الصمت الطويل الذي ساد حياة مارتن سكورسيزي

فيلمه الجديد ينطلق للعروض اليوم

الصمت الطويل الذي ساد حياة مارتن سكورسيزي
TT

الصمت الطويل الذي ساد حياة مارتن سكورسيزي

الصمت الطويل الذي ساد حياة مارتن سكورسيزي

«صمت» هو عنوان لثلاثة أفلام جديدة تم إنتاجها هذه السنة أهمّها هو الفيلم الذي قام مارتن سكورسيزي بإخراجه، الذي ينطلق في عروضه الأميركية العامّة اليوم. وقبل وصوله إلى صالات السينما تعددت وجهاته بين المؤسسات النقدية وخرج بستة جوائز في هذا الشهر بينها جائزة «أميركان فيلم إنستتيوت» كأحد أفضل أفلام السنة، وجائزة جمعية نقاد لوس أنجليس، وجائزة أفضل سيناريو مقتبس من «مجلس النقد الوطني».
إنه ليس فيلم العودة لسكورسيزي، فهو لم ينقطع عن العمل لكنه فيلم عودته إلى مواضيع دينية شغلته على نحو مباشر أو غير مباشر. في الفئة الأولى كان أبحر في تقديم رؤيته الدينية في «آخر عشاء للمسيح» سنة 1988 الذي ألّب عليه جماعات دينية مختلفة (مسيحية ويهودية)، و«كوندون» (1997) الذي ارتدى صيغة بحث في الروحانيات البوذية لجانب بعض أوضاعها السياسية. أما على نحو غير مباشر، فإن هناك الكثير: بطله الذي يحاول إصلاح العالم في «تاكسي درايفر» (1976) وشخصياته المافيوية التي تمارس طقوسها الدينية والعائلية بإيمان لجانب قيامها بأعمالها المعادية للقانون بإيمان أيضًا، وذلك كما في «صحبة طيّبة» (1990) و«كازينو» (1995).
«صمت» مشروع أثار حب سكورسيزي لتحقيقه منذ 28 سنة وذلك بعد عدة سنوات من قراءته لرواية وضعها الياباني شوساكو إندو الذي وضع روايته هذه سنة 1966 وقام مواطنه ماساهيرو شينودا بتحقيقها فيلمًا سنة 1971.

ترتيب الأولويات
إذ يمكن تأسيس العلاقة بين مارتن سكورسيزي والدين (بمدرسته الكاثوليكية التي ينتمي إليها سكورسيزي) بسهولة سواء عبر مطالعة حياته الخاصة أو قراءة أفلامه، هناك دوافع أخرى وقفت وراء الجهد الذي بذله طوال هذه السنوات لإنجاز هذا الفيلم.
في عام 1978 دخل مارتن سكورسيزي المستشفى من باب الطوارئ. كان أنجز فيلمه «نيويورك، نيويورك» وأخذ يستعد لتحقيق فيلمه المقبل «ثور هائج» (1980) لكن الفترة بينهما (التي أنجز فيها أيضًا فيلمًا تسجيليًا طويلاً هو «الرقصة الأخيرة») كانت فترة قاسية لم يكن واثقًا خلالها من أنه سيستعيد قدرته على العمل أو حتى الحفاظ على حياته. سكورسيزي كان أدمن المخدرات منذ منتصف السبعينات، وفي أحد أيام خريف سنة 1978 انهار كليًا ودخل المستشفى على الرمق الأخير.
لم تكن المخدرات وحدها سبب ملامسته الموت عندما قارب قلبه التوقف عن النبض، بل هي اشتغلت مع الأدوية الموصوفة التي كان يتناولها تبعًا لحالة «الربو» التي كان يعاني منها وهو صغير. عشرة أيام عصيبة قضاها سكورسيزي في ذلك المستشفى النيويوركي علّمته الكثير مثل أنه إذا ما كان يريد البقاء حيًا عليه أن يرتّب أولوياته على هذا الأساس.
أحد الذين زاروا المخرج في مرحلة علاجه كان رئيس أساقفة اسمه بول مور الذي قال له وهو يودعه: «هناك كتاب أريد إرساله لك». هذا الكتاب لم يكن سوى رواية إندو «صمت» الذي حط بين يدي سكورسيزي وهو يبحث عن إجابات روحانية بعدما خرج من نفق مظلم اكتشف فيها، كما قال، لا أن الحياة هي أولى للإنسان من الموت فقط، بل سذاجته وعبثية حياته إلى ذلك الحين.
عمد سكورسيزي إلى تحقيق فيلمه «آخر عشاء للمسيح» سنة 1988 من منطلق فهمه المتجدد للحياة بعد تلك المحنة التي دفعته للعودة، سنة 1989 إلى كتاب إندو الذي يتحدث عن راهبين كاثوليكيين قاما سنة 1639 بالسفر إلى اليابان بحثًا عن راهب كاثوليكي سابق كان حط هناك واختفى.
الرواية كانت مكتوبة على نحو جذب المخرج الأميركي إليها فقرر سكورسيزي نقلها إلى السينما ووضع المشروع في سياق جدول أفلامه خلال السنوات الخمس المقبلة. وكان أول ما فعله، في هذا الاتجاه، هو أن أقنع المنتج الإيطالي سيشي غوري بشراء الحقوق فدفع 700 ألف دولار للمؤلف الياباني إندو.
إلى جانب المبلغ المذكور تم دفع 250 ألف دولار لسكورسيزي وكاتبه المفضل جاي كوكس، الذي كان كتب له ثلاثة أعمال سابقة هي «شوارع منحطة» و«عصر البراءة» و«عصابات نيويورك»، علاوة على 150 ألف دولار إذا ما تم تحقيق الفيلم فعلاً. لكن كوكس، الذي كان من المفترض به وضع السيناريو الأول، لم يستطع إنجاز المهمة على النحو المرضي. باعترافه كان السيناريو ينقصه «قلب».
نتيجة ذلك، وطوال التسعينات وحتى نهاية العشرية الأولى من هذا القرن، أن حاول عدة كتاب وضع سيناريو يلقى رضا المخرج. وهذه المحاولات لم تكن متواصلة. هناك فترات طويلة لم يعد ذلك المشروع مطروحًا على نحو آني على قائمة سكورسيزي ولا على قائمة سواه. هذا قبل أن يجد المنتج غوري نفسه وسط مرافعات قضائية بعدما انفضت شركته الأولى ووقع الخلاف حول أي من المشاريع التي تملكها الشركة سيبقى في حوزته وأي منها سينتقل لملكية شريكه السابق.

