اللفت صاحب سمعة سيئة لكنه غيّر العالم

مهد الطريق للثورة الصناعية في القرن التاسع عشر

اللفت صاحب سمعة سيئة لكنه غيّر العالم
TT

اللفت صاحب سمعة سيئة لكنه غيّر العالم

اللفت صاحب سمعة سيئة لكنه غيّر العالم

يقال إن اللفت لعب دورا رئيسيا في تاريخ البشرية الحديث؛ إذ كان جزءا لا يتجزأ من نظام الزراعة الجديد الذي تم تطويره في القرن الرابع عشر في بعض البلدان الأوروبية، أو ما تعرف بالبلدان المنخفضة (بلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ وغرب ألمانيا وجزء من شمال فرنسا). ويقول بعض المؤرخين إن تطوير هذا النظام ساعد لاحقا على حصول تغييرات اجتماعية كبيرة في أوروبا مهدت الطريق للثورة الصناعية في القرن التاسع عشر.
قبل البدء باستغلال اللفت كان الفلاحون يذبحون ماشيتهم في بداية فصل الشتاء، لأنهم عاجزون عن زراعة ما يكفي لإطعامها خلال الفصل البارد، كما كان الفلاحون يزرعون حقلين ويتركون حقلا غير مستصلح (بور)، (ليرتاح ويستعيد خصوبته، وعرقلة دورة حياة الآفات والأمراض التي تصيب المحاصيل)، ولكن مع زراعة الهولنديين للفت في الحقل الثالث البور، بدأت خصوبة التربة في التحسن، وصار بإمكان الفلاحين تأمين الطعام لماشيتهم خلال فصل الشتاء. ومن هناك انتقلت هذه الطريقة إلى إنجلترا عبر رجل يعرف باسم روبرتن ترنب تاونساند، الذي لعب دورا كبيرا لاحقا في تطوير النظام الزراعي. ومع تمكن الفلاحين من استغلال الأرض بأقصى حد ممكن، ومع بدء التربية العلمية والانتقائية لقطعان الماشية لاحقا في القرن الثامن عشر، أصبحت الماشية أكبر حجما، وزادت كمية اللحم المتوفرة، وبالتالي، كمية الصوف والحليب.
تاونساند أدخل في بريطانيا نظام التدوير الرباعي في الزراعة مع دخول اللفت على الخط، مما يعني أن الفلاحين يبدأون بزراعة القمح في فصل الشتاء وحصاده في فصل الصيف، وبعد حصاد القمح يبدأ الفلاحون بزراعة اللفت، وهو محصول سريع النمو، ومتسامح مع البرد، وقادر على إطعام الماشية خلال الشتاء. وفي الربيع التالي كان تتم زراعة الشعير، وبعد الشعير وفي المرحلة الأخيرة من الدورة الزراعية، كان تتم زراعة خليط من الأعشاب والبرسيم ليستخدم للرعي، ويترك القش حتى حرث الأرض من جديد. ومع النظام الجديد تضاعفت المحاصيل الزراعية لإطعام العدد المتزايد للسكان، وتحسنت أحوال التربة، وتم الحفاظ على قطعان الماشية والاستفادة القصوى منها طيلة عام كامل. بأي حال، كان من شأن إدخال اللفت على النظام الزراعي في بعض البلدان الأوروبية، إحداث ثورة زراعية شاملة، وبالتالي تغيير هائل على حياة هذه البلدان واقتصاداتها التي ساهم بعضها في الثورة الصناعية.
وقد عرف الرومان أهمية اللفت، كما يبدو، قبل ذلك بقرون طويلة؛ إذ كان كايوس بيلينوس سيكوندوس المعروف بـ«بليني الأكبر» وبكتاباته في التاريخ الطبيعي في القرن الميلادي الأول، يعد اللفت أهم الخضراوات أو المحاصيل الزراعية في ذلك الزمن، وكان يضع ترتيبه بعد الحبوب وبعد الفاصولياء في جميع المناسبات، لأن فائدته تفوق فائدة أي نبات آخر، على حد قوله. وقد أشاد بليني باللفت، لأنه مصدر غذائي للماشية وحيوانات المزارع، وأكد أنه يمنع آثار المجاعة بالنسبة للبشر، لأن بإمكانه أن ينمو في أي تربة ويترك في الأرض حتى موسم الحصاد المقبل.
يتألف اسم اللفت الإنجليزي «ترنب» – Turnip من كلمتين؛ الأولى «ترن» – turn التي تدل على الاستدارة أو الشكل المستدير، و«نيب» - nepe الإنجليزية القديمة، أو «نابوس» اللاتينية أحيانا، التي تعني اللفت نفسه، في إشارة إلى اللفت السويدي.
أما أصل اللفت الذي يطلق عليه علميا اسم «Brassica rapa»، فتشير المعلومات المتوفرة، على الرغم من عدم توفر أدلة أثرية، إلى أن تاريخه يعود إلى 4 آلاف سنة، وأنه كان متوفرا ومستحصلا بكثرة في اليونان القديمة وأيام الإمبراطورية الرومانية، حيث كان البعض يخلطه بالعسل والكمون لتحسين طعمه.
من هنا جاء ذكر اللفت في كتاب الطبخ الروماني القديم المعروف «أبيشيوس»، Apicius في وصفات طبخ الطبقات العليا من الناس، مثل أطباق اللفت ولحم البط، واللفت والتوت، واللفت المسلوق والمقدم مع العسل والكمون والخل.
كما كان اللفت يزرع في الهند قديما على نطاق واسع للاستفادة من زيت بذوره.
لطالما اعتبر اللفت ومنذ أيام الرومان من الخضراوات أو الأطعمة غير المستحبة أو المكروهة لدى البعض لأنه كان يستخدم دائما علفا للحيوانات، ولأنه اعتبر دائما طعاما للفقراء والفلاحين، وارتبط اسمه بهم رغم أن الفرنسيين استخدموه في أحد أطباقهم الكلاسيكية المعروفة مع لحم الغنم. ويشير المؤرخون إلى أنه بعد انتقال اللفت من أوروبا إلى العالم الجديد في أميركا، بدأ العبيد من أصول أفريقية في الولايات الجنوبية استخدامه وطبخه مع العظام أو قطع اللحم الرخيصة لضروراته الغذائية ولطعمه الطيب؛ من هؤلاء العبيد انتقل استخدام اللفت إلى مطابخ الموظفين الأغنياء وأصبح أكثر شهرة وانتشارا بعدها.
ولا يزال الناس في البرازيل يكرهون اللفت منذ القرون الوسطى حتى يومنا هذا، ولهذا لا يزال رخيص التكلفة. ولا يختلف حال اللفت في شبه الجزيرة الآيبيرية حيث يرتبط اسمه بالفقر ويتحاشاه الأغنياء.
ولأنه كان مكروها، يقال إن الناس كانوا يقذفون باللفت على المتهمين والمجرمين في الساحات العامة أثناء مناسبات الإعدام والعقاب العام.
في لبنان وفلسطين وسوريا، يتم تخليل اللفت وصبغه بلون الشمندر الأحمر، ويتم تناوله على أنه من المقبلات، مثل بقية المخللات، إلى جانب الحمص والمتبل، وفي ساندويتشات الفلافل.. وغيرها. وفي تركيا وفي المناطق القريبة من أضنة يتم استخدامه لتحسين طعم عصير الجزر الأسود.
وفي العراق يؤكل اللفت أو الشلغم في اللغة المحلية مسلوقًا، ويتم بيعه على العربات من قبل الباعة المتجولين في الأسواق الشعبية في فصل الشتاء. وكذلك الحال في بلاد الشام، يحضرون المخللات أو الطرشي وأحد أنواع الشوربة المرغوبة في فصل الشتاء.
وفي الدول الاسكندينافية مثل السويد والدنمارك والنرويج إلى جانب هولندا، تم استبدال استخدام اللفت بالبطاطا بعد القرن الثامن عشر، وتم إدخال نوع جديد من اللفت السويدي أو ما يطلق عليه اسم الروتاباغا أو اللفتوت، وهو نوع هجين بين الملفوف واللفت، يمكن استغلاله للاستخدام البشري والحيواني، على حد سواء.
وفي اليابان يستخدم الناس اللفت مخللا وأحيانا مقليا ويتناولونه مع صلصة الصويا، ويعتبر جزءا لا يتجزأ من مواد مهرجان العشبات السبع.
وفي شمال شرقي إيطاليا يتناول الناس طبق البروفادو، وهو طبق يحضر من شرائح اللفت الناعمة مع تفل (جفت) العنب الأحمر.
وفي إيران، يستخدم الناس اللفت المسلوق والمملح للحماية من نزلات البرد وعلاجها، والسعال، والسبب في ذلك أن اللفت، خصوصا أوراقه، يحتوي على كمية كبيرة من فيتامين «سي». كما يستخدم اللفت في كثير من الأطباق البنجابية والكشميرية العادية واليومية.
وحول استخداماته الأخرى؛ أي الاستخدامات الطبية والتجميلية، درج الناس ومنذ قديم الزمان على استخدام اللفت لمعالجة نزلات البرد والسعال وبرد القدمين ووجع المفاصل وعلاج الحصبة والتخلص من تجاعيد الوجه. وجاءت تعليمات بعض هذه الاستخدامات في الكتب الرومانية القديمة.
أما حديثا، فيقال إن اللفت، خصوصا أوراقه، يحارب أو يحمي من مرض السرطان، وأمراض القلب، ويقوي المعدة، والجهاز الهضمي، أضف إلى ذلك الحماية من الالتهابات والأكسدة ودعم جهاز المناعة.



أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
TT

أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)

لا تبدو بعض الأكلات الشعبية المصرية قادرة على الصمود أمام زحف الأيام الرمضانية الأولى بموائدها العامرة وعزائمها التي تتبارى فيها الأسر احتفاءً بكرم الشهر الفضيل، فلا شيء يعلو فوق حضور «المحشي»، و«الملوخية»، وأطباق اللحوم والدواجن، بما تتيحه «الميزانية»، في استقبال عزيز لمدفع «الإفطار» بعد ساعات الصيام الطويلة.

في هذا السياق، تنزاح بعض الأطباق اليومية بامتياز مثل «الكشري» إلى الهامش، رغم مكانته الراسخة كأحد أكثر الأطباق شعبية في مصر، لينحسر مؤقتاً لصالح «الشهية» الرمضانية في مطلعها، فكما يرتبط «الفسيخ» بشم النسيم، و«الكعك» بالعيد، يرتبط «الكشري» عند كثيرين بنهايات شهر رمضان لا ببدايته، وكأن لكل موسم أطباقه، وشهيته الخاصة.

وحسب تعبير فاطمة القاضي، مُعلمة وربّة أسرة في الخمسين من عمرها، فإنه «في الثقافة الرمضانية المصرية لا يُنظر إلى الطعام بوصفه سداً للجوع وكسراً للصيام فحسب، بل تعبيراً عن الكرم و(اللمة)، لذلك لا يشتهي الصائمون في بدايات الشهر أطباقاً مثل الكشري أو الأسماك، ربما لارتباطها بالعطش، بينما يستقبل الناس أذان المغرب بالعصائر والطواجن والمقبلات، وعلى رأسها السمبوسك التي ترتبط بشكل خاص في المائدة المصرية بشهر رمضان».

وتضيف القاضي لـ«الشرق الأوسط»: «مع ضغط الأكل الدسم وساعات الطهي المرهقة في الأيام الأولى، نبدأ مع النصف الثاني من رمضان البحث عن أكلات أخف، وقد نكسر الروتين بطبق من السمك كنوع من التغيير».

الكشري ليس من الأطعمة المفضلة في بداية الشهر الفضيل بمصر (الشرق الأوسط)

ولا يبدو ارتباط بعض الأطعمة بالعطش مجرد انطباع عابر، بل يتصل بذاكرة جسدية متراكمة لدى الصائمين، فالكشري، بما يحويه من عدس وحمص وصلصة الطماطم التقليدية «المسبكة»، والبصل المُحمّر، يُنظر إليه كوجبة «حارة» بعد ساعات الصيام، بينما يرتبط السمك، خصوصاً المُملَّح والمُتبل بالثوم، بالعطش الممتد لساعات بعد تناوله، لذلك مع الأيام الأولى من رمضان، حين يكون الجسد لا يزال في طور التكيّف مع نظام الصيام، يميل كثيرون إلى تجنّب ما قد يُضاعف الإحساس بالجفاف في اليوم التالي، فتتقدّم الأطباق الغنية بالمرق والطواجن إلى الواجهة.

إقبال لافت على الأسماك في النصف الثاني من رمضان بمصر (فيسبوك)

وتنعكس تلك «الذائقة» الرمضانية أيضاً على حركة السوق؛ فيقول كمال السيد، أحد العاملين في محل لبيع الكشري بشارع جامعة الدول العربية بمحافظة الجيزة (غرب القاهرة): «بات من المألوف أن تُغلق محلات بيع الكشري خلال النصف الأول من شهر رمضان؛ لأن الناس عادة تعزِف عن تناول الكشري في مطلع الشهر، فيما نعاود العمل مع النصف الثاني منه، ليكون الكشري أحياناً وجبة سحور سريعة، وأحياناً يطلب منا القائمون على موائد الرحمن إمدادهم بالأرز أو المكرونة لوجبات الإفطار، لذلك تتغير ملامح نشاطنا خلال الشهر».

مصريون يلجأون للأسماك بعد الاعتماد على اللحوم في الأيام الأولى من رمضان (فيسبوك)

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «هناك محلات كشري تُغلق خلال شهر رمضان بأكمله، حسب قدرة صاحب المحل على تحمّل إجازة بأجر مدفوع للعاملين بها، خصوصاً في المطاعم الكبرى، ويستغل بعضهم أيام الإغلاق تلك كفرصة سنوية لصيانة المحل وتجديده استعداداً للموسم الأكبر للإقبال على الكشري، الذي يبدأ مع صلاة العيد مباشرة»، موضحاً: «الكشري في العيد الصغير يعد طقساً احتفالياً للإفطار، بعد شهر من الصيام والاشتياق».


«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
TT

«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)

في قلب جدة التاريخية، وعلى مقربة من سوق السمك، يقف مطعم البصلي للأسماك شاهداً على حكاية لم تبدأ مشروعاً تجارياً، بل حياة يومية تشكّلت حول البحر، وانتقلت من الأب إلى الأبناء، جيلاً بعد جيل.

قبل نحو سبعة وسبعين عاماً، أسّس والد عائلة البصلي مطعماً صغيراً لا يتجاوز طوله مترين ونصف المتر، في منطقة كانت تعيش على إيقاع الصيد والتجارة. لم يكن الاسم مخططاً له، بل خرج من تفاصيل المكان: سوق السمك، وحبة بصلة، واسم «البصلي» الذي التصق بالموقع قبل أن يصبح علامة يعرفها أهل جدة وزوارها.

كبر المطعم، لكن روحه بقيت كما هي. ومع مرور السنوات، تحوّل من مساحة ضيقة إلى عنوان ثابت في ذاكرة المدينة، في حين ظلّ البحر حاضراً في كل طبق يُقدَّم.

تعلُّم بالممارسة... لا بالوصفات

انتقلت المهنة داخل العائلة عبر الحضور اليومي في المكان، لا عبر وصفات مكتوبة أو تعليمات جاهزة. نبيل حامد، الذي تسلّم إدارة المطعم منذ أكثر من عشرين عاماً، تعلّم المهنة كما عاشها من سبقوه: من اختيار السمك في السوق، إلى تنظيفه، وطريقة طهيه، وتبديل الزيت، وحتى ترتيب الأطباق. كانت الخبرة تُبنى خطوة بخطوة، وتتراكم مع الوقت.

يقول إن الوصفات بقيت كما هي، وإن الاسم لم يتغير؛ لأن الزبائن يأتون بحثاً عن «طعم زمان»، الطعم الذي لم تحكمه موضة، ولم يتبدّل مع تغيّر الأذواق.

مرّ المطعم بمحطات دقيقة، خصوصاً مع التحوّل الذي شهدته جدة التاريخية، وانتقالها من منطقة تجارية إلى فضاء تراثي وثقافي وسياحي مسجل في قائمة «يونيسكو» للتراث العالمي. في تلك المرحلة، كان التحدي الأساسي هو كيفية الاستمرار من دون فقدان العلاقة بالمكان أو بالناس الذين اعتادوا عليه. ومع تزايد الإقبال وامتداد طوابير الانتظار، تبلورت قناعة بأن المطعم أصبح جزءاً من تجربة جدة التاريخية نفسها.

مطعم محلي ومحطة سياحية

ومع هذا الحضور المتراكم، لم يعد مطعم البصلي وجهة لأهالي جدة أو زوارها من داخل المملكة فقط، بل أصبح جزءاً من خريطة السياحة في المدينة، ومحطة تُدرج ضمن برامج زيارة جدة التاريخية. فكما تُزار الأسواق القديمة والمعالم، بات المطعم حاضراً في خطط كثير من القادمين إلى الحي.

الترانزيت الذي لم يكتفِ بالانتظار

ضمن هذا السياق، يروي نبيل حامد قصة مسافر بريطاني من أصول هندية، كان يمر عبر مطار جدة في رحلة ترانزيت لا تتجاوز خمس ساعات. سمع عن «البصلي» قبل وصوله، فقرّر أن يخرج من المطار، يتجه مباشرة إلى جدة التاريخية، يتناول وجبته، ثم يعود ليكمل رحلته.

قال لي: «عندي ساعتان فقط، وجئت خصيصاً لأجرب المطعم»، يذكرها كواقعة تعبّر عن تحوّل المكان إلى وجهة يُقصد لها، حتى في الرحلات العابرة.

اعتراف عالمي جاء بصمت

هذا الحضور لم يكن محلياً فقط. ففي عام 2025، نال مطعم البصلي جائزة أفضل مطعم سمك من مجلة Time Out العالمية، بعد زيارات متكررة قام بها فريق التقييم من دون تعريف مسبق، وفق آلية تعتمد على التجربة الفعلية والتصويت.

وبالنسبة للعائلة، جاءت الجائزة تتويجاً لمسار طويل حافظ فيه المطعم على طعمه وهويته، من دون أن يسعى إلى الشهرة.

جائزة تايم آوت العالمية التي حصل عليها مطعم البصلي لعام 2025 (الشرق الأوسط)

قديم وجديد... بلا قطيعة

اليوم، يعمل «البصلي» بصيغتين: مطعم قديم حافظ على شكله وروحه، وتجربة أحدث استوعبت الإقبال المتزايد. لم يكن التوسع رغبة في الانتشار، بقدر ما كان محاولة لتخفيف الضغط عن المكان الأصلي، مع الإصرار على أن يبقى الطعم واحداً.

نسبة كبيرة من الزبائن اليوم من خارج السعودية، إلى جانب عائلات جدة التي تؤكد، في كل زيارة، أن النكهة لم تتغير. بعضهم يقطع عشرات الكيلومترات، بل يزور المطعم مرات عدة في الأسبوع؛ بحثاً عن مذاق لا يجده في مكان آخر.

مأكولات بحرية يقدمها مطعم البصلي باهتمام دقيق بالتفاصيل (الشرق الأوسط)

السمك... التفاصيل تصنع الفارق

حين يُسأل نبيل حامد عن سر الاستمرارية، لا يتحدث عن التسويق، بل عن التفاصيل: نوعية السمك، نظافته، طريقة التعامل معه منذ خروجه من البحر وحتى وصوله إلى الطبق. ويؤكد أن الحضور اليومي في المطعم، ومتابعة الفريق، وسماع الملاحظات، كلها جزء من فلسفة العمل.

تحضير السمك الطازج داخل مطعم البصلي (الشرق الأوسط)

الماضي... أساس المستقبل

لا يرى «البصلي» المستقبل بعيداً عن الماضي. فالطعم الذي بقي لعقود هو ما منح المطعم شرعيته اليوم، وهو ما يدفعه للتفكير في أي خطوة قادمة بحذر، من دون أن يفقد المكان جذوره.

في مطعم البصلي، لا يُقدَّم السمك بوصفه وجبة فقط، بل بوصفه حكاية عائلة، وذاكرة مدينة، ودليلاً على أن بعض الأماكن تصبح جزءاً من السياحة... لأنها بقيت صادقة مع نفسها.


«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر
TT

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

في قلب حي مصر الجديدة بالقاهرة، الذي يجمع بين العراقة والرقي، يقع واحد من أهم المطاعم العائلية ذات التاريخ الطويل، هو مطعم Le Chantilly «لو شانتييه» الذي يقدم أطباقاً سويسرية ببعض اللمسات الأوروبية المتنوعة.

فيه يمكنك أن تستمتع بمذاقات مختلفة، يجمع بينها المطبخ السويسري الذي يتمتع بتاريخ يعكس التنوع اللغوي والثقافي والجغرافي لسويسرا.

ولا تقتصر خصوصية «لو شانتييه» على هذا الثراء في النكهات والمكونات، لكنه يُعد كذلك وجهة لاستعادة ذكريات رواده، واستدعاء لحظات دافئة من الماضي، فالمطعم الذي أُنشئ في نهاية عشرينات القرن الماضي يُعد من معالم الحي الهادئ.

داخل المطعم تلتقي بزبائن من مختلف الأعمار والفئات، بعضهم من كبار السن الذين اعتادوا تناول الإفطار من قائمة المعجنات والمخبوزات الموجودة في السلة، برائحتها المميزة، وأبرزها الباتيه و«لاوجن كرواسون» بالسالمون المدخن والجبن الأبيض، أو «حلومي بريس» التي تجمع بين خبز الشيباتا، والروكا، والريحان، والطماطم، والجبن الحلومي.

في «لو شانتييه» قد يفضل البعض اختيار أحد أنواع الكيك الذي يشتهر المكان بتقديمه ساخناً في الصباح، مثل «ماربل كيك»، أو «بسكويت كيك» أو «إنجلش كيك» بالـ«دراي فروت»، فضلاً عن الباتيه والكرواسون بالجبن أو سادة، وذلك مع القهوة في الصباح الباكر في منطقة «الأوبن إريا» الملحق بها تراس؛ ليستمتعوا بالشمس مع قراءة الصحف المتوفرة يومياً فيها باللغات الفرنسية، والإنجليزية، والعربية.

وينتظرهم كذلك الـcold cuts بأنواعها، مثل «كروك شانتييه» وهو خبز التوست الأسمر أو الأبيض باللحم الرومي المدخن مع الطماطم والفلفل وغراتين بالجبن مع البطاطس والسلطة الخضراء بالذرة، فضلاً عن ساندوتشات اللحم المدخن بصوص الفلفل، والتركي بالزعتر.

تقول مديرة المطعم السيدة جميلة لـ«الشرق الأوسط»: «(لو شانتييه) من أقدم المطاعم، بل الأماكن الموجودة على الإطلاق في حي مصر الجديدة، وهو وجهة لأبناء العائلات العريقة التي لا يزال معظمهم يعرف بعضهم الآخر». وتتابع: «حتى هؤلاء الذين هاجروا منذ عشرات السنوات فإنهم حين يعودون لزيارة مصر يأتون إلينا لطلب نفس الأطباق القديمة التي كانوا يطلبونها قبل؛ فقد حافظ المطعم على (كلاسيكيته) وأصالته وجودة الطعام بشهادة الضيوف».

دفء الأجواء

وتتابع بابتسامة: «بعض الزوار كانوا صغاراً إلى حد أنهم كانوا يشبون ليختاروا طلباتهم المفضلة من ثلاجة عرض الحلويات المخصصة (للتيك آواي)، الآن صاروا يصطحبون أحفادهم».

غالباً ما تعكس مطاعم المطبخ السويسري ثقافة جبال الألب الهادئة والدافئة؛ ولعل ذلك ما يفسر لنا بقاء هذا المطعم في وجدان أبناء حي مصر الجديدة؛ حيث يتميز بأجواء الترحاب والدفء المنزلي، مع عناصر ديكور ريفية مثل الأثاث الخشبي والمدافئ والأعمال الفنية المستوحاة من الجبال، وفي ظل هذه الأجواء الهادئة والمريحة يتناول رواد الطعام أطباقهم على مهل، كما لو كانوا في المنزل.

تنوع الأطباق

يقدم Le Chantilly قوائم متنوعة من الطعام، ما بين الإفطار والغداء والعشاء مع مجموعة واسعة من الجبن، بما في ذلك «فوندو الجبن السويسري».

ومن أشهر أطباقه شرائح الفيليه المشوية التي تقدم بطريقة «جنيفواز» بزبدة «الكافيه دي باري»، وتقدم مع السلطة المكونة من الخس بالمستردة، والخضراوات السوتيه والبطاطس. وكذلك يقدم طبق «فيل إسكالوب» مشوي بصوص المشروم الكريمي، مع «الجرين نودلز»، و«سكالوب بتلو» محشو بالجبن واللحم البقري المدخن.

ولعشاق البطاطس بنكهاتها المختلفة، فإن «لو شانتييه» هو وجهتهم؛ حيث تُعد مكوناً منتشراً بكثرة في المطبخ السويسري، وتُستخدم بشكل خاص في طبق «روشتي»، وهو طبق شعبي يُؤكل في جميع أنحاء سويسرا، لكنك يمكنك الاستمتاع به في القاهرة داخل هذا المطعم مع شرائح البتلو بصوص المشروم الكريمي، التي تقدم مع بطاطس «روشتي» أو شرائط المكرونة الخضراء.

أما محبو الدجاج فتنتظرهم قائمة طويلة، منها «جريلد تشيكن بريست»، «تشيكن ستروغانوف»، صدور الدجاج المحشوة بالجبن واللحم البقري المدخن، «جريلد تشيكن» التي يعلوها جبن الموتزاريلا الذائبة، وتقدم مع نودلز بالزبدة والخضراوات، إضافة إلى أنواع الحساء المختلفة.

السيدة جميلة (إدارة المطعم)

«السلمون ستيك»، «جريلد» أو «فريد فيش فيليه» مع صوص الليمون، «جريلد سلمون فيليه» مع صوص الشبت الكريمي، «ريد سي شريمب»، هي أطباق تنتظر عشاق المأكولات البحرية في المطعم.

والرائع أن المطبخ يتيح لك المزج بين اللحوم والدجاج أو الأسماك في طبق واحد، في تجربة طعام مختلفة، على سبيل المثال يمكنك اختيار طبق «بيف ميداليون» مع صوص الفلفل مع «التشيكن كوردون بلو»، أو الدجاج المشوي مع صوص المشروم الكريمي، أو «جريلد بيف فيليه» يعلوه الجمبري «البترفلاي» والـ«هيرب بتر صوص».

«الطعام الصحي»

يجد محبو «الطعام الصحي» ترحيباً داخل المطعم أيضاً عبر قائمة من السلطات المميزة ذات النكهات المتنوعة والدريسنج الشهي، ومنها «فيجي حلومي تشيز سالاد» وتتكون من جرجير، خضار مشوي، جبنة حلومي مشوية يعلوها الريحان، تقدم مع «الفيردي دريسنج».

وأيضاً، «كينوا سالاد» وتتكون من ميكس خس، كينوا، الطماطم الشيري، خيار، مكعبات البصل، نعناع وفاكهة الموسم، والإيطاليان دريسنج، أو «شيف سالاد»، وهو طبق غني من السلطات مع شرائح الدجاج والجبن واللحم البارد بصوص «ثاوزند آيلاند».

أما إذا كنت من هواة سلطات «السي فود» فينتظرك «سلمون كراب سالاد» ويتكون من «سلمون مدخن» يقدم على شرائح الكابوريا المتبلة بصوص ميكس الخس، الجزر والـ«ريد بينز»، أو «سويت كورن» تقدم مع «مايو ليمون دريسنج».

ويعيش المطعم مع المصريين في كل مناسباتهم السعيدة مثل الكريسماس من خلال تقديم أفخر أنواع الشوكولاتة والحلوى التي تتخذ أشكال بابا نويل وعربة الغزالة وغير ذلك، كما يقدم الكنافة والقطائف في رمضان، والكعك والبسكويت في عيد الفطر، وفق جميلة.

وتلفت: «يركز المطعم على الضيافة وتجربة تناول طعام مختلفة معاً، منذ اللحظة الأولى يفتح لك باب المحل عامل بأسلوب خاص يسوده التهذيب، وكذلك الجرسونات أيضاً».

وبالرغم من أن «لو شانتييه» مطعم عتيق، فإنه على العكس من المطاعم المماثلة يسمح بتوصيل الأطباق إلى المنازل، بل إنه من مطاعم الـ«كاترينج» حيث يرحب بتقديم الطعام للمناسبات والتجمعات الكبيرة مثل الحفلات، والمؤتمرات، وغيرهما. وذلك في مختلف أنحاء مصر «من الإسكندرية (شمال مصر) إلى أسوان (جنوبها)».