة الدهشة والانخداع في البدايات، إذ ينجذب الحارث إلى بلاغة أبي زيد بسهولة، ويقع في خداعه دون مقاومة، وتبدأ مرحلة الاكتشاف عندما يدرك نمط أبي زيد المتكرّر، ومرحلة التواطؤ، فقد بات يعرف حقيقته، لكنّه يستمر في المتابعة بدافع الإعجاب بل الافتتان، ومرحلة التوتّر الأخلاقي عندما يحاول التوفيق بين رفضه الأخلاقي ومتعة السرد، وأخيراً مرحلة النضج، إذ يصبح واعياً ببنية المقامة نفسها، ويدرك أنّه داخل لعبة أدبية، غير أنّ هذه المراحل لا تسير في خطٍّ تصاعدي واضح، فالمقامات في بنيتها تقوم على إعادة إنتاج موقف الخداع البلاغي في صور متعدِّدة، فتتكرّر الحيلة وتتنوّع الصيغ، دون أن يُبنى ذلك وفق نموٍّ تدريجيٍّ ثابت، فأبو زيد لا يظهر إلا في صورة جديدة، ولا يتكلم إلا بلسان مختلف، ولا يتحرك إلا داخل لعبة تمويهٍ واسعة. هنا يتحول الحارث من ضحيةٍ إلى شاهدٍ واعٍ، وإن ظلّ متورطاً عاطفياً وجمالياً، وبذلك يتّضح أنَّ وظيفة الحارث ليست محايدة. فهو يشارك في تشكيل المعنى ويعيش حالةً دائمةً من التذبذب بين الإعجاب والرفض. حين يسمع خطب أبي زيد المؤثرة، ينجذب إليه جماليّاً، لكنّه حين يكتشف الخديعة ينفر منه أخلاقيّاً. هذا التناقض هو جوهر شخصيته: مبدأ يرفض الكذب، وذائقة جمالية تنجذب إلى براعة الكذب، لذلك نراه أحياناً يوبّخ ضمنياً، وأحياناً يسوّغ، وأحياناً يكتفي بالمشاهدة. وإذا كان أبو زيد متلوّناً، متحوّلاً، مراوغاً، فإن الحارث ثابت نسبياً، ويمثّل نوعاً من «المرجع الأخلاقي»، وهذا التضاد مقصود فنياً: فأبو زيد يعبّر عن الحركة والخداع والتحوّل، والحارث يرمز إلى الثبات والملاحظة والتأمّل.

تتعمّق هذه العلاقة فتغدو نوعاً من الصحبة الفكرية. ينتقل الحارث من موقع المشاهدة إلى تتبّع أبي زيد عبر المدن، ويتحوّل هذا الترحال تدريجياً إلى مدخل لفهم الخداع نفسه: كيف يُبنى؟ كيف يُصدَّق؟ ولماذا ينجذب الناس إليه رغم إدراكهم أنه زيف؟

في بعض المقامات، يتحوّل الحارث من مجرد شاهد على ما يجري إلى دائرة الفعل، فيطلب أحياناً من أبي زيد أداءً بلاغيّاً معيّناً، أو يختبر قدرته على الإقناع، أو يغضّ الطرف عن بعض خداعه. ومع ذلك، لا يمكن وصفه بالمشارك الكامل، إذ يبدو كأنّه يقف في منطقة رمادية بين الحياد والتورّط، يستمتع بالمشهد على الرغم من إدراكه أنّه قائم على الخداع.

ومع تتابع التجربة، يبدأ الحارث في اكتساب وعي أعمق بطبيعة ما يراه؛ ويتحول من ضحيَّةٍ إلى مشارك ضمنيٍّ في إنتاج المتعة السردية. يتعلم كيف يتأرجح بين التصديق والتأويل، وبين الانخداع باللغة والوعي بآلياتها. وهكذا لا يصل إلى يقين نهائيّ، بل إلى وعيٍّ متوتّر يزداد تعقيداً مع كل مقامة، حتى يصبح جزءاً من إنتاج المتعة السردية نفسها، لا مجرد شاهد عليها.

في المقامة الأخيرة، يحدث التحول الأهم: يقرّر أبو زيد التوبة وترك الحيل، ويتجه إلى العبادة والوعظ. هنا ينقلب موقف الحارث بشكل مفاجئ. بدلاً من الفرح، يشعر بخيبة أمل. فالتوبة، رغم قيمتها الأخلاقية، تعني نهاية اللعبة التي كانت تغذي فضوله ومتعة المراقبة لديه، ويبدو أنّ الحارث كان يظن أنه يبحث عن الحقيقة الأخلاقية، لكنّه يكتشف أنّه كان يستمتع بالبنية الجمالية للخداع أكثر من اهتمامه بالحقيقة نفسها.

في المشهد الأخير يحدثنا الحارث عن آخر ما دار بينهما من حوار، إذ يدنو منه «كما يدنو المصافح، وقلت: أوصني أيها الناصح. فقال: اجعل الموت نصب عينك، وهذا فراق بيني وبينك، فودّعته وعبراتي يتحدّرن من المآقي، وزفراتي يتصعّدن من التراقي، وكانت هذه خاتمة التلاقي». 

 

 


«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية
TT

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

لم يكن غريباً أن تفوز رواية «مخبز السعادة» للكاتبة هيلين هولمستروم بجائزة «أفضل كتاب رومانسي» في السويد، حيث تقوم حبكتها الرئيسية على قصة حب غير متوقعة بين طرفين، بدأ كل شيء بينهما بالنفور قبل أن يتحول إلى مشاعر مشتعلة في سردية تميزت باستبطان الانفعالات الداخلية للمرأة على نحو لافت.

صدرت الرواية أخيراً عن دار «العربي» بالقاهرة، ترجمة نهى مصطفى، وفيها تجد الشخصية الرئيسية «نورا يانسون» نفسها مضطرة لاتخاذ خطوة يائسة لإنقاذ مخبز والديها من الإفلاس فتضطر لقبول المشاركة في برنامج تلفزيوني واقعي، الذي من خلاله يدخل إلى حياتها الشيف الشهير «هنريك إكلوند» ببروده المهني وانتقاداته القاسية.

وبين رائحة الخبز الدافئ وأمسيات الشتاء الطويلة تبدأ المسافة بينهما في التلاشي ويتحول الصدام إلى انجذاب غير متوقع، لكن مع تزايد الضغوط بين ما تفرضه الكاميرا وما يمليه القلب تدرك «نورا» أن المعركة الحقيقية ليست من أجل إنقاذ المخبز فقط، بل من أجل استعادة ثقتها بنفسها وفتح قلبها من جديد، عبر نص ينبض بالدفء، ويحتفي بحرارة البدايات ويبرز قوة الشغف الذي قد يولد في أكثر اللحظات غير المتوقعة.

وُلدت هيلين هولمستروم عام 1984 في السويد وتخرجت في كلية الحقوق وعملت محامية لبعض الوقت لكن شغفها بالكتابة دفعها لترك مهنة المحاماة والتفرغ لكتابة الروايات، حيث صدر أول أعمالها عام 2018 تحت عنوان «العمل بعد الساعات الرسمية»، كما اشتُهرت بكتابة نصوص عاطفية ذات حبكات مشوقة وشخصيات نسائية مثيرة للاهتمام.

ومن أجواء الرواية نقرأ: «وصل هنريك بالقطار في المساء نفسه، كان الثلج يتساقط وبدا المكان أشبه بعالم من الخيال، حاول الاتصال بـ(نورا) ليخبرها أنه في طريقه إليها، لكنها لم تجب بالتأكيد. توجه مباشرة من المحطة إلى شقتها، حيث كان مخبز الحلويات قد أغلق أبوابه في وقت مبكر جداً والباب المؤدي إلى شقتها مغلقاً. حاول الاتصال برقمها مرة أخرى لكنه تحول مباشرة إلى البريد الصوتي.

تنهد وقرر أن يتنزه قليلاً ثم يحاول مرة أخرى، عندما عاد رأي أن نوافذ الشقة مظلمة، نظر حوله وقرر أنه لا خيار أمامه. انحنى وجمع بعض الثلج وشكّل كرة ثلج كبيرة... تراجع بضع خطوات إلى الوراء وصوّب نحو النافذة، أصاب الهدف بلا رد فعل. رمى كرة ثلج أخرى ثم أخرى ثم اثنتين أخريين. فجأة أضيئت الأنوار اقتربت نورا من النافذة ونظرت إليه هزت رأسها واختفت. رن تليفونه برسالة نصية: أنا نائمة لا أريد التحدث الآن ربما غداً. هاتان الكلمتان الأخيرتان جعلتا قلبه ينبض بقوة (ربما غداً)، كانتا الموعد. استيقظت نورا على صوت المنبه. لم تنم نوماً هانئاً بسبب مكالمات هنريك المتكررة ثم ارتطام كرات الثلج بنافذتها، الآن باتت مدينة له بقلب مكسور وإهانة علنية وليلة نوم مضطربة، لكن هناك شيئاً ما في تلك الكرات الثلجية كما لو أنهما بطلا فيلم رومانسي والأفلام الرومانسية لها دائماً نهاية سعيدة.

فكرت أنه ما كان ينبغي أن يكون الأمر هكذا، لم يكن عليها أن تشعر بالغضب أو الألم أو الخذلان، ربما يستحق هنريك فرصة لتبرير موقفه. نهضت من سريرها، شغلت آلة القهوة. كان الأمر معقداً لكليهما والآن ها هو قد جاء إلى هنا يرمى كرات الثلج على نافذتها ومن الواضح أنه مستعد للقتال من أجلها».


احتفاء سوري بالبحتري في مدينته منبج

ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
TT

احتفاء سوري بالبحتري في مدينته منبج

ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)

أعلنت وزارة الثقافة أن المركز الثقافي في مدينة منبج بريف حلب سيشهد انطلاق فعاليات «مهرجان البحتري 2026» في 20 و21 مايو (أيار) الحالي، بمشاركة نخبة من الشعراء والباحثين والمثقفين السوريين.

ويتضمن المهرجان برنامجاً ثقافياً متنوعاً يضم أمسيات شعرية ومحاضرات فكرية وفقرات إنشادية، في إطار احتفاء يجمع بين الأصالة الأدبية والحضور الثقافي المعاصر، حسب ما أوردته وزارة الثقافة عبر معرفاتها.

وتسعى الفعاليات إلى إحياء الموروث الشعري وتعزيز الحراك الثقافي، عبر تقديم أعمال أدبية وفكرية تبرز مكانة الشعر العربي ودوره في بناء الوعي الثقافي والجمالي.

ويشهد المهرجان مشاركة عدد من الشعراء والباحثين الذين يقدمون قراءات نقدية وأدبية، إلى جانب فقرات إنشادية تستحضر جماليات اللغة وروح التراث العربي.

ويأتي تنظيم «مهرجان البحتري» ضمن سلسلة الفعاليات الثقافية التي تعمل وزارة الثقافة على إطلاقها؛ بهدف تنشيط المشهد الأدبي والفني في مختلف المحافظات.

وكانت الوزارة قد أطلقت أواخر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي مهرجان «أيام البُردة الدولي» في دار الأوبرا بدمشق، بمشاركة واسعة من شعراء ومثقفين عرب وسوريين.

وهدف مهرجان «أيام البُردة الدولي» إلى تعزيز التواصل الثقافي والاحتفاء بالتراث الأدبي، عبر برنامج جمع الشعر والفكر والفن في فضاء ثقافي متنوع.

وشارك في المهرجان شعراء من فلسطين، والعراق، والأردن، والبحرين، والسعودية، والكويت، وتونس، وليبيا وسلطنة عمان، إلى جانب نخبة من الشعراء السوريين.

وتوزعت فعاليات «أيام البُردة الدولي» بين دمشق، وحمص، واللاذقية وحلب، في ظاهرة ثقافية احتفت بالشعر العربي ومديح الرسول الكريم ضمن أجواء فكرية وفنية متنوعة.