تغير ولاءات المتحاربين يُربك طرابلس

تحشيد ميليشياوي في العاصمة الليبية.. وهروب مئات العائلات إلى الصحراء

مقاتلان ليبيان في طرابلس
مقاتلان ليبيان في طرابلس
TT

تغير ولاءات المتحاربين يُربك طرابلس

مقاتلان ليبيان في طرابلس
مقاتلان ليبيان في طرابلس

دخلت «حكومة الوفاق» التابعة للمجلس الرئاسي إلى العاصمة الليبية طرابلس، أواخر العام الماضي، تحت حماية ميليشيات منتشرة في طرابلس، بعضها تعود أصولها للعاصمة، وبعضها تعود أصولها إلى مدينة مصراتة المشهورة بالحرب والتسليح القوي. ويقول المبعوث الأممي إلى ليبيا مارتن كوبلر إنه لا يمكن لأي حكومة أن تعمل اعتمادًا على الميليشيات. وراهنًا يوجد في طرابلس ما لا يقل عن عشرين ميليشيا كبيرة بالإضافة إلى عشرات المجاميع المسلحة الصغيرة التي تتخذ من الغابات المجاورة والضواحي البعيدة مقارّ لها. أما الميليشيات الكبيرة فلها تمركزات معروفة.
لا أحد ينام هنا. خرج طابور مكون من خمس سيارات مسلحة واقترب من مقر سجن الهضبة. في المبنى الضخم القريب من طريق مطار طرابلس الدولي المحترق، توجد عشرات من قادة النظام الليبي السابق. من بينهم رئيس مخابرات القذافي وآخر رئيس لحكومته، بالإضافة إلى رئيس جهاز الأمن الخارجي. خلال أقل من أسبوعين تحولت طرابلس إلى برميل بارود كبير. من يريد أن ينتقم ممن؟ كلٌ يضع يده على الزناد ويستعد لإطلاق النار وهو لا يأمن لمن يقف إلى جواره. إنها حروب الإخوة الأعداء. أما السلاح والبارود فمتوافر بلا حدود.
دارت السيارات الخمس حول المقر. هذه تبدو أنها طلعة استكشافية قبل محاولة لاقتحام مقر السجن. من يقف وراءها؟ هل هي قوات تابعة لوزارة الداخلية أم أنها قوات تابعة لوزارة الدفاع؟ وأين المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق التابعة له من كل هذا؟ وأين حكومة الإنقاذ المنافسة لها، برئاسة خليفة الغويل؟ في وقت متأخر من الليل ظهرت حركة غير طبيعية في العمارات المجاورة لمبنى السجن من الجهة الشرقية. لقد زاد عدد السيارات المسلحة من خمس إلى أكثر من عشرين كما بدا في وسط العمارات. وبدأت أقدام العناصر الملثمة التابعة للميليشيات تضرب على درجات السلالم. والتمركز على الأسطح.
وبالتوازي مع هذه التحركات الخاطفة والسريعة بدأ فريق آخر من الملثمين في الطرق على أبواب الشقق: اخرجوا.. اهربوا.. توجد حرب هنا. هيا.. هيا. كما أنتم، لا تأخذوا شيئًا لا يوجد وقت. احملوا صغاركم واهربوا فورا. ثم انقطعت الكهرباء عن منطقة الهضبة بالكامل.
في الشوارع المظلمة حيث الريح الباردة التي تضرب بقوة مقبلة من الشمال، تسللت عشرات العائلات وبدأت تهيم في الطرقات بحثا عن مخرج. من لديه أقارب سيذهب إليهم، لكن ما مصير الآخرين الذين لا أقارب لهم ولا أصدقاء يمكن أن يفتحوا لهم أبواب بيوتهم في هذا الوقت المتأخر والمخيف من الليل؟!

