ارتفاع مؤقت في العجز التجاري المغربي

ارتفاع مؤقت في العجز التجاري المغربي

فترة الجفاف وانخفاض أسعار الفوسفات أهم الأسباب
السبت - 18 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 17 ديسمبر 2016 مـ
ميناء طنجة على سواحل الأطلسي أحد نوافذ المغرب التجارية ({غيتي})

قال مكتب الصرف المغربي أمس (الجمعة): إن العجز التجاري للمغرب زاد 18 في المائة إلى 166.03 مليار درهم (16.43 مليار دولار) في الأحد عشر شهرا الأولى من 2016 مقارنة مع الفترة ذاتها قبل عام، وذلك بفعل ارتفاع الواردات.
وأظهرت البيانات ارتفاع واردات المعدات 25.5 في المائة إلى 106.71 مليار درهم، وارتفاع واردات السيارات 31.8 في المائة إلى 12.92 مليار درهم، وقفزت واردات القمح 37.5 في المائة عنها قبل سنة لتصل إلى 11.22 مليار درهم في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) بفعل طقس سيئ أضر بالمحصول المحلي العام الماضي. وتراجعت فاتورة واردات الطاقة 20 في المائة إلى 49.19 مليار درهم مقارنة بها قبل عام بفضل انخفاض الأسعار في السوق العالمية، والمغرب أكبر مستورد للطاقة في منطقة شمال أفريقيا. وزادت الصادرات الإجمالية 1.4 في المائة على أساس سنوي إلى 203.18 مليار درهم بقيادة زيادة 8.5 في المائة في صادرات السيارات، وتراجعت مبيعات الفوسفات 12.5 في المائة إلى 35.76 مليار درهم مع انخفاض الأسعار في الأسواق العالمية.
وارتفعت إيرادات السياحة 4.1 في المائة، في حين زادت تحويلات 4.5 مليون مغربي مقيمين في الخارج 4.2 في المائة إلى 59.47 مليار درهم، وتراجع الاستثمار الأجنبي المباشر 14.5 في المائة إلى 30.22 مليار درهم.
ورغم التراجع الكبير في أداء المغرب الخارجي، خلال هذه الفترة فإنه يمكن اعتبار هذا التراجع «مؤقتا» بفعل خطوات الإصلاح الكبيرة التي تخطوها المملكة، وسياساتها الاقتصادية الخارجية القائمة على التوسع.
ويتوقع صندوق النقد الدولي نمو الاقتصاد المغربي بشكل متسارع في 2017 ليبلغ 4.4 في المائة، داعيا إلى مواصلة الإصلاحات البنيوية التي بدأتها المملكة.
وقال نيكولا بلانشيه، رئيس البعثة الاستشارية للصندوق «في 2016 يفترض أن يتباطأ نمو الاقتصاد المغربي ليتراوح بين 1.5 و2 في المائة؛ بسبب موسم الحبوب السيئ وضعف النشاط غير الزراعي». وأضاف أن «النمو يرتقب أن يتسارع في 2017 ويبلغ نحو 4.4 في المائة، ويستقر على نحو 4.5 في المائة على الأمد المتوسط استنادا إلى الإصلاحات الجارية».
ويعتمد الاقتصاد المغربي إلى حد كبير على الزراعة التي تضررت كثيرا هذه السنة بالجفاف الشديد الذي شهدته البلاد. وقال بلانشيه إن المغرب «استفاد من مواصلة الإصلاحات الهيكلية»، وتابع إن «التقدم في مجال التحكم بالميزانية وتنويع الاقتصاد عززت مقاومته».
لكن رئيس البعثة تابع إنه «ما زال هناك الكثير الذي يجب القيام به لتحقيق نمو أكبر، بدأت المملكة في إصلاحات هيكلية مهمة ومن الضروري تسريع تطبيقها»، مذكرا بأن البطالة ما زالت مرتفعة، خصوصا بين الشباب.
وبين الأولويات هناك، خصوصا، تحسين نوعية النظام التعليمي وسير سوق العمل ومعدل نشاط النساء، على حد قوله.
