كيف تحولت أحياء حلب الشرقية إلى مقبرة للمدنيين السوريين؟

كيف تحولت أحياء حلب الشرقية إلى مقبرة للمدنيين السوريين؟

تراجع عدد سكان المدينة من 2.5 مليون إلى 1.5 مليون 250 ألفًا منهم محاصرون
الثلاثاء - 14 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 13 ديسمبر 2016 مـ

استيقظ العالم فزعًا من مجزرة جديدة إلى جانب العديد من المجازر التي ارتكبها ولا زال يرتكبها النظام السوري في البلاد، إلا أن مجزرة حلب اليوم حولت من الحصار الخانق الذي تفرضه قوات النظام على نحو ربع مليون شخص إلى أشبه ما يكون بمقبرة للمدنيين.

وأحال الهجوم المتواصل منذ منتصف نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي لقوات النظام السوري مدينة حلب المحاصرة إلى جحيم تشهد عليه الجثث الملقاة في الشوارع وآلاف النازحين الهائمين على وجوههم طلبًا للنجاة.

وبفضل الدعم الجوي الروسي ومؤازرة المليشيات الإيرانية، نجحت قوات النظام في انتزاع ثلاثة أحياء من أيدي المعارضة ما أجبر نحو خمسين ألف مدني على الفرار تائهين بحثًا عن ملاذ آمن.

ويتم نقل الجرحى بين المدنيين على عربات الخضار بعد تعثر تحرك سيارات الإسعاف في الشوارع، في وقت تحدث فيه رئيس العمليات الإنسانية بالأمم المتحدة ستيفن أوبراين عن توقف عمل جميع المستشفيات و"استنفاد شبه تام للمخزون الغذائي".

فمنذ اندلاع التحركات الاحتجاجية ضد نظام الأسد منتصف مارس (آذار) 2011 في مدينة درعا، كانت هناك دعوات مستمرة للتحركات المنادية بإسقاط النظام، ولم يمر شهران حتى بدأت شرارة مدينة حلب في أواخر يونيو (حزيران) 2011، حيث شهدت شوارع المدينة تظاهرات طلابية واسعة سرعان ما تم قمعها بالقوة.

ولا يزال وقع الصدمة يسيطر على أهالي حلب كونهم وقعوا في حصار محكم، في حين تخلخلت صفوف المعارضة محاولة استيعاب ما يحدث، تحت وقع القصف المستمر الذي تنفذه قوات الأسد إلى جانب حليفها الروسي، مدعومًا بالميليشيات الإيرانية على الأرض.

وتشكل مدينة حلب التي تكاد تسقط بأكملها في أيدي قوات النظام السوري بعد أكثر من أربع سنوات من المعارك، الجبهة الأبرز في النزاع السوري والأكثر تضررًا منذ اندلاعه العام 2011.

ومع تحول الحراك في سوريا إلى نزاع مسلح، شنت فصائل "الجيش السوري الحر" حينها هجومًا كبيرًا على المدينة في يوليو (تموز) 2012 انتهى بسيطرتها على الأحياء الشرقية.

وفي مطلع أغسطس (آب) من العام ذاته، بدأت قوات النظام التي شنت هجومًا بريًا استخدمت فيه أسلحة ثقيلة قصفًا عنيفًا على مناطق المعارضة، ثم استخدمت الطائرات الحربية للمرة الأولى في عمليات القصف، وشهدت المدينة منذ ذلك الحين معارك شبه يومية بين قوات النظام التي سيطرت على الأحياء الغربية والفصائل المعارضة في الأحياء الشرقية.

ومنذ مطلع العام 2013، بدأت قوات النظام قصف الأحياء الشرقية بالبراميل المتفجرة التي تلقيها المروحيات والطائرات العسكرية، ما تسبب بمقتل الآلاف وأثار تنديد الأمم المتحدة والعديد من المنظمات الدولية، فيما كانت الفصائل المعارضة ترد باستهداف الأحياء الغربية بالقذائف، ما أوقع قتلى وجرحى بين المدنيين.

ودفع سكان مدينة حلب، ثاني المدن السورية والعاصمة الاقتصادية لسوريا قبل الحرب، ثمنًا باهظًا للنزاع العسكري منذ اندلاعه بعدما باتوا مقسمين بين أحياء المدينة.

وكان عدد سكان المدينة 2.5 مليون قبل النزاع، لكنه تراجع إلى نحو 1.5 مليون نسمة، 250 ألفًا منهم محاصرون في شرق حلب حتى قبل بدء الهجوم الأخير لقوات النظام قبل حوالى الشهر، لكن أكثر من نصفهم نزح إلى المناطق الواقعة تحت سيطرة النظام، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان.

ويعاني المدنيون المكدسون في ما تبقى من أحياء تحت سيطرة المعارضة في شرق حلب من ظروف مأساوية للغاية، إذ ينام العديد منهم في الطرق، ولا يجدون ما يأكلونه وهم معرضون للموت في القصف بكل لحظة.

وخلال الأشهر الماضية، حصلت محاولات لإرساء هدنة في حلب خصوصًا بين الأميركيين داعمي المعارضة، والروس الذين شكل دعمهم للنظام السوري المنعطف الرئيسي في تغير ميزان القوى على الأرض بسوريا لصالح النظام.

واعتبارًا من نهاية سبتمبر (أيلول)2015، بدأ التدخل الروسي عبر غارات جوية مكثفة استهدفت مواقع الفصائل المعارضة، على الرغم من اعلان موسكو أن الهدف من تدخلها القضاء على المجموعات المتطرفة.

وساهم هذا التدخل في اعطاء دفع لقوات النظام التي تقدمت في مناطق عدة، وصولاً في صيف 2017 إلى محاصرة الأحياء الشرقية في حلب التي بدأت تعاني من نقص فادح في الأدوية والمواد الغذائية.

وفي منتصف نوفمبر (تشرين الثاني)، بدأت قوات النظام هجومها الأخير على شرق حلب، وتمكنت من التقدم سريعًا مدعومة من مجموعات مسلحة بينها ما يسمى "حزب الله"، وباتت تسيطر على أكثر من تسعين في المئة من الأحياء التي كانت تحت سيطرة المعارضة.

في الأحياء المتبقية بحلب الشرقية، تصل المخاوف إلى منتهاها مع اشتداد القصف الذي لا زال مستمرًا، ويخشى المدنيون من ارتكاب قوات النظام عمليات إعدام جماعي أو ممارسات تحمل طابع الانتقام، بينما تعالت الأصوات محذرة من "شلال دم" لا تجد لها صدى حتى الآن.

وبقي أكثر من مائة ألف نسمة في ما تبقى من أحياء تسيطر عليها المعارضة، رفض كثير منهم الخروج باتجاه مناطق قوات النظام حين سيطرت على أحيائهم ولجؤوا إلى مناطق ليس فيها إلا الدمار والقصف والجوع.

ويقف مجلس الأمن الدولي عاجزاً في بدايات جرائم نظام الأسد ضد شعبه بفعل الفيتو الروسي دعمًا للأسد، فيما احتمال قيامه الآن بإحالة الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية يبدو غير وارد، بعد أن تورطت روسيا بنفسها في هذه الجرائم، واستخدمت في قتل السوريين ذخائر محرمة دوليًا ما بين عنقودية وفوسفورية وحارقة، واستهدفت طائراتها المدارس والمستشفيات ومراكز الدفاع المدني على نحو واسع، وتعاملت الحكومة الروسية بكل استهزاء مع التصريحات الدولية، الفرنسية والبريطانية على وجه التحديد، بأن قواتها ترتكب جرائم حرب في سوريا، وفي حلب خاصة.

مدينة حلب السورية تعد واحدة من أقدم مدن العالم وتعود إلى اربعة آلاف عام قبل الميلاد، وتوالت الحضارات على المدينة التي عرفت بصناعة وتجارة النسيج التي تتميز بموقعها بين البحر الأبيض المتوسط وبلاد ما بين النهرين.

ومنذ اندلاع النزاع في العام 2011، دمرت المعارك المدينة القديمة واسواقها المدرجة على لائحة اليونسكو للتراث العالمي.

وطال الدمار أيضًا مواقع تعود إلى سبعة آلاف عام، وتحولت مئذنة الجامع الأموي العائدة إلى القرن الحادي عشر إلى كومة من الركام.

كما لحقت أضرار كبيرة بقلعة حلب الصليبية التي استعادتها قوات النظام من المعارضة بعد قتال عنيف.


اختيارات المحرر

فيديو