حلب تذعن للحسابات الدولية

عوامل كثيرة تحول دون قدرة النظام على إعادة النبض لعاصمة سوريا الاقتصادية

حلب تذعن للحسابات الدولية
TT

حلب تذعن للحسابات الدولية

حلب تذعن للحسابات الدولية

ينهي إخلاء مدينة حلب من المقاتلين المعارضين والمدنيين المؤيدين للثورة السورية 4 سنوات ونيفاً من التجاذب وشد الحبال، عسكريًا وسياسيا، بين النظام السوري ومعارضيه للسيطرة على العاصمة الاقتصادية لسوريا، وثاني كبرى مدنها. ويتيح هذا التطور المأساوي للنظام تثبيت نفوذه في «سوريا المفيدة» وفق أولى الخرائط التي ظهرت في عام 2014، التي تمتد من مدينة درعا جنوبًا، إلى مدينة حلب شمالاً. ومع أن حلب انضمت إلى الثورة متأخرة، مقارنة بمدن أخرى في محافظات ريف دمشق ودرعا وحمص وحماه ودير الزور، فإن دورها السياسي في الأزمة السورية، كان محوريًا. بل لعله كان الأبرز بين أدوار المدن السورية الأخرى، بالنظر إلى كونها تمثل عمقًا استراتيجيًا لتركيا، المتهمة اليوم بأنها فاوضت روسيا على إخراج المعارضين السوريين منها مقابل مكاسب أخرى متعلقة بمنع قيام «كانتون» كردي انفصالي على حدودها الجنوبية. أضف إلى ذلك أن حلب تمثل الحلقة الأخيرة في خريطة «سوريا المفيدة» التي تتيح للنظام تحسين قدرته الاقتصادية في حال استعاد السيطرة الكافية لرفده بالقدرة على إعادة تشغيل مصانعها، إلى جانب أدوار أخرى، أهمها الدور العسكري، حيث ستكون المدينة نقطة انطلاق عسكرية باتجاه المدن والمحافظات المحيطة.
يكشف خروج مدينة حلب المبكر من تحت علم الثورة السورية، عن حجم الدور الذي تلعبه المدينة العريقة في تحديد سياق الثورة، لجهة تثبيتها ونجاحها، أو لجهة إبقاء النظام السوري في مرحلة انتقالية؛ ذلك أن المدينة، الغنية بتنوعها الديموغرافي، تحتل أيضًا موقعًا استراتيجيًا مهمًا يستطيع قلب الموازين العسكرية عبر قطع خطوط الدعم عن المعارضة من الأراضي التركية، وإعادة تنشيط الدورة الاقتصادية في البلاد، على الرغم من شكوك تحيط بقدرة النظام على ذلك.

تبدل الأجندات الإقليمية
سياق المعركة على حلب، يشير بما لا يحمل الشك إلى تغييرات سياسية إقليمية، كان يستحيل على النظام من دونها أن يبسط سيطرته عليها. وتتحدث الوقائع عن تحولات في المواقف التركية التي كانت قبل دخول العامل الروسي المباشر إلى الميدان السوري، أبرز العوامل المؤثرة في تمكين المعارضة من السيطرة على حلب.
الدكتور سمير التقي، الباحث السياسي السوري والخبير الاستراتيجي، يرى أن سيطرة النظام على حلب «ناتجة عن تبدل في التحالفات الإقليمية»، من غير أن يحمّل تركيا مسؤولية تمكين النظام من دخول المدينة، ذلك أن أنقرة «لا تستطيع مواجهة روسيا وحدها بعدما أدار الغرب ظهره لها، بينما منحت الولايات المتحدة روسيا الضوء الأخضر في سوريا».
ويوضح التقي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن هناك شرطين يسقطان حلب بيد النظام، هما «سماح الغرب لروسيا بقتل آلاف بالقصف، وانتهاء الحملة العسكرية في الموصل وتوجه ميليشيات الحشد الشعبي العراقي إلى حلب»، مشيرًا إلى أن الشرطين «تحققا مؤخرًا، وهو ما ساهم في سقوط حلب».
وإذ يرفض إلقاء اللوم على تركيا، يقول التقي إن أنقرة «تتعرّض لضغوط هائلة من قبل الغرب وأميركا؛ فحين تلقت تهديدات من روسيا، ووصل التوتر بين الطرفين إلى مستويات قياسية، لم يقف الغرب إلى جانبها، وهي لا يمكن لها الصمود بوجه روسيا وحدها». ثم يشرح أن التبدل في السياسة التركية حيال حلب «جاء في إطار الحد من الأضرار، وليس تبدلاً استراتيجيًا حيال موقفها تجاه الأسد»، لافتًا في الوقت نفسه إلى أن الاستراتيجية التركية الثابتة «هي منع قيام دولة كردية على حدودها». لذلك، يضيف التقي: «يمكن القول إن تركيا تمكنت من الحصول على ضمانات بأن روسيا ستقبل التدخل التركي بالشمال السوري، لمنع قيام كانتون كردي، مقابل عدم حصول صدام تركي - روسي»، علما أن الصدام بين الطرفين كان محتملاً إثر تصاعد التوتر على خلفية إسقاط الطائرة الروسية.

مكاسب النظام
من ناحية ثانية، يروّج النظام السوري إلى «انتصار» حققه في حلب، ويغدق الوعود على مناصريه بأن المدينة ستعود إلى سابق عهدها، رغم تراجع إمكانياته المادية التي تمكنه من إنعاش المدينة، وإعادة إعمارها، وبث النبض في مدنها الصناعية. فضلاً عن ذلك، فإن دخول العامل الأجنبي في حلب، وهو الميليشيات الرديفة التي تقاتل إلى جانب النظام، يشكل العقدة الأبرز في عودتها إلى الحياة.
وهنا يشكك التقي في أن يكون النظام قادرًا على إدارة المدينة، أو إعادة تفعيل الحياة الاجتماعية والاقتصادية فيها. إذ إنه يشير إلى أن «المشكلة الرئيسية التي يعانيها النظام الآن، هي الحاضنة الشعبية وإدارة المناطق في ظل سيطرة الميليشيات الطائفية على مفاصل الحياة في الأحياء». ويوضح أن «المناطق الموالية للنظام، باتت الآن متوجسة وقلقة من دخول الميليشيات الطائفية إليها»، مستطردًا: «المعركة لن تنتهي الآن؛ فهناك سيولة كبيرة بالوضع الداخلي والإقليمي، وثمة ملامح تنازع روسي إيراني»، مشددًا على أن «كل العوامل لا توحي بأن هناك استقرارًا على المدى القريب».

عقدة عسكرية

الحقيقة أن حلب مثلت على الدوام أهمية كبرى بالنسبة للنظام؛ إذ إن حافظ الأسد اعتبر الحضور السوري سياسيا واقتصاديا وتاريخيا وثقافيًا كله موجودا في حلب إلى جانب دمشق، وهو ما دفعه لتكثيف حضوره الأمني في المدينة، وبنى تحالفات اقتصادية ومالية، وأخضعهما لقوانين جديدة هيمنت عليها المخابرات وأجهزة السلطة.
واليوم، ينطلق النظام في ترويجه للانتصار في حلب، من نقطة ميدانية مهمة جدًا، شكلت أبرز العقد العسكرية التي مكنت أحد الطرفين من إحكام السيطرة على المدينة. ولطالما انقسمت السيطرة في مدينة حلب منذ صيف 2012، بين قوات النظام وقوات المعارضة، إذ كانت تسيطر الأخيرة على الأحياء الشرقية وجزء من الأحياء الشمالية، وفي حين تحولت مناطق حلب القديمة إلى نقاط اشتباك مستمرة، احتفظ النظام بالسيطرة على جزء من المناطق الجنوبية والأحياء الغربية التي أحاطها بقبضة عسكرية محكمة، لم تُخرق إلا مرتين منذ الصيف الماضي، واستطاع إغلاق تلك المنافذ بمساعدة الميليشيات المتحالفة معه.
وطوال فترة الحرب، لم تستقر خريطة النفوذ على شكل واحد؛ إذ يقول مصدر معارض في الداخل لـ«الشرق الأوسط» إن مدينة حلب كان «يستحيل أن تشهد هدوءًا» نظرًا إلى الخريطة المتغيرة يوميًا على صعيد الاقتتال فيها، وتقدم قوات المعارضة من جهات وانحسار تواجدها من جهات أخرى. لكن المدينة «كانت تمتاز بجانب إيجابي بالنسبة لنا، وهو أن مساحتها كبيرة جدًا، ما يعني أن قوات النظام لا يمكن أن تحاصرها أبدًا، خلافًا لما يشيعه النظام بأنه قادر على إطباق حصار عليها، وكان ذلك حتى أواخر عام 2014، إلى حين تدخل الميليشيات التي تقاتل إلى جانبه، ورفدته بأعداد ضخمة من المقاتلين. ومع ذلك، لم يستطع النظام محاصرة حلب، إلا في أغسطس (آب) الماضي». وحسب المصدر المعارض، إن النظام «كان طوال ثلاث سنوات عاجزًا عن تنفيذ ذلك المخطط بسبب فقدانه الكادر البشري وكثيرا من الذي يحتاجه لخنق المدينة ومحاصرتها»، علما أن مساحتها تعادل 5 أضعاف مساحة الغوطة الشرقية في دمشق التي يحاصرها النظام.
التبدل في الوقائع الميدانية في حلب، دفع المبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا في عام 2014 إلى التسليم بالأمر الواقع، معتبرًا أن حلب كانت النموذج الأمثل لتطبيق اقتراح تجميد القتال، حين قال بعد لقائه أعضاء مجلس الأمن الدولي إنه ليست لديه خطة سلام وإنما «خطة تحرك» لتخفيف معاناة السكان بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب. وأضاف المبعوث الأممي، آنذاك، أن مدينة حلب المقسمة قد تكون «مرشحة جيدة» لتجميد النزاع فيها، مشددًا على أنه «ينبغي أن يحصل شيء يؤدي إلى تجميد النزاع في تلك المنطقة ويتيح الفرصة لتحسين الوضع الإنساني وللسكان لكي يشعروا بأنه، على الأقل هناك، لن يحدث مثل هذا النزاع».