وبشأن التعليم الذي يرى مراقبون أنه مصدر قلق كبير على الرغم من الموارد الكبيرة التي تخصصها الدولة لهذا القطاع، قال بلانشيه إن «النتائج ليست بمستوى الاستثمارات» ويثير «تساؤلا عن فاعلية النفقات العامة».
ورحب صندوق النقد الدولي «بالإصلاحات الأخيرة لنظام التقاعد في القطاع العام» التي تعترض عليها النقابات بشدة، وكذلك «تحسين المالية العامة في مشروع قانون المالية للعام 2017». أما في ملف العلاقات الاقتصادية الخارجية، فمنذ إعلانه في منتصف يوليو (تموز) نيته العودة إلى الاتحاد الأفريقي، يعول المغرب، خصوصا، على العمل الدبلوماسي الاقتصادي، لكسب أكبر دعم ممكن لقضيته فيما يسمى «دبلوماسية العقود».
وبدأ ملك المغرب محمد السادس في الأشهر الأخيرة رحلات في أفريقيا من رواندا إلى تنزانيا والغابون والسنغال وإثيوبيا ومدغشقر ونيجيريا. وشهدت كل واحدة من الرحلات التي يرافق العاهل المغربي فيها وفد من الوزراء وأرباب العمل ورجال الأعمال توقيع عدد كبير من الاتفاقيات التجارية.
ففي أديس أبابا في منتصف نوفمبر، وقعت المغرب سبع اتفاقيات ثنائية، منها عقد كبير بقيمة ملياري يورو لبناء مجمع لإنتاج السماد الزراعي، يفترض أن يؤمّن الاكتفاء الذاتي لهذا البلد بحلول 2025.
وفي انتاناناريفو، عاصمة مدغشقر، أعلن عن 22 اتفاقية على رأسها مشروع طموح يتعلق بقناة بانغالان الطبيعية، التي تمتد بطول 700 كيلومتر على طول الساحل الشرقي لمدغشقر. والمشروع الكبير الثاني هو إعادة تأهيل خليج كوكودي في أبيدجان الذي قُدرت كلفته بأكثر من 150 مليون يورو، وقد بدأ في 2015 ويفترض أن ينتهي في 2019، بينما يحتل المغرب المرتبة الأولى في لائحة المستثمرين الأجانب في ساحل العاج. وفي نيجيريا، وقعت المغرب مشروعا مشتركا لمد خط لأنابيب الغاز سيصل الدولتين، إضافة إلى بعض الدول الأفريقية الأخرى بأوروبا. وتم التوصل لهذه الاتفاقية خلال زيارة قام بها العاهل المغربي الملك محمد السادس للعاصمة النيجيرية أبوجا، وقال وزير الخارجية النيجيري جيفري أونياما «في هذه الاتفاقية اتفقت الدولتان على دراسة واتخاذ خطوات ملموسة تجاه تشجيع مشروع خط إقليمي لأنابيب الغاز سيصل موارد نيجيريا من الغاز بموارد دول عدة بغرب أفريقيا والمغرب».
وأضاف أونياما، أن «هذا المشروع يهدف إلى إنشاء سوق كهرباء إقليمية منافسة مع احتمال توصيلها بأسواق الطاقة الأوروبية».
ولم يتم تحديد جدول زمني لموعد بدء العمل في مد خط الأنابيب أو تكلفته. ونيجيريا غنية بالهيدروكربونات، لكنها لا تنتج كميات تذكر من الكهرباء؛ مما يجعل صناعاتها غير منافسة، ويواجه اقتصادها الآن ركودا ناجما عن هبوط في أسعار النفط الخام، إضافة إلى قيام مسلحين في إقليمها المنتج للنفط (دلتا النيجر) بتفجير خطوط أنابيب سعيا للحصول على نصيب أكبر في ثروة نيجيريا النفطية التي خفضت إنتاجها من النفط الخام هذا العام. وقال أونياما إن «نيجيريا والمملكة المغربية اتفقتا أيضا على تطوير تجمعات صناعية متكاملة في المنطقة الواقعة جنوب الصحراء في قطاعات مثل الصناعات التحويلية والأنشطة التجارية الزراعية والأسمدة لجذب رأس المال الأجنبي وتحسين القدرة على المنافسة في مجال التصدير».
