بينما كانت موسكو تسعى لمواجهة تداعيات العقوبات الاقتصادية الغربية التي فرضت عليها نتيجة ضمها جزيرة القرم، ومواجهتها مع أوكرانيا، كان برميل النفط يواصل هبوطه في الأسواق حتى بلغ 27 دولارًا في يناير (كانون الثاني) الماضي، الأمر الذي زاد من الضغوط على الميزانية الروسية خلال العام الماضي.
ويمكن القول إن استقرار مؤشرات الميزانية لعام 2016، شكل تحديًا قاسيًا، واجهته روسيا منذ صدور «القانون الفيدرالي لميزانية 2016» رسميا، وذلك يوم الرابع عشر من ديسمبر (كانون الأول) 2015، أي اليوم ذاته الذي تراجع فيه سعر مزيج برنت في الأسواق العالمية حتى 37.62 دولار للبرميل، وهو أدنى مستوى له منذ عام 2008، وبالمقابل تهاوى سعر صرف الروبل الروسي مسجلا في ذلك اليوم 70.88 روبل مقابل الدولار، و77.84 روبل لكل يورو.
وجرت العادة أن تضع الحكومة الروسية ميزانية البلاد لثلاث سنوات، إلا أن الظروف القاسية التي مر بها الاقتصاد الروسي منذ عام 2014 ودخول أسعار النفط مرحلة الهبوط الكارثي، فضلا عن تشديد الغرب عقوباته على روسيا من عام لآخر، دفعت الحكومة إلى وضع ميزانية عام 2016 (لعام واحد).
واعتمدت الحكومة في صياغة الميزانية على توقعات بأن يكون سعر النفط نوع «أورالس» 50 دولارًا للبرميل، وأن يكون متوسط سعر الصرف مستقرًا عند 63.3 روبل للدولار، وأن يحقق الناتج المحلي الإجمالي نموا بنسبة 0.7 في المائة، وألا يتجاوز التضخم معدل 6.4 في المائة.
وبناء عليه حددت دخل الميزانية بنحو 13.7 تريليون روبل، بينما قدرت الإنفاق بنحو 16 تريليونا، مع عجز 2.3 تريليون روبل (3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي)، على أن يتم استخدام مدخرات صندوق الاحتياطي لتغطية ذلك العجز. وكان لافتا حصول الإنفاق العسكري للدفاع والأمن على 19.6 في المائة من إجمالي إنفاق الميزانية، أو ما يزيد عن 3 تريليون روبل.
إلا أن تلك المعطيات التي وضعت على أساسها الميزانية سرعان ما تغيرت نظرا لتراجع أسعار النفط بصورة ملحوظة، إذ تشكل عائدات النفط والغاز المصدر الرئيسي لدخل الميزانية الروسية. وبالنسبة لعام 2016 بصورة خاصة، فقد أشارت التوقعات إلى أن الضريبة والرسوم على إنتاج النفط ستؤمّن للميزانية ما يزيد عن 3.6 تريليون روبل، فضلا عن 2.4 تريليون رسوم صادرات المنتجات النفطية والغازية. إلا أن كل التوقعات بالنسبة للدخل والإنفاق لم تتحقق، وهو ما اضطر الحكومة الروسية بعد أقل من شهر على تبني الميزانية إلى الحديث عن ضرورة إدخال تعديلات على تلك الميزانية.
وكان سعر الخام من نوع «أورالس» قد هبط يوم الثاني عشر من يناير 2016 حتى 27.25 دولار للبرميل، بينما هبط الروبل الروسي في ذلك اليوم هبوطا قياسيا وبلغ مستوى 75 روبلا مقابل الدولار حسب سعر صرف البنك المركزي الروسي، في ذلك اليوم نقلت وسائل إعلام روسية عن مسؤول فيدرالي قوله إن وزارة المالية الروسية قد تدخل تعديلات على الميزانية نظرا لهبوط أسعار النفط، لافتا إلى أنه بحال استمر هذا الوضع السلبي في أسواق النفط العالمية، فإن النفقات في ميزانية عام 2016 قد يتم تقليصها بنسبة 10 في المائة.
هكذا باشرت الحكومة الروسية بحث إدخال تعديلات على ميزانية عام 2016 منذ بداية ذلك العام، وكان التركيز بصورة رئيسية على تحديد السعر المتوقع لبرميل النفط الذي سيتم على أساسه صياغة تلك التعديلات.
شكلت خطة «الخصخصة الكبرى» حاجة ملحة للميزانية الروسية، ذلك أن عدم اتخاذ تدابير «مؤلمة وسريعة» لإنقاذ الميزانية، كان يهدد بغرق روسيا في حالة أكثر تعقيدا من مجرد أزمة اقتصادية.
ولعل المشاركة الفعالة والمباشرة من جانب الرئيس الروسي بوضع خطة «الخصخصة الكبرى»، تكشف بوضوح أهمية تلك الخطوة بالنسبة للاقتصاد الروسي بشكل عام وللميزانية بشكل خاص. وتشمل الخطة المعروفة باسم «الخصخصة الكبرى» طرح أسهم عدد من الشركات الروسية في السوق وعلى المستثمرين، بما في ذلك شركات يحمل بعضها صفة «شركة استراتيجية» لا يسمح بمشاركة رؤوس أموال أجنبية فيها، مثل «باش نفط» و«روس نفط»، والهدف من الخطة هو تأمين قرابة 1.1 تريليون روبل روسي لتأمين نفقات الميزانية وتغطية العجز فيها والحيلولة دون زيادة ذلك العجز.
وكانت البداية في مطلع يوليو (تموز) حين طرحت الحكومة 10.9 في المائة من أسهم شركة الألماس الروسية الكبرى «ألروسا» للاكتتاب في بورصة موسكو، وأكد أليكسي أوليوكايف وزير التنمية الاقتصادية أن «المبلغ الذي تم الحصول عليه نتيجة عملية طرح تلك الحصة من الأسهم في السوق قد تجاوز التوقعات، وبلغ 52.2 مليار روبل روسي»، موضحًا أن «هذه الأموال سيتم تخصيصها للاستخدام في إطار النفقات العامة في الميزانية».
كما تم بيع 19.5 في المائة من أسهم شركة «روس نفط» لكل من مجموعة «جلينكور» السويسرية والصندوق السيادي القطري مناصفة بمبلغ 10.5 مليار يورو. ووصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين صفقة بيع أسهم «روس نفط» بأنها الأضخم في تاريخ روسيا في مجال النفط والغاز.
من جهته أكد أنطون سيلوانوف، وزير المالية الروسي، أن الميزانية حصلت، نتيجة تلك الصفقة، على 703.5 مليار روبل، مما يساعد على تمويل النفقات المقررة في 2016 دون زيادة حجم العجز في الميزانية، علما بأن العجز في الميزانية قد بلغ في شهر ديسمبر 3.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وفق ما أكد سيلوانوف، مضيفا أن «دخل عمليات الخصخصة كلها بلغ 1.1 تريليون روبل، سيوفر إمكانية للحكومة كي تقلص استهلاكها لمدخرات صندوق الاحتياطي، ومن اعتمادها على الاقتراض من السوق المالية»، وتجاوز إنفاق الحكومة خلال عام من صندوق الاحتياطي 1.8 تريليون روبل.
الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الروسية لم تكن كافية لتجاوز الأزمة الاقتصادية، ولما كانت تقلبات أسعار النفط في السوق العالمية سببا رئيسيا لتلك الأزمة، جاءت العقوبات الغربية لتشكل عنصرا سلبيا إضافيا، عمّق تلك الأزمة.