اللحاق بركب الثورة
في يوليو (تموز) 2012، بدأت الثورة بشكل جدّي طرق أبواب حلب؛ إذ سيطرت فصائل المعارضة على حي صلاح الدين، الذي كان أول حي يخرج عن سيطرة النظام، وسرعان ما تلته أحياء الشعار وطريق الباب، وغيرها من المناطق الشعبية الفقيرة. وللعلم، توسعت الأحياء الشرقية لحلب في السنوات التي سبقت الحرب نتيجة النزوح من الأرياف إلى المدينة، والسكن في أطراف المنطقة الشرقية، باعتبار النازحين من الفقراء الذين قصدوا المدينة للعمل وكسب الرزق.
تعد الأحياء الواقعة شرق المدينة، واقعيًا، الأحياء الفقيرة والأكثر جذبًا للفئات الفقيرة النازحة من الأرياف منذ أوائل القرن الماضي. ولقد وجدت تلك الفئات في الثورة خلاصًا لها من بؤس ناتج عن التهميش اللاحق بها، بالنظر إلى أن «جهاز السلطة» قبل الثورة كان يستبعد تلك الفئات من الحكم، ومن فرص التغيير.
أما أحياء حلب الغربية والوسطى، فكان من الصعب سقوطها بالنظر إلى أنها مناطق تمترس بها النظام، ووضع حدًا للتوسع العسكري المعارض فيها، بالإضافة إلى أن الكتلة السكانية فيها من الطبقة الميسورة والمتوسطة المستفيدة من «الأمر الواقع» وغير المستعدة للانخراط في النزاعات المسلحة، وهو ما دفع كثيرين منها للخروج من المنطقة. وثمة اتهام مستمر، بأن الحلبيين ما كانوا جميعًا مع الثورة الشعبية، خصوصًا بعض الرأسماليين، بحكم الشراكة مع النظام في التجارة والصناعة والمشاريع الضخمة.
في هذا السياق يشرح منذر سلال، نائب رئيس محافظة حلب حرة، في حوار مع «الشرق الأوسط» أن «القبضة الأمنية الأشد، كانت موجودة في تلك الأحياء التي شهدت انتشارًا مكثفًا للشبيحة في أوائل الثورة، وهو ما حال دون سقوطها بيد المعارضة». ويتابع سلال أنه رغم أن «أكبر المظاهرات خرجت من حرم جامعة حلب، كما شهدت المدينة أكبر الاعتصامات والمظاهرات... كان المأمول من حلب، التي كان يسكنها 3.5 مليون سوري، دورا أكبر، وهذا على الرغم من أن الأحياء الغنية خرجت منها مظاهرات ضخمة أهمها حلب الجديدة والنيل وسيف الدولة وبستان القصر وغيرها». إضافة إلى ذلك، وفق سلال، فإن العشائر «شكلت سدًا منيعًا دون الثورة على النظام في عام 2011، وبخاصة العشائر المتمثلة في مجلس الشعب السوري والداعمة للنظام، إذ مارست الشدة ضد المتظاهرين، وهو الأمر الذي لم يحصل كثيرًا في مناطق سورية أخرى».
من ناحية أخرى، تشير التقارير إلى أن الأحياء التي يسكنها عمومًا أبناء الطبقتين الفقيرة والغنية لم تشهد ثورة ضد النظام، ولم تتمكن قوات المعارضة من السيطرة عليها، إضافة إلى الأحياء التي تتسم بأنها يسكنها غير العرب السنة بالأغلب، وأهمها أحياء الميدان والعزيزية والسليمانية التي يسكنها المسيحيون والأرمن، وأحياء الشيخ مقصود والأشرقية ومحيطها التي يسكنها الأكراد، فضلاً عن أحياء يسكنها الحلبيون الأصليون من الطبقة الميسورة أهمها سيف الدولة، والسبيل، وحلب الجديدة.

خريطة مستقرة
ومنذ أواخر 2012، اكتسبت حلب هذا الشكل من التقسيم الجغرافي بين مناطق سيطرة المعارضة والنظام، وبقيت محافظة عليه، حتى الشهر الحالي. لقد كان سهلاً على قوات المعارضة أن تسقط أحياء حلب الشرقية بيدها، وتسيطر عليها، وتسيطر على أحياء في منطقة حلب القديمة، من غير أن تتمكن من السيطرة على أحياء حلب الغربية، بالنظر إلى خصائص معينة تتسم بها كل منطقة على حدة. ومنذ البداية انعكست على الطابع الميداني الفوارق الطبقية والاجتماعية؛ فبفعل الامتيازات المالية والتجارية التي منحها النظام لحلفائه، فإن الطبقة النخبوية المقيمة في حي الحمدانية، حيث الفيلات الفخمة جدًا العائدة لأشخاص من الطائفتين الإسلامية والمسيحية، المعروف أنهم مرتاحون اقتصاديا وماليًا، جعلت الحي بمنأى عن نبض الثورة. والشيء نفسه ينطبق على منطقة السبيل وفي حي السبيل المتجاورين أيضًا، حيث تعيش نسبة كبيرة من المكونين العربي والسرياني المسيحي وكذلك الأرمني.

انتعاش اقتصادي
اقتصاديا، يلف الغموض أي تقديرات بأن يتمكن النظام من إعادة حلب إلى سابق عهدها قبل الأزمة. فالفئات الميسورة ماديا، وخصوصًا التجار والرأسماليين سواء كانوا سنة أو مسيحيين أو أرمن انتقلوا إلى بيروت، حتى إن بعضهم سافروا مع عائلاتهم إلى مصر أيضًا. أما الصناعيون فانتقلوا إلى تركيا ونقلوا معهم معاملهم ومصانعهم مستفيدين من القرب الجغرافي وكون السوق التركية واسعة وقادرة على استيعابهم وتصريف إنتاجهم.
وللعلم، كانت حلب تضم أكثر من ألفي مصنع في مدنها الصناعية، وهو ما وضعها على قائمة المدن الاقتصادية الريادية في الشرق الأوسط. وبلغ عدد المصانع في حلب قبل الأزمة السورية في عام 2011 نحو ألفي مصنع للنسيج والصناعات التعدينية والحرفية وغيرها، مثل الصناعات الكيميائية والصناعات الدوائية والصناعات الغذائية الخفيفة والصناعات الكهربائية والصناعات الهندسية والسياحة.
ويعد حي الشيخ نجار المنطقة الصناعية الأساسية في المدينة، وهو يحتل مساحة 4412 هكتارًا ليكون أحد أضخم الأحياء الصناعية في المنطقة، ويقدر حجم الاستثمارات بأكثر من ملياري دولار حتى نهاية عام 2009. وأدى ازدهار الصناعة فيها لاطراد في الصادرات بلغت 50 في المائة من مجل الصادرات الصناعية السورية قبل الأزمة، ولكن بعد بدء الحرب، اتهم النظام في عام 2013 معارضيه بسرقة ألف مصنع، ونقلها إلى تركيا، فيما لحقت الأضرار بمصانع أخرى.
مصدر معارض، أكد لـ«الشرق الأوسط»، أن 20 في المائة من مصانع حلب عادت لتعمل بشكل طبيعي بعد سيطرة المعارضة على القسم الشرقي من المدينة المتاخم للمدينة الصناعية الكبرى، حتى عام 2014، مشيرًا إلى أن قسمًا منها ينتج «في ظل غياب أصحابها». وتابع أن صناعة النسيج التي اشتهرت حلب بها، وكذلك الصناعات المرتبطة بها «حاولت الازدهار مجددًا، على الرغم من إيقاف الجزء الكبير»، لافتًا إلى أن قسمًا من الإنتاج «جرى تصديره إلى العراق، وتحديدًا الأقمشة الخام، أما التصدير إلى ليبيا فتضمن الألبسة الجاهزة».
أيضًا، رغم الحرب، حافظت بعض المصانع على عملها، منها المطابع ومصانع النسيج، والأصباغ، والخيوط والغزل، فضلاً عن بعض مصانع البلاستيك والنايلون، ومكابس الهيدروليك وأنابيب الكاوتشوك الصناعية.
وتحولت بعض المعامل، بعد سرقة محتوياتها وماكيناتها، أو نقلها من المنطقة، إلى ملجأ للنازحين، حيث تستضيف تلك المنشآت عائلات عمال يعملون فيها. وفي ظل المعارك التي تشهدها حلب، عمد بعض أصحاب رؤوس الأموال إلى سحب منشآتهم إلى خارج الحدود، وتحديدًا إلى تركيا ومصر عبر تركيا.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».