البشير يحذر المواطنين من «المخذلين» و{معارضة الفنادق}

السودان: صراع القوة بين الحكومة والمعارضة على مواقع التواصل الاجتماعي

الرئيس السوداني عمر البشير يتحدث إلى مناصريه في إحدى ساحات الخرطوم في صورة تعود إلى أكتوبر الماضي (غيتي)
الرئيس السوداني عمر البشير يتحدث إلى مناصريه في إحدى ساحات الخرطوم في صورة تعود إلى أكتوبر الماضي (غيتي)
TT

البشير يحذر المواطنين من «المخذلين» و{معارضة الفنادق}

الرئيس السوداني عمر البشير يتحدث إلى مناصريه في إحدى ساحات الخرطوم في صورة تعود إلى أكتوبر الماضي (غيتي)
الرئيس السوداني عمر البشير يتحدث إلى مناصريه في إحدى ساحات الخرطوم في صورة تعود إلى أكتوبر الماضي (غيتي)

تغيرت لهجة الرئيس عمر البشير بعد يوم واحد من الخطاب التصالحي في مدينة ود مدني جنوب الخرطوم ودعوته المعارضة للحاق بركب الحوار، ليصف معارضيه بـ«المخذلين ومعارضي الفنادق».
ونقلت وكالة الأنباء الرسمية (سونا) أمس، أن الرئيس البشير دعا في خطاب جماهيري بمدينة المناقل وسط البلاد أمس، المواطنين لعدم الالتفات لمن سماهم المخذلين من معارضي الفنادق، وجاء ذلك ضمن جولة يقوم بها في ولاية الجزيرة افتتح خلالها مشروعات تنموية وخدمية، وهي الولاية التي تراجع دورها وإسهامها الاقتصادي والثقافي خلال حكمه، بعد أن كانت مركز ثقل الاقتصاد السوداني، ويأتي ذلك بعد يوم واحد خطابه الذي دعا فيه بنبرة تصالحية معارضيه للحاق بالحوار الوطني.
وفي الأثناء، أعلن عدد من الصحافيين في الصحافة المحلية والمهاجرين ومن كبار الكتاب، دعمهم للعصيان المدني المزمع، ونظمت «شبكة الصحافيين السودانيين» حملة جمع التوقيعات. وتعد شبكة الصحافيين السودانيين تنظيمًا موازيًا لاتحاد الصحافيين الرسمي، ودأبت على تنظيم حملات مناهضة اعتصامات ووقفات احتجاجية وإضراب عن العمل. وفي الأثناء وقف رئيس اتحاد الصحافيين الموالي للحكومة، الصادق الرزيقي ضد العصيان المدني واعتبره معركة ضد من سماهم من يقودون البلاد إلى الدمار والخراب، واعتبر الدعوة إليه «مؤامرة دنيئة ولوثة جنون في صدور الخائنين»، وقال الرزيقي في مقاله الراتب بالصحيفة التي يتولى رئاسة تحريرها: «معركتنا منذ اليوم ضد كل من يريد أن يكون مصير بلادنا الدمار والخراب، فلن نترك لهم سانحة لتنفيذ مؤامرتهم الدنيئة. ولن تكون خاتمة عبثهم إلا السراب، فالسودان أقوى من كيد الكائدين وحقد الحاقدين، ولوثة الجنون التي تعتمل في صدور الخائنين».
ومع اقتراب العد التنازلي للعصيان المدني الذي دعا له الناشطون في مواقع التواصل الاجتماعي، وأيدته قوى المعارضة المدنية، تداولت وسائط التواصل الاجتماعي قائمة توقيعات تضم مهندسين، وفنانين وكبار الكتاب ومبدعون وتشكيليون أول من أمس، أعلنوا فيها مشاركتهم في العصيان المدني.
ومنذ دعوة نشطاء في مواقع التواصل الاجتماعي لعصيان مدني ثان في السودان الاثنين المقبل، انشغلت «الميديا» الحديثة بعزف إيقاعين متضادين متشاكسين، يحاول كل إيقاع أن يكون الأكثر دويًا وإسماعًا. كل طرف يقود جوقته بالاتجاه الذي يعزف عليه النشيد الوطني بلحنه الخاص.
بدأ الأمر بنقرات على «الكيبورد» وشاشات اللمس في أجهزة الهواتف الذكية، وأدواتها مواقع التواصل الاجتماعي («فيسبوك»، و«واتساب»، و«تويتر»، ومدونات، ومواقع النشطاء)، ورصاصها كلمات حارقة وثاقبة، وأصحابها قابعون في منازلهم، ولا يطلقون سوى الكلمات. فيما يستخدم الجانب الحكومي أسلوبا لاستدراج المعارضين.
بدأ الأمر بوقفة احتجاجية نظمتها فتيات في مواقع نسوية على «فيسبوك» تهتم بالتجميل والأناقة، في أحد شوارع الخرطوم الشهيرة، وذلك بعد أيام قليلة من إعلان وزير المالية السوداني عن رفع أسعار المحروقات والكهرباء وتحرير سعر الجنيه السوداني مقابل العملات الأجنبية، والتخلي عن دعم الدواء، فرقها الأمن بالهراوات والغاز، واعتقل شابات وشبابا قدمهم لمحاكمة برأتهم فيها المحكمة.
ثم بدأ الإعداد لمعركة أخرى بتنظيم نشطاء مجهولي الهوية على مواقع التواصل الاجتماعي «عصيانا مدنيا»، يعتصم فيه المشاركون بمنازلهم، ولا يذهبون إلى العمل، في أيام 27 – 30 من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. وشجع النجاح النسبي لهذا العصيان النشطاء على التخطيط لعصيان آخر، حددوا له يوم الاثنين المقبل، فبعد أن كانت الدعوة والتحريض على العصيان الأول تصدر من مجموعات متعددة غير متصلة، تكون تجمع أطلق عليه «تجمع مجموعات العصيان».
ودعم أكبر تحالفين معارضين (قوى الإجماع الوطني، وقوى نداء السودان) العصيان، بل أصدرا بيانات دعوا فيها أعضاءهما والمواطنين للمشاركة في العصيان، وأصدرت أحزاب: «المؤتمر السوداني، والأمة القومي، والشيوعي، والبعث، وفصائل من الحزب الاتحادي الديمقراطي، وأحزاب أخرى»، بيانات وجهت فيها أعضاءها لدعم العصيان. ودعت الحركات المسلحة التي تعمل على إسقاط الحكومة عسكريًا أعضاءها للمشاركة في العصيان المدني، وأعلنت استعدادها للتخلي عن سلاحها فور حدوث التغيير.
مدنيًا، فإن المئات من المهنيين والمبدعين، وبينهم صحافيون وكتاب وشعراء ومهندسون ومعلمون ومحامون وأطباء، نظموا حملة توقيعات لدعم العصيان، أعلنوا فيها الإتيان ببديل ديمقراطي، يعيد رتق ما تهرأ من نسيج الوطن والمجتمع. ويقول الصحافي الحائز جائزة «بيتر ماكلر» المكافئة للشجاعة والنزاهة، فيصل محمد صالح، في صفحته على «فيسبوك»: «سنعلن وننفذ عصياننا المدني يوم الاثنين 19 ديسمبر (كانون الأول)، ونبقى في بيوتنا وشوارعنا وأحيائنا وقرانا، وأمام شاشات الكومبيوتر، نتحدث مع بعضنا ومع غيرنا، نتناقش في وسائل المقاومة وكيفية تفعيلها. نتجه نحو مزيد من التنسيق وإحكام التجويد».
ويسخر صالح من سؤال: «من يقود؟»، بقوله: «ليس فلانًا ولا علانًا، ولا أبا فلان، نحن من نقود نفسنا، نكوّن لجاننا، نناقش غيرنا، ونتوحد في جبهة واحدة، أفرادًا ومجموعات ولجانًا وأحزابًا وحركات وتنظيمات وقروبات».
ويوضح صالح، إجابة عن سؤال: «ماذا بعد العصيان؟»، أن الخطوة التالية ستحدد نفسها بناء على ما يتم يوم العصيان، وأن العملية ستخضع لنقاش وحوار واسع ومفتوح.
أما الطرف الآخر في فقد دأب على التقليل من قدرة مواقع التواصل الاجتماعي على فعل أي شيء، بل وأنكر بشكل كامل قدرتها على أحداث أي تأثير، لكنه في الوقت ذاته دأب على استخدامها في دعايته، وزاد عليها أن رموز الحكم الكبار بمن فيهم الرئيس عمر البشير قد ألقوا بثقلهم في معركة كسب ولاء الجماهير.