تحت المظلة
هذا الوضع، وما تلاه من سجالات قانونية وجد سكورسيزي نفسه طرفًا فيها، استمر طويلاً إلى أن التقى سكورسيزي بغوري واتفقا على أن يؤول المشروع لسكورسيزي بعدما كان غوري ربح دعواه ضد شريكه. هذا اللقاء تم سنة 2014 بإصرار من سكورسيزي الذي ذكّر غوشي بكل تلك السنوات التي أمضاها وهو يحاول دفع الفيلم إلى حيّز التنفيذ. قبل ذلك بعام واحد كان سكورسيزي التقى بالمنتج الأميركي راندال إيميت في مهرجان «كان» وبحثا، مع آخرين، سبل دفع المشروع إلى الأمام.
باقي المشكلات كانت في الكتابة من جديد. كل تلك الكتابات التي تمّت سابقًا لم يعد من الضروري العودة إليها لإصلاحها. وفي التاسع عشر من أبريل (نيسان) سنة 2013 استطاع جاي كوكس تسليم سيناريو ابتسم له سكورسيزي أخيرًا. في مطلع العام الماضي، جمع سكورسيزي فريق عمله وممثليه الرئيسيين، ليام نيسون وأندرو غارفيلد وأدام درايفر وتوجه بهم إلى الأماكن المختارة حيث تم التصوير في منتصف العام الماضي ليدخل مرحلة ما بعد التصوير ويصبح جاهزًا منذ ثلاثة أشهر.
إنها رحلة طويلة لمخرج عنيد لم يستسلم للعراقيل ودأب على إحياء هذا الحلم حتى استطاع تنفيذه. لكن هذه الرحلة لم تنته بمجرد القرار بأن الوقت صار مناسبًا لبدء عجلة هذا المشروع. في الأساس، وجد فريق عمل سكورسيزي أن التصوير في اليابان سيكلف الفيلم 100 مليون دولار لا يملكها سكورسيزي ولا يوجد استوديو كبير مستعد لها لأن الموضوع ليس جاذبًا للجمهور بالدرجة الكافية حتى تحت مظلة اسم كبير كاسم مارتن سكورسيزي ومع ممثلين لديهما جمهورهما الواسع مثل غارفيلد ونيسون.
الحل هو في التحول إلى تايوان حيث هناك قانون يعفي صانعي السينما الواردين من الخارج من الضرائب بنسبة كبيرة. هذا القرار وحده قلّص الميزانية إلى خمسين مليون دولار فقط. هذه الفاتورة تكفلت بها شركات أميركية ومكسيكية وتايوانية.
سكورسيزي نفسه لا يستطيع أن يتنفس الصعداء اليوم إلا بمقدار. فالفيلم ينتظر قرارات الجمهور وقرارات المؤسسات السينمائية لعله يخرج ببعض الجوائز الأساسية في هذا الموسم. في هذه الغضون، فإن مخرج «عصابات نيويورك» و«جزيرة مغلقة» و«الملاح» ونحو 55 فيلمًا آخر، مشغول بوظيفة المنتج المنفّذ لزمرة كبيرة من الأفلام من الآن وحتى نهاية السنة الجديدة. خلال ذلك ليس لديه النية للوقوف وراء الكاميرا مخرجًا حتى وقت لاحق، ربما مع مطلع عام 2018.



فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز