كتب تاريخية ومراوحة ما بين الكلاسيكيات والروايات المعاصرة

قراءات المثقفين المصريين في 2016

غلاف «الفرعون الأخير محمد علي» - غلاف «جسد أسود - أبيض - أحمر»
غلاف «الفرعون الأخير محمد علي» - غلاف «جسد أسود - أبيض - أحمر»
TT

كتب تاريخية ومراوحة ما بين الكلاسيكيات والروايات المعاصرة

غلاف «الفرعون الأخير محمد علي» - غلاف «جسد أسود - أبيض - أحمر»
غلاف «الفرعون الأخير محمد علي» - غلاف «جسد أسود - أبيض - أحمر»

يقسم الروائي صبحي موسى صاحب «الموريسكي الأخير» قراءاته إلى شقين، الأول: يتعلق بمشروع كتابة رواية جديدة حول تاريخ الأقباط في مصر. يقول: «قرأت مجموعة من الكتب الهامة والتي تندرج تحت فئة المراجع ومنها(تاريخ البطاركة) لساويرس بن المقفع، وحققه عبد العزيز جمال الدين، وهو كتاب موسوعي صادر عن مكتبة مدبولي، وكتاب (الأديرة الأثرية في مصر) تأليف ك. ك. والترز وترجمة إبراهيم سلامة إبراهيم، وكتاب (باباوات مصر) عن المركز القومي للترجمة، وهو يتناول التاريخ غير الرسمي للكنيسة منذ القرن الأول الميلادي ومرورا بالعصر الفاطمي وحتى بداية الألفية الثانية». أما عن قراءاته الأخرى، فيقول: خلال عام 2016 صدر أكثر من عمل روائي مميز قرأت منها: «أن تحبك جيهان» لمكاوي سعيد، و«جبل الطير» لعمار علي حسن، و«الأزبكية» لناصر عراق، و«الكتيبة السوداء» لمحمد المنسي قنديل، أما في الشعر فقرأت ديوان علي منصور «بقايا ألبوم قديم لبرجوازي صغير»، و«أوراق العشب» لوالت ويتمن.
ومن الروايات العالمية قرأ موسى رواية ناتاليا فيكو: «جسد أسود، أبيض، أحمر» وهي «رواية عن الثورة الروسية تذكرنا بالأعمال الملحمية الكبرى مثل أعمال تولستوي، وتتضمن الرواية تشريحا للمجتمع الروسي بشكل جيد، وبلغة ناعمة».
أما الروائية سعاد سليمان، صاحبة مجموعة «شهوة الملايكة» القصصية، فتقول: «نوعت هذا العام قراءتي ما بين التاريخ والإبداع وإن كانت تغلب عليها القراءة التاريخية أكثر، واستمتعت للمرة الثانية بكتاب (رجال مرج دابق) للأستاذ صلاح عيسى وكتاب (الفرعون الأخير.. محمد علي)، تأليف جلبرت سينويه، وإن أخذت عليه بعض المأخذ في عدم توخي الدقة في بعض الحقائق التاريخية مثل ذكره أن هناك صداقة جمعت بين كل من نابليون وعمر مكرم والجبرتي، وهذا ليس صحيحا. هناك أيضا بعض المآخذ على الترجمة الذي تفتقد لكثير من المراجعة في ذكر أسماء الأماكن فيكتب موكا ويقصد بها مكة، وباب العذاب والمقصود (باب العزب)».
وبالنسبة لقراءاتها الأدبية، تقول: «استمتعت جدا بقراءة رواية (عدّاء الطائرة الورقية) للكاتب الأفغاني خالد حسيني، وروايته الأخرى (ألف شمس ساطعة). فقد تعرفت من خلال هاتين الروايتين على تاريخ أفغانستان وتراثها، حدائقها، أنهارها، ملابسها، حضاراتها، معاناة أهلها في ظل الاحتلال الروسي، ثم طالبان والقاعدة. وأنهيت عام القراءة برواية بديعة لأمين معلوف وهي روايته (سمرقند)».
أما الروائي منير عتيبة، فيقول: «قرأت عددا كبيرا من الأعمال الإبداعية والنقدية الجيدة، لكتاب كبار ولشباب ينشرون لأول مرة... الإبداع الجميل الجيد كثير، وهو يمنح إحساسا بالتفاؤل، لكن ما استغرقني حقا هو إعادة قراءة كل ما كتب المفكر الراحل خالد محمد خالد. وهو مشروع قراءة بدأته ولم أنهه بعد، فقد وهب خالد محمد خالد حياته وفكره للديمقراطية، ولحرية الشعوب ضد أي تغول للسلطة السياسية أو الاقتصادية والاجتماعية أو الفكرية تحت أي اسم».
وعن قراءاتها تقول الروائية منة الله سامي، صاحبة «مخدع»: عند مراجعتي لمكتبتي وإعادة ترتيبها كعادتي كل عام توقفت أمام ما قرأته خلال هذه السنة، وسعدت بأنني وقع اختياري على أجمل ثمار العام من كتب الأدب والنقد. يظل الأدب بروافده المختلفة من قصة، ورواية، وشعر، ومسرح له نصيب الأسد في قراءاتي، وإن تربعت الرواية والقصة على رأس اهتماماتي، فمن أجمل ما قرأت هذا العام في مجال الرواية والقصة رواية «خان الشابندر» للأديب العراقي محمد حياوي، ورواية «الأزبكية» لناصر عراق، ورواية «بياض ساخن» للدكتورة سهير المصادفة، و«يهود الإسكندرية» لمصطفى نصر، و«مريم والرجال» للدكتور شريف ماهر مليكة، و«بعد القهوة» للدكتور عبد الرشيد محمودي، و«زمن الحرية» للدكتور عبد البديع عبد الله، و«بنت صهيون» للدكتور شريف شعبان، وديوان «المنازلة» للشاعر عمارة إبراهيم، و«في شقة عازب» وهي أولى روايات القاصة الشابة دعاء عبده، والمجموعة القصصية «قانون صاحبة العطر» للقاص الشاب فرحات جنيدي.
