البشير يحذر المواطنين من «المخذلين» و{معارضة الفنادق}

السودان: صراع القوة بين الحكومة والمعارضة على مواقع التواصل الاجتماعي

الرئيس السوداني عمر البشير يتحدث إلى مناصريه في إحدى ساحات الخرطوم في صورة تعود إلى أكتوبر الماضي (غيتي)
الرئيس السوداني عمر البشير يتحدث إلى مناصريه في إحدى ساحات الخرطوم في صورة تعود إلى أكتوبر الماضي (غيتي)
TT

البشير يحذر المواطنين من «المخذلين» و{معارضة الفنادق}

الرئيس السوداني عمر البشير يتحدث إلى مناصريه في إحدى ساحات الخرطوم في صورة تعود إلى أكتوبر الماضي (غيتي)
الرئيس السوداني عمر البشير يتحدث إلى مناصريه في إحدى ساحات الخرطوم في صورة تعود إلى أكتوبر الماضي (غيتي)

تغيرت لهجة الرئيس عمر البشير بعد يوم واحد من الخطاب التصالحي في مدينة ود مدني جنوب الخرطوم ودعوته المعارضة للحاق بركب الحوار، ليصف معارضيه بـ«المخذلين ومعارضي الفنادق».
ونقلت وكالة الأنباء الرسمية (سونا) أمس، أن الرئيس البشير دعا في خطاب جماهيري بمدينة المناقل وسط البلاد أمس، المواطنين لعدم الالتفات لمن سماهم المخذلين من معارضي الفنادق، وجاء ذلك ضمن جولة يقوم بها في ولاية الجزيرة افتتح خلالها مشروعات تنموية وخدمية، وهي الولاية التي تراجع دورها وإسهامها الاقتصادي والثقافي خلال حكمه، بعد أن كانت مركز ثقل الاقتصاد السوداني، ويأتي ذلك بعد يوم واحد خطابه الذي دعا فيه بنبرة تصالحية معارضيه للحاق بالحوار الوطني.
وفي الأثناء، أعلن عدد من الصحافيين في الصحافة المحلية والمهاجرين ومن كبار الكتاب، دعمهم للعصيان المدني المزمع، ونظمت «شبكة الصحافيين السودانيين» حملة جمع التوقيعات. وتعد شبكة الصحافيين السودانيين تنظيمًا موازيًا لاتحاد الصحافيين الرسمي، ودأبت على تنظيم حملات مناهضة اعتصامات ووقفات احتجاجية وإضراب عن العمل. وفي الأثناء وقف رئيس اتحاد الصحافيين الموالي للحكومة، الصادق الرزيقي ضد العصيان المدني واعتبره معركة ضد من سماهم من يقودون البلاد إلى الدمار والخراب، واعتبر الدعوة إليه «مؤامرة دنيئة ولوثة جنون في صدور الخائنين»، وقال الرزيقي في مقاله الراتب بالصحيفة التي يتولى رئاسة تحريرها: «معركتنا منذ اليوم ضد كل من يريد أن يكون مصير بلادنا الدمار والخراب، فلن نترك لهم سانحة لتنفيذ مؤامرتهم الدنيئة. ولن تكون خاتمة عبثهم إلا السراب، فالسودان أقوى من كيد الكائدين وحقد الحاقدين، ولوثة الجنون التي تعتمل في صدور الخائنين».
ومع اقتراب العد التنازلي للعصيان المدني الذي دعا له الناشطون في مواقع التواصل الاجتماعي، وأيدته قوى المعارضة المدنية، تداولت وسائط التواصل الاجتماعي قائمة توقيعات تضم مهندسين، وفنانين وكبار الكتاب ومبدعون وتشكيليون أول من أمس، أعلنوا فيها مشاركتهم في العصيان المدني.
ومنذ دعوة نشطاء في مواقع التواصل الاجتماعي لعصيان مدني ثان في السودان الاثنين المقبل، انشغلت «الميديا» الحديثة بعزف إيقاعين متضادين متشاكسين، يحاول كل إيقاع أن يكون الأكثر دويًا وإسماعًا. كل طرف يقود جوقته بالاتجاه الذي يعزف عليه النشيد الوطني بلحنه الخاص.
بدأ الأمر بنقرات على «الكيبورد» وشاشات اللمس في أجهزة الهواتف الذكية، وأدواتها مواقع التواصل الاجتماعي («فيسبوك»، و«واتساب»، و«تويتر»، ومدونات، ومواقع النشطاء)، ورصاصها كلمات حارقة وثاقبة، وأصحابها قابعون في منازلهم، ولا يطلقون سوى الكلمات. فيما يستخدم الجانب الحكومي أسلوبا لاستدراج المعارضين.
بدأ الأمر بوقفة احتجاجية نظمتها فتيات في مواقع نسوية على «فيسبوك» تهتم بالتجميل والأناقة، في أحد شوارع الخرطوم الشهيرة، وذلك بعد أيام قليلة من إعلان وزير المالية السوداني عن رفع أسعار المحروقات والكهرباء وتحرير سعر الجنيه السوداني مقابل العملات الأجنبية، والتخلي عن دعم الدواء، فرقها الأمن بالهراوات والغاز، واعتقل شابات وشبابا قدمهم لمحاكمة برأتهم فيها المحكمة.
ثم بدأ الإعداد لمعركة أخرى بتنظيم نشطاء مجهولي الهوية على مواقع التواصل الاجتماعي «عصيانا مدنيا»، يعتصم فيه المشاركون بمنازلهم، ولا يذهبون إلى العمل، في أيام 27 – 30 من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. وشجع النجاح النسبي لهذا العصيان النشطاء على التخطيط لعصيان آخر، حددوا له يوم الاثنين المقبل، فبعد أن كانت الدعوة والتحريض على العصيان الأول تصدر من مجموعات متعددة غير متصلة، تكون تجمع أطلق عليه «تجمع مجموعات العصيان».
ودعم أكبر تحالفين معارضين (قوى الإجماع الوطني، وقوى نداء السودان) العصيان، بل أصدرا بيانات دعوا فيها أعضاءهما والمواطنين للمشاركة في العصيان، وأصدرت أحزاب: «المؤتمر السوداني، والأمة القومي، والشيوعي، والبعث، وفصائل من الحزب الاتحادي الديمقراطي، وأحزاب أخرى»، بيانات وجهت فيها أعضاءها لدعم العصيان. ودعت الحركات المسلحة التي تعمل على إسقاط الحكومة عسكريًا أعضاءها للمشاركة في العصيان المدني، وأعلنت استعدادها للتخلي عن سلاحها فور حدوث التغيير.
مدنيًا، فإن المئات من المهنيين والمبدعين، وبينهم صحافيون وكتاب وشعراء ومهندسون ومعلمون ومحامون وأطباء، نظموا حملة توقيعات لدعم العصيان، أعلنوا فيها الإتيان ببديل ديمقراطي، يعيد رتق ما تهرأ من نسيج الوطن والمجتمع. ويقول الصحافي الحائز جائزة «بيتر ماكلر» المكافئة للشجاعة والنزاهة، فيصل محمد صالح، في صفحته على «فيسبوك»: «سنعلن وننفذ عصياننا المدني يوم الاثنين 19 ديسمبر (كانون الأول)، ونبقى في بيوتنا وشوارعنا وأحيائنا وقرانا، وأمام شاشات الكومبيوتر، نتحدث مع بعضنا ومع غيرنا، نتناقش في وسائل المقاومة وكيفية تفعيلها. نتجه نحو مزيد من التنسيق وإحكام التجويد».
ويسخر صالح من سؤال: «من يقود؟»، بقوله: «ليس فلانًا ولا علانًا، ولا أبا فلان، نحن من نقود نفسنا، نكوّن لجاننا، نناقش غيرنا، ونتوحد في جبهة واحدة، أفرادًا ومجموعات ولجانًا وأحزابًا وحركات وتنظيمات وقروبات».
ويوضح صالح، إجابة عن سؤال: «ماذا بعد العصيان؟»، أن الخطوة التالية ستحدد نفسها بناء على ما يتم يوم العصيان، وأن العملية ستخضع لنقاش وحوار واسع ومفتوح.
أما الطرف الآخر في فقد دأب على التقليل من قدرة مواقع التواصل الاجتماعي على فعل أي شيء، بل وأنكر بشكل كامل قدرتها على أحداث أي تأثير، لكنه في الوقت ذاته دأب على استخدامها في دعايته، وزاد عليها أن رموز الحكم الكبار بمن فيهم الرئيس عمر البشير قد ألقوا بثقلهم في معركة كسب ولاء الجماهير.
وانتابت الحزب الحاكم حالة «إنكار هستيري» لمقدرة معارضيه على إسقاطه، بلغت ذروتها بقول الرئيس عمر البشير في حشد جماهيري بولاية كسلا شرق البلاد، الاثنين الماضي، إن حكومته لن تسقط عن طريق وسائط التواصل الاجتماعي، وأضاف: «لن تسقط الحكومة بـ(الواتساب) و(الكيبورد)، ولن أسلم الحكم لهم، (الدايرنا يجينا عديل)».
وهو ما عده المعارضون لعبًا على الأجساد وتهديدًا وتذكيرًا بما فعلته أجهزة الأمن السودانية، في أكبر احتجاجات شهدتها البلاد في سبتمبر (أيلول) 2013، وقتل أثناءها محتجون، اعترفت الحكومة بمقتل أكثر من ثمانين منهم.
لكن الرئيس البشير أدلى بخطاب أكثر مرونة في حشد شعبي بمدينة ود مدني، وسط البلاد، الخميس، دعا فيه من وصفهم بالجالسين على الرصيف بالخارج، إلى اللحاق بدعوة الحوار الوطني؛ لأن قطاره لن يتوقف بانتظار أحد، وقال: «الباب لا يزال مفتوحًا أمام الراغبين في تلبية دعوة الحوار الوطني»، مبينًا أن الوثيقة الوطنية مفتوحة أمام الممانعين.
ويتمسك الطرف الحكومي بتوصيات مؤتمر الحوار الداخلي الذي أجراه مع قوى يرى المعارضون أنها إما حليفة له أو مشاركة معه، أو غير مؤثرة أو مصنوعة، ويقول إنه سيقوم بإصلاحات سياسية وإتاحة الحريات ومحاربة الفساد، بعد تنفيذ تلك النتائج. على الرغم من أنه تمادى في اعتقال قادة سياسيين ونشطاء، وتكبيل الحريات الصحافية ومصادرة الصحف ووقف الفضائيات.
وتقوم استراتيجية الحزب الحاكم في مواجهة العصيان على التقليل والسخرية من تأثيره، وتدعو علانية للخروج للشارع والتظاهر، ومواجهة أعضائه و«قواته الأمنية» مباشرة، بديلاً عن تعطيل دولاب العمل، وعلى التخويف من احتمالات الفوضى الشبيهة بما حدث في ليبيا وسوريا. ويتبنى تكتيكًا يقوم على وصف دعاة العصيان بالخونة والمخربين والعملاء، الذين يقودهم الحزب الشيوعي وأحزاب اليسار، وتساندهم دول أجنبية عدوة للنظام الإسلامي، ويحذر من مشاركة الحركات المسلحة في العصيان المدني، ومن قيامها بعمليات انتقامية حال سقوط نظام الحكم.
وتُسعِّر قوى المعارضة الشبابية والحزبية معركتها السلمية، وتقول إنها تمارس حقًا يكفله الدستور، وإن الأوضاع لن تصل إلى مرحلة ما تخوّف منه الحكومة، وإنهم لن ينساقوا لدعوات الخروج للشوارع للحيلولة دون تكرار «مذبحة سبتمبر»، وإنهم بالقوة الناعمة سيصلون إلى مرحلة العصيان المدني الشامل الذي يسقط نظام الحكم، وعصيان الاثنين لن يسقط النظام، لكنه يمثل خطوات واثقة في الاتجاه.
وترى المعارضة في بقاء حكم «الإنقاذ» مدعاة لتفكك البلاد وانهيار الدولة، وفي مشاركة الحركات المسلحة في العصيان المدني ودعمها له، كسبًا للعمل المدني، بدلاً من حصرها في زاوية العمل المسلح.
وتستخدم المعارضة «البوستر» والقصاصة والمخاطبات وحملات التوقيعات للتحشيد للعصيان، وتقيم دعايتها السياسية على النشر الكثيف لمعلومات الفساد، والفشل السياسي والمالي، والعزلة الدولية لنظام الحكم، وعلى الغلاء الفاحش وارتفاع كلفة الدواء والتعليم والخدمات كافة.
كلا الطرفين واثق بمقدرته على حسم الأمر لصالحه، ولكل منهما «أسلحته الفتاكة» وتكتيكاته.



السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».


انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.