الأمم المتحدة جامعة العالم المفتوحة

الأمم المتحدة جامعة العالم المفتوحة

سمير صنبر يكتب من داخلها بعد تجربة 33 عامًا
الأحد - 26 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 25 ديسمبر 2016 مـ

لا يمكن تصنيف كتاب «داخل الأمم المتحدة... في عالم بلا قيادة»، الصادر بالإنجليزية، للدبلوماسي والكاتب سمير صنبر. أهو سيرة ذاتية دبلوماسية، أو سيرة للأمم المتحدة، التي يسميها أكبر جامعة مفتوحة في العالم؟

الكتاب هذا وذاك، فالتاريخ الشخصي لصنبر وتاريخ هذه المنظمة الدولية متداخلان لدرجة يصعب معها الفصل بينهما. فقد عاصر المؤلف خمسة أمناء عامين: يو ثانت، وهو الأمين العام الثالث (1961 - 1971)، وخلفه كورت فالدهايم (1972 إلى 1981)، وخافيير بيريز دي كويلار (1982 - 1991)، وبطرس غالي (1992 - 1996)، وأخيرا كوفي أنان (1997 - 2006). وعمل معهم في وظائف ومواقع مختلفة، واطلع على كل المكشوف والمخفي، وهو كثير، خلال عمله في هذه المنظمة الدولية على مدى ثلاثين عاما.

إنه يسرد مذكراته في هذا الكتاب مثل «مفتش دولي عام»، حسب تعبير الزميل سمير عطا الله، فقد دخل «القاعات المغلقة، وهمس إليه الضيوف والسياسيون والمراسلون بالمعلومات... وتراه في كل مكان من المبنى الأزرق: مجلس الأمن، الجمعية العامة، وفي العواصم التي انتدب إليها مبعوثا خاصا».

في مثل هذه الأجواء، وأبعد من الأروقة، التي يندمج فيها التاريخ والفن، إذ تجاور نقوش أول اتفاقية سلم قبل 3000 سنة لوحات بابلو بيكاسو، ومارك شيغال، وهنري ماتيس، وسيلفادور دالي، وهنري مور، وغيرهم، وما وراء التغطيات الصحافية، والبيانات، والخطب، والبيروقراطية، يتعلم المرء دروسا كثيرة من تجربة العمل اليومي في المنظمة الدولية، التي يعتبرها الكاتب «أكبر جامعة مفتوحة في العالم». الدرس الأهم، هو التواضع: «فمهما كانت فكرتك عن نفسك، ستكتشف سريعا أن هناك دائما شخصا أكثر أهمية، ومهما تتصور إنجازك، فمن المؤكد أنك تلتقي شخصا أفضل إنجازا، وإذا شعرت أن سفيرا ما مميز جدا، فعليك أن تنتظر حتى تراه مع وزير خارجية. وهذا ينطبق على وزير الخارجية نفسه حين يصل رئيسه. ثم راقب هذا الرئيس، أو الرئيسة، عندما يقابلان نظيرهما من قوة كبرى». إنها مدرسة. كل شخص فيها، بكلمات صنبر، تلميذ ومعلم. في هذه المدرسة تختلط الشخصيات والجنسيات ضمن حدود متفق عليها، ولو ضمنا. والكل يتعلم من الكل، ليس فقط من خلال تجارب الآخرين، بل أيضا من خلال اكتشاف طرق لم تطرق من قبل.

ويتحدث لنا صنبر عن الأمناء العامين الذي عمل معهم من هذه الزاوية، زاوية التواضع الإنساني. فأكثرهم تواضعا كان غالبا أكثرهم أهمية، كما في حالة يو ثانت، الذي كان يصغي لوجهات نظر موظفي طاقمه ذوي المراتب الأدنى، وهو ينتظر نشرات الأخبار. وخافيير بيريز دي كويلار، الذي كان يتصل تليفونيا للاطمئنان على سلامة أفراد الفريق الذي أرسل في مهمة خطرة، أو بطرس بطرس غالي الذي كان يستمتع بالنقاش حول أحد كتبه المفضلة من كتب الأمم المتحدة الزرقاء، وهي نسخة حول مناهضة العنصرية، أراد أن يهديها لنيلسون مانديلا. (الكتاب الأزرق هو عموما كتاب تصدره الحكومة حول قضية ما. ويعد مثل هذه الكتب مكتب البروتوكول والعلاقات في الأمم المتحدة لأغراض المعلومات فقط).

والدرس الآخر الذي يتعلمه المرء من تجربة هذه الجامعة المفتوحة، هو أننا جميعا بشر، بأخطائنا وضعفنا وهفواتنا. لكن العمل كفريق يعطي نتائج أفضل، فـ«الشكوك الأولية، والخجل، وحتى الغطرسة يتم التغلب عليها من خلال جرعات يومية من الدفء الإنساني والاهتمام المشترك».

ولكن «مسرح العالم هذا»، بتعبير صنبر، يعاني من صعوبات كثيرة غير مرئية من الخارج، وأهمها الصعوبات المالية، التي تعيق تحقيق أهدافها، وبخاصة فيما يتعلق بالسلام العالمي، والتنمية البشرية، وهما هدفان رئيسيان من أهدافها، إضافة إلى التحديات الأخرى، الإرهاب، والعنف الطائفي، والهجرة، التي لا تلقى استجابة كبيرة تتناسب مع حجمها وخطورتها.

أما بالنسبة للهدف الأول، وهو حفظ السلام «في عالم متشظ بلا قيادة»، فهو ليس فقط لم يتحقق، بل وصل إلى درجة حرجة، والحال نفسه ينطبق على الهدف الثاني أيضا، بسبب أن الاعتمادات المخصصة لذلك تصرف على موجات اللاجئين المتزايدة. وهذه المشكلة، يقول، صنبر، يعترف بها كبار المسؤولين في المنظمة الدولية، وهي تتطلب مساعدات أكثر بكثير. لكن الحكومات تعيد تكرار التزاماتها السابقة، وهي غالبا لا تفي بها.

ورغم كل هذه الموضوعات التي تصدّع البشرية، فإن صنبر لا ينسى كواليس مسرح العالم هذا، حيث يحدِّث بكثير من الطرائف المتولدة من سوء الفهم، نتيجة اختلاف الثقافات واللهجات والعادات، وحتى معاني الكلمات، أو تشابهها، التي تعني عند شعب شيئا، وتعني شيئا مختلفا، قد يكون محرجا، عند شعب آخر، وبخاصة عند الشعوب الأوروبية ذات الشجرة اللغوية الواحدة. ولا يكاد فصل من فصول الكتاب، البالغ 401 صفحة من الحجم المتوسط، يخلو منها. يلتقط المؤلف صنبر التفاصيل الصغيرة، ودلالاتها، بحسه الصحافي، ورهافة كاتب القصة القصيرة، التي أصدر فيها مجموعة واحدة، ثم خطفه عالم الدبلوماسية السحري.


اختيارات المحرر

فيديو