وبعيدًا عن الرواية والقصة والشعر، قرأت صاحبة مجموعة «كيميت» القصصية، كتبًا في النقد الأدبي والفني، ومنها «القص الوامض» للناقد والقاص الدكتور شريف عابدين، و«تانجو من نافذة بيروت» لشوقي بدر يوسف، و«فن الأفيش في السينما المصرية» لسامح فتحي، و«الثائر الأول إخناتون بين الأدب والتاريخ» للدكتور خالد عاشور.
ما هي الكتب التي يمكن أن ترشحها منة الله سامي للقراء؟ تقول: «أرشح كتاب (توت عنخ آمون - مؤامرة الخروج) لأندرو كولينز وكريس أوجيلفي هيرالد، وترجمة رفعت السيد علي، لأنه يتحدث باستفاضة عن اكتشاف هوارد كارتر لمقبرة توت عنخ آمون والأسرار المتعلقة بها، وعن احتمالية اكتشافه للكثير من البرديات داخل المقبرة ولم يفصح عنها للإعلام أبدًا، ويحدثنا الكتاب عن فرضية خطيرة وهي وجود بردية تتحدث عن خروج اليهود من مصر بشكل يخالف ما تحدثت عنه الأساطير اليهودية وما يروج له الصهاينة حول العالم من أن فلسطين هي أرض الميعاد وأسطورة الأرض اليهودية من النيل والفرات».
أما الروائي حسام نور الدين، صاحب «خيط سحري» فيقول إن ما بقي في ذاكرته هو كتاب عظيم، وهو «جمهرة المقالات» التي كتبها العلامة محمود شاكر أو جاحظ عصرنا كما وصفه المفكر مالك بن نبي. «وهو كتاب مرجعي في تذوق الأدب واللغة. وفيه نلمح منهجا نقديا يصعب تكراره. والمقالات قام بجمعها د.عادل سليمان، فيما يربو على 1000 صفحة، في جزأين. وأنصح أي قارئ أو كاتب باقتناء هذا المرجع مع كتب محمود شاكر الأخرى».
ويضيف: «قرأت أيضًا كتابا معروفا للتوحيدي، وهو كتاب (المقابسات) عن علاقة الإبداع بالنفس والعقل والحس في منحى فلسفي صعب بعض الشيء على أصحاب القراءة العابرة. وأخيرا أقرأ الآن كتابا عن ابن رشد للدكتور إبراهيم عوض، ويطرق فيه نظرة مغايرة، مقيما مكانة ابن رشد الفكرية بمنهجية منطقية، وتتبع تاريخي صائب، وتحر علمي متين، وماتع، دون تهوين أو تهويل. وفي النهاية قرأت كتابا عن فلسفة الزن اليابانية، وأثرها على وجه الخصوص في إبداع المخرج الياباني الرائد ياسوجيرو أوزو».
لروائية عبير درويش، صاحبة مجموعة «حدود الكادر القصصية» قرأت في هذه السنة عددا من الكتب، أفضلها، كما تقول، كتاب «رادوبيس» لنجيب محفوظ و«أنا» للأديب عباس العقاد، ورواية «ظل الأفعى» ليوسف زيدان، و«سوبرمان عربي» للشاعرة جمانة حداد، و«هذا الإنسان» لنيتشه، و«الأولة باريس» لشيرين عادل، كما أنها أعادت قراءة بعض دواوين «وديع سعادة».
وتشير درويش إلى أن رواية «كافكا على الشاطئ» قد استهوتها بشكل خاص، قائلة: «استهواني جو الرواية الذي يتسم بالجو الغرائبي (الميتافيزيقي) والفلسفي الذي يسود هذه الرواية التي تدخل الموسيقى والأدب والفلسفة وألف ليلة وليلة كهامش يبني أفكار المتن: رجل عجوز يجيد محادثة القطط، أسماك تهطل من السماء، جنود يعيشون في غابة منذ الحرب العالمية الثانية، حجر سحري قد يقود إلى خراب العالم أو خلاصه... أجواء غرائبية تحفل بها تحفة الكاتب الياباني هاروكي موراكامي (كافكا على الشاطئ). لكنها بقدر ما هي غرائبية هي بسيطة تحتفل بسحر الحياة وتدافع عنها، وذلك من خلال حكايتين متوازيتين متقاطعتين، حكاية عجوز يبحث عن نصف ظله الضائع، وفتى في الخامسة عشرة هارب من لعنة أبيه السوداء، وبينهما عوالم ومدن وشخصيات ورحلات شبه ملحمية تلخص جميعها البحث عن الحب، ومعنى الموت، وقيمة الذكريات. رواية لا تدفع كل واحد منا فحسب إلى تأمل الحياة، بل تستفزه لكي يغيرها أو يغير نفسه فيها ويبدأ رحلة البحث عن بوصلته الضائعة».



المشاركة الكويتية في الثقافة العربية

المشاركة الكويتية في الثقافة العربية
TT

المشاركة الكويتية في الثقافة العربية

المشاركة الكويتية في الثقافة العربية

ما زلت أتذكر ذلك اليوم القائظ من سنة 1973م حين تواصل معي محمد طنطاوي، محرر الاستطلاعات الصحافية عن المدن العربية والإسلامية، لمساعدته في فتح أبواب مدينتي (القطيف) أمام قراء مجلة «العربي» المستمتعين بدخول عوالم تلك المدن، عبر كاميرا عبد الناصر شقرة، مصور المجلة.

كنت وقتها طالباً في المرحلة الثانوية، وقد بدأت خطواتي على درب الصحافة المثير، متابعاً ما كان يدور في صحافة لبنان ومصر والكويت، حيث أتسابق أنا وزملائي على اقتناء ما تصدر من صحف ومجلات، وكان في مقدمتها مجلة «العربي» تشدنا بمحتواها الموسوعي الجذاب، خاصة حديث رئيس تحريرها الشهري دكتور أحمد زكي. هذا المعلم الكيميائي الذي تحصّل على أطروحة الدكتوراه في جامعة لندن، ليصبح المشرف على مركز البحوث العلمية. لقد أهّلته ثقافته الموسوعية الجامعة بين العلم والأدب ليرأس تحرير مجلة «الهلال»، وبعدها رئاسة جامعة الملك فؤاد الأول (جامعة القاهرة فيما بعد).

لعل انحسار دور المجلات الأدبية في مصر فيما بين الحربين العالميتين؛ «الكاتب المصري» برئاسة طه حسين، و«الثقافة» لأحمد أمين، و«الرسالة» لأحمد حسن الزيات، كأنه حفز النخبة الكويتية من مثقفين وأدباء ورجال مال وأعمال أن تكون لبلدهم المنتظر استقلاله مجلة تأخذ بالكويت الصغيرة إلى اهتمام العرب، متأثرين بما كان يجري حينذاك من أحداث قومية في مشارق العالم العربي ومغاربه، وقد استضافت الكويت قبل استقلالها رموزاً من مناضليهم، فارّين من اضطهاد الاستعمار الأوروبي.

ويدهش المطلع على تاريخ الكويت الثقافي كيف قام علماؤها وأدباؤها وأثرياؤها وشخصياتها العامة، منذ نشأة الكويت، بنسخ مخطوطات التراث العربي والإسلامي، وتبني فتح مكتبات عامة، وإنشاء مدارس، وإصدار صحف ومجلات، رغم ضعف الإمكانات الطباعية، تأثراً بما كان يصل إليهم عبر سفن الغوص على اللؤلؤ من مجلات وصحف تصدر من أقصى القارة الهندية إلى أقرب جارٍ للكويت، فإذا بعبد العزيز الرشيد يصدر سنة 1928 مجلة «الكويت»، وهاشم الرفاعي بعده يصدر صحيفة من البصرة.

حين قابلت أحمد السقاف الأديب والشاعر سنة 1994 في برنامجي «هذا هو» عبر قناة «MBC»، فتح أمامي صفحات ما جرى تحضيراً لإصدار مجلة «العربي»؛ إذ تحمس الشيخ صباح الأحمد الصباح، مدير إدارة النشر والمطبوعات قبل الاستقلال - أي وزير الإعلام بعده - واستقر الرأي على إصدار مجلة باسم «العربي»، وقد كُلّف السقاف بالسفر إلى أهم عواصم الثقافة العربية للاجتماع بأبرز مفكريها وأدبائها.

فبدأ سنة 1957م السفر جواً إلى بغداد، مجتمعاً بالمفكر القومي عبد العزيز الدوري، والمحقق محمد بهجة الأثري، ودكاترة من جامعة بغداد. غادر بعدها إلى لبنان متواصلاً مع نائب رئيس الجامعة الأميركية ببيروت فؤاد أفرام البستاني، الذي أصدر هو وأخوه يعقوب مجلة «المقتطف» في القاهرة، أسوة بما أصدره قبلهما جورجي زيدان وأخوه إميل؛ مجلة «الهلال»، وآل تقلا الذين أصدروا جريدة «الأهرام»، أثناء هجرة الشوام إلى مصر فراراً من الطغيان العثماني.

ولم ينسَ السقاف في رحلته التاريخية هذه الإفادة من خبرة محققي التراث العربي، الذين أفادت وزارة الإعلام الكويتية مبكراً من علمهم في طباعة عددٍ مختار من نفائس المخطوطات العربية، وفي طليعتها ما أنجزه - مؤخراً - المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب من طباعة معجم «تاج العروس» للغوي مرتضى الزبيدي في أربعين جزءاً.

أما الأمر المثير حقاً في رحلة السقاف التحضيرية هذه لإصدار مجلة «العربي»، فهو إقناعه السريع أحمد زكي - الوزير السابق والمشرف على مركز البحوث ورئيس الجامعة في بلده المتمدن عمرانياً واجتماعياً وثقافياً حينها - بالانتقال إلى دولة صغيرة ناشئة لم تتوفر بعد على بنية تحتية تهيئ لحياة عصرية.