وانتابت الحزب الحاكم حالة «إنكار هستيري» لمقدرة معارضيه على إسقاطه، بلغت ذروتها بقول الرئيس عمر البشير في حشد جماهيري بولاية كسلا شرق البلاد، الاثنين الماضي، إن حكومته لن تسقط عن طريق وسائط التواصل الاجتماعي، وأضاف: «لن تسقط الحكومة بـ(الواتساب) و(الكيبورد)، ولن أسلم الحكم لهم، (الدايرنا يجينا عديل)».
وهو ما عده المعارضون لعبًا على الأجساد وتهديدًا وتذكيرًا بما فعلته أجهزة الأمن السودانية، في أكبر احتجاجات شهدتها البلاد في سبتمبر (أيلول) 2013، وقتل أثناءها محتجون، اعترفت الحكومة بمقتل أكثر من ثمانين منهم.
لكن الرئيس البشير أدلى بخطاب أكثر مرونة في حشد شعبي بمدينة ود مدني، وسط البلاد، الخميس، دعا فيه من وصفهم بالجالسين على الرصيف بالخارج، إلى اللحاق بدعوة الحوار الوطني؛ لأن قطاره لن يتوقف بانتظار أحد، وقال: «الباب لا يزال مفتوحًا أمام الراغبين في تلبية دعوة الحوار الوطني»، مبينًا أن الوثيقة الوطنية مفتوحة أمام الممانعين.
ويتمسك الطرف الحكومي بتوصيات مؤتمر الحوار الداخلي الذي أجراه مع قوى يرى المعارضون أنها إما حليفة له أو مشاركة معه، أو غير مؤثرة أو مصنوعة، ويقول إنه سيقوم بإصلاحات سياسية وإتاحة الحريات ومحاربة الفساد، بعد تنفيذ تلك النتائج. على الرغم من أنه تمادى في اعتقال قادة سياسيين ونشطاء، وتكبيل الحريات الصحافية ومصادرة الصحف ووقف الفضائيات.
وتقوم استراتيجية الحزب الحاكم في مواجهة العصيان على التقليل والسخرية من تأثيره، وتدعو علانية للخروج للشارع والتظاهر، ومواجهة أعضائه و«قواته الأمنية» مباشرة، بديلاً عن تعطيل دولاب العمل، وعلى التخويف من احتمالات الفوضى الشبيهة بما حدث في ليبيا وسوريا. ويتبنى تكتيكًا يقوم على وصف دعاة العصيان بالخونة والمخربين والعملاء، الذين يقودهم الحزب الشيوعي وأحزاب اليسار، وتساندهم دول أجنبية عدوة للنظام الإسلامي، ويحذر من مشاركة الحركات المسلحة في العصيان المدني، ومن قيامها بعمليات انتقامية حال سقوط نظام الحكم.
وتُسعِّر قوى المعارضة الشبابية والحزبية معركتها السلمية، وتقول إنها تمارس حقًا يكفله الدستور، وإن الأوضاع لن تصل إلى مرحلة ما تخوّف منه الحكومة، وإنهم لن ينساقوا لدعوات الخروج للشوارع للحيلولة دون تكرار «مذبحة سبتمبر»، وإنهم بالقوة الناعمة سيصلون إلى مرحلة العصيان المدني الشامل الذي يسقط نظام الحكم، وعصيان الاثنين لن يسقط النظام، لكنه يمثل خطوات واثقة في الاتجاه.
وترى المعارضة في بقاء حكم «الإنقاذ» مدعاة لتفكك البلاد وانهيار الدولة، وفي مشاركة الحركات المسلحة في العصيان المدني ودعمها له، كسبًا للعمل المدني، بدلاً من حصرها في زاوية العمل المسلح.
وتستخدم المعارضة «البوستر» والقصاصة والمخاطبات وحملات التوقيعات للتحشيد للعصيان، وتقيم دعايتها السياسية على النشر الكثيف لمعلومات الفساد، والفشل السياسي والمالي، والعزلة الدولية لنظام الحكم، وعلى الغلاء الفاحش وارتفاع كلفة الدواء والتعليم والخدمات كافة.
كلا الطرفين واثق بمقدرته على حسم الأمر لصالحه، ولكل منهما «أسلحته الفتاكة» وتكتيكاته.



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».