وقد حاولت روسيا البحث عن صيغة ما لاستقرار السوق العالمية، وانخرطت بنشاط في محادثات «أوبك» والدول من خارج المنظمة حول تجميد حصص الإنتاج، ومن ثم حول تقليص الحصص. وبعد محادثات مطولة ومعقدة استمرت عدة أشهر، أعلنت منظمة «أوبك» ومجموعة من الدول المنتجة للنفط غير الأعضاء في المنظمة عن التوصل لاتفاق على تقليص الإنتاج يوميا بقدر مليون وثمانمائة ألف برميل، الأمر الذي ظهرت نتائجه بسرعة على الاقتصاد الروسي، وبرز ذلك بصورة خاصة في الانتعاش السريع لسعر صرف العملة الروسية مقابل الدولار، وارتفعت خلال أسبوع واحد من 65 روبلا مقابل كل دولار إلى 60 روبلا تقريبا مقابل الدولار الأميركي.
وفي تصريحات له حول اتفاق تقليص حصص الإنتاج، أكد وزير الطاقة الروسي، ألكسندر نوفاك، أن موسكو والرياض لعبتا دورا رئيسيا في هذا الشأن. وقال نوفاك إن «الدور الرئيسي في تحقيق هذه النتيجة يرجع إلى قيادة بلادنا. هذا بطبيعة الحال، أولا وقبل كل شيء، لرئيس الاتحاد الروسي فلاديمير بوتين، الذي دعم بفعالية كل مبادراتنا خلال المباحثات، وكذلك الأمير محمد بن سلمان، خلال زيارته إلى موسكو، ما منحنا حافزا إضافيا لنعمل في هذا الاتجاه»، لافتا إلى أن علاقات الثقة بين روسيا والمملكة العربية السعودية هي ما سمحت لموسكو بالموافقة على تخفيض إنتاج النفط بدلا من تجميده، كما كان متوقعا في وقت سابق، مشيرا إلى أنه مع تولي خالد الفالح منصب وزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية في السعودية، ظهرت هناك فرص جديدة لتطوير التعاون بين روسيا والسعودية.
على الرغم من التوقعات بأن يكون للتطورات التي شهدها شهر ديسمبر، وبصورة خاصة الاتفاق النفطي، أثر إيجابي على الاقتصاد الروسي، فإن العام انتهى قبل أن تظهر تلك الآثار، لتبقى أزمة ميزانية 2016، وفق ما تشير إليه معطيات الميزانية بعد جملة تعديلات أدخلتها الحكومة بما يتناسب مع الوضع الراهن.
وحسب تلك التعديلات التي صادق عليها البرلمان الروسي في قراءة ثالثة يوم التاسع من نوفمبر (تشرين الثاني)، بلغ العجز في الميزانية الروسية 3.7 في المائة، أي بزيادة 0.7 في المائة مما كان مقررًا في النسخة الأولية من الميزانية.
وزاد الإنفاق بقدر 304 مليارات روبل ليصل حتى 16.403 تريليون روبل، بينما تراجع الدخل (مقارنة بالنسخة الأولية من الميزانية) بنحو 370 مليار روبل وبلغ 13.369 تريليون روبل. وتعتمد النسخة المعدلة من الميزانية سعر 41 دولارا لكل برميل نفط (عوضا عن 50)، بينما يسجل مؤشر التضخم تراجعا من 6.4 في المائة في النسخة السابقة حتى 5.8 في المائة وفق التعديلات الأخيرة.
ويبدو أن الحكومة الروسية تعلق حاليا الآمال على الاتفاق النفطي بصورة خاصة، للخروج من أزمة الميزانية للسنوات المقبلة، وتجلى هذا الأمر بوضوح في ميزانية عام 2017، ضمن مشروع الميزانية لسنوات 2017 حتى 2019.
روسيا تعول على ارتفاع سعر النفط في 2017 لتحسين اقتصادها
الحكومة تضطر لاستهلاك مدخرات صندوق الاحتياطي لتلبية نفقات الميزانية الجديدة
أثرت تراجعات أسعار النفط على بنود الموازنة الروسية بشكل ملحوظ في 2016 (رويترز)
روسيا تعول على ارتفاع سعر النفط في 2017 لتحسين اقتصادها
أثرت تراجعات أسعار النفط على بنود الموازنة الروسية بشكل ملحوظ في 2016 (رويترز)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة


