كيف ستتغير أميركا مع مزيج ترامب وأسعار فائدة مرتفعة؟

خطة الرئيس الجديد لتنشيط مشروعات البنية التحتية تقلل الحاجة للتيسير النقدي

كيف ستتغير أميركا مع مزيج ترامب وأسعار فائدة مرتفعة؟
TT

كيف ستتغير أميركا مع مزيج ترامب وأسعار فائدة مرتفعة؟

كيف ستتغير أميركا مع مزيج ترامب وأسعار فائدة مرتفعة؟

انتظر العالم مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأميركي) عاما كاملا لرفع الفائدة، وعند اتخاذ القرار تباينت ردود أفعال المستثمرين بين الصدمة والراحة، ما يدعو للتساؤل: ماذا علينا أن نتوقع بعد قرار رفع الفائدة الأميركية بنحو ربع نقطة مئوية أول من أمس الأربعاء في آخر اجتماعات الفيدرالي العام الحالي؟
أصرت رئيسة مجلس «الاتحادي»، جانيت يلين، على أن الاقتصاد الأميركي في حالة صحية مناسبة للقرار مقارنة بالرفع الأول للفائدة في ديسمبر (كانون الأول) 2015، وقالت: «يجب تأكيد أن قرارنا لرفع أسعار الفائدة بمثابة انعكاس للثقة في التقدم الذي أحرزه الاقتصاد وحكمنا في استمرار هذا التقدم»، مضيفة أنه «تصويت على الثقة في الاقتصاد الأميركي».
ولكن هذه الرؤية المتفائلة لم تدم طويلا، فاعترفت يلين خلال المؤتمر الصحافي أن بنك الاحتياطي كان يعمل تحت ظروف شابها حالة من عدم اليقين، مع محاولات استكشاف مزيد من خطة الرئيس المنتخب دونالد ترامب.
وأشارت رئيسة الاحتياطي إلى أن سوق العمل على ما ترام، دون الإشارة إلى خطة ترامب المقدرة بنحو تريليون دولار لمشروعات البنية التحتية، وقالت إن هناك بعض الركود في أسواق العمل، ولكن «أود تأكيد أن الركود تضاءل»، ونصحت يلين بأنه لا توجد حاجة ماسة لسياسة مالية لتوفير الحوافز للمساعدة في العودة لمعدل التشغيل الكامل.
ونأت بنفسها أن يُفسر حديثها على أنه تقديم مشورة إلى الإدارة الجديدة أو الكونغرس الأميركي، قائلة إن «هناك كثيرا من الاعتبارات والقواعد التي يضعها الكونغرس في الاعتبار لتبرير تغير السياسة المالية».
وفي الوقت الذي وجدت يلين نفسها في مرمى نيران ترامب خلال حملته الانتخابية، وردا على سؤال حول مستقبلها داخل الفيدرالي، أكدت أنها لا تفكر في المستقبل في الوقت الراهن مع إدراكها احتمالات عدم إعادة تعيينها.
ورغم كلمات تهدئة يلين للأسواق وتأكيدها أن سياسة الفيدرالي لم تتغير «جذريا»، وتوقعاتها بمعدلات ارتفاع إضافية في العام المقبل إلى ثلاث مرات بدلا من مرتين، فإنه مع انخفاض أسعار الأسهم وقوة الدولار يخلص المستثمرون إلى أن فوز ترامب في الانتخابات قد غير مشهد السياسة النقدية للفيدرالي الأميركي.
وأكد المحلل الاقتصادي، إيان تيرنر، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن رفع الفائدة الأميركية يؤكد تنامي الثقة في نمو الاقتصاد الأميركي على المدى الطويل، «وهذا يرجع جزئيا إلى خطط دونالد ترامب لحزم التحفيز المالي».
وتوقع تيرنر أن يلجأ «الاحتياطي» إلى تسريع وتيرة التشديد في السياسة العام المقبل مع ارتفاع معدل واحد في النصف الأول تليها ثلاثة في النصف الثاني.