ونظراً لتوفر إرادة سياسية طموحة، فقد سافر السقاف - وقتذاك - إلى ألمانيا لحضور معرض عالمي لآلات الطباعة، لكي تختص المجلة الوليدة بمطبعة خاصة بها؛ إذ كان ضعف مستوى الطباعة في الكويت منذ بداية القرن العشرين سبباً في تعثر استمرار ما حاوله بعض عناصر المجتمع الأهلي والثقافي من إصدار صحف ومجلات.

هكذا صدر العدد الأول من مجلة «العربي» في ديسمبر (كانون الأول) 1958، ليكون من حسن طالعها التفاعلي انعقاد مؤتمر الأدباء العرب في الكويت متزامناً مع صدورها.

في الوقت الذي تفتق وعيي على مجلة «العربي»، وهي في ذروة ازدهارها وتألقها، كانت إذاعة الكويت هي الأخرى تشكل مصدراً معرفياً لجيلي، بما كان يصل إليها من مشاركات بعض الأكاديميين العرب الوافدين إلى الكويت للتدريس في جامعتها الوليدة سنة 1966، وكان في طليعتهم الدكاترة عبد الرحمن بدوي، وزكي نجيب محمود، وشاكر مصطفى، ومحمود علي مكي، وأحمد أبو زيد، وفؤاد زكريا، الذين وفرت لهم الكويت جواً من الاستقرار النفسي والحرية الفكرية.

أحمد السقاف

فإذا بوكالة المطبوعات الكويتية تطبع معظم ما ألفه عبد الرحمن بدوي من كتب تتعلق بتراث الفلسفة اليونانية والعربية، وقد أصبح أستاذاً للفلسفة في جامعة الكويت جنباً إلى جنب مع زكي نجيب محمود؛ هذا الذي طالما استمتعت - وقتذاك - بحوارات رمضان لاوند، المذيع اللبناني اللامع بفكره الوقاد، مع فيلسوف الوضعية المنطقية عبر أثير إذاعة الكويت.

فقد وجد هذا المفكر المصري في جو الجامعة العلمي، ومكتبتها الزاخرة بأمهات الكتب التراثية، فرصة ذهبية للاستغراق في قراءتها، بعدما انكب على قراءة الفكر الأوروبي بمدارسه الفلسفية والأدبية المختلفة، أثناء دراسته منذ الأربعينيات الميلادية في جامعة لندن. ورغم أنه حاول استدراك ما فاته عربياً وإسلامياً بكتابة بحثه الدسم عن الفيلسوف والعالم الكيميائي جابر بن حيان، المنشور سنة 1960 في سلسلة «أعلام العرب» المصرية، فإن ذلك لم يشفِ غليله، وقد بدأ يشتغل على أطروحته حول «الأصالة والمعاصرة» الجامعة بين روحانية الشرق وعقلانية الغرب، كما تطارحتها معه في برنامجي التلفازي «الكلمة تدق ساعة» وأنا أزوره في شقته القاهرية صيف 1978م؛ أي بعد عودته من الكويت بخمس سنوات، بعدما استقر بين أروقة جامعتها منذ 1968 إلى 1973.

وفيها أكد تدينه المستنير كما يذهب تلميذه دكتور إمام عبد الفتاح إمام في كتابه «رحلة في فكر زكي نجيب محمود»، بل إن هذا سجل إضافته الفكرية في تجربته الحائرة، حين أسفرت قراءاته النهمة لأمهات كتب التراث العربي الإسلامي عن تأليف كتابه «تجديد الفكر العربي» الصادر سنة 1971م، وكتابه الآخر المكمل «المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري».

انظر إلى ما كتبه في مقدمة كتابه الأول: «استيقظ صاحبنا بعد أن فات أوانه، فإذا هو يحس الحيرة تؤرقه، فطفق في الأعوام الأخيرة التي لا تزيد على السبعة أو الثمانية - أي في الفترة التي قضاها في جامعة الكويت - يزدرد تراث آبائه ازدراد العجلان... والسؤال ملء سمعه وبصره: أين السبيل إلى ثقافة موحدة متسقة يعيشها مثقف حي في عصرنا هذا، بحيث يندمج فيها المنقول والأصيل في نظرة واحدة؟»، ويختم محمود مقدمته بجملة: «جامعة الكويت في يونيو (حزيران) 1971».

بعد سنة من مغادرته إلى مصر عاد إلى الكويت ثانيةً مشاركاً ببحثه «الحضارة وقضية التقدم والتخلف» في ندوة كبرى عُقدت بين 7 و12 أبريل (نيسان) سنة 1974م، مع نخبة من أبرز مفكري العرب على اختلاف توجهاتهم الآيديولوجية، بدعوة من جامعة الكويت وجمعية الخريجين الكويتية، لمناقشة «أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي»، إيماناً من مفكري العرب بمسؤوليتهم القومية أمام التاريخ وأمام الأجيال العربية المقبلة، وشعوراً منهم - كما جاء في بيان الندوة الختامي - بخطورة المرحلة الحضارية التي تمر بها الأمة العربية في الظروف الراهنة - وقتذاك - لمواكبة شعوبها مسيرة الحضارة العالمية في تطورها المتسارع، فقد ناقشوا قضايا التخلف الفكري والاجتماعي والاقتصادي، والتراث العربي الإسلامي، وتبعات الاستعمار الغربي في المجتمع.

