حلب تذعن للحسابات الدولية

عوامل كثيرة تحول دون قدرة النظام على إعادة النبض لعاصمة سوريا الاقتصادية

حلب تذعن للحسابات الدولية
TT

حلب تذعن للحسابات الدولية

حلب تذعن للحسابات الدولية

ينهي إخلاء مدينة حلب من المقاتلين المعارضين والمدنيين المؤيدين للثورة السورية 4 سنوات ونيفاً من التجاذب وشد الحبال، عسكريًا وسياسيا، بين النظام السوري ومعارضيه للسيطرة على العاصمة الاقتصادية لسوريا، وثاني كبرى مدنها. ويتيح هذا التطور المأساوي للنظام تثبيت نفوذه في «سوريا المفيدة» وفق أولى الخرائط التي ظهرت في عام 2014، التي تمتد من مدينة درعا جنوبًا، إلى مدينة حلب شمالاً. ومع أن حلب انضمت إلى الثورة متأخرة، مقارنة بمدن أخرى في محافظات ريف دمشق ودرعا وحمص وحماه ودير الزور، فإن دورها السياسي في الأزمة السورية، كان محوريًا. بل لعله كان الأبرز بين أدوار المدن السورية الأخرى، بالنظر إلى كونها تمثل عمقًا استراتيجيًا لتركيا، المتهمة اليوم بأنها فاوضت روسيا على إخراج المعارضين السوريين منها مقابل مكاسب أخرى متعلقة بمنع قيام «كانتون» كردي انفصالي على حدودها الجنوبية. أضف إلى ذلك أن حلب تمثل الحلقة الأخيرة في خريطة «سوريا المفيدة» التي تتيح للنظام تحسين قدرته الاقتصادية في حال استعاد السيطرة الكافية لرفده بالقدرة على إعادة تشغيل مصانعها، إلى جانب أدوار أخرى، أهمها الدور العسكري، حيث ستكون المدينة نقطة انطلاق عسكرية باتجاه المدن والمحافظات المحيطة.
يكشف خروج مدينة حلب المبكر من تحت علم الثورة السورية، عن حجم الدور الذي تلعبه المدينة العريقة في تحديد سياق الثورة، لجهة تثبيتها ونجاحها، أو لجهة إبقاء النظام السوري في مرحلة انتقالية؛ ذلك أن المدينة، الغنية بتنوعها الديموغرافي، تحتل أيضًا موقعًا استراتيجيًا مهمًا يستطيع قلب الموازين العسكرية عبر قطع خطوط الدعم عن المعارضة من الأراضي التركية، وإعادة تنشيط الدورة الاقتصادية في البلاد، على الرغم من شكوك تحيط بقدرة النظام على ذلك.

تبدل الأجندات الإقليمية
سياق المعركة على حلب، يشير بما لا يحمل الشك إلى تغييرات سياسية إقليمية، كان يستحيل على النظام من دونها أن يبسط سيطرته عليها. وتتحدث الوقائع عن تحولات في المواقف التركية التي كانت قبل دخول العامل الروسي المباشر إلى الميدان السوري، أبرز العوامل المؤثرة في تمكين المعارضة من السيطرة على حلب.
الدكتور سمير التقي، الباحث السياسي السوري والخبير الاستراتيجي، يرى أن سيطرة النظام على حلب «ناتجة عن تبدل في التحالفات الإقليمية»، من غير أن يحمّل تركيا مسؤولية تمكين النظام من دخول المدينة، ذلك أن أنقرة «لا تستطيع مواجهة روسيا وحدها بعدما أدار الغرب ظهره لها، بينما منحت الولايات المتحدة روسيا الضوء الأخضر في سوريا».
ويوضح التقي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن هناك شرطين يسقطان حلب بيد النظام، هما «سماح الغرب لروسيا بقتل آلاف بالقصف، وانتهاء الحملة العسكرية في الموصل وتوجه ميليشيات الحشد الشعبي العراقي إلى حلب»، مشيرًا إلى أن الشرطين «تحققا مؤخرًا، وهو ما ساهم في سقوط حلب».
وإذ يرفض إلقاء اللوم على تركيا، يقول التقي إن أنقرة «تتعرّض لضغوط هائلة من قبل الغرب وأميركا؛ فحين تلقت تهديدات من روسيا، ووصل التوتر بين الطرفين إلى مستويات قياسية، لم يقف الغرب إلى جانبها، وهي لا يمكن لها الصمود بوجه روسيا وحدها». ثم يشرح أن التبدل في السياسة التركية حيال حلب «جاء في إطار الحد من الأضرار، وليس تبدلاً استراتيجيًا حيال موقفها تجاه الأسد»، لافتًا في الوقت نفسه إلى أن الاستراتيجية التركية الثابتة «هي منع قيام دولة كردية على حدودها». لذلك، يضيف التقي: «يمكن القول إن تركيا تمكنت من الحصول على ضمانات بأن روسيا ستقبل التدخل التركي بالشمال السوري، لمنع قيام كانتون كردي، مقابل عدم حصول صدام تركي - روسي»، علما أن الصدام بين الطرفين كان محتملاً إثر تصاعد التوتر على خلفية إسقاط الطائرة الروسية.

مكاسب النظام
من ناحية ثانية، يروّج النظام السوري إلى «انتصار» حققه في حلب، ويغدق الوعود على مناصريه بأن المدينة ستعود إلى سابق عهدها، رغم تراجع إمكانياته المادية التي تمكنه من إنعاش المدينة، وإعادة إعمارها، وبث النبض في مدنها الصناعية. فضلاً عن ذلك، فإن دخول العامل الأجنبي في حلب، وهو الميليشيات الرديفة التي تقاتل إلى جانب النظام، يشكل العقدة الأبرز في عودتها إلى الحياة.
وهنا يشكك التقي في أن يكون النظام قادرًا على إدارة المدينة، أو إعادة تفعيل الحياة الاجتماعية والاقتصادية فيها. إذ إنه يشير إلى أن «المشكلة الرئيسية التي يعانيها النظام الآن، هي الحاضنة الشعبية وإدارة المناطق في ظل سيطرة الميليشيات الطائفية على مفاصل الحياة في الأحياء». ويوضح أن «المناطق الموالية للنظام، باتت الآن متوجسة وقلقة من دخول الميليشيات الطائفية إليها»، مستطردًا: «المعركة لن تنتهي الآن؛ فهناك سيولة كبيرة بالوضع الداخلي والإقليمي، وثمة ملامح تنازع روسي إيراني»، مشددًا على أن «كل العوامل لا توحي بأن هناك استقرارًا على المدى القريب».

عقدة عسكرية

الحقيقة أن حلب مثلت على الدوام أهمية كبرى بالنسبة للنظام؛ إذ إن حافظ الأسد اعتبر الحضور السوري سياسيا واقتصاديا وتاريخيا وثقافيًا كله موجودا في حلب إلى جانب دمشق، وهو ما دفعه لتكثيف حضوره الأمني في المدينة، وبنى تحالفات اقتصادية ومالية، وأخضعهما لقوانين جديدة هيمنت عليها المخابرات وأجهزة السلطة.
واليوم، ينطلق النظام في ترويجه للانتصار في حلب، من نقطة ميدانية مهمة جدًا، شكلت أبرز العقد العسكرية التي مكنت أحد الطرفين من إحكام السيطرة على المدينة. ولطالما انقسمت السيطرة في مدينة حلب منذ صيف 2012، بين قوات النظام وقوات المعارضة، إذ كانت تسيطر الأخيرة على الأحياء الشرقية وجزء من الأحياء الشمالية، وفي حين تحولت مناطق حلب القديمة إلى نقاط اشتباك مستمرة، احتفظ النظام بالسيطرة على جزء من المناطق الجنوبية والأحياء الغربية التي أحاطها بقبضة عسكرية محكمة، لم تُخرق إلا مرتين منذ الصيف الماضي، واستطاع إغلاق تلك المنافذ بمساعدة الميليشيات المتحالفة معه.
وطوال فترة الحرب، لم تستقر خريطة النفوذ على شكل واحد؛ إذ يقول مصدر معارض في الداخل لـ«الشرق الأوسط» إن مدينة حلب كان «يستحيل أن تشهد هدوءًا» نظرًا إلى الخريطة المتغيرة يوميًا على صعيد الاقتتال فيها، وتقدم قوات المعارضة من جهات وانحسار تواجدها من جهات أخرى. لكن المدينة «كانت تمتاز بجانب إيجابي بالنسبة لنا، وهو أن مساحتها كبيرة جدًا، ما يعني أن قوات النظام لا يمكن أن تحاصرها أبدًا، خلافًا لما يشيعه النظام بأنه قادر على إطباق حصار عليها، وكان ذلك حتى أواخر عام 2014، إلى حين تدخل الميليشيات التي تقاتل إلى جانبه، ورفدته بأعداد ضخمة من المقاتلين. ومع ذلك، لم يستطع النظام محاصرة حلب، إلا في أغسطس (آب) الماضي». وحسب المصدر المعارض، إن النظام «كان طوال ثلاث سنوات عاجزًا عن تنفيذ ذلك المخطط بسبب فقدانه الكادر البشري وكثيرا من الذي يحتاجه لخنق المدينة ومحاصرتها»، علما أن مساحتها تعادل 5 أضعاف مساحة الغوطة الشرقية في دمشق التي يحاصرها النظام.
التبدل في الوقائع الميدانية في حلب، دفع المبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا في عام 2014 إلى التسليم بالأمر الواقع، معتبرًا أن حلب كانت النموذج الأمثل لتطبيق اقتراح تجميد القتال، حين قال بعد لقائه أعضاء مجلس الأمن الدولي إنه ليست لديه خطة سلام وإنما «خطة تحرك» لتخفيف معاناة السكان بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب. وأضاف المبعوث الأممي، آنذاك، أن مدينة حلب المقسمة قد تكون «مرشحة جيدة» لتجميد النزاع فيها، مشددًا على أنه «ينبغي أن يحصل شيء يؤدي إلى تجميد النزاع في تلك المنطقة ويتيح الفرصة لتحسين الوضع الإنساني وللسكان لكي يشعروا بأنه، على الأقل هناك، لن يحدث مثل هذا النزاع».

اللحاق بركب الثورة
في يوليو (تموز) 2012، بدأت الثورة بشكل جدّي طرق أبواب حلب؛ إذ سيطرت فصائل المعارضة على حي صلاح الدين، الذي كان أول حي يخرج عن سيطرة النظام، وسرعان ما تلته أحياء الشعار وطريق الباب، وغيرها من المناطق الشعبية الفقيرة. وللعلم، توسعت الأحياء الشرقية لحلب في السنوات التي سبقت الحرب نتيجة النزوح من الأرياف إلى المدينة، والسكن في أطراف المنطقة الشرقية، باعتبار النازحين من الفقراء الذين قصدوا المدينة للعمل وكسب الرزق.
تعد الأحياء الواقعة شرق المدينة، واقعيًا، الأحياء الفقيرة والأكثر جذبًا للفئات الفقيرة النازحة من الأرياف منذ أوائل القرن الماضي. ولقد وجدت تلك الفئات في الثورة خلاصًا لها من بؤس ناتج عن التهميش اللاحق بها، بالنظر إلى أن «جهاز السلطة» قبل الثورة كان يستبعد تلك الفئات من الحكم، ومن فرص التغيير.
أما أحياء حلب الغربية والوسطى، فكان من الصعب سقوطها بالنظر إلى أنها مناطق تمترس بها النظام، ووضع حدًا للتوسع العسكري المعارض فيها، بالإضافة إلى أن الكتلة السكانية فيها من الطبقة الميسورة والمتوسطة المستفيدة من «الأمر الواقع» وغير المستعدة للانخراط في النزاعات المسلحة، وهو ما دفع كثيرين منها للخروج من المنطقة. وثمة اتهام مستمر، بأن الحلبيين ما كانوا جميعًا مع الثورة الشعبية، خصوصًا بعض الرأسماليين، بحكم الشراكة مع النظام في التجارة والصناعة والمشاريع الضخمة.
في هذا السياق يشرح منذر سلال، نائب رئيس محافظة حلب حرة، في حوار مع «الشرق الأوسط» أن «القبضة الأمنية الأشد، كانت موجودة في تلك الأحياء التي شهدت انتشارًا مكثفًا للشبيحة في أوائل الثورة، وهو ما حال دون سقوطها بيد المعارضة». ويتابع سلال أنه رغم أن «أكبر المظاهرات خرجت من حرم جامعة حلب، كما شهدت المدينة أكبر الاعتصامات والمظاهرات... كان المأمول من حلب، التي كان يسكنها 3.5 مليون سوري، دورا أكبر، وهذا على الرغم من أن الأحياء الغنية خرجت منها مظاهرات ضخمة أهمها حلب الجديدة والنيل وسيف الدولة وبستان القصر وغيرها». إضافة إلى ذلك، وفق سلال، فإن العشائر «شكلت سدًا منيعًا دون الثورة على النظام في عام 2011، وبخاصة العشائر المتمثلة في مجلس الشعب السوري والداعمة للنظام، إذ مارست الشدة ضد المتظاهرين، وهو الأمر الذي لم يحصل كثيرًا في مناطق سورية أخرى».
من ناحية أخرى، تشير التقارير إلى أن الأحياء التي يسكنها عمومًا أبناء الطبقتين الفقيرة والغنية لم تشهد ثورة ضد النظام، ولم تتمكن قوات المعارضة من السيطرة عليها، إضافة إلى الأحياء التي تتسم بأنها يسكنها غير العرب السنة بالأغلب، وأهمها أحياء الميدان والعزيزية والسليمانية التي يسكنها المسيحيون والأرمن، وأحياء الشيخ مقصود والأشرقية ومحيطها التي يسكنها الأكراد، فضلاً عن أحياء يسكنها الحلبيون الأصليون من الطبقة الميسورة أهمها سيف الدولة، والسبيل، وحلب الجديدة.

خريطة مستقرة
ومنذ أواخر 2012، اكتسبت حلب هذا الشكل من التقسيم الجغرافي بين مناطق سيطرة المعارضة والنظام، وبقيت محافظة عليه، حتى الشهر الحالي. لقد كان سهلاً على قوات المعارضة أن تسقط أحياء حلب الشرقية بيدها، وتسيطر عليها، وتسيطر على أحياء في منطقة حلب القديمة، من غير أن تتمكن من السيطرة على أحياء حلب الغربية، بالنظر إلى خصائص معينة تتسم بها كل منطقة على حدة. ومنذ البداية انعكست على الطابع الميداني الفوارق الطبقية والاجتماعية؛ فبفعل الامتيازات المالية والتجارية التي منحها النظام لحلفائه، فإن الطبقة النخبوية المقيمة في حي الحمدانية، حيث الفيلات الفخمة جدًا العائدة لأشخاص من الطائفتين الإسلامية والمسيحية، المعروف أنهم مرتاحون اقتصاديا وماليًا، جعلت الحي بمنأى عن نبض الثورة. والشيء نفسه ينطبق على منطقة السبيل وفي حي السبيل المتجاورين أيضًا، حيث تعيش نسبة كبيرة من المكونين العربي والسرياني المسيحي وكذلك الأرمني.

انتعاش اقتصادي
اقتصاديا، يلف الغموض أي تقديرات بأن يتمكن النظام من إعادة حلب إلى سابق عهدها قبل الأزمة. فالفئات الميسورة ماديا، وخصوصًا التجار والرأسماليين سواء كانوا سنة أو مسيحيين أو أرمن انتقلوا إلى بيروت، حتى إن بعضهم سافروا مع عائلاتهم إلى مصر أيضًا. أما الصناعيون فانتقلوا إلى تركيا ونقلوا معهم معاملهم ومصانعهم مستفيدين من القرب الجغرافي وكون السوق التركية واسعة وقادرة على استيعابهم وتصريف إنتاجهم.
وللعلم، كانت حلب تضم أكثر من ألفي مصنع في مدنها الصناعية، وهو ما وضعها على قائمة المدن الاقتصادية الريادية في الشرق الأوسط. وبلغ عدد المصانع في حلب قبل الأزمة السورية في عام 2011 نحو ألفي مصنع للنسيج والصناعات التعدينية والحرفية وغيرها، مثل الصناعات الكيميائية والصناعات الدوائية والصناعات الغذائية الخفيفة والصناعات الكهربائية والصناعات الهندسية والسياحة.
ويعد حي الشيخ نجار المنطقة الصناعية الأساسية في المدينة، وهو يحتل مساحة 4412 هكتارًا ليكون أحد أضخم الأحياء الصناعية في المنطقة، ويقدر حجم الاستثمارات بأكثر من ملياري دولار حتى نهاية عام 2009. وأدى ازدهار الصناعة فيها لاطراد في الصادرات بلغت 50 في المائة من مجل الصادرات الصناعية السورية قبل الأزمة، ولكن بعد بدء الحرب، اتهم النظام في عام 2013 معارضيه بسرقة ألف مصنع، ونقلها إلى تركيا، فيما لحقت الأضرار بمصانع أخرى.
مصدر معارض، أكد لـ«الشرق الأوسط»، أن 20 في المائة من مصانع حلب عادت لتعمل بشكل طبيعي بعد سيطرة المعارضة على القسم الشرقي من المدينة المتاخم للمدينة الصناعية الكبرى، حتى عام 2014، مشيرًا إلى أن قسمًا منها ينتج «في ظل غياب أصحابها». وتابع أن صناعة النسيج التي اشتهرت حلب بها، وكذلك الصناعات المرتبطة بها «حاولت الازدهار مجددًا، على الرغم من إيقاف الجزء الكبير»، لافتًا إلى أن قسمًا من الإنتاج «جرى تصديره إلى العراق، وتحديدًا الأقمشة الخام، أما التصدير إلى ليبيا فتضمن الألبسة الجاهزة».
أيضًا، رغم الحرب، حافظت بعض المصانع على عملها، منها المطابع ومصانع النسيج، والأصباغ، والخيوط والغزل، فضلاً عن بعض مصانع البلاستيك والنايلون، ومكابس الهيدروليك وأنابيب الكاوتشوك الصناعية.
وتحولت بعض المعامل، بعد سرقة محتوياتها وماكيناتها، أو نقلها من المنطقة، إلى ملجأ للنازحين، حيث تستضيف تلك المنشآت عائلات عمال يعملون فيها. وفي ظل المعارك التي تشهدها حلب، عمد بعض أصحاب رؤوس الأموال إلى سحب منشآتهم إلى خارج الحدود، وتحديدًا إلى تركيا ومصر عبر تركيا.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.