فرنسا تصر على التئام مؤتمر السلام في الشرق الأوسط قبل تسلم ترامب

وزير خارجيتها يحدد 15 يناير تاريخًا لانعقاده ودعوات لـ70 بلدًا للمشاركة

فرنسا تصر على التئام مؤتمر السلام في الشرق الأوسط قبل تسلم ترامب
TT

فرنسا تصر على التئام مؤتمر السلام في الشرق الأوسط قبل تسلم ترامب

فرنسا تصر على التئام مؤتمر السلام في الشرق الأوسط قبل تسلم ترامب

استفاد وزير الخارجية الفرنسي من وجوده في بيروت، أمس، للإعلان عن عزم بلاده الدعوة إلى مؤتمر موسع للسلام في الشرق الأوسط، في الخامس عشر من شهر يناير (كانون الثاني) المقبل، أي قبل 5 أيام من تسلم الإدارة الأميركية الجديدة لمسؤولياتها. ويأتي هذا التاريخ ليحل مكان الموعد الأول الذي كانت الدبلوماسية الفرنسية قد حددته (21 ديسمبر/ كانون الأول الحالي)، والذي جرى التخلي عنه بسبب «تضارب الأجندات»، وفق ما قالته سابقًا مصادر فرنسية رسمية لـ«الشرق الأوسط»، في تلميح لاستحالة مشاركة وزير الخارجية الأميركي في الموعد الأول، وطلبه تأجيل الاجتماع. لكن هذه المشاركة، وفق باريس، ليست مؤكدة في الموعد الجديد.
ومن الواضح أن الجانب الفرنسي يريد ويصر على التئام هذا المؤتمر الذي من المقرر أن تدعى إليه ما لا يقل عن 70 دولة ومنظمة إقليمية ودولية، قبل وصول الرئيس المنتخب دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، مما يعكس المخاوف الفرنسية من السياسة الأميركية «الجديدة» إزاء الملف الفلسطيني الإسرائيلي، واصطفاف واشنطن إلى جانب المواقف الإسرائيلية.
وإذا كان من حاجة للتدليل على «انحياز» ترامب إلى إسرائيل، فإن مطالبته الرئيس أوباما باستخدام حق النقض (الفيتو) لإجهاض مشروع القرار الخاص بالاستيطان الإسرائيلي، الذي قدم أمس إلى مجلس الأمن الدولي، يأتي بالدليل على توجهات الإدارة الأميركية الجديدة. فضلاً عن ذلك، فإن باريس ترى تصريحات المرشح ترامب، ثم الدائرة الضيقة المحيطة به، وتعيين ديفيد فريدمان سفيرًا في إسرائيل، ومسارعته إلى التأكيد على أنه ينتظر بشوق ممارسة مهماته المقبلة «من القدس العاصمة الأبدية لإسرائيل»، كلها علامات مثيرة للقلق لأنها تشير إلى «انحراف» منتظر في السياسة الأميركية. ولذا، لم يتبق أمام الدبلوماسية الفرنسية إلا القليل من الوقت لبلورة موقف جماعي يعيد الملف الفلسطيني - الإسرائيلي إلى واجهة الاهتمامات الدولية، ويعيد التأكيد على حل الدولتين الذي ترى فيه الدبلوماسية الفرنسية الطريق الوحيد لوضع حد للنزاع المذكور.
وبانتظار منتصف الشهر المقبل، فإن باريس ستعمد إلى بلورة المقترحات التي قدمتها 3 لجان شكلت عقب الاجتماع الأول الذي استضافته في الثالث من يونيو (حزيران) الماضي، والمفترض أن تكون القاعدة التي ستركز عليها المناقشات. كذلك تريد باريس، وفق مصادرها، إعادة «تعويم» مبادرة السلام العربية التي لم تؤخذ يومًا بالجدية التي تستحقها. وسبق للجانب العربي أن أكد بمناسبة الاجتماع الماضي أنه لا يرى حاجة لإدخال أي تعديل على المبادرة المذكورة، على الرغم من الضغوط الغربية، وخصوصًا الأميركية. وفهم وقتها أن الغربيين يريدون من العرب القيام بخطوات «استباقية»، لتشجيع إسرائيل على سلوك درب السلام، وهو ما جرى رفضه حينها.
بيد أن سقف التوقعات من المؤتمر العتيد ليس مرتفعًا، بالنظر لرفض رئيس الوزراء الإسرائيلي الحضور إلى باريس، وكذلك رفضه المؤتمر جملة وتفصيلاً، على الرغم من الإصرار الفرنسي «الودي». وفي اتصال هاتفي بينه وبين الرئيس فرنسوا هولاند، ربط نتنياهو قبوله الذهاب إلى العاصمة الفرنسية للقاء الرئيس الفلسطيني محمود عباس بإلغاء المؤتمر جملة وتفصيلاً. وفي الأساس، كانت باريس تخطط لعقد المؤتمر بحضور الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي. وبعد رفض نتنياهو، سعت فرنسا لإقناعه بلقاء عباس في قصر الإليزيه، عقب المؤتمر، «لإبلاغ» الطرفين بتوصيات اللقاء ونتائجه، وهذا ما عارضه الأول. ولذا، فسيعقد المؤتمر بغياب الطرفين المعنيين به بالدرجة الأولى. وبحسب المصادر الفرنسية، فإنه «لا مصلحة» لنتنياهو اليوم في التحرك، ويكفيه انتظار تسلم الإدارة الجديدة لمسؤولياتها، والتعويل على دعمها للمواقف الإسرائيلية، لا بل مغالاتها في ذلك.
وثمة «خيبة» فرنسية قديمة من إدارة واشنطن لملف الصراع في الشرق الأوسط. لذا، أرادت باريس مقاربة «جماعية»، باعتبار أن المنهج الأميركي أخفق، ومساعي الوزير كيري الذي طلب التفرد بالوساطة، ودعا فرنسا وكذلك الاتحاد الأوروبي لعدم التحرك، وصلت إلى طريق مسدود، وتوقفت نهائيًا في ربيع عام 2014. ومن هنا، جاءت فكرة المؤتمر على مرحلتين، وعلى أساس دعوة الكثير من الدول المهتمة التي سيكون عليها «مواكبة» المفاوضات، وتوفير «المحفزات» السياسية والاقتصادية، لتسهيل عملية التفاوض، وإخراجها من عنق الزجاجة، وخصوصًا إيجاد نوع من «التوازن» بين طرف إسرائيلي يرفض وقف الاستيطان، بل يسرع وتيرته لوأد حل الدولتين، وبين طرف فلسطيني ضعيف منقسم بين غزة والضفة، لا يملك سوى القليل من أوراق الضغط.
وحتى وقت قريب، كانت باريس تأمل في أن «ينتفض» الرئيس أوباما، وأن ينهي عهده الثاني ببادرة «قوية» بشأن هذا الملف الذي كان من أوائل الملفات التي أعلن عن رغبته في الانكباب لها. لكن النتيجة جاءت بمستوى الصفر، فلا كيري استطاع أن يقوم بما قام به وزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر، في إبراز العضلات الأميركية بوجه القادة الإسرائيليين، ولا أوباما احتذى حذو الرئيس الديمقراطي كلينتون الذي حاول في الأشهر الأخيرة من عهده دفع الرئيس عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك إلى توقيع اتفاق سلام في كامب ديفيد. وقد اكتفى أوباما بعلاقة «جليدية» مع نتنياهو، من غير أن يمنعه ذلك من دفق المساعدات العسكرية والمادية على إسرائيل، بمستويات لم تعرف من قبل.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...