الصمت الطويل الذي ساد حياة مارتن سكورسيزي

فيلمه الجديد ينطلق للعروض اليوم

الصمت الطويل الذي ساد حياة مارتن سكورسيزي
TT

الصمت الطويل الذي ساد حياة مارتن سكورسيزي

الصمت الطويل الذي ساد حياة مارتن سكورسيزي

«صمت» هو عنوان لثلاثة أفلام جديدة تم إنتاجها هذه السنة أهمّها هو الفيلم الذي قام مارتن سكورسيزي بإخراجه، الذي ينطلق في عروضه الأميركية العامّة اليوم. وقبل وصوله إلى صالات السينما تعددت وجهاته بين المؤسسات النقدية وخرج بستة جوائز في هذا الشهر بينها جائزة «أميركان فيلم إنستتيوت» كأحد أفضل أفلام السنة، وجائزة جمعية نقاد لوس أنجليس، وجائزة أفضل سيناريو مقتبس من «مجلس النقد الوطني».
إنه ليس فيلم العودة لسكورسيزي، فهو لم ينقطع عن العمل لكنه فيلم عودته إلى مواضيع دينية شغلته على نحو مباشر أو غير مباشر. في الفئة الأولى كان أبحر في تقديم رؤيته الدينية في «آخر عشاء للمسيح» سنة 1988 الذي ألّب عليه جماعات دينية مختلفة (مسيحية ويهودية)، و«كوندون» (1997) الذي ارتدى صيغة بحث في الروحانيات البوذية لجانب بعض أوضاعها السياسية. أما على نحو غير مباشر، فإن هناك الكثير: بطله الذي يحاول إصلاح العالم في «تاكسي درايفر» (1976) وشخصياته المافيوية التي تمارس طقوسها الدينية والعائلية بإيمان لجانب قيامها بأعمالها المعادية للقانون بإيمان أيضًا، وذلك كما في «صحبة طيّبة» (1990) و«كازينو» (1995).
«صمت» مشروع أثار حب سكورسيزي لتحقيقه منذ 28 سنة وذلك بعد عدة سنوات من قراءته لرواية وضعها الياباني شوساكو إندو الذي وضع روايته هذه سنة 1966 وقام مواطنه ماساهيرو شينودا بتحقيقها فيلمًا سنة 1971.

