المعارضة السورية: شروط إيرانية تعرقل وقف إطلاق النار بحلب

إردوغان يعتزم الاتصال بنظيره الروسي لمحاولة إنقاذ الهدنة

المعارضة السورية: شروط إيرانية تعرقل وقف إطلاق النار بحلب
TT

المعارضة السورية: شروط إيرانية تعرقل وقف إطلاق النار بحلب

المعارضة السورية: شروط إيرانية تعرقل وقف إطلاق النار بحلب

أعلن الرئيس التركي رجب طيب اردوغان اليوم (الاربعاء)، أنّه سيتصل بنظيره الروسي فلاديمير بوتين لمحاولة انقاذ الهدنة في مدينة حلب السورية. تزامن ذلك مع تصريح مولود تشاووش أوغلو وزير الخارجية التركي اليوم، بإنّ تركيا تجري محادثات مع روسيا وإيران في محاولة لضمان تنفيذ وقف لاطلاق النار في حلب واجلاء المدنيين ومقاتلي المعارضة على الرغم من محاولات النظام السوري لمنع ذلك.
وكان من المفترض أن يسمح وقف لاطلاق النار توسطت فيه تركيا وروسيا أمس، ببدء عملية الاجلاء من أجزاء القطاع الشرقي من حلب التي يسيطر عليها المعارضون اعتبارًا من فجر اليوم، لكنّ العملية تأخرت. وقال مسؤولون من المعارضة وشهود من رويترز إنّ قوات النظام السوري واصلت القصف لنحو نصف ساعة اليوم.
وقال تشاووش أوغلو للصحافيين في أنقرة "كان هناك حتى أمس تفاهم شمل أولا اجلاء المدنيين... نرى أن النظام وجماعات أخرى تحاول منع هذا". وأضاف "نواصل اجتماعاتنا. سنتحدث مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ووزير الخارجية الايراني مرة أخرى اليوم". واستطرد أنّ التحضيرات استكملت لمخيمات في تركيا وشمال سوريا لايواء الفارين من حلب.
وكان محمد شمشك نائب رئيس الوزراء التركي قال أمس، إنّ تركيا ستعد مخيما لاستيعاب ما يصل الى 80 ألف نازح من حلب. وتستضيف تركيا بالفعل نحو 2.7 مليون سوري فروا من الحرب الاهلية.
على صعيد متصل، قال مسؤولون في جماعتين من المعارضة السورية ومسؤول في الامم المتحدة، إنّ إيران وضعت شروطًا جديدة لاتفاق وقف اطلاق النار وعمليات الاجلاء في حلب الذي تفاوضت عليه روسيا وتركيا.
وذكر أحد مسؤولي المعارضة ومسؤول الامم المتحدة أن ايران -التي تدعم مقاتلين يحاربون في صف النظام السوري في حلب- تريد عمليات اجلاء متزامنة لمصابين من قريتي الفوعة وكفريا الشيعيتين اللتين تحاصرهما المعارضة.
وقال مسؤول من الجبهة الشامية يقيم في تركيا، إنّ الشروط نُقلت إلى الجبهة وهي احدى فصائل المعارضة الرئيسية في حلب. لكنه لم يحدد كيف.
وذكر مسؤول في جماعة تنضوي تحت لواء الجيش السوري الحر يقيم في تركيا "المفاوضات أخفقت الآن. رفضوا السماح للناس بالخروج. يتحججون بعدة أشياء منها الفوعة وكفريا. لكن هذه حجة أكثر منها حقيقة". وأضاف "هي حجة لافشال الاتفاق لأنّ الايرانيين لا يريدون الاتفاق". فيما قال المسؤول في الامم المتحدة "يبدو أن الايرانيين لديهم شروط بشأن الاجلاء المتزامن من الفوعة وكفريا".
في السياق قال متحدث باسم جماعة نور الدين الزنكي يتواصل مع الصحافيين عبر الرسائل النصية "أحبطت الميليشيات الطائفية الايرانية الهدنة في حلب المحاصرة... يطلبون ملفات جديدة لمصالحهم الخاصة". وأضاف أنّ اتفاق وقف اطلاق النار كان بين المقاتلين وروسيا ولا يتضمن ايران".
