الاقتصاد الصيني يواصل النمو والتوسع

تحسن في الإنتاج والتجارة والاستثمارات الخارجية

جانب من أحد المصانع في العاصمة الصينية بكين (أ.ب)
جانب من أحد المصانع في العاصمة الصينية بكين (أ.ب)
TT

الاقتصاد الصيني يواصل النمو والتوسع

جانب من أحد المصانع في العاصمة الصينية بكين (أ.ب)
جانب من أحد المصانع في العاصمة الصينية بكين (أ.ب)

شهد الأسبوع الماضي كثيرًا من الإعلانات والبيانات التي توضح نموًا كبيرًا للاقتصاد الصيني، وتوسعًا ملحوظًا لنشاط الشركات الصينية خارج الديار. وختم الأسبوع بتراجع الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب عن أسلوبه العدائي في الحديث عن الصين، التي لا تزال تحتفظ بفرص جيدة للاستمرار في قيادة النمو العالمي.
وكشفت بيانات رسمية صدرت أمس الجمعة، ارتفاع مؤشر أسعار المنتجين في الصين، الذي يقيس معدل التضخم في مبيعات الجملة خلال شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، إلى أعلى معدل له خلال خمس سنوات، وعلى نحو يفوق توقعات المحللين الاقتصاديين.
وأفادت هيئة الإحصاء الصينية بأن المؤشر سجل زيادة سنوية بنسبة 3.3 في المائة، في أعلى معدل منذ أكتوبر (تشرين الأول) عام 2011. كما ارتفع مؤشر أسعار المستهلكين، وهو مؤشر آخر رئيسي لقياس معدلات التضخم في البلاد، بنسبة سنوية بلغت 2.3 في المائة في نوفمبر الماضي. وأفادت وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا) بأن عوامل مثل ارتفاع أسعار الفحم والصلب ربما تكون قد أسهمت في حدوث الارتفاع.
ووصل معدل نمو الاقتصاد الصيني في عام 2015 إلى 6.9 في المائة، وهو أدنى معدل نمو للبلاد خلال ربع قرن.
هذا كما زادت الواردات الصينية بأسرع وتيرة في أكثر من عامين في نوفمبر بدعم الطلب القوي على السلع الأولية مثل الفحم وخام الحديد، في حين زادت الصادرات على نحو غير متوقع بفعل ارتفاع الطلب العالمي.
وأظهرت بيانات رسمية أول من أمس الخميس، زيادة الواردات 6.7 في المائة على أساس سنوي، بينما كانت توقعات الاقتصاديين أن تنخفض 1.3 في المائة، وهذه أقوى زيادة منذ سبتمبر (أيلول) 2014. وزادت الصادرات 0.1 في المائة على أساس سنوي، وهو ما يخالف أيضا التوقعات بتراجعها خمسة في المائة.
وقالت الإدارة العامة للجمارك، إن هذا يعني أن الفائض التجاري في ذلك الشهر بلغ 44.61 مليار دولار مقابل توقعات لفائض تجاري 46.30 مليار دولار، ومقارنة مع 49.06 مليار دولار في أكتوبر.
وتوقع محللون استطلعت «رويترز» آراءهم انخفاضا أكثر تواضعا في صادرات نوفمبر بعد تراجعها 7.3 في المائة في أكتوبر، وتوقعوا انخفاض الواردات بنفس الوتيرة تقريبا.
غير أن واردات الصين من السلع الأولية الرئيسية التي تشمل خام الحديد والنفط الخام والفحم وفول الصويا والنحاس، زادت جميعها من حيث الحجم في نوفمبر، رغم الضعف الحاد في اليوان.
واستوردت الصين 91.98 مليون طن من خام الحديد في نوفمبر بزيادة 13.8 في المائة عن الشهر السابق، وذلك في ثالث أعلى معدل شهري مسجل. واستوردت بكين أكبر حجم من الفحم في 18 شهرا لتلبية ارتفاع الطلب في الشتاء، وزادت واردات النحاس 31 في المائة حيث خزن التجار كميات أكبر من المعدن مع ازدهار الطلب في قطاع البناء.