قبل انعقاد الندوة اللاحقة التي عُقدت في الكويت سنة 2014 حول نفس الموضوع، بمشاركين آخرين ورؤى مختلفة متجددة، وجدنا عدداً من المفكرين العرب منذ منتصف السبعينيات الميلادية يشتغلون على ما أثارته الندوة الأولى من قضايا وإشكالات؛ فقام المفكر المغربي محمد عابد الجابري في الثمانينيات الميلادية بمحاولة تفكيك سلطة النص المحافظ، منتقداً هيمنة التراث الفكري على العقل العربي طوال قرون، وذلك في مشروعه التأليفي المعروف بـ«نقد العقل العربي».

وهو ما عالجه قبله دكتور طيب تيزيني، أستاذ الفلسفة بجامعة دمشق، في كتابه «مشروع رؤية للفكر العربي في العصر الوسيط» بأجزاء عدة، ثم عمّق أطروحته حسين مروة بكتابه «النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية» سنة 1978، برؤية تحليلية لا تكاد تغادر الخطاب الماركسي، بتحليل التراث وفق مقولة الصراع الطبقي، وإقحام التصور الماركسي في تحليل واقع المجتمع العربي وتاريخيته.

وهذا ما فعله محمود أمين العالم في تعليقه على بحث رفيق دربه المفكر المصري أنور عبد الملك، المعروف بأطروحته الشهيرة عن «مصر مجتمع عسكري»، منتقداً موقف المثقف العربي من قضية «الخصوصية والأصالة»، وكان هذا عنوان ورقته في ندوة الكويت الأولى، عازياً ذلك إلى تبعيته للفكر الغربي في مفاهيمه ومناهجه. فما كان من العالم سوى استدعاء التصور الماركسي الدوغماتي حول «الخصوصية التاريخية»، ليكون حسب رأيه أساساً آيديولوجياً في دراسة المجتمع المصري لمعرفة طبيعة تركيبه الاجتماعي والاقتصادي والموضوعي.

على أي حال، أحسب كأنه في أعقاب هذه الندوة التاريخية أن تشجع المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويتي، بأمانة الشاعر المثقف أحمد مشاري العدواني، ومساعدة الشاعر الأكاديمي خليفة الوقيان، على إصدار كتاب «عالم المعرفة»، بالإفادة من خبرات بعض من شارك في الندوة الأولى - كما لمست ذلك من مقاله المنشور في مجلة «العربي» بعنوان «ميلاد عالم المعرفة».

وفي طليعة أولئك دكتور فؤاد زكريا، أستاذ الفلسفة بجامعة الكويت، الذي أصبح مستشاراً دؤوباً صبوراً وفعالاً لهذا الإصدار المعرفي الشهري - تأليفاً وترجمةً. ويبدو أن المجلس الوطني عمل على التحضير لإصداره هذا بعد تأسيسه سنة 1973، متوخياً طباعة خمسين ألف نسخة من كل كتاب، وتوزيعها في جميع أنحاء العالم العربي.

هذا ما وجدته شخصياً وأنا أتمشى في «شارع الحبيب بورقيبة» بتونس صيف 1978، مقتنياً إصداره الأول؛ كتاب «الحضارة»، تأليف دكتور حسين مؤنس. لقد اكتسبت سلسلة كتاب «عالم المعرفة» على توالي السنين شهرة عربية واسعة، شاكرةً جهود الكويت في نشر الثقافة الجادة منذ استقلالها سنة 1961 إلى يومنا هذا؛ إذ شكلت إصداراتها بمجلة «العربي»، ومجلة «عالم الفكر» سنة 1970 ذات الدراسات الأكاديمية برئاسة أحمد مشاري العدواني، واستشارة أستاذ الأنثروبولوجيا المصري دكتور أحمد أبو زيد، ومجلة «الثقافة العالمية» ذات الموضوعات المعاصرة المترجمة، وكتاب «عالم المعرفة»، منظومةً ثقافية راقية.

يضاف إليها تجربة الكويت المسرحية اللافتة، التي شكلت أساساً راسخاً لقوة العرب الناعمة، انطلاقاً من الكويت التي عملت منذ 1979 على تبني وتمويل «الخطة الشاملة للتنمية الثقافية»، بمشاركة أبرز الخبراء العرب بتخصصاتهم الثرية المتخصصة، لتصدر باسم المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التابعة لجامعة الدول العربية سنة 1968، بحماس الوزير المثقف عبد العزيز حسين في اجتماع المنظمة التحضيري بالطائف، متعهداً رعاية الكويت تلك الخطة، بوصفه رئيساً للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.

هذا الرائد الكويتي بدأ اهتمامه بإشاعة الثقافة منذ كان مشرفاً على «بيت الطالب الكويتي» في القاهرة سنة 1946، بإصدار مجلة «البعثة»، مستكتباً مثقفين وأدباء كويتيين وعرباً فوق صفحاتها.

يا ترى، هل إصدار مجلة «البعثة» لمدة ثماني سنوات حتى سنة 1954 كان مقدمة حبلى آذنت بعد أربع سنوات بولادة تلك البنت الجميلة في محتواها وشكلها؛ مجلة «العربي»؟


حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان

حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان
TT

حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان

حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان

في كتابه الجديد «الوعد الزائف: لا تطلب من الذكاء الاصطناعي ما لا تستحق»، الصادر عن دار خريّف للنشر في تونس مطلع عام 2026، يقدّم الكاتب والصحافي العراقي كرم نعمة عملاً فكرياً يندرج في منطقة نادرة بين الفلسفة والأدب والنقد الثقافي، حيث تتحول التقنية إلى استعارة للوعي الإنساني نفسه. الكتاب لا يكتفي بمساءلة الذكاء الاصطناعي كظاهرة تكنولوجية، بل يعيد صياغته كقصة رمزية عن الإنسان في مواجهة وهم الكمال، في زمن تتراجع فيه الحدود بين الخيال والبرمجة، وبين الرغبة والمعرفة.

منذ صفحاته الأولى، يضع نعمة القارئ أمام مفارقة مركزية: أن الذكاء الاصطناعي، الذي بدأ كأداة مساعدة للإنسان، صار يهدد جوهره، أي قدرته على التفكير والتعبير. وفي مقدمة الكتاب، يستعيد تجربة صحيفة «الغارديان» البريطانية عام 2020 حين أوكلت إلى برنامج آلي كتابة افتتاحية، ليعتبرها لحظة ميلاد «الوعد الزائف» الذي يعدنا بالسهولة والاكتمال، لكنه يسلبنا المعنى. هذا التوتر بين الإغراء والخطر يشكِّل محور الكتاب كله، حيث تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان أمام وعوده الخاصة.

الذكاء الاصطناعي، في هذا التصور، ليس مجرد برنامج، بل هو إعادة أسطرة للعالم، حيث تُستبدل بالمتاهة الخوارزمية، وبالمغامرة النتيجة الجاهزة. يقول نعمة إن «الآلة تقدم لنا النهاية بلا بداية، النتيجة بلا صراع»، وهي جملة تختصر الموقف الأخلاقي للكتاب كله.

في عنوان «استحواذ على ملكيتنا الفكرية»، ينتقل الكاتب إلى الواقع الثقافي، مستعرضاً كيف أصبحت النماذج اللغوية تقتات على النصوص البشرية لتنتج محتوى بلا مؤلف. ويستشهد هنا بتجارب روائيين وصحافيين غربيين، مثل كيت موس وأندرو هيل، ليحذر من أن «الوفرة الرقمية» قد تتحوَّل إلى شكل جديد من النهب الأدبي. ثم، يطرح سؤالاً أكثر عمقاً: هل يمكن أن يستمر الإبداع في عالم تُختزل فيه التجربة الإنسانية إلى بيانات تدريب؟

أما في «بديهية ديكارت عند الذكاء الاصطناعي»، فيعيد الكاتب طرح السؤال القديم «هل يفكر الذكاء الاصطناعي؟» من منظور إنساني لا تقني، مستعرضاً آراء علماء مثل يوشوا بنجيو حول إمكانية سد الفجوة بين التفكير البشري والصناعي، لكنه يخلص إلى أن الآلة، مهما بلغت من التطور، تظل عاجزة عن إدراك المعنى لأنها لا تعرف الشك ولا التجربة، وهما جوهر التفكير الإنساني منذ ديكارت حتى اليوم.

بهذا المعنى، يصبح الكتاب دفاعاً عن «الوعي» لا عن «الذكاء»، وعن «الروح» لا عن «الوظيفة». فالمؤلف يرى أن الخطر الحقيقي ليس في أن تفكر الآلة، بل في أن نتوقف نحن عن التفكير.

ويربط نعمة بين «ألف ليلة وليلة» والخوارزميات، بين شهريار و«شات جي بي تي»، ليقول إن الخرافة القديمة كانت تحافظ على المعنى عبر المقاومة، بينما الخوارزمية الحديثة تقتل المعنى عبر السرعة. هذه المقارنة تمنح الكتاب بعداً أدبياً عميقاً، إذ يتحول الذكاء الاصطناعي إلى شخصية رمزية في سردية الإنسان المعاصر، لا إلى موضوع علمي فحسب.

من منظور نقدي، يمكن القول إن «الوعد الزائف» يقدِّم قراءة فكرية متماسكة بلغة شاعرية، لكنه لا يخلو من نزعة تحذيرية قد تبدو متشائمة في نظر أنصار التقنية. ومع ذلك، فإن قوة الكتاب تكمن في قدرته على تحويل الخوف إلى سؤال فلسفي، لا إلى موقف أخلاقي. فهو لا يدين الذكاء الاصطناعي، بل يستخدمه كمرآة لفحص الإنسان نفسه، ليكشف أن الخطر ليس في الآلة، بل في رغبتنا بأن تكون الآلة مرآتنا الكاملة.

في النهاية، يقدّم كرم نعمة عملاً يمكن قراءته على أكثر من مستوى: كتحليل ثقافي لتأثير التقنية على الإبداع، وكتأمل فلسفي في معنى الرغبة والمعرفة، وكبيان أدبي عن هشاشة الإنسان أمام وعوده. إنه كتاب يذكّر القارئ بأن الذكاء الاصطناعي ليس وعداً بالخلاص، بل اختباراً جديداً للوعي، وأن الإنسان، مهما بلغ من تقدم، لا يزال مطالباً بأن يدافع عن حقه في أن يظل ناقصاً، لأن النقص، كما يقول نعمة ضمناً، هو الشرط الأول للمعنى.


ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

ليلى سليماني
ليلى سليماني
TT

ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

ليلى سليماني
ليلى سليماني

في كتاب لا يتجاوز ثمانين صفحة بعنوان «هجوم على الحدود»، من إصدار دار غاليمار مارس (آذار) 2026، تناقش الكاتبة ليلى سليماني مسألةَ الهوية المغاربية المتشظّية بين لغتين ومرجعيتين، من خلال علاقتها الملتبسة باللغة العربية. تفتح صاحبة «أغنية هادئة» و«بلد الآخرين» أدراجها الداخلية على آخرها، لتُنجز نصاً من نوع نادر في المشهد الأدبي الفرنكفوني، نصٌّ يتكلم بالفرنسية عن الخسارة الكبرى للعربية. وتشرح سليماني في حوار مع دار غاليمار العمقَ الشخصي لهذه الخسارة، إذ تكشف أن العربية كانت بالنسبة إليها «اللغة الأبوية» بالمعنى المزدوج، فتقول: «تخيّلتُ أنها ستكون اللغة الأبوية، وأن غيابها يوازي غياب أبي، لأنه مات، ولأنه كان يجد صعوبة بالغة في نقل ثقافته». هكذا يتداخل في الكتاب الحدادُ على شخص والحداد على لغة، في نسيج اعترافي نادر يمنح النص عمقاً شخصياً يتجاوز مجرد التأمل الثقافي.

غلاف الكتاب

في قلب هذا النص يتصدّر سؤالٌ ظل يطارد ليلى سليماني منذ طفولتها: لماذا لا أتحدث العربية ولا أتقنها؟ والمعروف أن ليلى سليماني، الحائزة جائزة غونكور عام 2016، وُلدت في الرباط لعائلة بورجوازية مغربية تتحدث الفرنسية؛ والدها مصرفي رفيع المستوى، ووالدتها طبيبة من أصل ألزاسي. في هذا البيت الذي كانت الفرنسية لغةَ حياته اليومية، نشأت ليلى على تعدد لغوي مميز: الدارجة المغربية في الشارع والسوق، والألمانية في أغاني جدّتها الألزاسية وحكاياتها، والإسبانية في صيف المتوسط، والشلحة الأمازيغية على لسان عمّال الضيعة العائلية. بيد أن العربية الفصحى ظلّت في منطقة الحضور الغائب: مسموعةً، مألوفةَ الإيقاع، غير أنها لم تنمُ في فم الطفلة بصورة طبيعية، ولم تسكن مخيّلتها حتى تصير أداة تعبير.

تصف ليلى سليماني هذا الوضع بصورة جسدية قاسية: كمن يعيش مع عضو مبتور يُحسّ بوجوده رغم غيابه. وهذه الاستعارة ليست زينةً أسلوبية، بل هي الإطار الدقيق الذي تُنظّم فيه الكاتبة علاقتها بلغتها: حنينٌ لا يمكن إشباعه لأن موضوعه لم يُفقد فجأةً، بل لم يتشكّل أصلاً على النحو الكامل. وتستحضر في هذا السياق اسم الشاعرة والرسامة اللبنانية الراحلة إيتيل عدنان، تلك المبدعة التي كتبت بالفرنسية وعاشت تحت وطأة السؤال ذاته، والتي قالت ذات يوم إنها وجدت نفسها عند باب تلك اللغة فجعلتها أسطورة وجنةً مفقودة.

يبدأ النص من مكان شخصي للغاية: الطريقة التي تتحدث بها سليماني العربيةَ اليوم، وهي طريقة تشبه حديث الطفل أمام الكبار، المُحرج من نقصانه والخائف من الاستهزاء. وفي هذا الاعتراف ما يتجاوز مجرد الخجل الشخصي؛ إنه يكشف البنية الاجتماعية للغة. فالفرنسية في المغرب لم تكن مجرد إرث استعماري طارئ، بل أضحت في زمن الاستقلال وما بعده لغةَ الترقّي الاجتماعي ولغةَ النخب المدنية، في حين ظلّت العربية في بعض الأوساط محصورةً في دور الوجدان والدين والهوية الرمزية. وهكذا نشأ جيلٌ من الأبناء المغاربة يحمل اسماً عربياً ولساناً فرنسياً، وروحاً تُدرك حدودها دون أن تعرف كيف تتخطّاها.

غير أن هذا الخجل الذي تعترف به ليلى سليماني بصوت مرتفع لا يُعدّ استثناءً فردياً، بل هو الموروث السّرّي لجيل كامل من الكتّاب المغاربيين الذين شيّدوا مجدهم الأدبي بالفرنسية فيما ظلّت العربية تنتظر على العتبة. فمن كاتب ياسين الذي رأى في الفرنسية «غنيمة حرب» استردّها من المستعمِر، إلى آسيا جبّار التي عاشت طوال حياتها في المساحة الممزّقة بين الكتابة بالفرنسية والتفكير بالعربية والحلم بالأمازيغية، وصولاً إلى ألبير ميمّي الذي حلّل في «المُستعمِر والمُستعمَر» كيف تُصبح لغة المستعمِر أداةَ صعود اجتماعي لنخب المستعمَر وتُفضي إلى ما سماه «ازدراء الذات»، هذا الإرث الثقيل هو ما تتقاطع معه سليماني في نصّها، بوعي طبقي أكثر صراحةً مما أبداه أسلافها. فهي لا تتردّد في وصف نفسها بـ«كليشيه البورجوازية الفرنكفونية التي لا تتحدث لغتها»، وفي هذه الجملة القاسية إدانةٌ مزدوجة: إدانة لطبقة اجتماعية أفادت من الانقسام اللغوي وورثت منه امتيازاتها، وإدانة لنظام تعليمي خلّف على مدى أجيال نخباً مغاربة تتكلم لغةَ الآخر بطلاقة ولغتها الأولى بتعثّر. والفارق بين سليماني وكتّاب الجيل الأول أن الأوائل كانوا يكتبون بالفرنسية كأنها فعل مقاومة أو ضرورة تاريخية لا مهرب منها، أما هي فتكتب عنها وعن حدودها، أي أنها تفتح النافذة على الغرفة المغلقة التي لم يجرؤ كثيرون على النظر إليها.

يبلغ النص ذروته الدرامية في مشهد كابوسي تعود إليه سليماني مراراً: «أحلم دائماً بالكابوس ذاته. أجدني في قاعة محكمة، وحولي رجال لا غير. أعلم أنني على وشك أن أُدعى إلى الكلام، وحلقي جافٌّ وكفّاي مرتجفتان. أشعر بخجل لا أعرف له سبباً. قاضٍ يدعوني إلى التحدث فأبدأ بتبرير نفسي، أتكلم بسرعة واضطراب، أتكلم بالفرنسية. يقاطعني القاضي بقسوة: «لسنا في فرنسا هنا. تكلّمي بالعربية». تملأ الدموع عينيّ ويُشلّني القلق. أبحث عن كلماتي. لا شيء يأتي. وأدرك حينها أنني خسرتُ، وأنني لن أستطيع إثبات براءتي أبداً». هذا الكابوس لا يصف عجزاً لغوياً فحسب، بل يُشخّص أزمة هوية بكاملها: براءةٌ لا يمكن إثباتها إلا بلغة افتُقدت. ولعل هذه العبارة الاخرى للكاتبة التي تقول فيها: «الكتابة ربما تعني التصالح مع هذه الهزيمة، أو على الأقل البحث عن لغتي الخاصة، لغة لا تخضع لأي تصنيف»، هي التي تكشف كيف صار الكابوسُ نفسُه مادةَ الكتابة وسببَها في آنٍ واحد.

على أن الكتاب لا يقف عند حدود الاعتراف الشخصي، بل يتمدّد ليصير بياناً سياسياً صريحاً. تُعلن سليماني رفضاً مزدوجاً وحاداً: رفض الخطاب المغربي المحافظ الذي يرى في أحادية اللغة العربية درعاً ضد الإمبريالية الثقافية، ورفض الخطاب الفرنسي الرسمي المتشبّث بلغة نقية لا تقبل التحوّل. وبين هذين الرفضين ترسي موقفها: اللغات كائناتٌ حية تتطور وتتشرب من بعضها، ولا يُلجمها إلا الآيديولوجيا. في هذا تلتقي مع كاتب ياسين والشاعر المغربي محمد بنيس وسواه من المفكرين الذين رأوا في التعددية اللغوية ثروةً بدل أن تكون وصمة.

الخجل الذي تعترف به ليلى سليماني هو موروث جيل كامل من الكتّاب المغاربيين الذين شيّدوا مجدهم الأدبي بالفرنسية فيما ظلّت العربية تنتظر على العتبة

أما أسلوب الكتاب فيستحق وقفة خاصة. سليماني معروفة بنثر يقوم على الجملة القصيرة والإيقاع المحكم، غير أن جمل هذا النّص تتسع قليلاً ويصبح الصوت أكثر مباشرةً، كأنها تكتب تحت وطأة الاعتراف الواجب لا تحت إكراه الخيال الروائي. هذا الأسلوب يُذكّر في لحظات بما فعله طه حسين في «الأيام» حين حوّل السيرة إلى نص أدبي يتخطّى التوثيق الشخصي، وبما صنعه محمد شكري في «الخبز الحافي» حين رأى في الاعتراف الجريء تحريراً لا كشفاً للعار.

يكتسب الكتاب راهنيةً مضاعفة في سياق زمني يشهد صعوداً لخطابات الهوية المغلقة في أوروبا وخارجها: حدود تُضيَّق، وثقافات تُصنَّف، ولغات تُوظَّف في خدمة السياسة. في هذا المناخ، يُذكّر نص سليماني بأن الانغلاق على لغة واحدة ليس احتماءً بل إفقار، وأن الجرح الأعمق ليس في الحدود الجغرافية، بل في تلك الهوّة التي تفصل الإنسان عن لغته وذاكرته الأولى. وإذا كان العالم العربي يعيش صراعاً خفياً بين أنماط الانتماء اللغوي والثقافي، وهو صراع تغذّيه جراح الاستعمار وسياسات التعليم والتحوّل الاجتماعي العميق، فإن سليماني تعيد فتح هذا الملف من زاوية إنسانية لا شعاراتية: اللغة ليست ساحة امتحان للولاء، بل فضاءٌ لتكوين الذات. وسؤال الهوية عندها ليس مسألة تمثيل ثقافي فحسب، بل هو سؤال في صميم الكتابة ذاتها: هل يمكن للكاتب أن يكون صادقاً مع نفسه وهو يكتب داخل لغة لا يعيشها بالكامل؟ والجواب، كما يوحي النص، ليس نعم أو لا، بل كتابةٌ مستمرة في البحث عن صيغة أوسع من الصدق.

تكمن أهمية «هجوم على الحدود» في أنه يُقدّم تصوراً مغايراً: الهوية ليست جداراً بل مفترق طرق، واللغة ليست ملكيةً نهائية بل علاقة تاريخية حية ومفتوحة على التحوّل. وما يمنح هذا النص مداه الأبعد هو أن خجل سليماني من عربيتها المفقودة ليس استثناءً بورجوازياً بل مرآة لتشوّه موروث، وأن الجرأة على تسميته علناً هي في حد ذاتها فعلٌ من أفعال المقاومة.