مَن يحارب مَن؟
من يحارب مَن؟ هذا سؤال تصعب الإجابة عنه. فالقوات التي يقودها عسكري قديم يدعى العقيد بادي، بدأت في الدخول إلى طرابلس. لكن لا حكومة التوافق ولا حكومة الإنقاذ المنافسة لها، ولا قادة سجن الهضبة التابعون اسميًا لوزارة العدل، يعلمون بوجهة قوات «بادي»، وما إذا كانت ستحارب مع هذا الفريق أو ذاك. إنها أيام المتاهة.. إنها ليلة طويلة لن ينام فيها أحد في طرابلس. أولا لديك فريق من الجماعة الليبية المقاتلة الموالية في الأصل لتنظيم القاعدة، يريد أن يهاجم سجن الهضبة الذي يديره قيادي في الجماعة نفسها يدعى «أبو حازم». لقد تحول أبو حازم، منذ شهور، إلى خصم لرفاقه القدامى، وهذا أمر شرحه يطول وسترد تفاصيله لاحقًا.
ولديك فريق ثان هو خليط من الجماعة المقاتلة ومن جماعة الإخوان ومن مجموعة الغرياني، أو المفتى الليبي السابق. وأكثر قادة هذا الفريق أصبح لديهم نزوع قوي للانتقام لمقتل أحد الدعاة المحسوبين عليهم، ويدعى الشيخ نادر العمراني. لقد قُتل العمراني في ظروف غامضة، لكن المسؤولية جرى تعليقها في عنق جماعة منافسة تعمل تحت لافتة وزارة الداخلية، رغم أنها لا تتبع الوزارة في أي شيء عدا الحصول على الرواتب الشهرية لعناصرها. بدأ الاحتشاد بين كثير من هذا النوع من الفِرق منذ أواخر الشهر الماضي. ومع بداية الشهر الحالي بدأ فتيل الحرب يشتعل في ضواحي في طرابلس. أصبح في الإمكان سماع دوي الانفجارات ورؤية ألسنة الدخان الأسود وهي تتمايل مع الريح فوق رؤوس العمارات.
أعادت الدبابات تمركزها في ضاحية أبو سليم، وظهرت طوابير السيارات الصغيرة ذات الدفع الرباعي والمحمول عليها مدافع من عيار 14.5 ملليمتر و23 ملليمترًا. وانفجرت عدة صواريخ من نوع «غراد» في محيط منطقة معيتيقة التي يوجد فيها مطار مدني وسجن وعدة معسكرات لجماعات مسلحة متنافسة. اشتعلت حدة الاشتباكات جوار فندق ريسكوس ومجمع قصور الضيافة ومنطقة بن غشير. وسقط حولي عشرة قتلى وأصيب عشرات آخرون.
شغل «أبو حازم» منصب وكيل وزارة الدافع الليبية عقب سقوط نظام القذافي. وفي الوقت الحالي يدير سجن الهضبة. وهو قادم في الأساس من الحرب ضد الاتحاد السوفياتي في أفغانستان. كانت له علاقات جيدة مع زملائه القدامى، ومن بينهم عبد الحكيم بلحاج، القائد السابق في طرابلس. ومن بينهم أيضًا سامي الساعدي، وعبد الوهاب قائد شقيق أبو يحيى الليبي الذي قتل في غارة أميركية في عام 2012 في باكستان. كل هؤلاء، وغيرهم، أعضاء لهم أهمية في الجماعة الليبية المقاتلة التي تأسست في أفغانستان في أواخر ثمانينات القرن الماضي. لكن خلال السنوات الخمس التي أعقبت مقتل القذافي أصبحت العلاقات فيما بينهم ليست على ما يرام في معظم الوقت. وتصل المنافسة فيما بينهم أحيانًا إلى درجة الاقتتال، كما حدث الأسبوع الماضي.

