الصمت الطويل الذي ساد حياة مارتن سكورسيزي

الصمت الطويل الذي ساد حياة مارتن سكورسيزي

فيلمه الجديد ينطلق للعروض اليوم
الجمعة - 24 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 23 ديسمبر 2016 مـ

«صمت» هو عنوان لثلاثة أفلام جديدة تم إنتاجها هذه السنة أهمّها هو الفيلم الذي قام مارتن سكورسيزي بإخراجه، الذي ينطلق في عروضه الأميركية العامّة اليوم. وقبل وصوله إلى صالات السينما تعددت وجهاته بين المؤسسات النقدية وخرج بستة جوائز في هذا الشهر بينها جائزة «أميركان فيلم إنستتيوت» كأحد أفضل أفلام السنة، وجائزة جمعية نقاد لوس أنجليس، وجائزة أفضل سيناريو مقتبس من «مجلس النقد الوطني».
إنه ليس فيلم العودة لسكورسيزي، فهو لم ينقطع عن العمل لكنه فيلم عودته إلى مواضيع دينية شغلته على نحو مباشر أو غير مباشر. في الفئة الأولى كان أبحر في تقديم رؤيته الدينية في «آخر عشاء للمسيح» سنة 1988 الذي ألّب عليه جماعات دينية مختلفة (مسيحية ويهودية)، و«كوندون» (1997) الذي ارتدى صيغة بحث في الروحانيات البوذية لجانب بعض أوضاعها السياسية. أما على نحو غير مباشر، فإن هناك الكثير: بطله الذي يحاول إصلاح العالم في «تاكسي درايفر» (1976) وشخصياته المافيوية التي تمارس طقوسها الدينية والعائلية بإيمان لجانب قيامها بأعمالها المعادية للقانون بإيمان أيضًا، وذلك كما في «صحبة طيّبة» (1990) و«كازينو» (1995).
«صمت» مشروع أثار حب سكورسيزي لتحقيقه منذ 28 سنة وذلك بعد عدة سنوات من قراءته لرواية وضعها الياباني شوساكو إندو الذي وضع روايته هذه سنة 1966 وقام مواطنه ماساهيرو شينودا بتحقيقها فيلمًا سنة 1971.


ترتيب الأولويات
إذ يمكن تأسيس العلاقة بين مارتن سكورسيزي والدين (بمدرسته الكاثوليكية التي ينتمي إليها سكورسيزي) بسهولة سواء عبر مطالعة حياته الخاصة أو قراءة أفلامه، هناك دوافع أخرى وقفت وراء الجهد الذي بذله طوال هذه السنوات لإنجاز هذا الفيلم.
في عام 1978 دخل مارتن سكورسيزي المستشفى من باب الطوارئ. كان أنجز فيلمه «نيويورك، نيويورك» وأخذ يستعد لتحقيق فيلمه المقبل «ثور هائج» (1980) لكن الفترة بينهما (التي أنجز فيها أيضًا فيلمًا تسجيليًا طويلاً هو «الرقصة الأخيرة») كانت فترة قاسية لم يكن واثقًا خلالها من أنه سيستعيد قدرته على العمل أو حتى الحفاظ على حياته. سكورسيزي كان أدمن المخدرات منذ منتصف السبعينات، وفي أحد أيام خريف سنة 1978 انهار كليًا ودخل المستشفى على الرمق الأخير.
لم تكن المخدرات وحدها سبب ملامسته الموت عندما قارب قلبه التوقف عن النبض، بل هي اشتغلت مع الأدوية الموصوفة التي كان يتناولها تبعًا لحالة «الربو» التي كان يعاني منها وهو صغير. عشرة أيام عصيبة قضاها سكورسيزي في ذلك المستشفى النيويوركي علّمته الكثير مثل أنه إذا ما كان يريد البقاء حيًا عليه أن يرتّب أولوياته على هذا الأساس.
أحد الذين زاروا المخرج في مرحلة علاجه كان رئيس أساقفة اسمه بول مور الذي قال له وهو يودعه: «هناك كتاب أريد إرساله لك». هذا الكتاب لم يكن سوى رواية إندو «صمت» الذي حط بين يدي سكورسيزي وهو يبحث عن إجابات روحانية بعدما خرج من نفق مظلم اكتشف فيها، كما قال، لا أن الحياة هي أولى للإنسان من الموت فقط، بل سذاجته وعبثية حياته إلى ذلك الحين.
عمد سكورسيزي إلى تحقيق فيلمه «آخر عشاء للمسيح» سنة 1988 من منطلق فهمه المتجدد للحياة بعد تلك المحنة التي دفعته للعودة، سنة 1989 إلى كتاب إندو الذي يتحدث عن راهبين كاثوليكيين قاما سنة 1639 بالسفر إلى اليابان بحثًا عن راهب كاثوليكي سابق كان حط هناك واختفى.
الرواية كانت مكتوبة على نحو جذب المخرج الأميركي إليها فقرر سكورسيزي نقلها إلى السينما ووضع المشروع في سياق جدول أفلامه خلال السنوات الخمس المقبلة. وكان أول ما فعله، في هذا الاتجاه، هو أن أقنع المنتج الإيطالي سيشي غوري بشراء الحقوق فدفع 700 ألف دولار للمؤلف الياباني إندو.
إلى جانب المبلغ المذكور تم دفع 250 ألف دولار لسكورسيزي وكاتبه المفضل جاي كوكس، الذي كان كتب له ثلاثة أعمال سابقة هي «شوارع منحطة» و«عصر البراءة» و«عصابات نيويورك»، علاوة على 150 ألف دولار إذا ما تم تحقيق الفيلم فعلاً. لكن كوكس، الذي كان من المفترض به وضع السيناريو الأول، لم يستطع إنجاز المهمة على النحو المرضي. باعترافه كان السيناريو ينقصه «قلب».
نتيجة ذلك، وطوال التسعينات وحتى نهاية العشرية الأولى من هذا القرن، أن حاول عدة كتاب وضع سيناريو يلقى رضا المخرج. وهذه المحاولات لم تكن متواصلة. هناك فترات طويلة لم يعد ذلك المشروع مطروحًا على نحو آني على قائمة سكورسيزي ولا على قائمة سواه. هذا قبل أن يجد المنتج غوري نفسه وسط مرافعات قضائية بعدما انفضت شركته الأولى ووقع الخلاف حول أي من المشاريع التي تملكها الشركة سيبقى في حوزته وأي منها سينتقل لملكية شريكه السابق.


تحت المظلة
هذا الوضع، وما تلاه من سجالات قانونية وجد سكورسيزي نفسه طرفًا فيها، استمر طويلاً إلى أن التقى سكورسيزي بغوري واتفقا على أن يؤول المشروع لسكورسيزي بعدما كان غوري ربح دعواه ضد شريكه. هذا اللقاء تم سنة 2014 بإصرار من سكورسيزي الذي ذكّر غوشي بكل تلك السنوات التي أمضاها وهو يحاول دفع الفيلم إلى حيّز التنفيذ. قبل ذلك بعام واحد كان سكورسيزي التقى بالمنتج الأميركي راندال إيميت في مهرجان «كان» وبحثا، مع آخرين، سبل دفع المشروع إلى الأمام.
باقي المشكلات كانت في الكتابة من جديد. كل تلك الكتابات التي تمّت سابقًا لم يعد من الضروري العودة إليها لإصلاحها. وفي التاسع عشر من أبريل (نيسان) سنة 2013 استطاع جاي كوكس تسليم سيناريو ابتسم له سكورسيزي أخيرًا. في مطلع العام الماضي، جمع سكورسيزي فريق عمله وممثليه الرئيسيين، ليام نيسون وأندرو غارفيلد وأدام درايفر وتوجه بهم إلى الأماكن المختارة حيث تم التصوير في منتصف العام الماضي ليدخل مرحلة ما بعد التصوير ويصبح جاهزًا منذ ثلاثة أشهر.
إنها رحلة طويلة لمخرج عنيد لم يستسلم للعراقيل ودأب على إحياء هذا الحلم حتى استطاع تنفيذه. لكن هذه الرحلة لم تنته بمجرد القرار بأن الوقت صار مناسبًا لبدء عجلة هذا المشروع. في الأساس، وجد فريق عمل سكورسيزي أن التصوير في اليابان سيكلف الفيلم 100 مليون دولار لا يملكها سكورسيزي ولا يوجد استوديو كبير مستعد لها لأن الموضوع ليس جاذبًا للجمهور بالدرجة الكافية حتى تحت مظلة اسم كبير كاسم مارتن سكورسيزي ومع ممثلين لديهما جمهورهما الواسع مثل غارفيلد ونيسون.
الحل هو في التحول إلى تايوان حيث هناك قانون يعفي صانعي السينما الواردين من الخارج من الضرائب بنسبة كبيرة. هذا القرار وحده قلّص الميزانية إلى خمسين مليون دولار فقط. هذه الفاتورة تكفلت بها شركات أميركية ومكسيكية وتايوانية.
سكورسيزي نفسه لا يستطيع أن يتنفس الصعداء اليوم إلا بمقدار. فالفيلم ينتظر قرارات الجمهور وقرارات المؤسسات السينمائية لعله يخرج ببعض الجوائز الأساسية في هذا الموسم. في هذه الغضون، فإن مخرج «عصابات نيويورك» و«جزيرة مغلقة» و«الملاح» ونحو 55 فيلمًا آخر، مشغول بوظيفة المنتج المنفّذ لزمرة كبيرة من الأفلام من الآن وحتى نهاية السنة الجديدة. خلال ذلك ليس لديه النية للوقوف وراء الكاميرا مخرجًا حتى وقت لاحق، ربما مع مطلع عام 2018.


اختيارات المحرر

فيديو