الأسواق الأميركية
وفي وقت سابق، أمس الخميس، شهدت المؤشرات الأميركية بعض الإيجابية في أعقاب رفع الفائدة، فارتفع مؤشر أسعار المستهلكين بنحو 0.2 في المائة خلال الشهر الحالي، وانخفضت مطالبات إعانات البطالة للأسبوع الثاني على التوالي بانخفاض 4000 شخص، ليكون الأسبوع الـ93 على التوالي في سلسلة انخفاضات معدل البطالة.
في حين تحسنت مؤشرات وول ستريت في منتصف جلسة أمس ليكتسب مؤشر داو جونز الصناعي نحو 120 نقطة أي بما يوازي 0.6 في المائة، بعدما أغلقت الأسواق الأميركية في المنطقة الحمراء عقب الإعلان عن قرار الفيدرالي مساء الأربعاء، ليخسر مؤشر داو جونز الصناعي بنحو 0.6 في المائة أي ما يوازي 118 نقطة، وفقد ستاندرد آند بورز 0.8 في المائة وناسداك 0.5 في المائة، الأمر الذي أظهر رؤية المستثمرين بأن قرار الاحتياطي الفيدرالي كان أكثر تشددا مما كان متوقعا أو مرغوبا في وول ستريت.

سيناريوهات تأثر القطاعات
وأصبح من المؤكد أنه إذا تحرك الفيدرالي ببطء في رفع أسعار الفائدة كما حدث العام الحالي منذ الرفع الأول فسيتطلب الأمر بعض الوقت لتُرى تغيرات في الرهون العقارية وحسابات التوفير والعائدات على السندات وغيرها، أما إذا رفع مسؤولو الاتحادي الفائدة على المدى القصير والمتوسط بشكل أكثر انتظاما، فالآثار يمكن أن تكون أكثر دارماتيكية مما هي عليه الآن.
ويتوقع البنك المركزي رفع أسعار الفائدة 3 مرات العام المقبل، لتصل الفائدة قرب مستوى 1.4 في المائة بحلول نهاية 2017، ما يؤثر هذا الرفع على المحافظ الاستثمارية ومعدلات الاقتراض.
ورغم أن هناك ارتباطا ضئيلا بين سعر الفائدة والرهونات العقارية ذات السعر الثابت لمدة 30 عاما، فإن القلق يفرض ذاته على راغبي شراء أو إعادة تمويل المنازل، وبخاصة لهولاء المرتبطة رهونهم العقارية بشكل وثيق بأسعار الفائدة على السندات الطويلة الأجل مثل سندات الخزانة التي يمكن أن تتحرك صعودا أو هبوطا مع أسعار الفائدة.
فعندما رفع مجلس الاحتياطي الاتحادي الفائدة العام الماضي لأول مرة، ارتفعت الرهون العقارية ثم سقطت لمدة ستة أسابيع متتالية بعد أحداث الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي. وينصح محللو «الشرق الأوسط» بعدم التسرع في شراء المنازل حتى مع ارتفاع أسعار الفائدة، فمن المتوقع أن يكون التغير «تدريجيا» على مدار العامين المقبلين. وشهدت سندات الخزانة إقبالا كبيرا نظرا لاعتبارها الملاذ الآمن في أوقات عدم اليقين منذ بداية العام، ومن المتوقع أن تشهد السندات الأميركية في الفترة المقبلة ارتفاعات كبيرة في العوائد مع ارتفاع تكلفة الدين الأميركي.
انخفاض العملات والذهب
والنفط أمام قوة الدولار
وهبطت أسعار الذهب أثناء التعاملات، أمس الخميس، إلى أدنى مستوياتها منذ أوائل فبراير (شباط) الماضي، بعد أن رفع البنك المركزي الأميركي أسعار الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية، ما سبب قفزة لعوائد سندات الخزانة وأرسل الدولار إلى أعلى مستوى في 14 عاما.
وهبط سعر الذهب للبيع الفوري بنسبة 1.57 في المائة إلى 1126.2 دولار للأوقية، وهو أدنى مستوى في عشرة أشهر ونصف الشهر، وانخفضت العقود الأميركية للذهب تسليم فبراير بنحو 3.15 في المائة إلى 1127.1 دولار للأوقية.
وهبطت أسعار النفط بأكثر من ثلاثة في المائة أول من أمس الأربعاء مع صعود الدولار بعد قرار مجلس الاحتياطي الاتحادي وقفزة في مخزونات الخام في أكبر مركز لتخزين النفط في الولايات المتحدة، وهو ما جدد المخاوف من تخمة في المعروض، وانخفض النفط لأدنى مستوياته أثناء الجلسة، ويجعل ارتفاع الدولار النفط أكثر تكلفة على المشترين الذين يستخدمون عملات أخرى.
وتراجعت العقود الآجلة لخام القياس العالمي مزيج برنت بنحو 1.82 دولار أو 3.27 في المائة لتبلغ عند التسوية 53.9 دولار للبرميل بعدما هبطت عند أدنى مستوى لها في الجلسة إلى 53.8 دولار.
وانخفض الخام الأميركي بمقدار 1.94 دولار أو 3.66 في المائة ليبلغ عند التسوية 51.04 دولار للبرميل بعدما سجل أثناء الجلسة مستوى أكثر انخفاضا عند 50.92 دولار.
فيما هبط الجنيه الإسترليني إلى أدنى مستوى في أسبوعين أمام الدولار أثناء تعاملات الخميس متضررا من موجة مشتريات قوية أخرى للعملة الأميركية. وانخفض الإسترليني بنحو 0.9 في المائة إلى 1.2445 دولار، بينما تراجع 0.5 في المائة أمام اليورو إلى 83.4 بنس مع هبوط العملة الأوروبية إلى أدنى مستوى في 14 عاما مقابل الدولار، ومن المتوقع أن يواصل الدولار الصعود أمام العملات الرئيسية.



صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر، إثر الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) 2026، موضحاً أن هذا النزاع لم يمثل مجرد أزمة حدودية، بل تحول إلى زلزال ضرب قلب الممرات الاقتصادية الاستراتيجية، مخلفاً صدمة طاقة عالمية وشللاً في سلاسل الإمداد. وفي خضم هذه التحديات، برز اقتصاد السعودية بوصفه نموذجاً للصمود؛ حيث أظهر «متانة استثنائية» مكنته من امتصاص تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج الإقليمي، بفضل ركائز «رؤية 2030» التي عززت السياسات المالية القوية والقدرة اللوجيستية على التكيف مع أعنف المتغيرات الجيوسياسية.

وصف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، خلال عرضه لتحديث «تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي» في واشنطن، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، الحرب الحالية بأنها تعيد رسم خريطة النمو الإقليمي بنسب لم تشهدها الأسواق منذ عقود، حيث أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى تعطل تدفق 21 مليون برميل نفط يومياً، ما دفع بأسعار خام برنت لتجاوز حاجز 100 دولار. ولم تقف الصدمة عند النفط، بل طالت إمدادات الغاز الطبيعي، حيث قفزت أسعاره في أوروبا بنسبة 40 في المائة، متخطية المستويات القياسية التي سجلتها إبان أزمة أوكرانيا عام 2022، مما وضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح.

وقال إن اضطرابات الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية ستؤثر بشدة على اقتصادات الدول الخليجية المصدرة للنفط والغاز، بينما تواجه الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط، مثل مصر والأردن، صدمات من ارتفاع أسعار السلع الأساسية واحتمال انخفاض دخل تحويلات العاملين في دول الخليج.

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (رويترز)

وبشكل عام، من المتوقع أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تباطؤاً ملحوظاً في النمو هذا العام، حيث يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.1 في المائة، أي أقل بنسبة 2.8 نقطة مئوية من التوقعات قبل الحرب، قبل أن تشهد انتعاشاً في عام 2027، وفقاً لأحدث تقرير للتوقعات الإقليمية الصادر عن صندوق النقد الدولي.

قال أزعور: «إنها ليست مجرد قصة نفط وغاز، بل هي أيضاً تأثير هذه الحرب على جميع المنتجات الأخرى التي تُنتج في المنطقة، والتي تتمتع فيها المنطقة بموقع استراتيجي»، بما في ذلك صادرات الأسمدة والعديد من المنتجات الكيميائية وغيرها من المنتجات المتخصصة التي تجعلها ممراً اقتصادياً استراتيجياً عالمياً. وحذر من أن ارتفاع تكاليف الغذاء بات يهدد الفئات الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بشكل مباشر، خصوصاً مع تأثر الصادرات الخليجية الحيوية؛ حيث تورد دول المنطقة 40 في المائة من صادرات الكبريت و20 في المائة من أسمدة النيتروجين عالمياً. وأشار إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الإمدادات يعني تهديداً مباشراً للمواسم الزراعية العالمية والقدرة الشرائية لملايين البشر.

وأضاف: «علاوة على ذلك، أثر الصراع على القطاع غير النفطي، حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع استراتيجي عالمي، لا سيما في مجال الطيران والخدمات اللوجيستية».

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة تعتمد اعتماداً كبيراً على اقتصادات الخليج في استيراد الطاقة والتدفقات المالية، مما يجعلها عرضة للخطر في حال اشتدت الحرب أو طالت مدتها.

تجربة السعودية

أكد أزعور أن أحد أبرز الدروس القاسية والملهمة التي استخلصها الاقتصاد العالمي من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، يكمن في ضرورة «تنويع طرق التجارة» بوصفها ضمانة وجودية لاستمرار تدفق السلع والطاقة.

وفي هذا السياق، اعتبر أزعور أن النهج الذي سلكته السعودية ضمن رؤيتها الاستراتيجية لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية، بل كان إعادة رسم شاملة لخريطة العبور اللوجيستي؛ حيث نجحت المملكة من خلال تطوير الموانئ البديلة على البحر الأحمر، وتوسيع شبكات الربط البري والسككي، في تقليل حالة «الهشاشة» التقليدية الناتجة عن الارتباط بممر مائي واحد وضيق.

ويرى أزعور أن هذه «الرشاقة السيادية» في خلق مسارات تجارية موازية هي التي مكنت التجارة السعودية من الاستمرار بفاعلية رغم الشلل الذي أصاب ممرات إقليمية أخرى، مما حول المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية حماية الأمن الاقتصادي عبر فك الارتباط بالممرات البحرية القابلة للتعطل الجيوسياسي، وضمان وصول الإمدادات الحيوية إلى الأسواق المحلية والدولية دون انقطاع، وهو ما يجسد نجاح المرحلة الثانية من الرؤية في تحصين الاقتصاد الوطني ضد أعنف الصدمات الجيوسياسية.

مصر

وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر وتعزيزها لهوامش الأمان يمكّنان البلاد من التعامل بشكل أفضل مع الصدمات الخارجية.

وأضاف: «لقد سمحوا لسعر الصرف بأن يكون أكثر مرونة، لامتصاص أي صدمة خارجية، كما أنهم قاموا بزيادة وبناء مستوى مرتفع من الاحتياطيات بما يتيح لهم توفير مزيد من الطمأنينة للسوق».

تفاوت إقليمي

رصد التقرير تفاوتاً حاداً في القدرة على امتصاص الصدمة؛ فبينما واجهت قطر خفضاً تاريخياً في توقعات النمو بواقع 15 نقطة مئوية نتيجة تضرر بنيتها التحتية للغاز، أظهرت سلطنة عُمان صموداً بفضل موقعها الجغرافي. وعلى صعيد آخر، تزايدت الضغوط التمويلية على مصر وباكستان والأردن نتيجة ارتفاع الفوارق السيادية، مما دفع أزعور للتأكيد على جاهزية الصندوق لتقديم الدعم الفني والمالي لمواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.

وقال أزعور: «إذا شهدنا انتعاشاً في إنتاج النفط، وفتحاً كاملاً لمضيق هرمز، فسيعني ذلك أن الدول ستزيد إنتاجها بسرعة كبيرة. كما أن مستوى أسعار النفط، المتوقع أن يبقى مرتفعاً مقارنةً بمستويات ما قبل عام 2026، سيمكن الدول المنتجة للنفط من استعادة بعض المكاسب التي تتكبدها حالياً بسبب الأزمة».


ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم، في وقت أكد فيه أن «البنك المركزي الأميركي» في موقع يسمح له بالاستجابة للتطورات الاقتصادية المحتملة.

وأوضح ويليامز، في كلمة ألقاها أمام ندوة أعضاء «بنك الإقراض العقاري الفيدرالي» في نيويورك لعام 2026، أن «التطورات في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة؛ مما ينعكس بالفعل في زيادة التضخم العام»، وفق «رويترز».

وأضاف أنه في حال انتهاء الاضطرابات سريعاً، فإن من المرجح أن تتراجع أسعار الطاقة، «إلا إن استمرار الصراع مدة أطول قد يؤدي إلى صدمة عرض كبيرة، تدفع التضخم إلى الارتفاع عبر زيادة تكاليف السلع الوسيطة والأسعار النهائية، وفي الوقت نفسه تُضعف النشاط الاقتصادي».

وحذّر ويليامز بأن هذه العملية «بدأت بالفعل»، مشيراً إلى مؤشرات متصاعدة على اضطرابات في سلاسل الإمداد، وإلى أن ارتفاع تكاليف الوقود بدأ ينعكس على أسعار تذاكر الطيران والمواد الغذائية والأسمدة وغيرها من السلع الاستهلاكية.

ورغم هذه الضغوط، فإن ويليامز جدّد تأكيده على «الالتزام الراسخ» بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ اثنين في المائة. وقال إنه في ظل «ظروف استثنائية»، فإن السياسة النقدية الحالية في وضع جيد يسمح بالموازنة بين مخاطر تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار، من دون تقديم توجيهات واضحة بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة.

وتتسق تصريحاته مع نهج «الترقب والانتظار» الذي يتبناه مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» في تقييم تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد. وكان «البنك المركزي» قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه بمنتصف مارس (آذار) الماضي عند نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 في المائة، مع توقعات بخفض إضافي خلال العام الحالي. ومن المقرر أن يعقد اجتماعه المقبل يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، دون توقعات بتغيير فوري في السياسة النقدية.

وفي الأيام الأخيرة، تجنب مسؤولو «الفيدرالي» تقديم إشارات واضحة بشأن مسار الفائدة على المدى القريب، رغم أن بيث هاماك، رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، أشارت في مقابلة مع «سي إن بي سي» إلى احتمال تحرك السياسة في أي اتجاه؛ سواء بالخفض والرفع، تبعاً لتطورات الاقتصاد.

وأشار ويليامز إلى أن الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة، أسهمت في رفع التضخم العام، الذي كان أصلاً عند مستويات مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة في الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات.

ويترقب مسؤولو «الفيدرالي» ما إذا كانت هذه الضغوط السعرية ستستمر، وما إذا كانت ستنعكس على التضخم الأساسي، في ظل مخاوف من سيناريو معقد يجمع بين ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام معادلة صعبة: إما تشديد السياسة النقدية، وإما تخفيفها.

وتوقع ويليامز أن يرتفع معدل التضخم إلى ما بين 2.75 و3 في المائة خلال العام الحالي، قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل إلى هدف اثنين في المائة بحلول عام 2027. كما رجّح أن يتراوح معدل البطالة بين 4.25 و4.5 في المائة هذا العام، مع نمو اقتصادي بين اثنين و2.5 في المائة.


تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
TT

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس (آذار)، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية، ومتأثراً بشكل رئيسي بتراجع إنتاج السيارات وعدد من السلع الأخرى.

وأعلن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الخميس، أن الإنتاج الصناعي تراجع بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد تعديل بيانات فبراير (شباط) لتُظهر ارتفاعاً أقوى بلغ 0.4 في المائة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاعاً بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد زيادة سابقة قدرها 0.2 في المائة في فبراير.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.5 في المائة في مارس، فيما سجل نمواً بمعدل سنوي بلغ 3 في المائة خلال الربع الأول، متعافياً من انخفاض نسبته 3.2 في المائة في الربع الرابع. ويأتي هذا الأداء في وقت يُظهر فيه قطاع التصنيع، الذي يمثل نحو 10.1 في المائة من الاقتصاد الأميركي، مؤشرات تعافٍ تدريجي بعد الضغوط التي تعرض لها نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات.

غير أن تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران ساهم في دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بأكثر من 35 في المائة، ما قد يضيف مزيداً من الضغوط على وتيرة التعافي الاقتصادي. وفي هذا السياق، أشار تقرير «الكتاب البيج» الصادر عن «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الأربعاء، إلى أن الصراع يُعد «مصدراً رئيسياً لعدم اليقين، بما يعقّد قرارات التوظيف والتسعير والاستثمار الرأسمالي»، حيث تبنّت العديد من الشركات نهج «الترقب والانتظار».

وسجّل إنتاج السيارات انخفاضاً حاداً بنسبة 3.7 في المائة، بعد ارتفاعه بنسبة 2.6 في المائة في فبراير، فيما تراجع إنتاج المعادن الأساسية والآلات، إضافة إلى الأثاث والمنتجات ذات الصلة. كما انخفض إنتاج السلع المعمرة بنسبة 0.2 في المائة، في حين تراجع إنتاج السلع غير المعمرة بنسبة 0.1 في المائة، رغم ارتفاع إنتاج البترول والفحم ومنتجات البلاستيك والمطاط.

وفي قطاع التعدين، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 2.1 في المائة في فبراير، بينما تراجع إنتاج الطاقة بنسبة 1.6 في المائة مع انخفاض أنشطة حفر آبار النفط والغاز بنسبة 2.4 في المائة.

وأشار «الكتاب البيج» كذلك إلى أنه رغم تسجيل نشاط طفيف في قطاع الطاقة مطلع أبريل (نيسان)، فإن العديد من المنتجين ما زالوا متحفظين حيال توسيع عمليات الحفر، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن استدامة ارتفاع الأسعار.

أما إنتاج المرافق العامة فقد تراجع بنسبة 2.3 في المائة نتيجة انخفاض الطلب على التدفئة، بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 1.8 في المائة في فبراير. وبذلك، انخفض الإنتاج الصناعي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة بعد أن تم تعديل بيانات فبراير لتُظهر ارتفاعاً إلى 0.7 في المائة، مقارنة بتقدير سابق بلغ 0.2 في المائة.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.7 في المائة في مارس، وسجل نمواً قدره 2.4 في المائة خلال الربع الأول. في المقابل، تراجع معدل استغلال الطاقة الإنتاجية في القطاع الصناعي، وهو مؤشر يعكس مدى استخدام الشركات لمواردها، إلى 75.7 في المائة مقارنة بـ76.1 في المائة في فبراير، ليظل أقل بنحو 3.7 نقاط مئوية من متوسطه طويل الأجل للفترة 1972–2025.

كما انخفض معدل التشغيل في قطاع التصنيع بمقدار 0.2 نقطة مئوية ليصل إلى 75.3 في المائة، وهو أقل بنحو 2.9 نقطة مئوية من متوسطه التاريخي على المدى الطويل.