اختلاف الولاءات
ظهرت معظم المشكلات بين المجاميع المسلحة التي يديرها قادة من «الجماعة الليبية المقاتلة» بسبب اختلاف الولاءات في العاصمة، إذ إن الغالبية العظمى من قادة هذه الجماعة ينشطون فقط في طرابلس. ومن النادر أن تجد لهم مقاتلين أو تشكيلات مسلحة خارج العاصمة. على سبيل المثال كان المقاتلون التابعون لـ«الشيخ الساعدي» يعملون جنبا إلى جنب مع المقاتلين التابعين لـ«أبو حازم»، لكن مجموعة من أنصار الساعدي شاركت في عمليات لم يرض عنها «أبو حازم». كما أن موالين للساعدي أصبحت لديهم علاقات عسكرية قوية مع قادة في جماعة الإخوان. أضف إلى ذلك أن الساعدي مسؤول في دار الإفتاء التي يرأسها الغرياني.
الشيخ العمراني الذي قُتل قبل أسبوعين، كان محسوبا على جماعة الساعدي وعلى جماعة دار الإفتاء وعلى جماعة الإخوان المسلمين أيضًا. وهذا التيار لم يعد ينسجم مع التيار الذي يقوده «أبو حازم». أما أهمية هذا الأخير فتكمن في عدد السجناء الذين يخضعون لإدارته ونوعهم. غالبيتهم سجناء من عهد النظام السابق، لكن يوجد أيضًا سجناء من تيارات مختلفة. من بينهم سجناء تابعون لتنظيم داعش، جرى القبض عليهم أثناء قدومهم من منطقة الحرشة والزاوية إلى العاصمة. وتعد الحرشة والزاوية مناطق نفوذ لخليط من قادة المتطرفين. من بينهم فرع للجماعة الليبية المقاتلة بقيادة أبو المنذر. ومن بينهم فرع آخر يديره رجل خطير يدعى «هدية»، ولدى هؤلاء اتصالات وتنسيق مع فرع من فروع جماعة الإخوان في غرب طرابلس.
ومن بين الاتهامات الموجهة إلى «أبو حازم» أنه يستغل سجناء النظام السابق للتفاوض بشأنهم وتحقيق مصالح سياسية له. كما أن احتجازه لعناصر تابعة لجماعات أخرى جعل السجن في مرمى النيران. حين بدأت التحركات العسكرية على أرض طرابلس لم يكن أحد يعلم على وجه الدقة مَن يريد أن يهاجم مَن، ولماذا. المتهمون بقتل الشيخ العمراني كانوا يتحصنون في منطقة معيتيقة. والمتهمون بالتعاون مع قادة من النظام السابق يتمترسون خلف مواقعهم في منطقة الهضبة. والمتهمون بقتل مخزن أسرار أبو المنذر ويدعى «بوخشيبة»، يتحصنون في ضاحية «أبو سليم»، وهم متهمون أيضًا بالتعاون مع كل من تنظيم داعش وتنظيم جند الحق التابع له (في الحرشة والزاوية.
وفي الأول من الشهر الحالي، انطلقت مجموعة من السيارات المدججة بالمدافع والمقاتلين الذين يحملون الأسلحة الرشاشة وقذائف الـ«آر بي جيه»، إلى «أبو سليم». وبدأت الاشتباكات مع مجموعة محسوبة على الجماعة الليبية المقاتلة بقيادة رجل يدعى درمان. المشكلة هنا تكمن في أن مجموعة درمان لديها تعاون مع متطرفي «الحرشة والزاوية».. أي من «داعش» و«جند الحق». وهذان التنظيمان لديهما تعاون مع المجموعة المتمركزة في أبو سليم. كانت حرب متداخلة يتقاتل فيها رجال كانوا حتى عصر اليوم يتناولون طعام الغداء مع بعضهم بعضًا. والآن جرى اجتياح معسكر 77 وغابة النصر. لتشتعل النار بعد ساعات أمام بوابة سجن الهضبة.

صراع «الحكومتين»
وفي اليومين التاليين بدأ قادة سياسيون من المحسوبين على «اتفاق الصخيرات» والمجلس الرئاسي وحكومته يتخذون تدابير احتياطية لحماية ما تبقى من مقرات لهم في العاصمة. فقد كانت ميليشيات تابعة لحكومة الإنقاذ التي يرأسها الغويل، قد استولت على بعض المقار التابعة لحكومة الوفاق. ومن بين المشكلات التي يواجهها القادة السياسيون في طرابلس، سواء كانوا من المجلس الرئاسي أو من حكومة الإنقاذ، هي سرعة تغير ولاءات الميليشيات. فإذا لم يتمكن المجلس الرئاسي من صرف رواتب هذه الميليشيا، اتجهت بكشوف الصرف إلى حكومة الإنقاذ. ومن أشهر المجاميع التي فاجأت الطرابلسيين بتغيير ولائها بسبب تأخر الراتب، مجموعة ما يعرف بـ«الحرس الرئاسي» التي انتقلت بكل بساطة من حراسة مقار مجلس السراج إلى حراسة مقار الغويل.
غالبية الميليشيات تتقاضى رواتب من خزينة الدولة. وهذا النظام جرى وضعه على يد الحكومات التي جاءت بعد سقوط نظام القذافي. وكان الحكام الجدد الذين ظهروا في العاصمة منذ عام 2012 قد قرروا الاعتماد على الميليشيات في حماية المقار الحكومية والسفارات الأجنبية والمنشآت العامة وحراسة الحدود، في مقابل تخصيص ملايين الدولارات كرواتب شهرية لعناصر هذه الميليشيات.
وفي الحرب الأخيرة ظهر في الخلفية تنافس بين المجلس الرئاسي وحكومة الإنقاذ على شراء ولاءات الميليشيات بتخصيص أجولة من الدولارات لقائد هذه الميليشيا أو تلك. ويقول كوبلر إن العاصمة بصدد تشكيل حرس نظامي يتولى حماية المقار الحكومية والسفارات والمنشآت المهمة. ووجد البرلمان الليبي الذي يعقد جلساته في شرق البلاد الفرصة ليقول قبل يومين إنه لا يمكنه أن يتعامل مع مجلس رئاسي يعتمد على ميليشيات.
إلا أن الواقع على الأرض يتغير سريعًا. فبمرور الوقت وتراجع درجة الثقة في المتحاربين داخل طرابلس، أرسل عدد من القادة المحسوبين على اتفاق الصخيرات والمجلس الرئاسي طالبين النجدة من أبناء عمومتهم في مدينة مصراتة ذات التسليح القوي. كان معظم مقاتلي مصراتة يحاربون تنظيم داعش في سرت، تحت اسم «قوات البنيان المرصوص». وصدرت الأوامر: «تعالوا لنجدتنا في طرابلس. اتركوا سرت وتعالوا». كيف هذا.. والحرب لم تنته بعد في سرت؟! وجرى التوجيه بإصدار بيان يعلن انتهاء القتال في سرت وتطهيرها من «داعش». وهو أمر أغضب كثيرًا من القادة العسكريين في «البنيان المرصوص». لكن هذا لم يمنع من توجيه أرتال من جبهة سرت لحماية مقار المجلس الرئاسي في طرابلس.
وفي الشوارع، كانت النيران تشتعل في العاصمة. وسمع صوت قذائف المدفعية في منطقة بن غشير. ثم ارتفع هدير الانفجارات في ضاحية أبو سليم. وغطى الدخان الأسود سماء المدينة.
يشغل العمراني عضوية دار الإفتاء الليبية. وتعرض في مطلع الشهر الماضي للاختطاف. وأبدى عدد من قيادات الجماعة الليبية المقاتلة تعاطفًا. وشارك بعضهم في ندوة تدعو إلى سرعة الإفراج عنه بحضور ابنته، سارة، التي ألقت كلمة مؤثرة أبكت بعض الحاضرين. لكن جرى بعد ذلك بنحو ثلاثة أسابيع بث شريط فيديو يتضمن اعترافات من أحد الشهود على واقعة قتل العمراني على يد إحدى الجماعات المحسوبة اسميًا على وزارة الداخلية التابعة للمجلس الرئاسي.
ولم يستغرق حشد المقاتلين للانتقام وقتًا طويلاً. فجأة بدأت التحركات في مناطق اسبيعة وسوق السبت وسوق الخميس. وقامت قوة مسلحة مشتركة، تضم عناصر من كتائب طرابلس ومصراتة، ومحسوبة على الغرياني بمداهمة مبنى جهاز مكافحة الجريمة الموجود في منطقة اسبيعة. وتتهم الجماعة المحسوبة على الغرياني أحد مسؤولي الجهاز بقتل العمراني بسبب خلافات في التوجه الديني.
وبدأت قوات الردع المستهدفة من قوات الغرياني تستعد للدفاع عن نفسها في قاعدتها الرئيسية في منطقة «امعتيقه» والمناطق والطرق المحيطة بها. وأخرجت أسلحتها الثقيلة. ومن الجانب الآخر احتشدت قوات تابعة لـ«بادي» في منطقة صلاح الدين وطريق المطار. وبالتزامن مع هذا دخلت السيارات الخمس لاستطلاع منطقة الهضبة تمهيدًا للهجوم على السجن. لم يكن عليها أي شيء يدل على هويتها أو تبعيتها لأي كتيبة أو ميليشيا. وجرى على الفور تحريك الدبابات إلى باب المقر، وزيادة عدد الحراسة حول السجن ونشر القناصين وتزويد أفراد الحراسة في أبراج السجن بقذائف «آر بي جيه».

البُعد القَبَلي
الذي أسهم في صب مزيد من الزيت على نيران طرابلس، من الخفاء، مجموعة سياسيين كانوا يخشون على ما يبدو من اتهامهم بالوقوف وراء حرب أخرى كانت تدور رحاها بالدبابات بين قبيلة القذاذفة وقبيلة أولاد سليمان في سبها على بعد 600 كيلومتر جنوب العاصمة. من بين ما ظهر من اجتماعات جرت حول هذا الموضوع أن أي اشتباكات في طرابلس من شأنها أن تبعد الأنظار عن سبها وما يجري فيها من اقتتال. وزادت وتيرة التحركات العسكرية في العاصمة خصوصًا قرب منطقة اسبيعة. وبدأت التحذيرات للمواطنين من خطورة التحرك في الطرق والشوارع. وعمم المجلس البلدي في منطقة غريان، غرب طرابلس تنبيها للمواطنين القاطنين في الجبل الغربي من مغبة استخدام طريق اسبيعة في حال توجههم للعاصمة.
ودعا الغويل الليبيين إلى الوحدة وقطع الطريق على من سماهم بالعابثين بأمن الوطن والمواطن. وأصدر أعضاء في المجلس الرئاسي بيانات مماثلة. لكن مَن يسمع؟! لقد وصف أحد هؤلاء الأعضاء قياديًا ميليشاويًا بأنه «لن يستمع للتحذيرات.. إنه يفقد عقله حين يستمع لصوت الرصاص». وبدأ القلق يصل إلى الدول الكبرى. وتلقى رئيس المجلس الرئاسي فايز السراج اتصالات للاطمئنان. وظهرت طائرة مراقبة أجنبية ذات لون أبيض في سماء العاصمة. طائرة معروفة من دون طيار.
مع هذا اشتعلت الاشتباكات في عدة مناطق. كان هناك خوف من جانب بعض الميليشيات المحسوبة على «الإخوان» وعلى عدد من قادة الجماعة المقاتلة، من تهريب «أبو حازم» لسجناء الهضبة. وفي اليوم التالي تمكنت إدارة السجن من تحديد هوية السيارات الخمس التي تستطلع الأوضاع في منطقة السجن. إنها لمجموعة تاجوراء. والآن تمركزت هذه السيارات أمام بوابة مبنى التموين المقابل للسجن. وبدأ الرماة يجهزون قواذف الـ«آر بي جيه» للرد. لكن السيارات تراجعت واختفت داخل المنطقة السكنية حيث تتمركز باقي قواتها هناك. وصدرت تعليمات بملاحقتها والقبض على من فيها. وبدأت المطاردات ليلاً داخل منطقة العمارات.
وخلال ذلك أصدرت القوات التي تتمركز داخل عمارات الهضبة وعمارات صلاح الدين، تعليمات للسكان بمغادرة بيوتهم. وفعلت ذلك بينما كانت عناصرها تحتل الأسطح وتحولها إلى مواقع للقناصين. وخرج تحت جنح الليل وفي ريح الشتاء الباردة أكثر من 230 عائلة بأولادهم وأطفالهم، وتوجهوا إلى الوديان الجنوبية، لينضموا إلى عدة مئات من أهالي طرابلس الهاربين من الاحتراب الميليشياوي في العاصمة.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.