ترتيب الأولويات
إذ يمكن تأسيس العلاقة بين مارتن سكورسيزي والدين (بمدرسته الكاثوليكية التي ينتمي إليها سكورسيزي) بسهولة سواء عبر مطالعة حياته الخاصة أو قراءة أفلامه، هناك دوافع أخرى وقفت وراء الجهد الذي بذله طوال هذه السنوات لإنجاز هذا الفيلم.
في عام 1978 دخل مارتن سكورسيزي المستشفى من باب الطوارئ. كان أنجز فيلمه «نيويورك، نيويورك» وأخذ يستعد لتحقيق فيلمه المقبل «ثور هائج» (1980) لكن الفترة بينهما (التي أنجز فيها أيضًا فيلمًا تسجيليًا طويلاً هو «الرقصة الأخيرة») كانت فترة قاسية لم يكن واثقًا خلالها من أنه سيستعيد قدرته على العمل أو حتى الحفاظ على حياته. سكورسيزي كان أدمن المخدرات منذ منتصف السبعينات، وفي أحد أيام خريف سنة 1978 انهار كليًا ودخل المستشفى على الرمق الأخير.
لم تكن المخدرات وحدها سبب ملامسته الموت عندما قارب قلبه التوقف عن النبض، بل هي اشتغلت مع الأدوية الموصوفة التي كان يتناولها تبعًا لحالة «الربو» التي كان يعاني منها وهو صغير. عشرة أيام عصيبة قضاها سكورسيزي في ذلك المستشفى النيويوركي علّمته الكثير مثل أنه إذا ما كان يريد البقاء حيًا عليه أن يرتّب أولوياته على هذا الأساس.
أحد الذين زاروا المخرج في مرحلة علاجه كان رئيس أساقفة اسمه بول مور الذي قال له وهو يودعه: «هناك كتاب أريد إرساله لك». هذا الكتاب لم يكن سوى رواية إندو «صمت» الذي حط بين يدي سكورسيزي وهو يبحث عن إجابات روحانية بعدما خرج من نفق مظلم اكتشف فيها، كما قال، لا أن الحياة هي أولى للإنسان من الموت فقط، بل سذاجته وعبثية حياته إلى ذلك الحين.
عمد سكورسيزي إلى تحقيق فيلمه «آخر عشاء للمسيح» سنة 1988 من منطلق فهمه المتجدد للحياة بعد تلك المحنة التي دفعته للعودة، سنة 1989 إلى كتاب إندو الذي يتحدث عن راهبين كاثوليكيين قاما سنة 1639 بالسفر إلى اليابان بحثًا عن راهب كاثوليكي سابق كان حط هناك واختفى.
الرواية كانت مكتوبة على نحو جذب المخرج الأميركي إليها فقرر سكورسيزي نقلها إلى السينما ووضع المشروع في سياق جدول أفلامه خلال السنوات الخمس المقبلة. وكان أول ما فعله، في هذا الاتجاه، هو أن أقنع المنتج الإيطالي سيشي غوري بشراء الحقوق فدفع 700 ألف دولار للمؤلف الياباني إندو.
إلى جانب المبلغ المذكور تم دفع 250 ألف دولار لسكورسيزي وكاتبه المفضل جاي كوكس، الذي كان كتب له ثلاثة أعمال سابقة هي «شوارع منحطة» و«عصر البراءة» و«عصابات نيويورك»، علاوة على 150 ألف دولار إذا ما تم تحقيق الفيلم فعلاً. لكن كوكس، الذي كان من المفترض به وضع السيناريو الأول، لم يستطع إنجاز المهمة على النحو المرضي. باعترافه كان السيناريو ينقصه «قلب».
نتيجة ذلك، وطوال التسعينات وحتى نهاية العشرية الأولى من هذا القرن، أن حاول عدة كتاب وضع سيناريو يلقى رضا المخرج. وهذه المحاولات لم تكن متواصلة. هناك فترات طويلة لم يعد ذلك المشروع مطروحًا على نحو آني على قائمة سكورسيزي ولا على قائمة سواه. هذا قبل أن يجد المنتج غوري نفسه وسط مرافعات قضائية بعدما انفضت شركته الأولى ووقع الخلاف حول أي من المشاريع التي تملكها الشركة سيبقى في حوزته وأي منها سينتقل لملكية شريكه السابق.

تحت المظلة
هذا الوضع، وما تلاه من سجالات قانونية وجد سكورسيزي نفسه طرفًا فيها، استمر طويلاً إلى أن التقى سكورسيزي بغوري واتفقا على أن يؤول المشروع لسكورسيزي بعدما كان غوري ربح دعواه ضد شريكه. هذا اللقاء تم سنة 2014 بإصرار من سكورسيزي الذي ذكّر غوشي بكل تلك السنوات التي أمضاها وهو يحاول دفع الفيلم إلى حيّز التنفيذ. قبل ذلك بعام واحد كان سكورسيزي التقى بالمنتج الأميركي راندال إيميت في مهرجان «كان» وبحثا، مع آخرين، سبل دفع المشروع إلى الأمام.
باقي المشكلات كانت في الكتابة من جديد. كل تلك الكتابات التي تمّت سابقًا لم يعد من الضروري العودة إليها لإصلاحها. وفي التاسع عشر من أبريل (نيسان) سنة 2013 استطاع جاي كوكس تسليم سيناريو ابتسم له سكورسيزي أخيرًا. في مطلع العام الماضي، جمع سكورسيزي فريق عمله وممثليه الرئيسيين، ليام نيسون وأندرو غارفيلد وأدام درايفر وتوجه بهم إلى الأماكن المختارة حيث تم التصوير في منتصف العام الماضي ليدخل مرحلة ما بعد التصوير ويصبح جاهزًا منذ ثلاثة أشهر.
إنها رحلة طويلة لمخرج عنيد لم يستسلم للعراقيل ودأب على إحياء هذا الحلم حتى استطاع تنفيذه. لكن هذه الرحلة لم تنته بمجرد القرار بأن الوقت صار مناسبًا لبدء عجلة هذا المشروع. في الأساس، وجد فريق عمل سكورسيزي أن التصوير في اليابان سيكلف الفيلم 100 مليون دولار لا يملكها سكورسيزي ولا يوجد استوديو كبير مستعد لها لأن الموضوع ليس جاذبًا للجمهور بالدرجة الكافية حتى تحت مظلة اسم كبير كاسم مارتن سكورسيزي ومع ممثلين لديهما جمهورهما الواسع مثل غارفيلد ونيسون.
الحل هو في التحول إلى تايوان حيث هناك قانون يعفي صانعي السينما الواردين من الخارج من الضرائب بنسبة كبيرة. هذا القرار وحده قلّص الميزانية إلى خمسين مليون دولار فقط. هذه الفاتورة تكفلت بها شركات أميركية ومكسيكية وتايوانية.
سكورسيزي نفسه لا يستطيع أن يتنفس الصعداء اليوم إلا بمقدار. فالفيلم ينتظر قرارات الجمهور وقرارات المؤسسات السينمائية لعله يخرج ببعض الجوائز الأساسية في هذا الموسم. في هذه الغضون، فإن مخرج «عصابات نيويورك» و«جزيرة مغلقة» و«الملاح» ونحو 55 فيلمًا آخر، مشغول بوظيفة المنتج المنفّذ لزمرة كبيرة من الأفلام من الآن وحتى نهاية السنة الجديدة. خلال ذلك ليس لديه النية للوقوف وراء الكاميرا مخرجًا حتى وقت لاحق، ربما مع مطلع عام 2018.



كاظم فياض: السينما العربية تعاني أزمة حقيقية... وتحتاج إلى بيئة مستقرة

لقطة من «القضية رقم صفر» (كوزموس كرياتورز)
لقطة من «القضية رقم صفر» (كوزموس كرياتورز)
TT

كاظم فياض: السينما العربية تعاني أزمة حقيقية... وتحتاج إلى بيئة مستقرة

لقطة من «القضية رقم صفر» (كوزموس كرياتورز)
لقطة من «القضية رقم صفر» (كوزموس كرياتورز)

كاظم فيّاض مخرج لبناني ينجز هذه الأيام فيلمه الروائي الطويل الثاني تحت عنوان «القضية رقم صفر». دراما سيكولوجية عن محامٍ وفريقه وأصحاب قضايا جنائية مختلفة. كلٌّ منهم يعرض ما قام به. هناك خلفيات متعددة، وقضايا متنوّعة، وشخصيات غريبة، وزحام من النقاشات، وكل ذلك داخل مكتب صغير تتردّد فيه، من حين إلى آخر، دقّات يسمعها الموجودون ولا يعرفون مصدرها. هذا إلى أن يكتشف المحامي أنه عالق بين الوهم والحقيقة، وبين التاريخ والحاضر.

يعمل فيّاض على النسخة النهائية (هذا الناقد شاهد النسخة صفر)، والحديث التالي يلقي ضوءاً على هذا المخرج الواعد، الذي نال فيلمه الأول «يوسف» جائزة مهمّة في مهرجان «آسيا وورلد فيلم» في لوس أنجليس.

كاظم فيّاض‬ (كوزموس كرياتورز)

* في أي فترة من حياتك قررت أن تصبح سينمائياً؟

‬- بدأت رحلتي سنة 2012. في ذلك الوقت، كنت أدرس العلوم السياسية، وجاءت أختي لتخبرني أنها سجّلت في دورة للتصوير باستخدام كاميرات «كانون» من نوع «DSLR»، ثم قالت لي: «ما رأيك أن تأتي وتسجّل معي؟» فوافقت. في ذلك الوقت، لم أكن أعرف شيئاً عن هذا العالم. ذهبت إلى الدورة، وأمسكت بالكاميرا للمرة الأولى، والتقطت أول صورة لي باستخدام كاميرا احترافية. نظرت إلى الصورة التي التقطتها، وكانت صورة عادية جداً، مجرد أشخاص داخل ورشة التدريب. لكنني شعرت بأن الصورة تتحدث. في تلك اللحظة، أحسست للمرة الأولى أنني أستطيع أن أتكلم من دون أن أنطق بكلمة، وأن أعبّر عبر صورة فقط.

المخرج كاظم فيّاض خلال التصوير (كوزموس كرياتورز)

* هل كان الدافع، أو أحد الدوافع، الهروب من حالة اجتماعية أو خاصة، أم الحاجة إلى التعبير عبر الصورة؟

- السينما بالنسبة ليّ ليست هروباً، بل على العكس، هي المواجهة الحقيقية. عندما تشاهد فيلماً، ترى الألوان والأحداث والحوارات، وتسمع الموسيقى، وتشاهد اللقطات وطريقة بناء الكادر والتكوين البصري. وكل هذه العناصر لا يمكن أن يعبّر عنها أي فن آخر بالطريقة نفسها. أعتقد أن السينما هي أسمى وسائل التعبير وأكثرها اكتمالاً، لأنها تستطيع أن تحتضن مختلف الحالات والأفكار. وهي الطريقة التي أستطيع من خلالها أن أولّد أفكاري، وأن أخرجها من رأسي إلى العالم.

* كيف كان استقبال فيلمك الروائي الأول «يوسف» نقدياً بشكل عام؟ وكيف استفدت من تلك التجربة؟

- بصراحة، لم تكن تجربة «يوسف» على المستوى النقدي غنية كما كنت أتمنى، لأن الفيلم لم يحظَ بالتغطية التي شعرت بأنه يستحقها. كانت هناك آراء مختلفة من أشخاص شاهدوا الفيلم، لكن لم يتحدث عنه كثير من النقاد ووسائل الإعلام، وأعتقد أن السبب يعود إلى أمور تتعلق بالتسويق والترويج. ومع ذلك، أعتقد أنني تعلّمت من التجربة كثيراً، وأتمنى أن أكون في هذه التجربة الجديدة أكثر نضجاً، ليس فقط على المستوى الفني، بل أيضاً على مستوى تقديم الفيلم وتسويقه.

الممثلة عزة زعرور في «القضية رقم صفر» (كوزموس كرياتورز)

* ننتقل إذن إلى فيلمك الجديد «القضية رقم صفر». كيف خطرت لك الفكرة وكيف نفَّذتها؟

- فكرة «القضية رقم صفر» بدأت في الأصل أثناء عملنا على مسلسل لـ«يوتيوب». كانت الفكرة تدور حول مكتب محاماة يستقبل قضايا لأشخاص لديهم مشكلات مختلفة، لكن المفارقة أن الحق كان دائماً عليهم. كنت أنا وإيدي شعب نمثل دور المحاميين، وكنا نستقبل هؤلاء الأشخاص ونواجههم بأخطائهم بطريقة ساخرة، وكانت القضايا ذات طابع اجتماعي. على سبيل المثال، كان هناك شخص طلى جسده باللون الأبيض لأنه أسمر، تحاشياً لسخرية الناس، وكانت هناك فتاة تريد أن ترفع دعوى قضائية على مارك زوكربيرغ لأنها لا تحصل على عدد كافٍ من «اللايكات».

حين انتهيت من تصوير العمل، شعرت بأنه لا يشبهني مطلقاً. جلست وحدي، وإذا بالفكرة تنزل عليّ دفعة واحدة. كان هناك «Download» في رأسي. فتحت جهاز الكمبيوتر، وخلال 3 أيام فقط كتبت الفيلم كاملاً. حين بدأت التفكير في المشروع، لم أكن أفكر فيه بصفتي مخرجاً فقط، بل بصفتي منتجاً أيضاً، وأعتقد أن عدم التفكير في الجانب الإنتاجي واحد من أكبر المشكلات التي يقع فيها كثير من المخرجين الشباب، إذ لا يولون الإنتاج أهمية موازية.

«السينما بالنسبة لي ليست هروباً، بل على العكس، هي المواجهة الحقيقية»

كاظم فياض

* ما رأيك في وضع السينما العربية المستقلة في الفترة الراهنة؟

- في الحقيقة، أفضل أن يكون السؤال: كيف تنظر إلى السينما العربية بشكل عام؟ وليس فقط إلى السينما العربية المستقلة. لأن السؤال بالنسبة ليّ يبدأ من الأساس: هل لدينا صناعة سينمائية عربية متكاملة حتى نتحدث عن سينما مستقلة؟ فالسينما المستقلة تحتاج أولاً إلى وجود سينما، والسينما العربية نفسها ما زالت بحاجة إلى أن تبني صناعة حقيقية.

أعتقد أن هناك نقصاً في التعليم السينمائي، ونقصاً في البنية التي تسمح لهذه الصناعة بأن تنمو بالشكل الطبيعي. كما أننا نعيش في منطقة تعاني من الحروب والصراعات السياسية والطائفية والاجتماعية، وكل هذه الأمور تشكل عائقاً أمام تطور السينما، سواء كانت مستقلة أو غير مستقلة. أنا لا أقول إن السينما رفاهية، وليست كذلك إطلاقاً، لكن أي صناعة سينمائية تحتاج إلى بيئة مستقرة حتى تنمو. ففي البلدان المستقرة نرى إنتاجات أكثر، لأن الظروف تسمح بذلك. أما هنا، فقد تكون في أثناء التصوير وتُفاجأ بحدث يوقف كل شيء، أو تجد أن هناك موضوعات لا تستطيع الحديث عنها، أو قيوداً مختلفة تمنعك من تقديم ما تريد.


شاشة الناقد: فيلمان من مهرجان لوكارنو يوفّران حكايات فانتازية عجيبة

«العيون الخضراء» (ملف مهرجان لوكارنو)
«العيون الخضراء» (ملف مهرجان لوكارنو)
TT

شاشة الناقد: فيلمان من مهرجان لوكارنو يوفّران حكايات فانتازية عجيبة

«العيون الخضراء» (ملف مهرجان لوكارنو)
«العيون الخضراء» (ملف مهرجان لوكارنو)

LES YEUX VERTS

★★★

إخراج: فاني لياتار وجريمي ترويل

‫ فرنسا/ السويد (2026) ‬

يحاول فيلم «العيون الخضراء» إحداث توازن في السرد والإيقاع بين الحقيقة والخيال. نور (سيد العلامي) صبي يلجأ إلى النوم ويغرق فيه، وسنرى ما يحلم به، ثم نجد شقيقته شايا (دعاء بوطابوش مزرقي) تحاول إيقاظه من سباته العميق، وحين تفشل تدخل عالمه الخيالي. بواعث هذه الرحلة في باطن العقل متوفرة؛ فالصبي يعيش محنة عائلة مهاجرة مهددة بالطرد. يعيش في الواقع أوضاعاً اجتماعية صعبة بسبب ظروف تتعلق بسياسة خارجية لا يستطيع، بطبيعة الحال، فعل شيء حيالها. لكن ما إن نتسلل وإياه إلى العوالم الداخلية التي تتراءى له حتى تنحصر الحكاية في كيفية متابعة تلك العوالم التي باتت تشكل حاضر نور. بذلك تتراجع دواعيها.

هذا هو فيلم الافتتاح لدورة مهرجان لوكارنو هذا العام (يوزع جوائزه في الخامس عشر من الشهر الحالي). يمكن للمرء أن يقدّر اختيار المهرجان لهذا الفيلم؛ ذلك لأن المخرجين حرصا على توفير جماليات بصرية أخاذة في أكثر من موضع، ليس فقط على صعيد تصوير تلك الأحلام التي تدور الأحداث فيها بعد فصل تمهيدي، بل أيضاً في تلك المشاهد التي تقع في اليقظة. نتابع رفض السلطات الفرنسية تجديد إقامة الأب (عمر الجباعي) وولديه، ثم سفره إلى إسبانيا تاركاً ولديه، على أمل أن يجد سبيلاً لنقلهما لاحقاً واللجوء معهما إلى بريطانيا. حين يلجأ نور إلى النوم رافضاً اليقظة (وهي حالة تُعرف علمياً باسم «متلازمة الاستقالة» من الواقع عبر النوم)، يواجه الفيلم متاعب كثيرة، ليس في الانتقال بين الخيال والواقع فحسب، بل أيضاً في بناء سرد قوي يتكفَّل بحمل ثقل الموضوع بأسره.

ربما تعويضاً عن ضعف الدراما، أو نتيجةً له، يطغى التشكيل على المضمون، وتطغى البصريات على الدراما. الجانب السياسي للأزمة التي - افتراضياً - تسببت في كل ما سيتبعها من محاولة نور الهروب من الواقع ومحاولة شايا استرجاعه، كان يمكن أن يحظى بتأكيد أكبر، لكي لا يفلت الفيلم صوب الفانتازيا وحدها.

DONKEY PRINCESS

★★︎

إخراج: يواكيم كوسينا

وكريستوفال ليون

‫ تشيلي/ فرنسا (2026) ‬

من الممتع والمثير أن نشاهد أخيراً فيلماً يقتبس حكاية أخرى للمؤلف الفرنسي شارل بيرو (1628-1703)، غير حكاياته الأشهر «سندريللا» و«الجمال النائم» (The Sleeping Beauty) و«ذو اللحية الزرقاء». ليس أن «جلد الحمار» (العنوان الأصلي للرواية) لم تقدِّمها السينما من قبل، لكن ما قدّمته بقي قليلاً وغير ذي أثر، من بينها فيلم صامت (1906)، وفيلم قصير (2013)، وفيلم فرنسي حققه جاك ديمي سنة 1970.

«أميرة الحمار» (ملف مهرجان لوكارنو)

الفيلم الجديد يختلف عن كل المحاولات السابقة من حيث إنه يجمع بين التصوير الحي مع ممثلين والأنيميشن، وقدر كبير من المؤثرات والتصاميم الفنية المثيرة بحد ذاتها، بناءً على خبرة المخرجين السابقة في الميدان نفسه.

الحكاية ذات خط واضح: ملك بريطانيا، في زمن غابر، يفاجأ بوفاة زوجته التي يحب. إنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً حيال الموت، لكنه سيفعل شيئاً حيال الأحياء. سيقرر أن الحب ممنوع في مملكته، ومن يحب سيعاقب. الجميع واقع تحت هذه الهيمنة، بمن فيهم ابنته ديانا (أنطونيا غيزن)، التي تعيش أسوأ مراحل حياتها بسبب استبداد الأب وحرصه على منعها من الوقوع في الحب. ستجد الحبيب، رغم ذلك، في شخص شاب اسمه لالو (أندرو بارغستد). عندما يكتشف الأب ما حدث، ينفي الحبيب إلى أرض قفراء لا يمكن العيش فيها. لكن، قبل نفيه، يمنح لالو معشوقته إسوارة تستطيع أن تنقلها إلى أي زمان ومكان تختاره.

للهرب من وطأة الوضع، تستخدم ديانا الإسوارة لتجد نفسها في حالات مختلفة. هي مرّة على شاطئ البحر مع زوجها، وفي مرّة أخرى ممثلة في برنامج تلفزيوني تؤدي دور حمار. يحدث هذا قبل أن تلتقي لالو في تشيلي. نقلة مفاجئة تنجح فقط لأنها محض خيالية، وبالكاد تتجنّب السذاجة بفضل خيط متواصل من الأحداث والمزج الناجح - تقنياً - بين الصورة الحية والرسم، المحاطَين بتصاميم إنتاجية وديكورات مقبولة.

لا يمكن أن يكون المؤلف بيرو قد وضع مثل هذه النهاية، ولا حاك ذلك النوع من الخيال، لكن المخرجين يمنحان نفسيهما الحرية في التصرّف بالمادة على النحو الذي يريانه مناسباً لرؤيتهما. إنه نجاح تقني، وليس نجاحاً فنياً كاملاً، يؤكده الفصل الأخير الذي يبعثر الاهتمام وينجلي عن نهاية هابطة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


مهرجان «لوكارنو» يُحاكم هوليوود وسنوات المكارثية

 «أغنية روسيا» (م ج م)
«أغنية روسيا» (م ج م)
TT

مهرجان «لوكارنو» يُحاكم هوليوود وسنوات المكارثية

 «أغنية روسيا» (م ج م)
«أغنية روسيا» (م ج م)

من بين المظاهرات والأقسام التي يحشدها «مهرجان لوكارنو» في دورته الـ79، التي انطلقت في 5 من الشهر الحالي، وتستمر حتى 15 منه، استعادة لأفلام أنجزها سينمائيون أميركيون خلال الأربعينات والخمسينات، في ظل الحملة التي قادتها «لجنة مجلس النواب للتحقيق في النشاطات غير الأميركية» (HUAC) ضد مَن اشتبهت في انتمائهم إلى الحزب الشيوعي أو تعاطفهم معه.

هذه الأفلام كانت سبباً في تقديم أصحابها إلى المحكمة التي كانت تنظر في خلفيات السينمائيين السياسية لتصدر أحكامها عليهم.

من بين هؤلاء؛ دلمر دايفز، وإدوارد دميتريك، وتشارلي تشابلن، وروبرت روسن، وفرد زينمان، وإيليا كازان.

«مرمى نيران» (آر كي أو بكتشرز)

إفشاء معلومات

اختار المهرجان عدداً كبيراً من الأفلام لهذه الاستعادة، وهي موجهة، بالضرورة، إلى جيل ربما سمع عن تلك الفترة من تاريخ هوليوود، لكنه لم يشاهد غير القليل من أفلامها.

بعض الأعمال التي أُدرجت في خانة الأفلام المعادية لأميركا، أو تعرَّض أصحابها للتحقيق، تثير التساؤل حول مبررات نقمة اليمين عليها. من بينها «متسلل في الغبار» (Intruder in the Dust) لكلارنس براون (1949)؛ يُثير التساؤل ليس فقط لأنه من تأليف الأديب ويليام فولكنر، بل لأن الموضوع الذي أثاره الفيلم منح بطولة مواقف متوازية بين المحامي الأبيض (أداه ديفيد برايان) والمتهم الأسود (جوانو هرنانديز) الذي لم يرتكب جريمة القتل التي أسندت إليه. في النهاية هو تأكيد على موقف ناصع للمحامي أدّى إلى تبرئة متهم أسود في أجواء الأربعينات العنصرية.

ومن أهم الأفلام المرتبطة بالقائمة السوداء «مرمى نيران» (Crossfire)، الذي أخرجه إدوارد دميتريك عام 1947. يتخذ الفيلم موقفاً مناهضاً للعنصرية من خلال حكاية بوليسية تدور حول مقتل مجنَّد يهودي؛ تقع الشبهة في البداية على جندي آخر اسمه مونتغمري (روبرت رايان)، والدافع معاداة السامية. أُنجز الفيلم وعُرض عام 1947، وعندما طلبت اللجنة المكارثية من مخرجه ومنتجه أدريان سكوت المثول أمامها بتهمة نقد النظام وتصوير أحد أفراد الجيش الأميركي قاتلاً. لكنهما رفضا المثول، ما حدا بمنعهما عن العمل. دخل دميتريك السجن إلى أن وافق على الإدلاء بشهادة اعتراف بأنه انتمى إلى الحزب الشيوعي، وعندما سألته اللجنة إفشاء أسماء سينمائيين آخرين كانوا في الحزب لم يتأخر عن الإدلاء بمعلوماته، ومن بين من ذكرهم منتج الفيلم؛ أدريان سكوت الذي كان «مرمى نيران» آخر أعماله.

جون غارفيلد: «ركض كل الطريق» (يونايتد آرتستس).

في عام 1947، أخضعت اللجنة عدداً من الأفلام الحربية للفحص بحثاً عن ميولها السياسية، وكان من بينها «النجم الشمالي» (The North Star) للويس مايلستون، الشهير بفيلمه المناهض للحرب «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية» (All Quiet on the Western Front)، و«مهمة إلى موسكو» (Mission to Moscow) لمايكل كورتيز، و«أغنية روسيا» (Song of Russia) لغريغوري راتوف.

كانت هذه الأفلام، في معظمها، نتاج مرحلة عُدّ فيها الاتحاد السوفياتي حليفاً للولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية. حتى «أغنية روسيا» كان في ظاهره فيلماً عاطفياً عن أميركي، أدّاه روبرت تايلور، يقع في حب عازفة بيانو روسية، أدّتها سوزان بيترز. وتم، حسب شهادة رئيس «وورنر برذرز»، بطلب من البيت الأبيض.

ومن الأفلام الأخرى المرتبطة بتلك المرحلة «ركض طوال الطريق» (He Ran All the Way) لجون بيري عام 1951. وهو حكاية بوليسية من بطولة جون غارفيلد، الذي خضع للتحقيق أمام اللجنة في 23 أبريل (نيسان) 1951، وكان هذا الفيلم آخر أعماله.

ومن أشهر القضايا في هذا المضمار تلك التي أحاطت بالمخرج إيليا كازان، الذي اعترف بأنه كان عضواً في الحزب الشيوعي لعامين، بين 1934 و1936. وفي عام 1952، أدلى بشهادة أمام اللجنة، ذكر فيها أسماء عدد من زملائه السابقين، الذين قال إنهم كانوا أعضاء في الحزب.

تكشف أفلام الاستعادة كيف تحوَّلت الشبهات السياسية في سنوات المكارثية إلى أحكام أغلقت أبواب هوليوود أمام عدد كبير من صنّاعها

بعد ذلك، اشترى كازان مساحة إعلانية في صحيفة «نيويورك تايمز» برّر فيها قراره، ودعا آخرين إلى اتخاذ موقف مماثل. لكن إفشاءه أسماء زملائه أدى إلى مقاطعته من جانب عدد من أصدقائه والعاملين في المهنة.

وحسب حديث للمخرج أورسن ويلز عام 1982، اتهم كازان بالتضحية برفاقه، قال: «باع نفسه للمكارثية مجاناً، لم يسأله أحد أن يقحم نفسه بهذه الطريقة. لم ينجز فيلماً اعتُبر معادياً لأميركا. إنه خائن».

من المجدي هنا ذكر أن أورسون وَيلز اضطر خلال مطلع الخمسينات إلى مغادرة الولايات المتحدة تفادياً لطلب شهادته. كذلك فعل تشارلي تشابلن والمخرجين جوزيف لوزاي وجول داسين وساي إندفيلد.

أما تشارلي تشابلن فكان قد غادر الولايات المتحدة على متن باخرة متوجهاً إلى لندن عام 1952، لحضور العرض الأول لفيلمه «أضواء المسرح» (Limelight)، عندما ألغت السلطات الأميركية تصريح إعادة دخوله، وهو في البحر. فاختار عدم العودة، واستقر مع عائلته في سويسرا، مؤكداً أنه لم يكن عضواً في الحزب الشيوعي، على الرغم من أن عدداً من أفلامه، وفي مقدمها «أزمنة حديثة» (Modern Times)، عُدّ يساري التوجه وناقداً للرأسمالية.

ويعرض «مهرجان لوكارنو» عشرات الأفلام الأخرى، تتوزع بين الروائي والوثائقي، لمخرجين وكتّاب وفنانين ارتبطت أعمالهم بتلك الحقبة، من أمثال أورسن ويلز، وديفيد هلبورن، وفرد زينمان، وكليفورد أوديتس، وإلمر كليفتون، وهربرت بيبرمان، وغيرهم.