عامٌ سريع التغيرات حمل مشاهد تحولات كثيرة على الأرض في عموم المشرق العربي استدعى وما زال جهدًا كبيرًا لتأمين المسيرة وجمع الكلمة والصف لما فيه من مصالح الدول كافة، وتحقيق السلام في الإقليم، على وقع أزمات لا تنتهي في ظل دخول لاعبين كُثر إلى الخارطة الجيوسياسية في الشرق الأوسط بأسره.
المملكة العربية السعودية عملت على تحصين الموقع العربي في مواجهة البراكين السياسية المتفجرة، ولا سيما بعد التبدل في حسابات القوى، من تردد واشنطن إلى طموحات موسكو المخترقة الواقع، إضافة إلى أطماع إيران التوسعية الساعية إلى معادلة شرق أوسطية جديدة تعزز مواقعها بأثمان باهظة تدفع من استقرارها.
«رعد الشمال».. رسائل القوة
في أكبر حشد عسكري يشهده الشرق الأوسط منذ «حرب تحرير الكويت»، احتضنت مدينة حفر الباطن (بشمال شرقي السعودية) خلال فبراير (شباط) 2016 تمرينات «رعد الشمال» بمشاركة أكثر من 20 دولة إسلامية. وشملت تنظيم مناورات متعدّدة المهام، ببعدين عسكري واستراتيجي، وتركيز على تدريب القوات على كيفية التعامل مع القوات غير النظامية والجماعات الإرهابية.
تأكدت هذه الرسالة من خلال الحضور الكثيف لقادة وكبار مسؤولي الدول المشاركة في ختام التمرين الذي رعاه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز في شهر مارس (آذار)، في ظل الأوضاع المضطربة والتنامي اللافت للتنظيمات الإرهابية، والنزاعات المتأججة في أكثر من بلد في مقدمتها سوريا واليمن، إضافة إلى التوتر الشديد في علاقات دول المنطقة بإيران. وحتمًا لا تخرج الصورة العامة في المنطقة عن الإرهاب الإيراني الذي يغذي ميليشياته في محاولات دؤوبة لاستهداف أمن دول الخليج، متوازيًا مع إرهاب تنظيم داعش الإرهابي. ولكن أمام الضربات الاستباقية الأمنية السعودية، تكشّف معها كثير من الخلايا وتم إحباط عمليات نوعية كان يخطط لها الجانبان.
طائرات ومدرعات وصواريخ عدة تمتلكها قوات الدول الإسلامية تجمعت في مسرح عمليات «رعد الشمال»، حيث ظهرت كقوة ردع وحفظ واطمئنان لشعوب دولها. ومثّلت تحالفًا عسكريًا أصبح في جهوزية عسكرية بعدما نجح حشدها وتأكدت استجابتها السريعة للتعامل مع المواقف وتنفيذ المهام، وتحقق ذلك بعد أشهر معدودة من إعلان الأمير محمد بن سلمان، ولي ولي العهد السعودي وزير الدفاع، تشكيل «التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب» في أواخر عام 2015.
أول اجتماع لرؤساء أركان التحالف الإسلامي
بعد أسبوعين من اختتام تمرين «رعد الشمال» اجتمع رؤساء أركان الجيوش الإسلامية من 40 دولة في العاصمة السعودية الرياض، التي تحتضن مركز التحالف الإسلامي، وبادرت السعودية خلال الاجتماع إلى الإعلان عن إنشاء «مركز الحرب الفكرية»، وذلك في إطار وضع استراتيجيات فكرية ومالية وإعلامية، بعد النجاح العسكري عبر التمرين الأكبر، بالتدريب والتعامل على نمط العمليات غير التقليدية، عبر الأنساق المتنوعة.
واليوم ينشط الموقف السعودي، المدعوم إسلاميًا، في مواجهة الإرهاب والتصدي له عبر الوقاية والعلاج، وتنبيه المجتمع إلى أهمية أخطار التفكير المنحرف والضال، وتشجيع الوسطية والتفكير المعتدل، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، إضافة إلى رعاية البرامج الإعلامية التي تشرح خطر الأفكار المتطرفة، وتنشر المفاهيم الصحيحة للإسلام.
«الحزم» في اليمن
من ناحية أخرى، بجانب حشد التحالف الإسلامي، عسكريًا وفكريًا وماليًا وإعلاميًا لمكافحة الإرهاب، كانت الرياض مستمرة في صياغة رسالة «الحزم» التي بدأت في مارس 2015. فخلال 2016 واصلت نجاحها الميداني في تقليم الأشواك السياسية والعدائية ضد اليمن وحدود المملكة، وتحالفها العربي الذي تقوده ضد الانقلابيين الحوثيين دعمًا للشرعية اليمنية، جنبًا إلى جنب مع عملية «إعادة الأمل» لإعادة الشرعية في الجمهورية الشقيقة.
وخلال فترات من الأشهر الماضية، منذ بدء عملية «عاصفة الحزم» ومع دخولها عامها الثاني، شهد الوضع الميداني محاولات حوثية مدعومة من قبل المخلوع علي عبد الله صالح، لتهديد الحدود السعودية، إلا أن تلك المحاولات جوبهت بقوة، إضافة إلى تقديم دعم كبير للقوات الموالية للشرعية في اليمن التي حققت كثيرًا من الانتصارات في جبهات عدة.
ولم يقف الدور السعودي عند هذه النقطة، بل دعمت الرياض الجهود الدولية من أجل الحلول السياسية في اليمن، تطبيقًا للقرار الأممي 2216 ودعمها لمشاورات الكويت التي استمرت متقطعة لأكثر من 3 أشهر، وجمعت الشرعية بالانقلابيين أملاً في التوصل السلمي تجنيبًا للمدنيين من كوارث الميليشيات الحوثية، لكن الحوثيين ظلوا على تعنتهم، الذي أكدته الهدن المعلنة التي لم يلتزموا بها، بل استثمروها في مواصلة تنظيم الصفوف ومعاودة الاعتداءات.