وقالت الإدارة العامة للجمارك، إن الصين استوردت 32.35 مليون طن من النفط الخام في نوفمبر مقابل 28.79 مليون طن في الشهر السابق بزيادة 12.4 في المائة، وزادت واردات المنتجات النفطية 13.6 في المائة إلى مليوني طن، في حين زادت الصادرات 19.2 في المائة إلى 4.85 مليون طن.
ووصل إجمالي حجم التجارة الخارجية الصينية خلال نوفمبر الماضي على أساس سنوي إلى 2.35 تريليون يوان (نحو 342 مليار دولار). وتساهم الصادرات بنصيب ضئيل في نمو الاقتصاد الصيني منذ بداية العام الحالي، حيث بلغ معدل النمو الاقتصادي خلال الأشهر التسعة الأولى من العام 6.7 في المائة، بفضل الاستثمارات في مجال البنية التحتية بشكل أساسي.
ومنذ انضمام اليوان لسلة عملات صندوق النقد الدولي، واستحواذه على حصة من «حقوق السحب الخاصة»، عملة صندوق النقد الدولي وكثير من المؤسسات الدولية، لم تعد الصين تستخدم طريقتها القديمة في إضعاف اليوان بغرض دعم الصادرات.
وتراجعت احتياطيات الصين من النقد الأجنبي للشهر الخامس على التوالي في نوفمبر، لتصل إلى أدنى مستوى في نحو 6 سنوات، حيث وصلت إلى أدنى مستوى منذ مارس (آذار) 2011، إذ تسعى السلطات جاهدة لدعم اليوان المتراجع أمام الدولار الآخذ في الارتفاع.
وأظهرت بيانات البنك المركزي الأربعاء الماضي أن الاحتياطيات انخفضت 69.06 مليار دولار في الشهر الماضي إلى 3.052 تريليون دولار بعد انخفاضها 45.7 مليار دولار في أكتوبر.
وتوقع خبراء اقتصاد استطلعت «رويترز» آراءهم انخفاض الاحتياطيات 30 مليار دولار إلى 3.091 تريليون دولار مقابل 3.121 تريليون دولار في نهاية أكتوبر.
ويعتقد على نطاق واسع أن البنك المركزي باع دولارات لدعم اليوان الذي هبط لأدنى مستوى في 8 أعوام ونصف العام، في نوفمبر.
وقال مشغل منصة تداولات الصرف الأجنبي الصينية، أمس الجمعة، إن الصين اتفقت على السماح بالتداول المباشر لعملتها اليوان مع 7 عملات أجنبية.
وقالت شبكة تداولات الصرف الأجنبي الصينية، في بيان بموقعها على الإنترنت، إن التداول المباشر مع العملات السبع التي منها الكرونة النرويجية، والبيزو المكسيكي، والليرة التركية، سيبدأ في 12 ديسمبر (كانون الأول).
وخارج الديار شهد الأسبوع الماضي عددا من صفقات الاستحواذ لشركات صينية، حيث وافقت الحكومة الأسترالية، أمس الجمعة، على بيع أكبر إمبراطورية للماشية في البلاد إلى سيدة الأعمال جينا رينهارت وشركة استثمار عقاري صينية.
وجاء تصريح البيع بعد أن منعت الحكومة الأسترالية مجموعة «شنغهاي بنغشين» الصينية من شراء مزرعة الماشية الضخمة «كيدمان» قبل 13 شهرا لأسباب تتعلق بالأمن القومي.
يشار إلى أن المزرعة الممتدة على مساحة 101 ألف كيلومتر مربع، تقع بجوار منشأة بالغة السرية لاختبار الأسلحة في وسط أستراليا. وقالت الحكومة إنه لا ينبغي أن يكون ذلك في أياد أجنبية، وتم التغاضي عن ذلك السبب بعد أن قالت عائلة مزارعين مجاورة إنها ستشتري المناطق المثيرة للجدل.
وستترأس جينا رينهارت، أغنى شخص في أستراليا، وأغنى امرأة في العالم، بثروة تقدر بـ12 مليار دولار، اتحادا ماليا جديدا لشراء ما تبقى من مزرعة كيدمان، وتملك مجموعة «شنغهاي سي آر إي دي ريال استيت ستوك» ثلث الاتحاد المالي.
وعلى مدار 117 عاما، كانت عائلة كيدمان ترعى الماشية على أراض تمتد عبر وسط وشمال أستراليا، وتصدر اللحوم إلى اليابان والولايات المتحدة وجنوب شرقي آسيا. وفي نفس السياق قال البنك المركزي الصيني أمس الجمعة، إنه كلف فرع دبي للبنك الزراعي الصيني بمهام بنك المقاصة لليوان في الإمارات العربية المتحدة، وخلا البيان الذي نشره بنك الشعب الصيني بموقعه على الإنترنت من أي تفاصيل إضافية.
ومن شأن اتفاقيات مقصات العملة أن تسهل عمليات الاستثمار والتجارة المتبادلة بين البلدين.
ووقعت الصين خلال نوفمبر اتفاق مبادلة عملة بقيمة 2.7 مليار دولار مع مصر، ما دعم الاحتياطي المصري، ومكنها من الحصول على الموافقة النهائية على قرض بقيمة 12 مليار دولار من صندوق النقد.
وتستفيد الصين من هذا الاتفاق أيضا، حيث سيتم تمويل صادراتها إلى مصر عبر «اليوان» المُقدم إلى مصر، كما ستستفيد من «الجنيه» في تنفيذ استثماراتها في مصر. و2.7 مليار دولار، هي نفس تكلفة استثمارات «الشركة الصينية لهندسة الإنشاءات» التابعة للدولة، في المرحلة الأولى من أعمالها في العاصمة الإدارية الجديدة، خلال الثلاث سنوات المقبلة. هذا إضافة إلى 18 مشروعا تدرس الصين تمويل تنفيذها في مصر في مجالات الكهرباء والصناعة والنقل، وفقا لاتفاق وُقع في منتصف 2016 بين الحكومتين.
وأول من أمس الخميس، قالت «ناشيونال جريد» البريطانية إنها اتفقت على بيع حصة تبلغ 61 في المائة من شركتها البريطانية لتوزيع الغاز إلى مجموعة من المستثمرين تضم «سي آي سي كابيتال» الصينية، في صفقة تقدر بنحو 13.8 مليار إسترليني (17.5 مليار دولار).
وأضافت «ناشيونال جريد» التي أعلنت للمرة الأولى عن خطط بيع حصة في الوحدة العام الماضي، أنها ترغب في إعادة جزء من القيمة التي حققتها في الشبكات إلى مساهميها. وفي إطار الصفقة ستجري إعادة أربعة مليارات إسترلينية عبر مزيج من إعادة شراء الأسهم وتوزيع نقدي خاص.
تأتي الصفقة في وقت يخضع فيه الاستثمار الخارجي في قطاع البنية التحتية البريطاني للتدقيق. وتخدم شبكات الغاز نحو 11 مليون شخص في شرق إنجلترا وشمال لندن والشمال الغربي وغرب ميدلاند.
كانت «إس إس إي» ثاني أكبر شركة لتوزيع الطاقة في بريطانيا، قد اتفقت في أكتوبر على بيع ثلث حصتها البالغة 50 في المائة في شركتها الإقليمية لتوزيع الغاز «إس جي إن» إلى جهاز أبوظبي للاستثمار مقابل 621 مليون إسترليني. وعند اكتمال صفقة اليوم، تحصل «ناشيونال جريد» على 3.6 مليار إسترليني على شكل سيولة من «الكونسرتيوم» لتحوز حصة أقلية تبلغ 39 في المائة في شركة قابضة جديدة، ويضم «الكونسرتيوم» الذي يدعى «كواد جاس جروب» كلا من «ماكواري إنفراستركشر آند ريل أسيتس» و«أليانز كابيتال بارتنرز» و«هيرمس أنفستمنت مانجمنت» و«سي آى سي كابيتال» وجهاز قطر للاستثمار، وغيرهم.



لاغارد لترمب: أوروبا استيقظت... وسنمضي قدماً «بمَن حضر»

لاغارد خلال مشاركتها في منتدى دافوس الشهر الماضي (أ.ف.ب)
لاغارد خلال مشاركتها في منتدى دافوس الشهر الماضي (أ.ف.ب)
TT

لاغارد لترمب: أوروبا استيقظت... وسنمضي قدماً «بمَن حضر»

لاغارد خلال مشاركتها في منتدى دافوس الشهر الماضي (أ.ف.ب)
لاغارد خلال مشاركتها في منتدى دافوس الشهر الماضي (أ.ف.ب)

لم يكن خروج رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، المفاجئ من مأدبة عشاء منتدى دافوس الشهر الماضي مجرد تعبير عن غضب عابر، بل كان رسالةً سياسيةً واضحةً تعكس الضيق الأوروبي من نبرة واشنطن الجديدة، وإعلاناً مبكراً عن ولادة نهج أوروبي جديد لا يقبل التوبيخ ولا ينتظر الإجماع. فبينما كان وزير التجارة الأميركي، هوارد لوتنيك، يشنُّ هجوماً حاداً على سياسات القارة العجوز وطاقتها، قرَّرت رئيسة البنك المركزي الأوروبي أن «الصمت لم يعد خياراً»، فغادرت القاعة متبوعة بشخصيات قيادية أخرى، في مشهد اختصر حالة «الطلاق النفسي» والتوتر المتصاعد بين ضفتَي الأطلسي.

وفي مقابلة موسَّعة مع صحيفة «وول ستريت جورنال»، حوَّلت لاغارد ذلك الموقف الاحتجاجي إلى عقيدة عمل سياسية؛ مؤكدة أن القارة قد استيقظت بالفعل على وقع ضغوط إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وقرَّرت «المضي قدماً بمَن حضر». ومن خلال تبني استراتيجية «تحالفات الراغبين»، تسعى لاغارد إلى تحرير القرار الأوروبي من قيود التبعية والبيروقراطية، لتعلن رسمياً أن أوروبا الجديدة ستبني مستقبلها بعيداً عن الوصاية، أو انتظار الموافقات الجماعية المعطلة.

ففي إطار سعيها لكسر الجمود الاقتصادي، حثت لاغارد الحكومات الأوروبية على الاعتماد على ما أسمتها «تحالفات الراغبين» لدفع الإصلاحات الاقتصادية المتعثرة منذ زمن طويل. وتتبنى لاغارد رؤيةً جريئةً ترى أن الاتحاد الأوروبي لا يحتاج بالضرورة إلى إجماع الدول الـ27 للمضي قدماً؛ بل يمكن لمجموعات أصغر من الدول أن تقود قاطرة التغيير في ملفات حيوية، مثل توحيد أسواق رأس المال.

واستشهدت رئيسة البنك المركزي بتجربة «منطقة اليورو» التي تضم 21 دولة فقط دليلاً قاطعاً على نجاح التكامل العميق دون الحاجة إلى الإجماع الشامل، قائلة بوضوح: «ليس لدينا الـ27 دولة حول الطاولة، ومع ذلك، فإن النظام يعمل بنجاح». وترى لاغارد أن هذا النموذج هو المَخرج الوحيد لتجاوز «عنق الزجاجة» السياسي في بروكسل.

وفي رسالة شديدة اللهجة وجَّهتها للقادة الأوروبيين هذا الشهر، حدَّدت لاغارد 5 إصلاحات عاجلة تحت عنوان «وقت العمل»، شملت توحيد التنظيمات الشركاتية، وتنسيق الإنفاق على البحث والتطوير، مؤكدة أن تنفيذ نصف هذه الإصلاحات فقط كفيل برفع إمكانات النمو الاقتصادي في أوروبا بشكل مذهل.

إرث التغيير

منذ توليها رئاسة البنك المركزي الأوروبي في 2019، خاضت لاغارد معارك داخلية لتغيير ثقافة المؤسسة؛ فكان أول قرار رمزي لها هو استبدال الطاولة البيضاوية لتحل محلها طاولة مستديرة لإلغاء التراتبية بين أعضاء المجلس الـ25. ورغم البدايات الصعبة التي اتسمت ببعض الارتباك في الأسواق، فإنها نجحت في قيادة البنك لخفض التضخم إلى مستويات أدنى من المستهدف البالغ 2 في المائة دون التسبب في أزمات ديون في دول هشة مثل إيطاليا.

وتطمح لاغارد في سنواتها الأخيرة بالمنصب إلى تحويل اليورو إلى «عملة عالمية حقيقية» قادرة على المنافسة بوصفها عملة احتياط دولية، خصوصاً مع ازياد التساؤلات حول دور الدولار في ظل سياسات ترمب. وتؤكد لاغارد أن هذا الأمر «لا يحدث بالخطابات، بل بالعمل الجاد»، مشيرة إلى توسيع مرافق «الريبو» لتشمل البنوك المركزية العالمية، في رسالة ضمان بأن «السيولة باليورو ستكون متاحة دائماً لمَن يتعامل بها».

سيادة رقمية

تعد «السيادة الرقمية» حجر زاوية آخر في إرث لاغارد المرتقب، حيث تدفع بقوة نحو إطلاق «اليورو الرقمي» العام المقبل. والهدف بالنسبة إليها ليس مجرد مواكبة التكنولوجيا، بل تقليل اعتماد أوروبا على الشركات الأميركية الكبرى مثل «فيزا» و«ماستر كارد» في معالجة المعاملات المالية الأوروبية، وضمان استقلالية النظام المالي للقارة.

ومع اقتراب نهاية ولايتها في أبريل (نيسان) 2027، تتردَّد تقارير حول إمكانية استقالتها المبكرة لمنح الرئيس إيمانويل ماكرون فرصة اختيار خليفتها قبل الانتخابات الفرنسية. ورغم رفضها التعليق المباشر، فإنها أكدت أن «مهمتها لم تنتهِ بعد»، مشيرة إلى رغبتها في تعزيز ما أنجزته ليكون «صلباً وموثوقاً». وبينما تلوح في الأفق خيارات مستقبلية مثل قيادة «منتدى الاقتصاد العالمي»، تظل لاغارد حالياً مركز الثقل الذي يراقب العالم من فرانكفورت، محاولةً حماية «قارتها» من رياح التغيير المقبلة من الغرب.


الولايات المتحدة واليابان تقودان تحركاً استراتيجياً لأمن الطاقة في المحيطين

زوار يلتقطون صوراً لأزهار البرقوق المتفتحة في ضريح يوشيما تينجين في طوكيو (أ.ف.ب)
زوار يلتقطون صوراً لأزهار البرقوق المتفتحة في ضريح يوشيما تينجين في طوكيو (أ.ف.ب)
TT

الولايات المتحدة واليابان تقودان تحركاً استراتيجياً لأمن الطاقة في المحيطين

زوار يلتقطون صوراً لأزهار البرقوق المتفتحة في ضريح يوشيما تينجين في طوكيو (أ.ف.ب)
زوار يلتقطون صوراً لأزهار البرقوق المتفتحة في ضريح يوشيما تينجين في طوكيو (أ.ف.ب)

حددت واشنطن يومي الرابع عشر والخامس عشر من مارس (آذار) المقبل موعداً لانعقاد «المنتدى الوزاري والتجاري لأمن الطاقة في منطقة المحيطين الهندي والهادي» (IPEM) في العاصمة اليابانية طوكيو.

ويأتي هذا الإعلان، الذي كشفت عنه السفارة الأميركية يوم الأحد، ليمهد الطريق لتعاون استراتيجي واسع بين واشنطن وحلفائها الإقليميين؛ حيث يسعى «المجلس الوطني للهيمنة على الطاقة» من خلال هذا الحدث إلى بناء جسور جديدة للتعاون في واحدة من أهم المناطق الاقتصادية في العالم.

وتهدف إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب من خلال هذه القمة إلى تعزيز أمن الطاقة عبر شراكات موثوقة ومستدامة، تضمن استقرار سلاسل التوريد، وتفتح آفاقاً رحبة للاستثمارات المشتركة، بما يواكب الطموحات الاقتصادية لدول المنطقة، ويؤسس لمستقبل طاقي أكثر أماناً وازدهاراً.

وأوضح بيان صادر عن السفارة الأميركية في طوكيو، أن الشهر المقبل سيشهد وصول وفد أميركي رفيع المستوى إلى طوكيو، يضم أركان «عقيدة الطاقة» في إدارة ترمب؛ حيث يترأس الوفد وزير الداخلية ورئيس المجلس الوطني للهيمنة على الطاقة، دوج بورغوم، ويرافقه وزير الطاقة ونائب رئيس المجلس كريس رايت، بالإضافة إلى مدير وكالة حماية البيئة لي زيلدين.

ومن المقرر أن يعقد هؤلاء المسؤولون لقاءات مكثفة مع ممثلي ما يقرب من 12 دولة من منطقة المحيطين الهندي والهادي، تتركز حول صياغة رؤية مشتركة لأمن الطاقة، تتوافق مع أهداف الأمن القومي الأميركي والحلفاء.

ويُعد هذا المنتدى ثمرة تعاون استراتيجي تشارك في استضافته وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة اليابانية (METI) والمجلس الوطني للهيمنة على الطاقة في الولايات المتحدة، وبدعم من وكالة التجارة والتنمية الأميركية، ووزارات «الخارجية» و«التجارة» و«الداخلية».

رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي خلال مؤتمر صحافي في مكتب رئيس الوزراء في طوكيو (أ.ب)

برنامج المنتدى ومساراته الاستراتيجية

وتتمحور أجندة المنتدى حول دمج مفاهيم الأمن القومي بأمن الطاقة، من خلال جدول أعمال مكثف يمتد ليومين، يهدف إلى تحويل الحوارات السياسية إلى مشروعات استثمارية ملموسة.

وتنقسم الأجندة إلى مسارات متوازية تجمع بين القطاعين العام والخاص، مع التركيز على بناء سلاسل إمداد مرنة وموثوقة بعيداً عن الاعتماد على القوى المنافسة:

يركز المسار الأول من الأجندة على تأمين سلاسل التوريد وتقنيات الطاقة النظيفة، لضمان استمرارية تدفق موارد الطاقة والتقنيات الحيوية. ويهدف النقاش إلى استكشاف سُبل حماية المسارات البحرية والبرية للإمدادات، مع التركيز على «تقنيات الطاقة الموثوقة» التي تضمن للدول الحليفة استقلالاً ذاتياً، بما في ذلك تطوير الهيدروجين، والطاقة النووية المتقدمة، وتقنيات التقاط الكربون، بوصفها حلولاً تضمن أمن الطاقة والنمو الاقتصادي في آنٍ واحد.

وفي المسار الثاني المتعلق بفتح آفاق الاستثمار وتمويل البنية التحتية، تُخصص الأجندة مساحة واسعة لربط صناديق الاستثمار بمشروعات الطاقة الكبرى. والهدف هو إيجاد آليات تمويل مبتكرة تكسر حواجز المخاطر، ما يُشجع القطاع الخاص على ضخ رؤوس الأموال في مشروعات الربط الكهربائي ومحطات الغاز الطبيعي المسال، لتصبح المنطقة وجهة جاذبة للاستثمارات الأميركية واليابانية المباشرة.

أما الجلسات المغلقة، فستبحث التعاون الوزاري وتوحيد المعايير السيادية؛ حيث يجتمع الوزراء لصياغة معايير مشتركة لـ«حوكمة الطاقة» تتماشى مع «عقيدة الهيمنة» التي تروج لها واشنطن، بما يضمن منع استخدام الطاقة بوصفها أداة للابتزاز السياسي.

ولا تقتصر الأجندة على الموارد الطبيعية، بل تمتد لتشمل «رأس المال البشري». ويركز هذا المحور على برامج التدريب والتعاون التقني لنقل الخبرات من الولايات المتحدة واليابان إلى الدول النامية في المحيطين الهندي والهادي. ويهدف هذا التوجه إلى إيجاد جيل من المهندسين والخبراء القادرين على إدارة منشآت الطاقة الحديثة، ما يعزز الاستدامة طويلة الأمد للاتفاقيات الموقعة خلال المنتدى، ويضمن ولاءً تقنياً واقتصادياً للمحور الغربي.

وعلى الرغم من الطابع التعاوني للمنتدى، فإنه ينعقد وسط تحديات جيوسياسية واضحة وتدابير معقدة في سوق الطاقة، لعل أبرزها ملف الغاز الروسي. فمن المتوقع أن يلقي هذا الملف بظلاله على المحادثات، خصوصاً بعد أن كانت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي قد أبلغت ترمب في وقت سابق بصعوبة فرض حظر شامل على استيراد الغاز الطبيعي المسال الروسي، نظراً للاحتياجات الطاقية الملحة لليابان، وهو ما يجعل من قمة طوكيو المقبلة منصة حاسمة لمحاولة التوفيق بين متطلبات الهيمنة الأميركية على الطاقة والواقعية الاقتصادية للحلفاء الآسيويين.


خطة الـ150 يوماً... كيف استعاد ترمب سلاحه الجمركي عبر ثغرة قانونية لم تُختبر من قبل؟

ترمب يتحدَّث مع الضيوف خلال مأدبة عشاء المحافظين في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض (إ.ب.أ)
ترمب يتحدَّث مع الضيوف خلال مأدبة عشاء المحافظين في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض (إ.ب.أ)
TT

خطة الـ150 يوماً... كيف استعاد ترمب سلاحه الجمركي عبر ثغرة قانونية لم تُختبر من قبل؟

ترمب يتحدَّث مع الضيوف خلال مأدبة عشاء المحافظين في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض (إ.ب.أ)
ترمب يتحدَّث مع الضيوف خلال مأدبة عشاء المحافظين في القاعة الشرقية بالبيت الأبيض (إ.ب.أ)

في تحرك استراتيجي سريع يهدف إلى احتواء تداعيات «الهزيمة القضائية» المدوية أمام المحكمة العليا، أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، فرض رسوم جمركية عالمية جديدة بنسبة 15 في المائة على الواردات الداخلة إلى الولايات المتحدة كافة، لتدخل حيز التنفيذ فوراً. وتأتي هذه الخطوة لتعويض نظام الرسوم السابق الذي أبطلته المحكمة، حيث استند البيت الأبيض هذه المرة إلى أدوات قانونية نادرة الاستخدام تهدف في جوهرها إلى شراء الوقت وإعادة ترتيب أوراق الإدارة التجارية في مواجهة الخصوم والحلفاء، على حد سواء.

