أنقرة تحدد هوية منفذ هجوم «رينا» وتضبط هاتفه

القبض على 40 مشتبهًا بهم والفاعل لا يزال طليقاً

أتراك يترحمون على أرواح ضحايا الاعتداء الإرهابي على «رينا» في إسطنبول (أ.ف.ب)
أتراك يترحمون على أرواح ضحايا الاعتداء الإرهابي على «رينا» في إسطنبول (أ.ف.ب)
TT

أنقرة تحدد هوية منفذ هجوم «رينا» وتضبط هاتفه

أتراك يترحمون على أرواح ضحايا الاعتداء الإرهابي على «رينا» في إسطنبول (أ.ف.ب)
أتراك يترحمون على أرواح ضحايا الاعتداء الإرهابي على «رينا» في إسطنبول (أ.ف.ب)

وسّعت سلطات الأمن التركية حملتها الأمنية في إطار التحقيقات الجارية في الهجوم المسلح على نادي «رينا» في إسطنبول، الذي أوقع 39 قتيلا و65 مصابا، غالبيتهم من العرب والأجانب خلال الساعات الأولى من العام الجديد. وفيما أعلن وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو تحديد هوية منفذ الهجوم، أوقفت قوات الأمن في إزمير (شمال غربي تركيا) 40 شخصا، بينهم 20 طفلا و11 امرأة لصلتهم المحتملة بمنفذ الهجوم. في حين ذكرت وسائل إعلام قريبة من الحكومة أن سلطات الأمن وأجهزة الاستخبارات تُطارد «آسيويا جديدا» لم يُعرف عنه سوى كنيته، ويدعى «أبو محمد الخراساني». كما أجمعت هذه المصادر الصحافية على أن الإرهابي يتحرك بحرية استنادًا إلى دعم قوي من شبكة مرتبطة بتنظيم داعش.
وبحسب مصادر أمنية تركية، فإن معظم من ألقي القبض عليهم أتوا من تركستان الشرقية (إقليم تشينجيانج في الصين) وقيرغيزستان، فيما تحدثت وسائل إعلام عن عدد من السوريين بين الموقوفين، ولم تصدر تأكيدات بذلك من الأمن التركي.
وذكرت وكالة «دوغان» التركية للأنباء أن الشرطة كانت أوقفت صباح أمس الأربعاء 27 شخصا في حي بوجا في إزمير، وهم ثلاث عائلات انتقلوا إلى الحي منذ 15 يوما قادمين من قونية في وسط تركيا، لافتة إلى أن قوات الأمن داهمت كثيرا من العناوين في قونية لكنها لم تعثر عليهم. وأظهرت لقطات مصورة بعض المقبوض عليهم وهم يخرجون من مبنى سكني برفقة رجال الشرطة وينقلون إلى سيارات. وكانت مصادر التحقيقات ذكرت أن المنفذ المحتمل لهجوم رأس السنة كان يقيم في قونية منذ 22 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي وانتقل إلى إسطنبول قبل الهجوم. وجاءت هذه الاعتقالات عقب توقيف عشرات المشتبه بهم الثلاثاء، بينهم أجنبيان قبض عليهما في مطار أتاتورك الدولي في إسطنبول.
وقال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو في لقاء مع وكالة أنباء «الأناضول»، أمس، إنه تم التأكد من هوية الإرهابي منفذ الهجوم على النادي في إسطنبول، أثناء الاحتفال باستقبال العام الجديد.
لكن لم تكشف السلطات حتى الآن عن اسم منفذ هجوم رأس السنة والذي لا يزال هاربا لم يتم القبض عليه. وبعد تأكيد جاويش أوغلو أن السلطات تعرفت تمامًا على هوية الإرهابي الهارب، ذكرت صحيفة «يني شفق» القريبة من الحكومة التركية أن سلطات الأمن وأجهزة الاستخبارات تُطارد «آسيويًا جديدًا» لم يُعرف عنه سوى كنيته، وهي «أبو محمد الخراساني»، وتعتقد أنه الشخص الذي نفذ الهجوم على نادي «رينا».
وقالت الصحيفة إن المشتبه به استقر مع زوجته وولديه في إسطنبول قبل أن يُرسل عائلته إلى منطقة قونية التركية لإبعادها عن الهجوم، مستفيدًا من شبكة كبيرة من داعمي «داعش» والإرهاب في تركيا، لتأمين تنقلاته وتحركاته.
أما صحيفة «حرييت»، فقالت إن منفذ الهجوم الإرهابي، الذي تبناه تنظيم داعش الاثنين، يتحرك بحرية مدعومًا بشبكة ترتبط بزعيم «داعش» في تركيا، يوسف هوجا، أحد أكبر منظري التيارات الإرهابية في تركيا شهرة وتأثيرًا. وأفادت «يني شفق» أن السلطات التركية قطعت خطوات جديدة على طريق التضييق على المطلوب واعتقاله، ذلك أن القاتل الذي تنقل على متن سيارة أجرة إلى النادي، محملاً بكيسين، أخفى سلاحه في الأول ووضع بعض أغراضه الشخصية في الثاني، ونسي أو فقد كيسه الثاني الذي وضعت الشرطة يدها عليه، وعثرت داخله على بعض الوثائق وعلى هاتفه الجوال. وكانت صحيفة «حرييت» ذكرت أن منفذ الاعتداء يتحدر من إحدى دول آسيا الوسطى.
وتعتقد السلطات التركية أن المهاجم كان مقاتلا في صفوف تنظيم داعش في سوريا، حيث تدرب بشكل جيد على استخدام السلاح، كما نقلت وسائل الإعلام التركية. ويعتبر المحققون أن المهاجم قد يكون مرتبطا بالخلية التي سبق أن نفذت ثلاثة اعتداءات انتحارية متزامنة في يونيو (حزيران) الماضي في مطار أتاتورك بإسطنبول، مما أدى إلى مقتل 47 شخصا، في هجوم نسب إلى تنظيم داعش، بحسب ما نقلت «حرييت».
في السياق ذاته، قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أمس إن «ربط الاختلافات في أنماط الحياة بالهجوم الذي استهدف النادي في إسطنبول هو محاولة متعمدة لشق صف الشعب التركي»، وأن الدولة لم تتدخل أبدا في الطريقة التي يعيش بها الناس.
وأضاف إردوغان أمام اجتماع لعمد القرى والأحياء بالقصر الرئاسي في أنقرة أنه «لا معنى لمحاولة تحميل الاختلافات في أنماط الحياة مسؤولية هجوم أورتاكوي. لا يخضع نمط حياة أي فرد لتهديد ممنهج في تركيا. لن نسمح بذلك أبدا».
وكانت هيئة الشؤون الدينية التركية خصصت خطبة الجمعة في 30 ديسمبر (كانون الأول)، لاحتفالات رأس السنة واعتبرت أنها لا تتوافق مع القيم الإسلامية، وهو ما أثار انتقادات من بعض قطاعات المجتمع التركي. لكن رئيس الهيئة، محمد جورماز، أدان الهجوم مؤكدا أن الإرهاب ملعون بكل أشكاله وأيا كان المكان الذي يستهدفه.
في سياق متصل، أعلن وزير الداخلية التركي سليمان صويلو في جلسة للبرلمان التركي أن بلاده أحبطت 339 هجوما للتنظيمات الإرهابية في تركيا خلال عام 2016. وفصل أنه تم إحباط 339 عملية إرهابية: «من بينها 313 عملية لمسلحين أكراد و22 لـ(داعش)، و4 لمنظمات يسارية متطرفة، وتم ضبط 247 قنبلة، و61 سيارة مفخخة، و23 انتحاريا مشتبها بهم، كما تم القبض على 42 إرهابيا». كما لفت إلى أنه تم إحباط 80 عملية كبيرة خلال الأشهر الثلاثة الماضية، وأن نسبة الانضمام إلى حزب العمال الكردستاني الذي سبق أن أعلن مسؤوليته عن كثير من الهجمات انخفضت من 3 آلاف و572 شخصا في 2015 إلى 559 شخصا في 2016.
وشدد صويلو على مواصلة العمليات ضد عناصر «داعش» الذين يسعون لزعزعة استقرار البلاد. وفيما يتعلق بالمقاتلين الأجانب، أوضح الوزير التركي أنه «تم حظر دخول 52 ألفا و72 شخصا ينحدرون من 145 دولة إلى تركيا، كما تم رحيل 4 آلاف و19 شخصا من 98 دولة مختلفة».
إلى ذلك، وافق البرلمان التركي، ليل الثلاثاء - الأربعاء، على تمديد حالة الطوارئ في البلاد لثلاثة أشهر إضافية اعتبارا من التاسع عشر من شهر يناير (كانون الثاني) الحالي.
وكانت رئاسة البرلمان التركي تسلمت مذكرة من الحكومة الثلاثاء تتضمن طلب مجلس الوزراء تمديد حالة الطوارئ في البلاد ثلاثة أشهر إضافية، وهو التمديد الثاني لحالة الطوارئ التي أعلنت في العشرين من يوليو (تموز) الماضي عقب محاولة انقلابية فاشلة من جانب عناصر في الجيش التركي في منتصف يوليو.
وكان البرلمان وافق على مذكرة مجلس الوزراء، بتمديد حالة الطوارئ ثلاثة أشهر إضافية، اعتبارًا من التاسع عشر من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended