تونس تعيش تداعيات اغتيال الزواري

انكشاف أمني ودعوات تغيير في ذكرى «ثورة البوعزيزي»

تونس تعيش تداعيات اغتيال الزواري
TT

تونس تعيش تداعيات اغتيال الزواري

تونس تعيش تداعيات اغتيال الزواري

فجّرت جريمة اغتيال مهندس تونسي نسبتها الأحزاب والنقابات والمنظمات الحقوقية إلى جهاز «الموساد» الإسرائيلي و«مخابرات أجنبية» تحركات شعبية واسعة في تونس لمحاسبة الحكومة داخل البرلمان ووسائل الإعلام عن «الإخفاق السياسي والأمني» وسط مؤشرات لإعادة تشكيل المشهد السياسي والحزبي الوطني في البلاد. ولقد تبنّت حركات تحرر وطني فلسطينية كثيرة مهندس الطيران المخترع محمد الزواري ووصفته بـ«شهيد الموساد»، كاشفة أنه سبق له أن صنع طائرات من دون طيار (درون) للفصائل الفلسطينية وعمل معها طوال 10 سنوات. في حين تراوحت مواقف الرسميين والمعارضين بين التحفظ والمساندة، وسط تخوّف المراقبين من أن تؤدي التظاهرات الجديدة والمحاسبة العلنية للسلطات في البرلمان ووسائل الإعلام إلى «ثورة ثانية» تتزامن مع ذكرى إسقاط حكم زين العابدين بن علي في يناير (كانون الثاني) 2011.
إلى أين يسير المشهد السياسي الوطني في تونس؟ ففي حين لوّحت أطراف سياسية ونقابية كثيرة بتنظيم مظاهرة «ضخمة غير مسبوقة»، مساء اليوم (السبت)، في مدينة صفاقس، ثاني كبرى المدن التونسية، وموطن المهندس محمد الزواري، تكشف الشعارات التي ترفع منذ أيام في وسائل الإعلام ومسيرات الاحتجاج على اغتياله عن أبعاد أخرى؛ إذ يحرص بعض المنخرطين على توظيف التحركات الاجتماعية والسياسية للضغط على السلطات وتبديل المشهد السياسي، مع دعوة البعض الآخر إلى «ثورة ثانية تؤدي إلى تغيير شامل».

اغتيال «وحّد التونسيين»
ولقد شاءت الأقدار أن تسجَّل جريمة الاغتيال الاستفزازية للمهندس الطيار محمد الزواري، أمام بيته، في مرحلة تعيش معها غالبية مدن تونس اضطرابات اجتماعية وأجواء سياسية مشحونة داخل السلطة والحزب الحاكم الذي يتزعمه الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي. كذلك شاءت الأقدار أن تتزامن التحركات الاحتجاجية على جريمة الاغتيال مع مظاهرات سياسية اجتماعية تُنظَّم في طول البلاد وعرضها إحياء لـ«ثورة محمد البوعزيزي» في 17 ديسمبر (كانون الأول) 2010 وانتفاضة «المهمّشين» التي تسبّبت بإسقاط حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي في يناير 2011، ثم بمسلسل «الثورات العربية».
ولئن تميّز المشهد السياسي والحزبي التونسي بالتشرذم والانقسامات، خصوصًا في صفوف الأحزاب الليبرالية واليسارية، فلقد كشفت ردود الفعل على اغتيال الزواري أن «فلسطين وحّدت صنّاع القرار في تونس بمختلف ألوانهم»، كما أورد الوزير السابق للتربية والتعليم والكاتب سالم الأبيض، وهو من التيار القومي العروبي.

ضغوط وتحوّلات
وبعيدًا عن فُسيفساء المظاهرات الاجتماعية و«المهرجانات الخطابية» و«الشعارات العاطفية العابرة» التي فجرتها حادثة الاغتيال والتحركات الشعبية الواسعة للتنديد بالاغتيال وبـ«اختراق المخابرات الأجنبية» سيادة تونس، لوحظ تطور موقف الرسميين منها من التجاهل واللامبالاة مرورًا بالمسايرة ووصولاً إلى الرضوخ لضغوط وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي والمسيرات. وبعدما وصف وزير الداخلية الهادي المجدوب في مؤتمر صحافي محمد الزواري بـ«القتيل» و«الهالك»، أصبح رئيس الحكومة يوسف الشاهد وكبار المسؤولين في الدولة والأحزاب يصفونه بـ«الشهيد» و«العالم المخترع»، ويعلنون عن الاستعداد لأن ترفع الحكومة التونسية شكاوى دولية ضد المخابرات «الأجنبية» المتهمة بانتهاك حرمة التراب التونسي والسيادة الوطنية، وفق الناطق الرسمي باسم الحزب الجمهوري عصام الشابي، الذي قاد عدة مظاهرات في العاصمة تونس.
وفي الوقت نفسه، اعتبر البرلماني زهير مغزاوي، الأمين العام لحزب الشعب القومي، خلال تجمع شعبي بالقرب من وزارة الداخلية التونسية أن «الرأي العام الشعبي في تونس سيتابع ضغوطاته على السلطات للبرهنة على وفاء شعب تونس لثوابته الوطنية وللمبادئ التي جعلته منذ الثلاثينات والأربعينات في القرن الماضي يرسل متطوعين لـ(الجهاد في فلسطين)». وتطوّرت مساءلة الحكومة عن «تقصيرها» الأمني والدبلوماسي والإعلامي في التعامل مع «اختراق المخابرات الإسرائيلية والأجنبية» للبلاد بعد سقوط حكم بن علي إلى محاسبة علنية لسياستها الخارجية والأمنية ومطالبات متفرقة بإقالة عدد من الوزراء، بينهم وزير الخارجية خميّس الجهيناوي، الذي كان أول سفير لتونس في تل أبيب عام 1995 في أعقاب «اتفاق مقاربة الدولة».
في المقابل، ما زال «منطق الدولة» يحكم مواقف المسؤولين الأُوَل في السلطة وفي قيادات الأحزاب الكبرى، وعلى رأسها حزب «نداء تونس» الحاكم، حيث حرص الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي على التعامل بحذر مع المستجدات ميدانيًا وسياسيًا، ورجّح «أجندة» رجل الدولة على أجندات السياسيين. وعند ترؤسه اجتماع المجلس الأعلى للجيوش اكتفى قائد السبسي بتصريح قصير أكد فيه على واجب حماية حدود البلاد وأمنها. كذلك تمسك الرئيس التونسي بالحذر رغم النداءات التي وجّهها له سياسيون مستقلون وقياديون في الأحزاب الحاكمة والمعارضة لـ«تدويل» جريمة الاغتيال بصفته وزير خارجية تونس في أكتوبر (تشرين الأول) 1985 عندما قصفت طائرات حربية إسرائيلية مقر القيادة الفلسطينية في تونس.
وكان قائد السبسي ترأس يومذاك فريق الدبلوماسيين الذين كلفهم الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة برفع شكوى ضد إسرائيل مع التهديد بقطع العلاقات مع واشنطن في صورة استخدامها حق النقض «الفيتو». وبالفعل، اكتفت الولايات المتحدة وقتها بالاحتفاظ بصوتها رغم إدانة القرار لإسرائيل ومطالبتها بتقديم تعويضات لتونس عن الخسائر التي لحقت بها.

منطقان متغايران
وفي الوقت الذي يتسابق فيه قياديون من أحزاب كثيرة، بينها حزب «حركة النهضة» الإسلامي، لتوظيف الاحتجاجات والمظاهرات من أجل تحسين مواقعهم وتحسين شعبية أحزابهم في البلاد، فاجأ عدد من القادة البارزين في «النهضة» المراقبين بـ«واقعيتهم المبالغ فيها»، حسب بعض النقابيين التونسيين، حيث أدلى الوزير عماد الحمامي، الناطق الرسمي باسم «النهضة» بتصريحات فاجأت كثيرين وأثارت جدلاً وردود فعل متباينة داخل كوادر حزبه وخارجها، وأيضًا تسببت بتوجيه انتقادات لاذعة له لحركته. ذلك أن الحمامي تساءل عن مبررات «التسرّع» في اتهام إسرائيل والحكومة التونسية «قبل استكمال التحقيقات والتحريات».
وفي السياق ذاته، حافظ زعيم «النهضة» راشد الغنوشي على صمته، خصوصًا أن التحرّكات والاحتجاجات تزامنت مع وجوده في العاصمة البلجيكية (والأوروبية) بروكسل، حيث ترأس مؤتمرًا لمئات من كوادر حركته في المهجر. وبدا الغنوشي، بوضوح، في مظهر الزعيم السياسي المشارك في الحكم الذي لا يريد أن يتورط في مواقف سياسية حماسية «قبل استكمال نتائج التحقيق الأمني والقضائي».
وداخل البرلمان، انتقد رئيس كتلة «النهضة» الوزير السابق نور الدين البحيري جريمة اغتيال المهندس الزواري، بيد أنه دعا السياسيين والنشطاء إلى التوقف عن «المزايدات» والجدل حول خصال الفقيد وعيوبه، وما إذا كان «شهيدًا» أم لا. واعتبر أن صفة «الشهادة تكريم من الله يعطيها الله لمن يشاء ولا ينبغي أن تكون موضوع مزايدات سياسية».
في هذا المناخ الذي يعتبر فيه كثيرون من المراقبين أن «النهضة» بات المستفيد الأكبر شعبيًا من الاحتجاجات الاجتماعية ومن المظاهرات المعادية للحكومة بحجة «إخفاقاتها الأمنية»، بدت رئاسة «النهضة» حذرة جدًا في مسايرة «انفعالات» الشباب المهمّش الذي يلوّح بـ«ثورة ثانية» قد تطيح بالحزب الحاكم (نداء تونس) الحالي الذي يتزعمه قائد السبسي. لكن النتيجة ستكون في الوقت نفسه الإطاحة بشركائه السبعة في الحكومة وبينهم وزراء «النهضة»، وعلى رأسهم وزير الصناعة والتجارة الأمين العام الجديد للحزب.
وراهنًا، تبدو قيادات الطبقة السياسية في موقع لا تحسد عليه بين ضغوط مزدوجة شعبية من جهة وسياسية دولية من جهة ثانية. وعلى الرغم من تحسن الأوضاع الأمنية في تونس خلال العام المنقضي، تسبب الإعلان عن الجذور التونسية للشاب المشتبه فيه بقتل أو جرح عشرات الألمان في العاصمة الألمانية برلين في إحراج ساسة تونس التي باتت بعض التقارير تصنّفها في المراتب الأولى دوليًا على صعيد «تصدير الإرهابيين». وجاء هذا التطور بعد أشهر قليلة من هجوم مماثل بشاحنة نفذه شاب تونسي آخر في مدينة نيس الفرنسية، ومع تأكيد مصادر دولية مختلفة أن نسبة كبيرة من الإرهابيين والمقاتلين المتطرفين في العراق وسوريا والعالم خلال العقدين الماضيين من المغاربيين، بينهم شبان من تونس، مثل قتلة الزعيم الأفغاني المعتدل أحمد شاه مسعود عام 2001، والمتورّط الرئيسي في تفجير قطار مدريد بإسبانيا عام 2004.

الموقف من «الإخوان»
في هذه الأثناء، تابع بعض السياسيين اليساريين ضغوطهم وتصريحاتهم التي تضغط على «نداء تونس» حزب الرئيس قائد السبسي وعلى «النهضة» بزعامة الثنائي راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو كي لا يتورط حزباهم كثيرًا في مسايرة مسيرات الغضب من اغتيال محمد الزواري، وتطالب الحزبين الكبيرين بإعلانهما التبرؤ القاطع والصريح من «الجماعات الإرهابية» و«التنظيمات التكفيرية» وأيضًا من حركة «الإخوان المسلمين».
وفي المرحلة التي تعاقبت فيه زيارات الغنوشي وعدد من المقربين منه إلى العواصم الغربية كباريس وبروكسل وروما وبرلين، وكذلك إلى الدول الخليجية حرصًا على تطبيع علاقات حركته معها، تبدو «الورقة الدولية»، وفق مراقبين، بصدد عرقلة الجهود التي يبذلها متشددو «النهضة» للاستفادة من جريمة الاغتيال. وللعلم، كان المهندس القتيل من بين نشطاء «الاتجاه الإسلامي» في الحركة الطلابية قبل مغادرته تونس وانضمامه إلى الفصائل الفلسطينية في مطلع عقد التسعينات من القرن الماضي.
وفي أعقاب المواقف التي صدرت عن زعيم «النهضة»، وانتقد فيها الدور الإيراني في اليمن وسوريا وهجوم الحوثيين بصاروخ على منطقة مكة المكرمة، يبدو الغنوشي في المقابل حريصا على التعامل بـ«حذر شديد» مع دعاة التصعيد السياسي ضد العواصم الغربية المتحالفة مع إسرائيل، ومع المبشّرين بشن «ثورة ثانية» يكون الإسلاميون طرفا فيها هذه المرة.

ورقة النقابات
لكن بين أكبر التحديات التي تواجه الرئيس قائد السبسي وحكومة يوسف الشاهد وقيادات الأحزاب المشاركة فيها، بزعامة «نداء تونس» و«النهضة»، توسّع نطاق الاحتجاجات لتشمل قيادات نقابات العمال والصحافيين والمحامين والمهندسين والمجتمع المدني، ويتداخل فيها الاجتماعي والسياسي والأمني، إذ دخلت قيادات الاتحاد العام التونسي للشغل على الخط وأصدرت مواقف وصفت بـ«الراديكالية» من حيث نقدها للسلطات وسياساتها الاجتماعية والأمنية. كذلك تبنّت قضية المهندس الزواري ووصفته بـ«الشهيد»، وانخرطت مع القوى التي وظّفت التعاطف الشعبي معه ومع عائلته لمحاولة تغيير ميزان القوى السياسي، وذلك عشية تنظيم المؤتمر الوطني لاتحاد النقابات بنهاية الشهر المقبل وللمطالبة بإقالة عدد من السياسيين بينهم وزير التربية والتعليم.
أيضًا نزل اتحاد المهندسين - الذي يمثل 70 ألف مهندس تونسي - إلى المعركة السياسية وميادين الاحتجاجات الشعبية في العاصمة والجهات الداخلية لأول مرة تحت يافطة التضامن مع «المهندس الشهيد». وسار في المنحى نفسه اتحاد نقابات الفلاحين والصيادين الذي يضم مئات الآلاف من الأعضاء. وتجدر الإشارة إلى أن قيادات نقابات المهندسين والفلاحين تنتمي إلى التيارات الإسلامية والقومية، بينما ينتمي معظم قادة النقابات العمالية إلى الأحزاب اليسارية، بما يوشك أن يزيد مرحلة خلط أوراق تونس خلال مرحلة تتفاقم فيها الخلافات داخل حزب الرئيس قائد السبسي وتزيد في إضعافه. ولئن كانت النقابات قد لعبت دورا حاسما في الإطاحة بحكم بن علي قبل 6 سنوات، فإن نزولها إلى الشارع مجددًا، رافعةً شعارات اجتماعية وسياسية ووطنية وقومية، يمكن أن يعمق الخلل في المشهد السياسي لصالحها على حساب الحكومة والزعامات التاريخية للأحزاب المشاركة فيها.

المرزوقي تحت الأضواء
في هذا المناخ تسارعت مؤشرات إعادة ترتيب الأوراق والأولويات واللاعبين في المشهد السياسي الوطني. إذ نجحت جلسات الاستماع العلنية التي نظمتها «هيئة الحقيقة والكرامة» وبثتها القنوات التلفزيونية التونسية لضحايا القمع خلال السنوات الـ60 الماضية في إرباك رموز النظام السابق الذين باتوا متهمين بالتورط في أشكال بشعة من اضطهاد معارضيهم من كل الألوان السياسية وتعذيبهم. وبحكم انتماء غالبية نشطاء حزب الرئيسين الأسبقين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي لحزب قائد السبسي فقد ضعف موقفهم شعبيًا في مرحلة تعدّدت فيها الانتقادات الموجهة إليهم وإلى أدائهم الحكومي. ومن ثم، بدأ رموز «الثورة» يعودون بقوة، وعادت وسائل الإعلام الحكومة مجددًا لفتح شاشاتها للرئيس السابق المنصف المرزوقي وأنصاره، الذين إما يتابعون جلسات الاستماع العلنية أو يزورون بيت المهندس الزواري في صفاقس، ويدلون بتصريحات نارية تتضمن دعوات لإقالة كبار المسؤولين في الحكومة ومحاسبة المتورطين في الثغرات الأمنية.
وفي هذه الأثناء، تتعرض الحكومة لانتقادات لاذعة أخرى بعد «تسلل» مراسلين حربيين تابعين للقناة العاشرة الإسرائيلية إلى تونس، ونجاحهم في إجراء تحقيقات تلفزيونية من أمام مقر وزارة الداخلية في قلب العاصمة تونس، ثم في بيت المهندس الزواري. واعتبر الوزير السابق والقيادي بحزب «التيار الديمقراطي» محمد عبو وجود مراسل القناة الإسرائيلية على الأراضي التونسية «إهانة للدولة التونسية». ومن ثم، طالب عبو وزارة الداخلية والحكومة بإصدار توضيح مقنع عن ملابسات دخول «الجاسوس العسكري باسم صحافي له هويات أوروبية مختلفة» إلى تونس، دون انتباه أجهزة الدولة. كذلك اعتبرت البرلمانية المعارضة سامية عبو أن الحكومة التونسية «فقدت مصداقيتها تمامًا» داعيةً مع برلمانيين وسياسيين آخرين إلى إقالتها.
وفي المقابل، وجه نوري اللجمي رئيس الهيئة العليا المستقلة للإعلام السمعي البصري وناجي البغوري رئيس نقابة الصحافيين اتهامات خطيرة للسلطات، التي سبق أن حذراها من اختراق «الموساد» ومخابرات أجنبية لتونس تحت يافطات «إعلاميين» يحملون أكثر من جواز سفر.

حرب خلافة
أخيرًا، بينما تتراوح الأوضاع السياسية والأمنية في تونس مجددًا بين التحكم والانفلات الاجتماعي والإعلامي والسياسي، يفتح بعض المراقبين مجددًا ملف «حرب الخلافة»، أي مرحلة ما بعد الانتخابات الرئاسية المقبلة. ويذكر أن تونس شهدت خلال العقود الماضية حوادث متعاقبة ضربت إسرائيل فيها أهدافا فلسطينية، بينها قصف مقاتلات حربية إسرائيلية قيادة منظمة التحرير الفلسطينية في حمام الشط خلال أكتوبر 1985، ثم اغتيال زمرة «كوماندوس إسرائيلية» زعيم «الانتفاضة الأولى» خليل الوزير (أبو جهاد) في أبريل (نيسان) 1988، ثم زعماء حركة «فتح» وجناحها الأمني فتح أبو إياد وأبو محمد وهايل عبد الحميد في يناير 1991.
لكن الجديد في التطورات الحالية تزايد دور قوى المجتمع المدني ونشطاء مواقع الإعلام الاجتماعي في تونس، وعلى رأسهم قيادة الاتحاد العام التونسي للشغل ونقابات المهندسين والفلاحين والصحافيين التونسيين، إذ انخرطت هذه الأطراف في مسلسل من التحركات الرامية لإضعاف الدولة، وفتحت بالمناسبة ملفات سياسية أمنية تتداخل فيها الاعتبارات المحلية مع الاعتبارات الدولية، من بينها ملف «السيادة الوطنية»، بينما يقرّ رسميون سابقون في الحكومة، مثل وزير الأمن الوطني سابقًا الأزهر العكرمي بأن «تونس مخترَقة بمئات من ممثلي المخابرات الأجنبية والإسرائيلية» وأصبحت مهددة بسيناريوهات كثيرة من التدخلات الأجنبية.
فهل تكون «الأزمة الجديدة» القَطرة التي تفيض الكأس، وسط توالي انكشاف «الثغرات» وتزايد الأوضاع الأمنية والسياسية تعقيدًا وغموضًا في محيط تونس الجيواستراتيجي ودول جوارها، خصوصًا في ليبيا والجزائر ومالي؟



أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)

تعد العملية الدراماتيكية التي نفّذتها الولايات المتحدة لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس، وإزاحتهما من السلطة على يد قوات عسكرية أميركية خاصة، واحدة من أهم الأحداث الجيوسياسية في حقبة ما بعد «الحرب الباردة». ومع أن «مسرح» العملية كان في أميركا اللاتينية، فإن تداعياتها تمتد إلى ما هو أبعد من المنطقة. أيضاً يشير الواقع إلى أن الهدف من العملية لم يكن مجرد إسقاط نظام مادورو، بل أيضاً العرض المتعمد للقوة الأميركية، من أجل تعطيل الشبكات الاستراتيجية لأبرز منافسي واشنطن على الساحة العالمية.

يرى مراقبون استراتيجيون أن الولايات المتحدة، عبر عملية اختطاف نيكولاس مادورو واعتقاله، لم تكتفِ بتحييد نظام معادٍ، بل أظهرت كذلك قدرتها على اختراق قيادة حاكمة، وإسقاطها من السلطة، داخل دولة لطالما حظيت بحماية دبلوماسية واقتصادية وعسكرية من منافسي واشنطن الكبار. وبذا، لم تتحدَّ واشنطن حكومة مادورو فحسب، بل تحدّت أيضاً الفرضيات التي يقوم عليها التخطيط الاستراتيجي الصيني والروسي والكوري الشمالي.

في هذا السياق، يعرب المحلل الجيوسياسي الهندي مانيش تشيبر عن اعتقاده بأن العملية الأميركية «ما كانت تهدف إلى تغيير النظام في كاراكاس، بقدر ما كانت تهدف إلى إعادة تأكيد الهيمنة الأميركية... وعموماً سعت العملية إلى تعطيل قدرة الدول المنافسة على بسط نفوذها وتعزيز التسلسل الهرمي في النظام الدولي. وجاءت الرسالة واضحة لا لبس فيها: التحالف مع خصوم الولايات المتحدة لا يضمن الحماية». ويضيف تشيبر: «من وجهة نظر واشنطن، مثّلت فنزويلا نقطة ضغط مثالية؛ إذ كانت متجذّرة بعمق في البنية الاستراتيجية لكل من الصين وروسيا، وتعتمد بشدة على دعمهما الاقتصادي والعسكري، ناهيك من أنها تقع جغرافياً في منطقة تُعتبر تاريخياً حيوية للأمن الوطني الأميركي. وبالتالي، فالضربة في فنزويلا مكّنت واشنطن في آن معاً من تعطيل شبكات منافسة متعددة». وحقاً، كان كل من الصين وروسيا قد استثمرتا بكثافة في فنزويلا ضمن مساعيهما لتحدي النفوذ الأميركي في ما تعتبره واشنطن منذ فترة طويلة «فناءها الخلفي» الاستراتيجي.

انتكاسة استراتيجية لبكين

بالنسبة للصين، يأتي إسقاط مادورو بمثابة ضربة قاسية. إذ إن فنزويلا لم تكُن مجرد شريك آخر في جهود بكين المتنامية للانخراط داخل دول «الجنوب»، بل كانت محوراً استراتيجياً لها في أميركا اللاتينية، واختباراً حاسماً لقدرتها على حماية مصالحها وتحدّي هيمنة واشنطن خارج شرق آسيا.

وحقاً، طيلة عقدين، رسّخت بكين مكانتها كشريك لا غنى عنه لفنزويلا - بلداً وسلطةً - بفضل القروض المدعومة بالنفط، والتعاون في مجال الطاقة، وتمويل البنية التحتية، والدعم الدبلوماسي. وكثيراً ما وصف المحلّلون الصينيون هذه الشراكة بأنها تقوم على «المنفعة المتبادلة»، إذ تلقت كاراكاس دعماً مالياً ودعماً سياسياً. وفي المقابل، أمّنت بكين إمدادات الطاقة ونفوذاً إقليمياً.

أيضاً، برزت الصين كأكبر مستورد للنفط الخام الفنزويلي، وتكشف الأرقام أنها استوردت ما يقارب 400 ألف برميل يومياً عام 2025، أي أكثر من نصف إجمالي صادرات فنزويلا. وكانت هذه التدفّقات النفطية «شريان حياة» لحكومة مادورو، إذ حافظت على إيرادات الدولة تحت وطأة عقوبات وانهيار اقتصادي واضطرابات داخلية مستمرة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن فنزويلا تهدّدت بأزمات مالية هائلة. ومنذ مطلع العقد الأول من الألفية الثانية، قدّمت لها بكين قروضاً تجاوزت قيمتها 100 مليار دولار، أي ما يقارب 39 في المائة من إجمالي القروض الصينية المقدمة لمجمل دول أميركا اللاتينية. ومع أنها سددت جزءاً من هذه الديون، لا تزال فنزويلا مدينة للصين بما يُقدّر بما بين 10 و12 مليار دولار، معظمها مُرتبط بترتيبات تتعلق بالسلع الأساسية. وبجانب النفط، استثمرت الشركات الصينية بكثافة في التعدين، (بالذات) الذهب والاتصالات والبنية التحتية.

نقاط الضعف الصينية

بالتوازي، وبينما ركّزت التحركات الأميركية الأخيرة في فنزويلا علناً على النفط والنفوذ السياسي، يرى محللون أن «تقييد» المصالح الصينية شكّل هدفاً رئيسياً. إذ لطالما كانت الصين مشترياً أساسياً للنفط الخام الفنزويلي، واستثمرت بكثافة عبر صفقات «قروض مقابل النفط»، التي ربطت التمويل بضمانات إمدادات النفط. ويُبرز تعطيل هذا الترتيب هشاشة أصول الطاقة الصينية في الخارج، ولا سيما المناطق الهشّة سياسياً، وتلك التي تقع خارج نطاق سيطرتها العسكرية. وربما يدفع هذا الانكشاف بكين إلى إعادة تقييم استثماراتها في أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا الوسطى.

الواقع أن فنزويلا تمثّل معضلة في الاستراتيجية الصينية تجاه الموارد الخارجية. فغالباً ما يؤدي تأمين أصول الطاقة والمعادن البعيدة من دون التزامات أمنية مقابلة إلى انكشافها، بدلاً من تعزيز قدرتها على الصمود. وقد تتحوّل الأصول التي كانت تُعدّ في السابق حواجز استراتيجية إلى أعباء في المناطق المتنازع عليها، خاصةً في ظل اشتداد المنافسة الجيوسياسية وقدرة الخصوم على إعادة رسم النتائج بالقوة أو الدبلوماسية.

الثروات الأرضية النادرة

وهنا يتناقض ضعف الصين بشكل حادّ مع موقعها في مجال الثروات الأرضية النادرة والمعادن الحيوية. ولقد وصف مسؤولون ومحللون أميركيون المتطلبات الصينية المتعلقة بتراخيص التصدير التي أقرّت أواخر عام 2025 بأنها محاولات «لاستغلال» قدرتها التصنيعية شبه المهيمنة، خاصة في مجال المعادن النادرة المتوسطة والثقيلة التي تتسم بأهمية بالغة لأنظمة الدفاع والإلكترونيات المتقدمة والمركبات الكهربائية وتقنيات الطاقة المتجددة. وجاءت هذه الإجراءات عقب فرض واشنطن قيوداً على أشباه الموصلات وغيرها من التقنيات ذات الاستخدام المزدوج للشركات الصينية. ومع أن بكين حافظت لاحقاً على الصادرات بموجب ترتيبات محدودة ومؤقتة، عزّزت هذه العملية المخاوف من جاهزيتها لتحويل هيمنتها التصنيعية إلى نفوذ جيوسياسي.

في هذا الإطار، يرى المحلل الهندي راجا موهان أن الضغط الأميركي على فنزويلا «قد يُستخدم كورقة ضغط مضادة غير مباشرة في مواجهة السيطرة الصينية على المعادن النادرة وغيرها من المواد الاستراتيجية». وعبر تهديد مصدر طاقة رئيس واحتياطيات معدنية محتملة، «تضغط واشنطن على بكين في مجالات استراتيجية متعدّدة»... وبالتالي، يمكن اعتبار تشديد بكين اللاحق على «ضوابط» تصدير المعادن النادرة خطوة دفاعية أو انتقامية في خضم صراع جيوسياسي متصاعد، لا مجرّد إجراء اقتصادي معزول.

من جهة ثانية، لا تقتصر الأهمية الاستراتيجية لفنزويلا على النفط وحده، إذ تختزن أرضها أيضاً احتياطيات غير مستغلة من المعادن النادرة البالغة الأهمية للتخطيط الصناعي والتكنولوجي والدفاعي الطويل الأجل. وفي هذا الإطار، رأى المحلل الهندي سوشانت سارين أن قضية المعادن النادرة «تُسلط الضوء على حدود جهود الإكراه الاقتصادي من دون وجود نفوذ أمني مُكمّل. فالهيمنة على سلاسل التوريد قد تُوفر قوة تفاوضية قصيرة الأجل، لكنها لا تستطيع منع الخصوم من إعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي بالوسائل السياسية أو العسكرية». وهكذا، تحمل فنزويلا درساً مهماً لبكين: فالسيطرة على نقاط الاختناق في عمليات المعالجة لا تعني بالضرورة السيطرة على نتائجها داخل المساحات الجيوسياسية، التي تحركها الأزمات.

انكشاف فجوة الصدقية

وللعلم، في أعقاب العملية مباشرة، أصدرت بكين إدانة دبلوماسية شديدة اللهجة، متهمة واشنطن بانتهاك القانون الدولي وتهديد الاستقرار الإقليمي. واستنكر المسؤولون الصينيون ما وصفوه بـ«السلوك الساعي لفرض الهيمنة»، وحذّروا من الإجراءات أحادية الجانب. لكن، بخلاف الخطابات والتصريحات، لم تُقدّم القيادة الصينية أي ردّ ملموس. إذ لم تكن هناك أي إشارة عسكرية، ولا أي نشر وقائي، ولا أي إجراء مضاد لحماية مصالحها أو أفرادها على الأرض. وأكثر من هذا، تشير تقارير إلى أن الاستخبارات الصينية بوغتت بالعملية الأميركية، في حين أثبتت أنظمة الدفاع الجوي الصينية في فنزويلا انعدام فاعليتها خلال العملية.

بخلاف التداعيات الدبلوماسية المباشرة، قد تجبر الأزمة الفنزويلية بكين على مواجهة تناقضات هيكلية أعمق في استراتيجيتها العالمية؛ فقد بنت الصين نفوذها الخارجي أصلاً على المهارة الاقتصادية للدولة كالقروض، والبنية التحتية، وشراكات الطاقة، والإحجام عن فرض شروط سياسية. لكن أزمة فنزويلا الأخيرة كشفت أن العمق الاقتصادي لا يُترجم تلقائياً إلى قدرة على الصمود في وجه الأزمات. وهنا يحلّل راجا موهان المسألة على النحو الآتي: «تكشف هذه الحادثة عن فجوة في مصداقية الاستراتيجية الصينية العالمية. إذ بمقدور بكين تقديم الاستثمار والتجارة والدعم السياسي، لكنها عاجزة حتى الآن عن تقديم ضمانات أمنية قاطعة بمواجهة قوة أحادية حاسمة».

ويتابع المحلل الهندي: «بما يخص حكومات أميركا اللاتينية، تثير التداعيات القلق، فالتقارب مع الصين يُحقق فوائد اقتصادية، لكنه لا يُترجم بالضرورة إلى حماية عند مواجهة ضغوط واشنطن. بل قد يتبع ذلك إعادة تقييم هادئة للتوجّه نحو واشنطن للحصول على ضمانات أمنية... ما يُبطئ وتيرة التوسع الصيني إقليمياً».

أما المحلل الاستراتيجي الهندي أماليندو ميسرا، فيوضح: «إن أمام صانعي السياسة الصينيين الآن مراجعة صعبة. فحماية الاستثمارات الخارجية بالوسائل العسكرية تتطلب تمركزاً متقدماً، واختراقاً استخباراتياً، وتأهباً للتصعيد... وهذه خطوات تتناقض في مجملها مع تركيز بكين المُستمر على تجنّب التدخل. ومع ذلك، فإن استمرار ضبط النفس يُهدد بمزيد من تآكل المصداقية بين الدول الشريكة».

هذه الفجوة في الصدقية لا تنطبق على فنزويلا وحدها، بل يتردد صداها في جميع أنحاء منطقة «مبادرة الحزام والطريق» الصينية الأوسع، حيث يجري عدد من الدول المستفيدة من «المبادرة» تقييماً هادئاً لمدى ضمان الشراكات الاقتصادية مع الصين، أي حماية أمنية فعّالة خلال فترات الأزمات الحادة. وعليه، فمثال انعدام الحماية الصينية في فنزويلا قد يؤثر على المفاوضات المستقبلية، وتقييمات المخاطر، والتوقعات السياسية في مناطق بعيدة عن أميركا اللاتينية.

هل تُشكّل فنزويلا نموذجاً لتايوان؟

على صعيد آخر، بين القراءات الأكثر جدية لعواقب العملية الأميركية القراءة الخاصة بمصير تايوان. فهل تعتبر بكين العملية نموذجاً لمعاملة تايوان؟

ظاهرياً، استغلّ المسؤولون الصينيون العملية للتشكيك في صدقية الولايات المتحدة حيال الالتزام بمبادئ السيادة والقانون الدولي. لكن ثمة محللين عقدوا مقارنات مباشرة بين فنزويلا وتايوان. وكمثال، وصف ستيف تسانغ، مدير معهد الدراسات الصينية في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية (سواس) بجامعة لندن، هذا بأنه «فخّ نفاق» يسمح لبكين بالزعم أن المعايير الدولية تُطبّق بشكل انتقائي، وبالتالي فهي قابلة للتفاوض.

وفي المقابل، يرفض آخرون فكرة أن فنزويلا تُقدّم نموذجاً تكتيكياً لتايوان. ووفق واي كيه سينها، السفير الهندي السابق لدى فنزويلا: «ثمة فوارق واضحة... فنزويلا تفتقر إلى حلفاء موثوقين مستعدين للقتال، ولم تكن لديها ضمانات أمنية مُلزمة، كما كانت قدراتها الردعية ضئيلة. أما تايوان فتشكل النقيض تماماً، إذ تتميّز بدعم أميركي عميق، وتكامل عسكري كثيف، ومخاطر تصعيد عالية للغاية، الأمر الذي تدركه بكين بوضوح».

ولكن رغم استبعاد أن تُشكّل فنزويلا نموذجاً عسكرياً لتايوان، فإنها تُزوّد بكين بذخيرة خطابية في بحر الصين الجنوبي. وعبر تسليط الضوء على الأحادية الأميركية، تستطيع بكين أن تُجادل بأن الأعراف السائدة تتبع القوة، بدلاً من أن تُقيّدها. ويدعم هذا التأطير ادعاء بكين القديم بأن أفعالها في المياه المتنازع عليها لا تختلف عن التدخلات الأميركية في أماكن أخرى.

كوريا الشمالية...وتعزيز خطاب الردع

في اتجاه آخر، إلى جانب الصين، وجّهت عملية فنزويلا رسالة ردع إلى كوريا الشمالية. وجاء ردّ فعل قيادتها أقوى وأكثر حدة من كثير من الردود الدولية الأخرى. وبعكس بعض حلفاء واشنطن، الذين أعربوا عن قلقهم، لكنهم لم يصلوا إلى حد الإدانة الصريحة، كان ردّ بيونغ يانغ قاسياً وذا طابع آيديولوجي، متسقاً مع معارضتها التاريخية للعمليات العسكرية الأميركية.

إذ أدانت وزارة خارجية بيونغ يانغ، عبر وكالة الأنباء المركزية الكورية الرسمية، العملية، ووصفتها بأنها «أخطر شكل من أشكال التعدي على السيادة»، واصفةً الولايات المتحدة بأنها «مارقة ووحشية». وأعقب هذه الإدانة إطلاق صواريخ باليستية - الأولى منذ عدة أسابيع – ما فُسِّر على نطاق واسع بأنه إشارة متعمدة.

ومن ثم، يرى محللون أن العملية الفنزويلية تعزز الاعتقاد الاستراتيجي الأساسي لدى كوريا الشمالية بأن الأسلحة النووية لا تزال الضمانة النهائية لبقاء النظام. ووفق المحلل الهندي سوشانت سارين: «فيما يخص يونغ يانغ، تُعزز فنزويلا قناعة راسخة مفادها أن الأنظمة التي تفتقر إلى رادع موثوق، تظل عرضة للخطر بغضّ النظر عن التحالفات الدبلوماسية. وتُعزز هذه الحادثة مبررات كوريا الشمالية للاحتفاظ بترسانتها النووية وتوسيعها، وتُصعّد مقاومتها لنزع السلاح النووي، وتُرسّخ فكرة أن القوة العسكرية الضمانة الوحيدة ضد التدخل الخارجي».

نمط استراتيجي أوسع

في نهاية المطاف، تُبرز عملية فنزويلا سمة أساسية للجغرافيا السياسية المعاصرة: أن القوة تُمارس بشكل متزايد من خلال السرعة والدقة والتأثير النفسي، بدلاً من المواجهة المطولة. وفي ما يخص الصين وكوريا الشمالية، بل روسيا أيضاً، تُذكّر هذه الحادثة بأن النفوذ دون حماية قابلة للتنفيذ يبقى مشروطاً. وفي نظام تكون فيه مصداقية الردع أهم من التحالفات القائمة على التصريحات والبيانات، من المرجح أن يشكل التوازن بين النطاق الاقتصادي والقدرة الأمنية النتائج الاستراتيجية في السنوات المقبلة.


مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
TT

مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع

في قلب غرب أفريقيا، تبرز قصة الرئيس الغيني مامادي دومبويا، كواحدة من أكثر التحولات السياسية دراماتيكية، المشحونة بالتناقضات خلال العقد الأخير. إذ نجح العسكري الذي أمضى معظم حياته برتبة عريف أوَّل في الجيش الفرنسي، خلال 4 سنوات فقط في التدرّج من قائد انقلاب عسكري إلى رئيس منتخب أخيراً، في مشهد يعكس تعقيدات السلطة والسياسة في «القارة السمراء». ما يجعل رحلة دومبويا أكثر إثارة للجدل هو التناقض العميق في شخصيته وسياساته، فهو يحكم بلداً غنياً بالثروات المعدنية، لكن البلاد تعاني تحت وطأة الفقر. ثم إن دومبويا، الذي تلقى إعداداً عسكرياً مبكّراً في إسرائيل، يقف في قلب مفارقة تاريخية وسياسية، فقيادته جاءت في بلد عرف بدعمه لحركات التحرّر الوطني الأفريقي وبتوتراته مع إسرائيل، لكنه اليوم يسعى لإعادة تشكيل الدولة وفق رؤيته الخاصة.

مامادي دومبويا، البالغ من العمر 42 سنة، لم يتردّد في استخدام سرعته العسكرية لتحقيق السلطة، لكنه لم يكتفِ بذلك، بل مضى نحو كسب شرعية انتخابية لإعادة إنتاج قيادته وإضفاء طابع قانوني على حكمه، في قارة شهدت عشر انقلابات خلال 5 سنوات.

تحيط أستار السرّية بنشأة دومبويا، المولود يوم 5 ديسمبر (كانون الأول) 1984 في مدينة كانكان بشرق غينيا، لكن المعروف أنه ينتمي إلى شعب «المالينكي»، وهو مجتمع تاريخياً محافظ، وقيادي، ومتماسك اجتماعياً، له تأثير سياسي واضح، ما يفسّر حضور شخصيات مثل دومبويا في المشهد العسكري والسياسي لغينيا وأفريقيا الغربية.

زوجة فرنسية

هذا الانتماء العرقي الأصيل لم يمنع دومبويا من الزواج من سيدة فرنسية بيضاء، اسمها لوريان داربو، وسط شحِ في المعلومات عن «سيدة غينيا الأولى» المرتقبة. ومن ناحية ثانية، يُنظر إلى الرئيس الغيني كقائد عسكري استثنائي، تميَّز عن نظرائه من قادة الانقلابات في القارة الأفريقية، إذ جمع بين التدريب التكتيكي التقليدي والخبرة في الأمن السيبراني والإدارة الاستراتيجية. ولقد صُقلت هذه المهارات عبر مسار مهني طويل، تميّز بالتدريب الدولي والعمل الميداني في عدة دول، أبرزها فرنسا حيث أمضى 15 سنة ضمن صفوف الجيش و«الفيلق الأجنبي» الفرنسي، مكتسباً خبرة لا تقتصر على التكتيكات العسكرية التقليدية فحسب، بل شملت أيضاً مهارات القيادة في بيئات معقّدة ومتعدِّدة الأبعاد.

خلال مسيرته، شارك دومبويا في عدة مهام عملياتية في مناطق النزاعات حول العالم، من أفغانستان وكوت ديفوار إلى جيبوتي وجمهورية أفريقيا الوسطى، كما تولّى حماية شخصيات دولية في إسرائيل وقبرص وبريطانيا وغينيا، وفق تقارير «إنتليجنس أونلاين». كلّ هذه التجارب أكسبته رؤية شاملة لمفاهيم الأمن وإدارة الأزمات، جعلته قادراً على التحرّك بسرعة وكفاءة في مواجهة التحدّيات السياسية والعسكرية على حد سواء.

وبدت مفارقة الأقدار متجسّدة بوضوح في المسار الذي أوصل دومبويا إلى قمة السلطة، بتناغم لافت مع مقولة الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه «مَن يرفعكَ إلى القمة قد يكون أول مَن يدفعك منها». إذ في عام 2018، لم يكُن الرئيس السابق ألفا كوندي يتوقّع أن قراره بتكليف دومبويا بقيادة مجموعة «القوات الخاصة» النخبوية (GFS) سيؤسس، بعد ثلاث سنوات فقط، لانقلاب عسكري أطاح به في سبتمبر (أيلول) 2021 على يد «الوحدة» ذاتها التي أوكل إليها حمايته وترسيخ نفوذه.

نموذج معقّد للقادة الانتقاليين

بعد هذا الانقلاب، الذي لحق بموجة انقلابات اجتاحت «القارة السمراء» منذ مطلع هذا العقد، جسَّد مامادي دومبويا نموذجاً معقداً لقائد انتقالي يجمع بين خطاب الاستقرار والتنمية وطموح تثبيت السلطة، في ظل مسار سياسي يثير جدلاً واسعاً حول الالتزام بالديمقراطية والحرّيات.

ذلك أنه بينما قدّم نفسه منقذاً للدولة من «حكم الفرد» التسلّطي في أول ظهور تليفزيوني له عقب الانقلاب، تلازمت سلطته مع تضييق غير مسبوق على المعارضة، شمل حلّ عشرات الأحزاب وإقصاء المنافسين المحتملين، ما أفرغ الانتخابات الرئاسية من مضمون التعدّدية.

وفي الاتجاه نفسه، حمل تحوّل الرجل من «قائد انقلاب» إلى «رئيس منتخب» تناقضات صارخة، أبرزها تراجعه عن تعهدات سابقة بالامتناع عن الترشح، عقب تعديل دستوري أزال القيود المفروضة على أعضاء المجلس العسكري. وفي مقابل خطابه الذي بشّر بإنهاء الحكم الفردي، تتهمه تقارير دولية ومحلية اليوم بتقييد الحرّيات وقمع الاحتجاجات وتهميش الخصوم السياسيين.

وحقاً، بين تثبيت الشرعية والتضييق على المعارضين داخلياً، يخضع مسار مامادي دومبويا لاختبار دقيق بين السلطة والحقوق. ففوزه الرئاسي بنسبة 86.72 في المائة بيَّن دعماً شعبياً شكلياً، خاصة بين الشباب والعمال، وهو ما كشفته شهادات بثتها وكالات أنباء عالمية. وفي المقابل، حاول ترسيخ صورة انتقاله من قائد عسكري إلى صاحب شرعية انتخابية مدنية وسياسية جديدة كاملة، بكلامه عن «غينيا للجميع».

من جهة أخرى، ركَّز دومبويا اقتصادياً، على قطاع التعدين ومشروع «سيماندو» للحديد، الذي تملك الصين 75 في المائة منه، مع استثمارات البوكسيت والبنية التحتية. وهنا نشير إلى أنه، على الرغم من برامج تدريب الشباب الرقمية، يواجه نصف سكان غينيا فقراً، وأمناً غذائياً هشّاً، وسط انتقادات ترى الإصلاحات تكريساً للسلطة واستمرار التحديات الاجتماعية الكبرى.

اختبار السياسة... إقليمياً ودولياً

على الصعيد السياسي، يأتي الاختبار التقليدي لمسار دومبويا على المستوى القاري الأفريقي، ضمن موجة الانقلابات التي وقعت منذ عام 2020 في غرب أفريقيا والساحل. وهذه الانقلابات تجسّد توتر علاقة الجيوش بالسلطة المدنية، مع سعي قادتها «إنتاج» شرعيتهم انتخابياً. وكما هو معروف، تشهد أفريقيا جنوبي الصحراء عدة حالات لقادة عسكريين شرعنوا بقاءهم حتى 2029 تقريباً، مع إمكانية إجراء انتخابات فقط إذا تحسّنت الظروف الأمنية.

أما لجهة السياسة الدولية العليا، فلم توضع علاقات دومبويا مع واشنطن على محك التجربة بعد بشكل مباشر ومعلن. إلا أن فوزه حظي بلهجة معتدلة من جانب واشنطن، عبر سفارتها، التي أعربت عن دعمها الرسمي للرئيس المنتخب، مع التركيز على العلاقات الاقتصادية والاستقرار. واللافت أن الصين، الشريك الاقتصادي الرئيسي لدومبويا، لم تكن بمنأى عن المشهد، إذ سارع رئيسها شي جينبينغ برسالة تهنئة، مشدّداً على تطوير الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين.

دور إسرائيل الموعود... والمتعاظم مستقبلاً

ولكن بجانب هذه المفارقة، ثمة مفارقة مهمة أخرى لا تبدو اليوم لافتة بقدر ما هي دالة تاريخياً. ففي بلدٍ، كغينيا ارتبط اسمه طويلاً بموقف عدائي صريح من إسرائيل إبان عهد زعيمه الاستقلالي التاريخي أحمد سيكوتوري، تبدو الأمور إلى تغيّر جذري.

سيكوتوري كان قد قطع العلاقات مع الدولة العبرية تضامناً مع الدول العربية عقب نكسة الخامس من يونيو (حزيران) 1967، إلا أن المشهد السياسي الراهن يسير في مسار مغاير تماماً، ولعل الترحيب الأميركي بانتخاب دومبويا ينمّ عن التغيّر المرجح. ذلك أنه سبق لدومبويا، أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع، بعدما أوفدته فرنسا ضمن برامج ذات طابع أمني، فيما يوحي بوجود تحوّل عميق في بوصلة العلاقات الخارجية لكوناكري.

أيضاً، إبان عهد دومبويا، أبدت إسرائيل اهتماماً خاصاً بتعزيز حضورها في قطاع الأمن السيبراني الغيني، وفق ما أورده موقع «إنتليجنس أونلاين» الاستخباراتي، وهذه خطوة تعكس استمرارية العلاقات الدبلوماسية التي أُعيد إحياؤها عام 2016 بعد قطيعة دامت قرابة خمسة عقود. وكذلك يشير هذا التطور إلى فتح صفحة جديدة من التعاون تتجاوز الطابع الدبلوماسي التقليدي إلى شراكات أمنية وتقنية أكثر عمقاً. ويرى خبراء أن هذا المسار مرشّح لمزيد من التوسّع.

تطبيع واستخبارات

وفي تقدير للدكتور يسري العزباوي، الباحث السياسي في «مركز تريندز للبحوث والاستشارات» في أبوظبي، فإن دومبويا، سواءً استمر في السلطة أو خلفه غيره، «سيمضي بخطوات أوسع على طريق التطبيع مع إسرائيل، لا سيما في مجالي التعاون العسكري والتسليح». ويضيف العزباوي أن مجموعة كبيرة من الدول الأفريقية التي تشهد انقلابات عسكرية تبقى عملياً رهينة للرضى الأميركي، مذكّراً بأن «المدخل إلى هذا الرضى يمر غالباً عبر إسرائيل».

ويستند العزباوي في تحليله، إلى ما يصفه بـ«التوغّل الإسرائيلي المتنامي في أفريقيا طيلة السنوات الأخيرة، في مقابل غياب تنسيق عربي فاعل». ويلفت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن السلاح الإسرائيلي لم يعُد حاضراً في دول أفريقيا جنوبي الصحراء ووسطها فحسب، بل امتد أيضاً إلى شمال القارة.

ووفق العزباوي، يكتسب هذا التوجّه زخماً إضافياً، من «التأييد الكامل الذي وفّرته إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب لإسرائيل»، ما يمنحها هامش حركة أوسع في الساحة الأفريقية.وإجمالاً، فإن نجاح دومبويا في الانتقال من قائد انقلاب إلى رئيس منتخب يمثل اختباراً نادراً في أفريقيا، حيث لا تتيح الانقلابات العسكرية عادةً فرصة للتحوّل إلى قيادة مدنية شرعية، بما يفتح باب التساؤل... هل تكون تناقضات دومبويا هي «كلمة السرّ» التي ستجعله استثناءً في «القارة السمراء»؟


في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
TT

في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo

تقف غينيا، الواقعة في قلب غرب أفريقيا، عند مفترق طرق اقتصادي وسياسي حاسم وبالغ الحساسية. فالبلد الذي يزخر بواحدة من أغنى الثروات الطبيعية في القارة، يجد نفسه أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في تحويل هذه الموارد الهائلة إلى نمو اقتصادي شامل ومستدام، بالتوازي مع مساعٍ لتحقيق استقرار سياسي بعد عقود من الاضطرابات والانقلابات العسكرية التي ألقت بظلالها الثقيلة على مسار التنمية.

منذ الاستقلال عن فرنسا عام 1958، شهدت غينيا ثلاثة انقلابات عسكرية بارزة أعوام 1984 و2008 و2021، أطاحت برؤساء مدنيين أو عسكريين، ورسّخت صورة بلد يعاني من هشاشة سياسية مزمنة.

هذا الإرث الانقلابي أسهم في إضعاف ثقة المستثمرين، وعرقل في فترات كثيرة الاستفادة الكاملة من الثروات الطبيعية، وبالتالي الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي تمتلكها غينيا.

وأيضاً رغم هذا السياق السياسي المعقَّد، شهد الاقتصاد الغيني خلال السنوات الأخيرة نمواً ملحوظاً، مدفوعاً أساساً بقطاع التعدين. إذ أعادت الطفرة في صادرات المعادن غينيا إلى واجهة الاهتمام الدولي، لا سيما مع امتلاكها أكثر من 25 في المائة من احتياطيات البوكسيت العالمية، ما يجعل منها واحدة من أكبر مصدّري هذه المادة الخام الأساسية لصناعة الألمنيوم. وبالإضافة إلى البوكسيت، تزخر البلاد باحتياطيات معتبرة من الذهب والألماس ومعادن أخرى، ما يمنحها موقعاً استراتيجياً في خريطة الموارد الطبيعية الأفريقية.

في نهاية عام 2025، خطت الحكومة الغينية خطوة وُصفت بالتاريخية عبر تدشينها استغلال منجم سيماندو العملاق للحديد في جنوب البلاد، وهو أحد أكبر مكامن الحديد غير المستغلة في العالم. ولقد رُوّج للمشروع رسمياً بأنه «حلم أجيال»، نظراً لما يُنتظر أن يوفره من عائدات مالية وفرص عمل، إضافة إلى دوره في تعزيز البنية التحتية عبر إنشاء خطوط سكك حديدية وموانئ مرتبطة به. بيد أن المشروع، على ضخامته، يضع غينيا قبالة تحديات كبيرة تتعلق بالحوكمة والشفافية، بالذات في قطاع التعدين الذي لطالما كان بؤرة نزاعات سياسية وقانونية.

بيانات البنك الدولي تفيد بأن الناتج المحلي الإجمالي لغينيا سجل نمواً ثابتاً في السنوات الأخيرة، مستفيداً من توسع أنشطة التعدين وارتفاع الإنتاج الزراعي. ومع هذا، لا يزال الاقتصاد الغيني يعاني من اختلالات هيكلية، في مقدمتها الاعتماد المُفرط على الموارد الطبيعية وضعف تنويع القطاعات الاقتصادية، إلى جانب محدودية الإيرادات الضريبية، ما يقيّد قدرة الدولة على تمويل الخدمات الاجتماعية الأساسية.

من ناحية أخرى، تظل الزراعة، التي تشغّل أكثر من نصف القوى العاملة، قطاعاً حيوياً، لكنه يعاني من ضعف الإنتاجية واعتماد أساليب تقليدية، الأمر الذي يقلص مساهمته في الصادرات والنمو الاقتصادي. ويرى خبراء أن تحديث هذا القطاع يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للتنمية، خصوصاً في المناطق الريفية الأكثر فقراً.

إلى جانب التعدين والزراعة، تمتلك غينيا إمكانات هيدروليكية كبيرة تؤهلها لأن تغدو مصدراً رئيساً للطاقة في غرب أفريقيا. وراهناً تسعى السلطات إلى استثمار هذه الموارد عبر مشاريع لتوسيع إنتاج الكهرباء، وتحديث الموانئ، وتطوير شبكات السكك الحديدية، من بينها خط سيماندو – موريبايا الذي يمتد لأكثر من 650 كيلومتراً، بما يعزّز ربط البلاد بالأسواق العالمية ويسهل حركة التجارة.

ولكن، رغم هذه الآفاق الواعدة، تبقى التحديات الاجتماعية والاقتصادية حاضرة بقوة. فالفقر ما زال واسع الانتشار، وإمكانات الدولة المالية محدودة، في حين يواصل ضعف الشفافية في قطاع التعدين إثارة مخاوف المستثمرين الدوليين. وبالطبع يبقى الاستقرار السياسي عاملاً حاسماً وضرورياً في مستقبل البلاد، في ظل تاريخ طويل من الانقلابات والحكم المدني المتعثر.

وبالتالي، يرجّح مراقبون أن نجاح غينيا في تحويل ثرواتها الطبيعية إلى تنمية حقيقية يتوقف على تنفيذ تغييرات بنيوية عميقة، تشمل تعزيز الإدارة المالية والاستثمار في رأس المال البشري وتنويع الاقتصاد بدلاً من الاعتماد الأحادي على التعدين، وقبل كل ذلك بيئة سياسية دون انقلابات عسكرية أو توترات سياسية.