ميدانيًا، استأنف الطيران الحربي للنظام السوري ظهر اليوم، غاراته على آخر الاحياء تحت سيطرة الفصائل المعارضة في مدينة حلب، وفق ما أفاد المرصد السوري لحقوق الانسان.
وقال مدير المرصد السوري رامي عبد الرحمن "تستهدف الطائرات الحربية السورية آخر بقعة جغرافية تسيطر عليها الفصائل المعارضة في مدينة حلب"، وذلك اثر تجدد الاشتباكات صباحًا بين الطرفين بعد تعليق اتفاق لاجلاء مدنيين ومقاتلين معارضين من المدينة.
وتجددت الاشتباكات العنيفة والغارات وتبادل القصف في المدينة، بعد تعليق اتفاق لاجلاء مدنيين ومقاتلين معارضين منها، واسفرت قذائف سقطت على مناطق قوات النظام عن مقتل سبعة مدنيين واصابة آخرين بجروح.
وأفاد مراسل وكالة الصحافة الفرنسية في شرق حلب، عن قصف عنيف على آخر جيب لا يزال تحت سيطرة الفصائل المعارضة في شرق المدينة فضلا عن اشتباكات هائلة، مشيرًا إلى سقوط جرحى من المدنيين. ونقل مشاهدته لدبابة لقوات النظام اثناء اطلاقها القذائف باتجاه تلك الاحياء.
وأكد مدير المرصد عبد الرحمن أنّ "الاشتباكات على اشدها"، مضيفا "عادت الامور إلى نقطة السفر". ويرافق الاشتباكات، حسب عبد الرحمن، "غارات جوية تنفذها الطائرات الحربية السورية مستهدفة آخر بقعة جغرافية تسيطر عليها الفصائل المعارضة". كما أشار إلى "قصف عنيف متبادل بين الطرفين"، مضيفا "اطلقت قوات النظام عشرات القذائف على مناطق سيطرة الفصائل المعارضة، وردت الاخيرة بقصف مناطق النظام بعشرات القذائف ايضا".
ويأتي استئناف الاشتباكات والقصف بعد تعليق اتفاق تم التوصل إليه أمس، برعاية روسية تركية لاجلاء مدنيين ومقاتلين من المدينة، وفق ما أكّد مصدر مقرب من دمشق وقيادي في فصيل معارض لوكالة الصحافة الفرنسية.
وكان من المفترض ان تبدأ عملية الاجلاء اليوم عند الساعة الخامسة صباحا (03:00 ت غ).
وكان الآلاف من المدنيين ومقاتلي المعارضة انتظروا فجر اليوم وسط برد قارس بدء إجلائهم من شرق حلب بموجب الاتفاق الروسي التركي، بعدما تمكنت قوات النظام من السيطرة أخيرًا على أكثر من 90 في المائة من الاحياء التي كانت منذ 2012 تحت سيطرة الفصائل المعارضة.
وتدور اشتباكات عنيفة يرافقها قصف متبادل في حلب حاليًا، وفق ما أفاد مراسل الصحافة الفرنسية والمرصد السوري لحقوق الانسان.
وتزامن هذا التصعيد مع إعلان مصدر قريب من النظام السوري تعليق اتفاق الاجلاء من شرق حلب الذي كان يفترض أن يبدأ تطبيقه فجر اليوم.
وقال المصدر "علقت الحكومة السورية اتفاق الاجلاء لارتفاع عدد الراغبين بالمغادرة من الفي مقاتل إلى عشرة الاف شخص"، مضيفا أنّ الحكومة "تطالب أيضا بالحصول على قائمة باسماء جميع الاشخاص المغادرين للتأكد من عدم وجود رهائن او سجناء"، حسب قولها.
في المقابل، اكد ياسر اليوسف عضو المكتب السياسي لحركة نور الدين الزنكي، أبرز الفصائل المعارضة في حلب، لوكالة الصحافة الفرنسية، أنّ "الاتفاق الاساسي لم يتضمن تزويد النظام باسماء المغادرين" من شرق المدينة.
في موسكو، أعلن الجيش الروسي في بيان أن الفصائل المقاتلة حاولت خرق مواقع للنظام شمال غربي حلب في ساعات الفجر، مؤكدا أنّه تم صد الهجوم واستأنفت قوات النظام عملياتها للسيطرة على أحياء شرق حلب.
وقال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف "آمل في تسوية الوضع في شرق حلب خلال يومين أو ثلاثة أيام"، مضيفًا في تصريحات نقلتها وكالات الانباء الروسية أنّ "المقاتلين سيتوقفون عن المقاومة بعد يومين أو ثلاثة أيام".
وكان من المفترض ان تبدأ عملية اجلاء المقاتلين والمدنيين المتبقين في شرق حلب اليوم عند الساعة الخامسة صباحا (03:00 ت غ). وانتظرت 20 حافلة تابعة للنظام خضراء اللون، كان من المقرر أن تقل المغادرين منذ ليل أمس قرب حي صلاح الدين الذي يتقاسم الجيش والفصائل المعارضة السيطرة عليه، قرب حي صلاح الدين الذي يتقاسم الجيش والفصائل المقاتلة السيطرة عليه.
وقالت صحافية في وكالة الصحافة الفرنسية، إنّ السائقبن أمضوا ليلتهم نائمين في الحافلات، فيما لم يصل أي مدني أو مقاتل معارض إلى الجوار.
وفي حي المشهد، أحد آخر الاحياء تحت سيطرة الفصائل، تجمع عدد كبير من المدنيين منذ الفجر منتظرين أي معلومات بشأن الحافلات التي كان يفترض أن تقلهم. وأمضى كثيرون منهم ليلتهم على الأرصفة.
ويتكدس آلاف المدنيين في هذا الحي واجزاء من احياء اخرى في شرق حلب لا تزال توجد فيها فصائل المعارضة، بعضهم لا مأوى له، ينامون في الشارع. ويعاني الجميع من الخوف والجوع والبرد.
وأعلنت كل من موسكو وأنقرة أمس، التوصل إلى اتفاق لاجلاء المقاتلين والمدنيين من شرق حلب، دخل على أثره وقف لاطلاق النار حيز التنفيذ في المدينة المنكوبة. ويتضمن الاتفاق وفق ما أوضح ياسر اليوسف، أن يغادر المدنيون والجرحى والمقاتلون مع سلاحهم الخفيف إلى ريف حلب الغربي أو محافظة ادلب (شمال غرب). وبموجب الاتفاق يخرج المدنيون والجرحى في الدفعة الاولى، وفق اليوسف.
وبعد ساعات على ابداء الامم المتحدة خشيتها من تقارير وصفتها بالموثوقة تتهم قوات النظام بقتل عشرات المدنيين بشكل اعتباطي، بينهم نساء واطفال، في شرق حلب، طالبت منظمة "اطباء العالم" غير الحكومية أمس، باجلاء آخر الناجين على وجه السرعة بعد تحول حلب إلى "جحيم حقيقي".
وقالت رئيسة المنظمة فرنسواز سيفينيون لوكالة الصحافة الفرنسية، "تشهد حلب اوضاعا خطيرة للغاية، لا يزال 100 الف شخص محتجزين على اراض لا تتعدى مساحتها خمسة كيلومترات مربعة".
وعقد مجلس الامن الدولي مساء أمس، جلسة طارئة بشأن حلب طالبت خلالها المندوبة الاميركية لدى الامم المتحدة سامنثا باور بنشر "مراقبين دوليين حياديين" في حلب للاشراف على اجلاء المدنيين بـ"أمان تام". وتابعت أنّ المدنيين الراغبين بالخروج "خائفون، وهم محقون في ذلك، من تعرضهم للقتل على الطريق أو من نقلهم إلى احد معتقلات الاسد".
وقال المتحدث باسم الدفاع المدني في حلب (الخوذ البيضاء) ابراهيم ابو الليث لوكالة الصحافة الفرنسية، "لا تظنوا أنّنا فرحون بالخروج، لا احد يتهجر من بلده ويكون فرحا". وأضاف "إذا اردت الخروج يكون ذلك بسبب الاطفال الجوعى والعائلات الباقية تحت المطر".
ودفعت المعارك المستمرة منذ بدء الهجوم على شرق حلب في 15 نوفمبر (تشرين الثاني)، أكثر من 130 الف شخص إلى الفرار من الاحياء الشرقية، نزحوا بمعظمهم إلى مناطق تحت سيطرة قوات النظام في غرب حلب أو تلك التي سيطر عليها في شرق المدينة.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.