لجأ ترمب في هذا المسار الجديد إلى المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974، وهي أداة قانونية لم يسبق استخدامها لفرض رسوم جمركية واسعة النطاق من قبل. وتمنح هذه المادة الرئيس الحق في فرض رسوم تصل إلى 15 في المائة لمعالجة العجز التجاري الكبير أو مشكلات ميزان المدفوعات، لكنها تأتي مع قيود زمنية صارمة؛ إذ لا تسري هذه الرسوم إلا لمدة 150 يوماً فقط، ما لم يوافق الكونغرس على تمديدها، وهو أمر يرى الخبراء أنه سيمثل تحدياً سياسياً كبيراً للإدارة.

تحولات مثيرة

وعلى الرغم من إعلان نسبة الـ15 في المائة الجديدة، فإن التقديرات الاقتصادية الصادرة عن مختبر الموازنة في جامعة ييل، تشير إلى تحولات مثيرة في معدل التعريفة الفعلي. فبينما كان هذا المعدل يصل إلى 16 في المائة قبل حكم المحكمة العليا، انهار ليصل إلى 9.1 في المائة فور صدور الحكم، ومن المتوقع أن يرتفع مجدداً ليستقر عند 13.7 في المائة بعد تطبيق الرسوم الجديدة. وهذا يعني أن الضغط الجمركي الحالي، رغم قوته، فإنه يظل أقل بكثير من ذروته في العام الماضي، حين بلغت الرسوم على الصين وحدها نحو 145 في المائة بموجب النظام الذي تم إبطاله، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

المستهلك الأميركي الأكثر تضرراً

أما على صعيد التكلفة والمعيشة، فقد كشفت التقارير عن أن المستهلك الأميركي لا يزال الطرف الأكثر تضرراً من هذه الحروب التجارية. إذ أكد بنك «الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك أن الشركات والمستهلكين في الولايات المتحدة تحملوا أكثر من 90 في المائة من تكاليف الرسوم طوال عام 2025. وقد تجلى ذلك بوضوح في بيانات التضخم لشهر يناير (كانون الثاني)، التي أظهرت ارتفاعاً ملموساً في أسعار السلع المتأثرة بالرسوم، مثل الأجهزة المنزلية، والأثاث، والسيارات الجديدة؛ مما دفع بعض الشركات إلى تجميد التوظيف والاستثمارات؛ نتيجة حالة عدم اليقين السائدة.

وفي محاولة لتخفيف وطأة هذه الرسوم على الشركاء الاستراتيجيين، حافظ ترمب على مساحة للمناورة من خلال قائمة من الإعفاءات والاستثناءات. وتظل المنتجات المقبلة من كندا والمكسيك بمأمن تام بموجب اتفاقات التجارة الحرة القائمة، كما تشمل الاستثناءات السلع الضرورية للأمن القومي أو التي يصعب تصنيعها محلياً، بالإضافة إلى الأدوية، والمعادن الحرجة، والمنتجات الدفاعية، وذلك لضمان عدم تضرر القطاعات الحيوية داخل الولايات المتحدة.

وتمثل المادة 122 في نهاية المطاف مجرد بداية لاستراتيجية أوسع، حيث يخطط البيت الأبيض لاستخدام أدوات قانونية أكثر ديمومة في المستقبل القريب. ومن بين هذه الخيارات المادة 232 لفرض رسوم على قطاعات مُحدَّدة مثل الصلب والألمنيوم، والمادة 301 التي تتيح فرض رسوم دائمة في حال إثبات ممارسات تجارية غير عادلة. إن لجوء ترمب لهذا المسار القانوني غير المُختَبر هو بمثابة استراتيجية «شراء وقت» بامتياز، تهدف للحفاظ على زخم الضغوط التجارية العالمية ريثما يتم بناء إطار قانوني جديد يصمد أمام التحديات القضائية المرتقبة.