وأطلقت المملكة قبل 15 عاما «استراتيجيتها الأفريقية» عبر الاعتماد على «أبطالها الوطنيين»، أي أهم منجزات اقتصادها في مجالات المصارف والتأمين والاتصالات والصناعة والبناء العقاري.
وقال أمين ضفير، الأستاذ في جامعة الحسن الثاني المحمدية والخبير في هذه «الدبلوماسية الاقتصادية» إن «الرؤية المغربية تقضي بجعل هذه الشركات الوطنية سفراء حقيقيين في أفريقيا»، وأضاف أن الأمر يتعلق «بنشوء دبلوماسية عقود». وحتى 2016، كانت الرباط تتطلع بشكل أساسي إلى الدول الفرنكوفونية في غرب أفريقيا، منطقة نفوذها الطبيعي، التي تدعم موقفها في قضية الصحراء الغربية.
وفي الأشهر الأخيرة وعلى وقع الجولات والخطب الملكية بهدف العودة إلى الاتحاد الأفريقي، وسع المغرب نطاق عمله إلى كل القارة، وقام مثلا بتقارب غير مسبوق مع دول شرق أفريقيا التي كانت العلاقات معها غير وطيدة ومتوترة في بعض الأحيان بسبب اعترافها بـ«الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية» التي أعلنتها بوليساريو.
وفي الصف الأول من هذه الدبلوماسية التجارية الجديدة، شركات مهمة في القطاع الخاص تشارك في بعضها بما فيها الشركة القابضة للأسرة الملكية «الشركة الوطنية للاستثمار» كمساهم.
ومثال على ذلك «التجاري وفا بنك» أكبر مجموعة مصرفية في البلاد تمكنت عبر عمليات استثمار واستحواذ من التمركز في عدد من دول القارة، ومؤخرا في رواندا، حيث اشترت «الشركة العامة للمصرف».
كما يعتمد المغرب على شركته العامة مثل «المكتب الشريفي للفوسفات» أحد أهم المجموعات المنتجة للأسمدة في العالم، وينوي استثمار 15 مليار دولار في أفريقيا في السنوات الـ15 المقبلة.
وأصبح المغرب ثاني دولة مستثمرة في أفريقيا بعد جنوب أفريقيا، ويفيد تقرير للمركز الفكري المغربي «أو سي بي بوليسي سنتر» بأن المغرب أبرم نحو 500 اتفاق للتعاون منذ العام 2000.
وتمثل أفريقيا جنوب الصحراء 62.9 في المائة من الاستثمارات المباشرة الأجنبية المغربية في العالم، بينها 41.6 في المائة في القطاع المصرفي. ويوضح ملك المغرب باستمرار في خطبه لشركائه الأفارقة هذه الاستراتيجية الجديدة للتعاون بين دول الجنوب و«التضامنية» و«للتنمية المشتركة» مضيفا بعض العبارات المناهضة للاستعمار.
وقال الملك محمد السادس في مقابلة مع الصحافة في مدغشقر مؤخرا «خلال زيارات لأفريقيا أو خلال المشروعات التي أخططها لا يتعلق الأمر إطلاقا بإعطاء دروس، بل أقترح أن نتقاسم تجاربنا».
ورأى إدريس غريني، الأستاذ في جامعة مراكش لوكالة الصحافة الفرنسية، أن «الأفارقة باتوا ينظرون نظرة سيئة» إلى أطماع القوى العالمية الكبرى في ثروات أفريقيا.
وأضاف: «بالعكس، علاقات المغرب مع دول جنوب الصحراء ينظر إليها بشكل جيد لأنها محكومة برؤية مرتبطة بمصالح مشتركة وفق منطقة الطرفين الرابحين».


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة